نافذة صغيرة على الحبّ

في ذلك المساء البارد والخفيف، جلس الحب مستريحاً تحت النافذة. أدام تأمل كل ما حوله. البيوت بأضوائها الخافتة. العابرون فرحاً كأنهم في سيرهم يرتفعون شبراً عن الارض. إنفعالات الاطفال التي تجتاز النوافذ المقفلة. أو ربما أنصت السمع إلى عجوزين يتكئان إلى بعضهما وهما خارجان من الكنيسة. عجوزان عندما شعرا أنهما باتا أكثر اطمئناناً أنهما أمضيا ما يكفي من العمر، دنت الزوجة من زوجها ورفعت عقيرتها قليلاً: أحبك! لماذا تنظر إليّ هكذا؟ نعم، أحبك، لن أخجل بهذه الكلمة بعد كل هذا العمر!

 أحبك! لماذا تنظر إليّ هكذا؟ نعم، أحبك، لن أخجل بهذه الكلمة بعد كل هذا العمر!
أمس هبط الليل خفيفاً. حظّي منه، على غير عهدي به، أنه جاءني رقيقاً رهيفاً. حطّ أمامي مثل فراشة. الأضواء التي أشحت وجهي ناحيتها، من النافذة الصغيرة إلى جانبي، إنكشفت لي خافتة كأنها تومض على استحياء. لكنها كانت، هناك، خلف النوافذ والشرفات التي تتوزع أمام عيني مثل نجوم مبعثرة، محمّلة بالكثير من الدفء. وراء تلك النجوم أناس يعيشون الحبّ الآن. همست لنفسي. "هذه الليلة ليلة حبّ". قلت فيما أنا أستحضر أطياف أولاد ينظرون بصبر يشارف على النفاد، إلى الهدايا التي تستقر أسفر شجرة الميلاد. يمرّ وقتهم ثقيلاً، لكنه مشبع بمتعة الشوق والمفاجأة. الانتظار جميل.

قرع الاجراس يعلو. يرتقي مثل يمامة تجهد لشق فضاء الليل الساكن. يرتفع الصوت كأن عليه أن يعانق السماء. "اليوم، اليوم فقط، طريق الصوت معبّدة للسماء"، حدثت نفسي مغمض العينين. إبتسمت ثم نهضت إلى النافذة. الكنيسة تتراءى لي مثل ظلّ. جدرانها التي تتناوب عليها الظلمة والنور، أحالتها على هيئة سرّ.

لكنها لم تكن سرّاً. الكنيسة، ذلك البناء الذي أعاينه صامتاً أغلب الوقت، كانت في أكثر مواعيدها بوحاً. دنوت من النافذة أكثر. الهواء بارد يخزّ الوجه مثل إبر. وبعدما رأيتني أطلت التحديق لأعثر على جسد واحد يجتاز العتمة المكحلة بالبرودة إلى الكنيسة أو منها، قلت في نفسي إن في الكنيسة الآن نفراً قليلاً من الناس. هذا البرد سيء حتى لزم أكثرهم البيوت. أما أولئك الذين خلف الجدران، وراء هذا الابيض الباهت الذي يكسوها، لا بد أنهم يقفون في صفوف ويتمتمون بالصلوات. أعرف بعضها وحفظته. لا بدّ أن بين الحاضرين صغاراً أيضاً. أجسادهم أحيطت بأكسية سميكة تقيهم البرد. أمهاتهم جئن بهم للتبرك بميلاد المسيح، ومن يدري، ربما بعضهن أتين بهم لإيفاء نذر.

الشارع المبلل بماء المطر، يلتمع من مشحات النور الخجولة التي تتكسر عند منبسطه ويستقر فتاتها برّاقاً. في طول الشارع بزغت ثلاثة أجساد تتبختر في مشيها. تتسابق والفرح. تشبك أياديها بيده، تتقدمه قليلاً ثم تفلته، وعندما تشعر أنها صارت بعيدة منه، كانت ترفع الفتاة جرساً صغيراً وتروح تقرعه. يتوقف الفرح مكانه حتى يصبحوا متحاذين. تطلق الفتاة ضحكة واسعة ثم تندفع قليلاً للأمام. الجسدان يلحقان بها. جسد واحد يقبلها على خدها. يضحكان. الفرح معهما. يضحك هو الآخر ويمشي يتراقص.

ثلاث فتيات أخريات طلعن فجأة، من تلك الزاوية الداكنة التي في مدى النافذة الصغيرة. كأنهن خرجن من سرداب زمن مجهول. كنّ يمشين ويتوقفن. لبسن ما يكفي ليكشح عن أجسادهن البرد. يمسكن المثلجات. يتذوقنها ويضحكن بين لعقة وأخرى، كأن ملذات الدنيا جميعها تناهت صغيرة بين أيديهن الطرية.

في ذلك المساء البارد والخفيف، جلس الحب مستريحاً تحت النافذة. أدام تأمل كل ما حوله. البيوت بأضوائها الخافتة. العابرون فرحاً كأنهم في سيرهم يرتفعون شبراً عن الارض. إنفعالات الاطفال التي تجتاز النوافذ المقفلة. أو ربما أنصت السمع إلى عجوزين يتكئان إلى بعضهما وهما خارجان من الكنيسة. عجوزان عندما شعرا أنهما باتا أكثر اطمئناناً أنهما أمضيا ما يكفي من العمر، دنت الزوجة من زوجها ورفعت عقيرتها قليلاً: أحبك! لماذا تنظر إليّ هكذا؟ نعم، أحبك، لن أخجل بهذه الكلمة بعد كل هذا العمر!

المسيح وأمه خلفهما يبتسمان.

في ذلك المساء، دشّن الحبّ موقده واستراح.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم برنامج "حكاية أديب".

إقرأ للكاتب

عباس بيضون: كل شيء ينتهي بالاعتياد

امتهن الكتابة منذ الصغر. كان يرى الكتب في كل مكان. عباس بيضون، الذي بالرغم من انقطاعه عن الكتابة...

محمّد علي شمس الدين: مُتعة النص القَلِق

منذ أول نص خطّه، بدأ الشاعر اللبناني محمّد علي شمس الدين بتشييد علاقة خاصة بكل ما كتبه ويكتبه....

علوية صبح: أخاف فقدان ما ألفته

وجدت ملاذها في الورق. ربما الأمر كان تعويضاً عن عاطفة. كتبت نصّها الأول وكانت في التاسعة، لكنها...

مهى بيرقدار: الورقة سماء، فكيف أغادرها؟

لم تتخل مهى بيرقدار عن الورقة والقلم. "العمر ما عاد محرز"، تقول الشاعرة السورية بعد مسيرة أدبية...

ورق ودواة... متعة تندثر

النصوص التي تُخَطّ اليوم إلكترونياً، تظل حاضرة في المخيّلة وكأنها كُتبت بواسطة الورقة والقلم....

جودت فخر الدين: الورقة والقلم، مسبكا النص الدافىء

ليس للنص شخصيته إذا لم يكن مرئياً لصاحبه. إذا لم يكن مجبولاً بروحه. أن يتأمل الكاتب تعرّجات...