الأدب بين الرفيقين كاسترو وماركيز

يروي الزعيم الكوبي الراحل " كاسترو" في مقال نشره عام 2002 عن محاولات اغتيال تَعَرَّضَ لها كان لماركيز دور في نَجَاتِهِ منها أثناء وجوده في "كارتاجينا" في كولومبيا حيث حال وجود ماركيز دون تحقيق المُرتزقة المأجورين هدفهم في اغتيال كاسترو بواسطة بنادق مزوّدة بعدسات مُقرّبة وأسلحة أوتوماتيكية أُخفيَت في مواضع لا تقع عليها العين.

كاسترو وماركيز
كوبا تتفرّد بأنها الحُضن الثوري لعديدٍ مِن عباقرة الأدب والرواية في العالم.

هذا التفرّد يُعبِّرعن خُصوصية القائد فيديل كاسترو كمُثقّفٍ ثوري حيث يبقى الإجماع من كافة هؤلاء الأدباء والصحفيين والروائيين على علاقة مُلهِم الثُوّار بعالم الكتاب والقِراءة النهِمة دلالةً خاصة جذبت إليه كَل هؤلاء المُبدِعين ومنهم ، غابرييل ماركيز والفيلسوف الفرنسي"ريجيس دوبريه" الذَّي درس الفلسفة في المدرسة العُليا الفرنّْسِّية وتوجَّهَ مُباشرَةً بعد تخرُّجِه إلى كوبا لِينضمّ إلى المُناضل الأُممي تشي غيفارا ويدخل السِجن في بوليفيا بسبب دعمه للثُوار الشيوعيين، ولم يخرج منه إلا بعد حملة دولية داعمة  قادها الفيلسوف جان بول سارتر، فخرج بعد أربع سنوات ليتوجّه من هناك إلى تشيلي ويلتقي الزعيم سلفادور ألليندي والشاعر بابلو نيرودا.في إطلالة على سِحر العلاقة بين القائد  الكومندانتي أو "الحصان"، الإسم المُحبّب لكاسترو، والذِّي كان رفاقهُ ينادونَه به مع  "ماركيز"، يبقى موضوع علاقة كاسترو بالأدب واسعاً ومُتشعّباً يحتاجُ إلى بحثٍ متعمّقٍ في إطار الدور الهام لهذه العلاقة في التأكيد على ولع كاسترو الثائر بغذاء الروح " الثقافة ". خاصَّة على ضوء اعتراف كاسترو لاحقاً إلى إِحدى الصُحف الكولومبية بأنهُ لو كان ثَمَّة تناسخ أرواح لتمنَّى أن يكون كاتباً مِثل صديقه ماركيز..

 وتعود بِداية العلاقة بين كاسترو الزعيم السِّياسي الأُممي و جنرال الرواية اللاتينية وأسطورة الأدب العالمي إلى عام 1948، حيث يَذْكر "كاسترو" إنه التقى "ماركيز" في تظاهرةٍ في كولومبيا احتجاجاً على مجازر الحكومة ضِدّ الفلاحين هناك. وكان ذلك خلال مؤتمرٍ لِطلابِ أميركا اللاتينية أُقيمَ في كولومبيا وقتها، وتطوّرت العلاقة إلى صداقةٍ مُميّزة عندما حلَّ "ماركيز" في العاصمة الكوبية لتغطية  ثورة "كاسترو"، من خلال فرع "بوغوتا" في وكالة أنباء كاسترو برنسالاتينا، لِتستمرَ صداقة الرجلين حتى موت ماركيز الذي أدمى قلب كاسترو. وتتمحورالانتقادات حول هذه العلاقة التي وصِفَت باللغز وغير العادية والأكثر إِثارةٍ للجدل في جِهات كانت ترى في كاسترو زعيماً دكتاتورياً. وكان ماركيز دوماً جاهزاً للرّدِ على مُنتقدِيه، ففي تصريحٍ لصحيفة الـ (تيامبو) في بوغوتا لم يصْمُتْ "ماركيز " طويلاً  ولم يرَ في الصداقة التي تَرْبُطَهُ بالرئيس الكوبي ما يسْتحقُّ الإنْتِقاد ككاتبٍ كبير وقف إِزاءَ الحُرية والعدل وحقوق الإنسان، يقول ماركيز: "لا أملك أنْ أُحْصِي عدد المُنشقّين والمُتآمرين  الذِّين ساعدتهم على مدى عِشرين عاماً، وفي صمت مُطلق على الخروج من السجن أو الهجرة من كوبا، مؤكّداً أنَّ العديد منهم لا يعرف ذلك، أمَّا الذين يعرفون، فإن راحة البال والضمير تكفيني". وعبَّر "ماركيز" عن جوهر العلاقة المُتفرّدة بين القائد والروائي، بالتأكيد على أن كاسترو هو إنسان استثنائي  قبلَ أنْ يكون قائداً ثورياً وزعيماً مُختلفأ.  فهو عاشق للقراءة، ويقرأ بشكلٍ نهِمٍ وأنَّ جلساتهما سوياً كانت تنْصبُ غالباً على الحديث عن القراءة والكتابة، وتعْكِسُ اختيارات "كاسترو" للكتب على نحو جيّدٍ مدى اتّساع أذواقه ولا شئ يُوضِحُ كما يقول " ماركيز كيف يكفيه الوقت ولا بأيِّة طريقة يخدمه لهذا القدر من القراءة وبتلك السُرعة الهائلة على الرُغم من إصرارهِ على أنًه ليسَ لديهِ أي أمر خاص. ولا يغفِل ماركيز عن الإشارة إلى ميزة الظرافة التي يتمتّع بها كاسترو، واصفاً حُضوره بالساحر الذي لا يقاوم  كحال جاذبة لِلكُتّاب والصحفيين والمُبدِعين، خاصة المُرتبِطين بالبيئة اللاتينية.
ومِن جانبٍ آخر، كان" ماركيز" يطلب من "كاسترو" قراءة بعض مخطوطات مُؤلّفاته  قبل نشرها لِمعرفة رأيه. ومن المعروف أن كاسترو كان مُعجباً بأعمال ماركيز خاصة " خريف البطريرك " وكتب عنه مرة قائلاً: "إن ماركيز ساحر وسحره يكْمُنُ في أنه يجعلُ مِن الأشياء حالةً عجيبةً في حدثٍ لا يُصَّدق وإني أحسده على بداهته الأدبية هذه". وفي المُقابل وثّق التاريخ العبارة العميقة في توصيف الروائي الفذّ لكاسترو حين قال: " إن كاسترو رجل بصبرٍلا يُمكِنْ هزَّه وانْضِباطٍ حَدِيديْ لا يَتَزعْزَعْ، ومُخيّلةٍ واسعةٍ تَقْهرُ كلَّ الصِعَاب". وقد كان لهذهِ المحبَة بين كاسترو وماركيز أثراً مُهدّداً لحياة الأخير حيث أقرَّت واشنطن أن مكتب التحقيقات الفيدرالي تجسَّس لنحوِ رُبْعِ قرن على "ماركيز" منذ عام 1961، حين وصل ماركيز وزوجتهُ وإبنهُ الرضيع إلى نيويورك كمُراسلٍ لوكالة الأنباء الكوبية.

 وَوَرَدَ في رُدود الأفعال حول الوثائق التي نَشَرَتَها صَحِيفة "واشنطن بوست" في أيلول /سبتمبر عام 2015 بأن عمل ماركيز لصالح مؤسسة كوبية وقُرْبه من "كاسترو" كان كفيلاً بوضْعِهِ تحت مُرَاقبةٍ  تواصلت 24 عاماً، حيث إاسْتَمَرَّت عملية كتابة التقاريرعنه حتى بعد أن حاز جائزة نوبل للآداب.

ومِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يروي الزعيم الكوبي الراحل " كاسترو" في مقال نشره عام 2002 عن محاولات اغتيال تَعَرَّضَ لها كان لماركيز دور في نَجَاتِهِ منها أثناء وجوده في "كارتاجينا" في كولومبيا حيث حال وجود ماركيز دون تحقيق المُرتزقة المأجورين هدفهم في اغتيال كاسترو بواسطة بنادق مزوّدة بعدسات مُقرّبة وأسلحة أوتوماتيكية أُخفيَت في مواضع لا تقع عليها العين. كذلك الأمر خلال القمة الأيبيرية الأميركية في كولومبيا، حين حذّرت قوات الأمن كاسترو مِن قَلَقِهِا مِنْ مُشَاركَتِه في جولةٍ تجُرُها الخيول على هامش القمة، حيث نادى "كاسترو" على "ماركيز" وقال له : إِرْكَبْ معنا حتى لا يُفَكِّرُ أحدٌ بإطلاقِ النارِ علينا مُلتفتاً إلى "مرسيدس"  زوجة ماركيز وضاحكاً، لَعَّلك "ستكونين الأرملة الأكثر شباباً ". ويُذْكَرْ أن لماركيز كتاباً شاملأً عن كوبا بعنوان " كوبا في زمن الحِصار" عبّر خلاله عن افتتانه بالجزيرة، تضمّن مقالات كان لها صدى كبير لن يكون آخرها مقاله  الساخرعن "الكوكاكولا " وعن رحلة همنغواي عملاق الرواية  في أميركا.  

همنغواي توطّدت علاقتُهُ  بكوبا التي أقام فيها ما بين عامي 1939 و1960، وفيها كَتَبَ روايته الشهيرة "الشيخ والبحر" عام 1952، التي نالت جائزة "بوليتزر" الأميركية في العام نفسه، قبل أن يحصل على نوبل في عام 1954، واعتبرها كثير من النقّاد "رواية كوبية بامتياز، وكان لكوبا  كما يقول همنغواي بُعدٌ مكاني  مُلهم له ووصفها في رواية تلال أفريقيا الخضراء بالجزيرة الطويلة والجميلة والتعيسة، كما كتبَ فيها روايته العبقرية " لمن تقرع الأجراس " وعلى الرغم مِنْ أنَّ همنغواي غادَرَ كوبا بعد عامٍ من الثورة، إلا أنّه أكَّد دائماً إنْهُ أحّبَ كوبا قبل الثورة وبعدها، وكان يجدُ في أجواء الجزيرة منبعاً للكتابة خاصة رواية الصّياد العجوز "سنتياغو" الباحث دوماً عن صيده الثمين رغم خيباته المُتكرّرة في صِراع الحياة والإرادة، ويُقال أنَّ المُسِّنين في هافانا ما زالوا يُسمّونه إلى اليوم " بابا " وهو اللقب الذي عُرِف به بين سكان كوبا والذي يُدْحِضُ ما أُشيع بأنه هرب منها بعد الثورة،  كما أنّه من المعروف أن كاسترو أهداه بيتاً في هافانا وإن كان ركزّالبعض بأن همنغواي لم يُعلن تأييده لكاسترو بعد الثورة، إلا إِنَّه لم يتردّد كما هو معروف في إطلاق تصريحات صحافية نارية وصف فيها الديكتاتور باتيستا بـإبن الزانية. وفي جانب الاهتمامات الأدبية كشف "كاسترو" خلال مقابلة معه أن واحداً مِنْ كُتُبِهِ المُفضّلة لهمنغواي رواية "لمن تقرعُ الأجراس "التي تروي قصة الشاب الأميركي "روبرت" وترافقه في رحلته  لتفجير أحد الجسور في إسبانيا خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وقد عاش كاسترو في رحلة قراءتها  حياة الثوّار بين الجبال والوديان وتفاصيل البيئة الرائعة للشخصيات والأحداث، حماسهم ويأسهم،  قُوّتهم وضعفهم،  ضحكهم وبكاؤهم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نجوى ضاهر

كاتبة

إقرأ للكاتب

المُتلاعبون بالعقول ودور الإعلام المُضاد

قال مالكوم إكس إن وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، وانطلاقاً من هذا التعريف...

عن غسّان كنفاني الثائر والأديب

الجيل الّذي لم يتسنَّ له رؤية المناضل والسياسي غسّان كنفاني تواصل مع إنتاجه الإبداعي الغزير من...

ذكرى سليمان خاطر.. فدائي فلسطين

.. وتتوغّل حكاية الوجع ليتحوّل القبطان إلى إنسان مُتّهم بالجنون وإصدار حكم المؤبَّد عليه، لأنه...