الوهّابية والإخوان: الحرب الناعِمة

تبدو تشعّبات الأزمة مع قطر وغموض أفقها، خاصة بعد انزياحها نحو التدويل. رغم أن جلّ المواقف التي أعلنت عنها السعودية وحتى الإمارات، ما برحت تقرّ أن الهدف من الإجراءات المُتّخذة ضدّ الدوحة هو الضغط عليها لتغيير سلوكها وليس نظامها السياسي.

هكذا سيناريو ليس في صالح الغرب، الذي يريد جاهداً الحفاظ على النماذج السياسية القائمة وتأبيد حكمها
 لا شكّ أن الحرب الناعمة، الناشئة بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة ثانية، تأتي في سياق إعادة تشكيل الخريطة الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، تماشياً مع الإرادة الأميركية الجديدة، التي تسعى جاهدة إلى الحد من تمدّد التيّارات الإسلامية الراديكالية، التي أضحت تُشكّل خطراً استراتيجياً مُدمّراً، ومنها تنظيم الإخوان المسلمين، الذي استطاع إيجاد موطئ قدم وازن في حضن العرش الأميري القطري.

ذلك أن هذا الصراع، في الواقع، تجلٍّ من تجلّيات الصراع الناشئ على النفوذ من داخل "المنظومة السنّية" بين الوهّابية وتنظيم الإخوان المسلمين منذ زمن بعيد؛ حيث تعود جذوره إلى الاختلاف بين الطرفين على المستوى الإيديولوجي؛ فالصراع تاريخي بين الوهّابية(الملكيين) والإخوان(الجمهوريين)؛ إنه صراع حول تفسير وتأويل العقيدة، ومن ثم حول السياسة وإدارة شؤون الحُكم؛ ما قد يفضي إلى تبلور بدائل سياسية مُتطرّفة، في موقع استراتيجي حيوي رغم ضعف نماذجه السياسية وتقليديّتها، تخلخل المنظومة الأمنية والاقتصادية وكذا السياسية في إمارات الخليج؛ خاصة تلك التي تفتقد الدعامات الإيديولوجية المُتماسِكة، مثل الإمارات. 
هكذا سيناريو ليس في صالح الغرب، الذي يريد جاهداً الحفاظ على النماذج السياسية القائمة وتأبيد حكمها؛ حتى يستمر في حل جزء من أزماته على حساب ثرواتها مقابل ضمان أمنها. وهو ما تجلّى بشكل واضح في قمّة الرياض، التي كان من مخرجاتها، مواجهة المدّ الإخواني والحدّ من تغلغله؛ خاصة في دول الخليج. هكذا قرار كانت قد طالبت به الإمارات منذ سنوات، بعد إعلانها عن تفكيك عدّة خلايا إخوانية. لذلك استطاعت اليوم إلى جانب القاهرة إقناع الرياض بجدوائية هذه الخطوات، في ظلّ ظرف دولي مُعادٍ للإرهاب، وهو ما وجدت فيه السعودية فرصتها التاريخية للقضاء على غريمها الإيديولوجي، بالتوازي مع محاولاتها الحد، ولو مرحلياً، من توهّجها السلفي المُنفلت من عِقال مملكتها. 

     من خلال ما تقدّم، تبدو تشعّبات الأزمة مع قطر وغموض أفقها، خاصة بعد انزياحها نحو التدويل. رغم أن جلّ المواقف التي أعلنت عنها السعودية وحتى الإمارات، ما برحت تقرّ أن الهدف من الإجراءات المُتّخذة ضدّ الدوحة هو الضغط عليها لتغيير سلوكها وليس نظامها السياسي. إلا أن حجم هذه الإجراءات وحِدَّة المواقف المُعلنَة، تبرز عمق الأزمة وخطورة الأهداف الثاوية خلفها؛ ومنها تحميل قطر، وحدها، عبء تمويل ودعم التنظيمات الإرهابية؛ والهدف ها هنا رأس حماس؛ خاصة بعد تغييرها لقيادتها السياسية، وتجفيف مصادر تمويل الإخوان المنتشرة في الشركات والجمعيات الخيرية، في الخليج.

  هذا التصدّع في الحلف الإقليمي الداعم للاقتتال الداخلي في سوريا وليبيا واليمن والعراق، ستستفيد منه الذوات السياسية الوطنية في هذه الأقطار، بعد انحسار نفوذ المجموعات الإرهابية وتطاحنها في ما بينها، كتعبير عن صراع داعميها.

   وما تقدُّم الجيش السوري في معاركه ضدّ داعش والنصرة وانتصار المقاومة في جرود عرسال ووقف إطلاق النار واتّساع دائرة المصالحات الوطنية، إلا دليل على قرب انتهاء هذه الأزمة، التي فعلت فيها أدوات الخارج أكثر من مُعطيات الداخل. وذات الأمر يحصل في ليبيا، بعد تفاهمات حفتر والسراج.

    هذه التحوّلات الحاصلة، نتيجة مُعطيات الميدان من ناحية ومُخرجات قمّة الرياض من ناحية أخرى، والتي بدأت تنعكس سلباً على التنظيمات الإرهابية، رغم محاولاتها التغطية على تقهقرها وخفوت توهّجها، من خلال سعييها إلى إنجاز اختراقات مُتبادَلة، خاصة بين الإخوان والوهّابيين( وما دعوة أيمن الظواهري إلى الاستثمار في جهادية حسن البنا، إلا مؤشّر على محاولات النهج السلفي الوهّابي القاعدي استقطاب القواعد الإخوانية إلى صفوفه، بعد بداية أفول نجمه)، يجب أن تسهم في دفع القوى الوطنية، سواء كانت في الحُكم أو المعارضة، إلى بلورة مشروع وطني جامِع، يُنهي الاقتتال الداخلي ويصون الاستقلال الوطني ويؤسّس لتداول سياسي ديمقراطي، يضمن التعايش المُشترَك.

    مثل هكذا طموح يجد راهنيّته في محاولات الأطراف الإقليمية، التي دعمت الإرهاب أو تغاضت عن تمدّده، قطع/ تعليق ارتباطاتها معه، بعدما أضحت تعي خطورته، خاصة في إثر اختراقه لحصونها وضرب مدنها ومدنييها، فالإرهاب عبر تاريخ البشرية الطويل، لم يعرف معنى الوفاء لرُعاته؛ نتيجة همجيّته وتعطّشه الدائم  للعُنف الدموي المُدمّر العابِر للحدود، وثقافته، إن جاز التوصيف، النافية للاختلاف والتعدّد والتنوّع؛ قِيَم الإنسانية قاطبة.

    بناء على ما ذُكِر، انعقدت القمّة العربية الإسلامية الأميركية، حسب الدول المشاركة فيها. رغم أن ما انبثق منها على المستوى العَمَلاني، هو الهجوم على المقاومة الإخوانية في فلسطين وعلى حزب الله في لبنان، ولا ندري هل ستشمل الإجراءات كافة التيّارات الإسلامية الراديكالية، كما طالب دونالد ترامب بذلك أثناء حملته الانتخابية، أم أن الهدف هو تلك البنادق التي تواجه الاحتلال الصهيوني؟؟.

  علماً أن الموقف الأميركي لن يخرج عن أجنداته الهادفة إلى حل تناقضاته الداخلية على حساب دول المنطقة، وما الأموال التي حصل عليها ترامب، خلال القمّة السالِفة الذِكر إلا خير دليل على ذلك. وهذا ما يبدو من خلال انحياز الولايات المتحدة الأميركية إلى حلف السعودية ضدّ قطر، مع حفاظها على شعرة معاوية مع الدوحة، خوفاً من النقيض الإيراني، الذي تلقّف مُتطلّبات الظرف الإقليمي وانحاز إلى قطر، في تنافُس محموم مع أنقرة الإخوانية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد الشيخ بانن

باحث مغربي متخصّص في الجماعات الإسلامية