عن غسّان كنفاني الثائر والأديب

الجيل الّذي لم يتسنَّ له رؤية المناضل والسياسي غسّان كنفاني تواصل مع إنتاجه الإبداعي الغزير من خلال استعادة قراءة أعماله الكاملة بعمق فكرتها وآفاق دلالاتها الثورية، ومن خلال شخوص الروايات والقصص القصيرة في إرثه الثقافي. وحين نقرأ الشهيد غسّان اليوم نجد كلماته تعكس ما آلت إليه القضية الفلسطينية على الرغم من مرور 44 عاماً على اغتياله من قِبَل الموساد الصهيوني الّذي أرعبه فكر غسّان الناطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حين قالت غولدا مائير رئيسة الوزراء الصهيونية آنذاك " اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح".

المناضل والسياسي غسان كنفاني.. كلماته تعكس ما آلت إليه القضية الفلسطينية على الرغم من مرور 44 عاماً
قبل أيام قليلة  جاء نشر مقطع لا يتجاوز الدقائق لمُقابلة نادرة  مع الشهيد غسّان كنفاني أجراها الصحافي الأسترالي الراحل "ريتشارد كارلتون" بمُبادرة من  خلدون حجّاج صديق جيمس كارلتون إبن الصحافي، كقيمة توثيقية أولاً، وثانياً في تفرّدها بإتاحة الفرصة لكل مَن يعتبر الشهيد غسّان قدوته الثورية لرؤية غسّان بالصوت والنظرة الحادّة وفي العينين المتوثبة التي تتماهى مع نبوءة رفاق الشهيد بأن الموساد الصهيوني سوف يغتاله حتماً. فبدا غسّان في  الحوار كمُقاتل عسكري يقف نداً عالي النبرة في حوار هذا نصّه:

 كارلتون: بخصوص القتال الجاري في الأردن، خلال الأسابيع الأخيرة هل كانت منظمتكم مُشارِكة في القتال؟ (يهزّ غسّان رأسه موافقاً) ماذا أنجزتم؟

الشهيد غسّان: أمراً واحداً، هو أنه لدينا قضية نُقاتل من أجلها، وهذا كثير جداً. الشعب الفلسطيني يُفضّل الموت واقفاً على أن يخسر قضيته. ماذا أنجزنا؟ أنجزنا أننا أثبتنا بأن الملك على خطأ، أنجزنا إثباتناً بأن هذا الشعب سيستمر بالقتال حتى النصر، وبأن هذا الشعب لن يُهزَم أبداً، أنجزنا أن قلنا لكل شخص في هذا العالم إننا شعب صغير وشُجاع وسيُقاتل حتى آخر قطرة دم كي نجلب العدالة لنا بعدما فشل العالم بذلك. هذا ما أنجزناه.

كارلتون: يبدو أن الحرب الأهلية كانت بلا جدوى.

غسّان مُصحّحاً بحدّة ليست "حرباً أهلية"، هذا شعب يدافع عن نفسه ضدّ حكومة فاشية، والتي تدافع أنت عنها فقط لأن للملك حسين جواز سفر آخر. هي ليست حرباً أهلية.

كارلتون : صِراع

غسّان : ليس صراعاً، هي حركة تحرّر تُقاتل من أجل العدالة.

كارلتون: حسناً، مهما أمكن تسميتها…

غسّان : ليس "مهماً"، لأنه من هنا تبدأ المُشكلة، لأن هذا ما يجعلك تطرح كل أسئلتك. هنا تبدأ المشكلة تماماً. هذا شعب يتم التمييز ضدّه، يُقاتل من أجل حقوقه. هذه هي القصة. إن قلت أنت "حرباً أهلية" فسؤالك سيكون مُبرراً، إن قلتَ "صِراعاً" فمن الطبيعي أن تتفاجأ بما يحصل.

كارلتون: لم لا تدخل منظمتكم في مُحادثات سلام مع "الإسرائيليين"؟

غسّان : أنت لا تقصد تحديداً مُحادثات سلام، بل تقصد استسلاماً.

كارلتون: لِمَ لا تتكلمون فحسب؟

غسّان: نتكلّم مع مَن؟

كارلتون: تتكلّمون مع القادة "الإسرائيليين."

غسّان: هذا نوع المُحادثة بين السيف والرقبة، تقصد؟

كارلتون: إن لم تكن هنالك سيوف وأسلحة في الغرفة، ستستطيعون التكلّم.

غسان: لا، لم أرَ أبداً كلاماً بين جهة استعمارية وحركة تحرّر وطني.

كارلتون: لكن رغم هذا، لِمَ لا تتكلّمون؟

غسّان : نتكلّم عن ماذا؟

كارلتون: تتكلّمون عن احتمال أن لا تقاتلوا.

غسّان: لا نقاتل من أجل ماذا؟

كارلتون: لا تقاتلوا أبداً، لا يهم من أجل ماذا.

غسان: الناس عادة تُقاتل من أجل شيء ما، وتتوقّف عن القتال من أجل شيء ما. لكنك لا تستطيع أن تخبرني لماذا علينا…؟

كارلتون: وقف القتال..

غسّان: نتكلّم لنوقف القتال من أجل ماذا..؟

كارلتون: تكلّموا لتوقفوا القتال والموت والبؤس والدمار والألم.

غسان: موت وبؤس وألم من ؟

كارلتون: الفلسطينيون و"الإسرائيليون " والعرب

غسّان: الشعب الفلسطيني الذي اقتُلِع من أرضه وشُرّد في المُخيّمات ويعيش في مجاعة ويُقتَل لعشرين سنة، وممنوع عليه حتى استخدام تسمية "فلسطيني".

كارلتون: ذلك أفضل من الموت على الأقل.

غسّان: ربما بالنسبة إليك، لكن بالنسبة إلينا ليس الأمر كذلك، بالنسبة إلينا، كي نُحرّر بلدنا، ونحصل على الكرامة والاحترام والحقوق الإنسانية، تلك الأشياء أساسية كما هي الحياة ذاتها.

كارلتون: تقولون بأن الملك حسين فاشي (يهزّ غسّان رأسه موافقاً)، مَن تعارِضون أيضاً من الرؤساء العرب؟

غسّان: نعتبر أن الحكومات العربية نوعان: مّن نسمّيهم بالرجعيين، وهم مُتّصلون تماماً مع الإمبرياليين، كحكومة الملك حسين والحكومات السعودية وهنالك حكومات عربية أخرى نُسمّيها بالحكومات العسكرية البرجوازية-الصغيرة، كسوريا والعراق ومصر والجزائر إلخ.

كارلتون: نهاية، دعني أعود إلى خطف الطائرات، بعد التفكير، هل تظن الآن بأنه خطأ؟

غسّان: لم نرتكب خطأ بخطف الطائرات، على العكس، قمنا بواحد من الأشياء الأكثر صحّة في تاريخنا.   

وهنا صَمَتَ غسّان بعد أن دافع باستماتة عن حقّ الرجل الباحث عن بندقيته الضائعة وسط وحول المرحلة تماماً، كما ورد في قصة "العروس" والذي ما زال موجوداً يُدافع وحده، هو المُحاط كما قال الشهيد بشيء يُشبه الغبار المضيء، ذلك الرجل المُحاط بما يُشبه النور، وسؤال مّن الذي سيُعيره بندقية في ذلك الطوفان الذي لا تنفع فيه إلا البندقية؟ التي تستطيع وحدها  أن تحمل الإنسان عبر ذلك الموج، إلى شاطئ النجاة أو إلى شاطئ الموت الشريف كاتباً أبجدية رواية الحريّة للإنسان الذي  وصفه غسّان بالمُسيطر على اللحظة. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نجوى ضاهر

كاتبة

إقرأ للكاتب

الأدب بين الرفيقين كاسترو وماركيز

يروي الزعيم الكوبي الراحل " كاسترو" في مقال نشره عام 2002 عن محاولات اغتيال تَعَرَّضَ لها كان...

المُتلاعبون بالعقول ودور الإعلام المُضاد

قال مالكوم إكس إن وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، وانطلاقاً من هذا التعريف...

ذكرى سليمان خاطر.. فدائي فلسطين

.. وتتوغّل حكاية الوجع ليتحوّل القبطان إلى إنسان مُتّهم بالجنون وإصدار حكم المؤبَّد عليه، لأنه...