عائدة إلى حلب

أما قُلتُ لكِ أنني عائدة؟هاكِ أنا ومعي آلاف الحلبيين يتهافتونَ إليكِ، ما إن يدوسون أرضكِ يخرون، يقبّلون التراب ويمضون.

ذهبتُ خائفة من الموت من القتل من الدم الذي بات يسقي أرضك
كلكِ غبار؟
 بدمع أعينهم غُباركِ يغسِلون، والربُ ألف ألف مرةٍ يحمدون، منذُ ما يقارب الخمس سنوات لم يزرهم فرح كهذا، فرحُ النصر، فرحُ العودة. آراكِ الآن تشقينَ الأرض وتنبتين من جديد، شيئاً فشيئاً تكبرين، أغصانك حتماً ستخضّر، فالسنوات العِجافِ الصفراء مضت وهاهي سنوات الخير والوفرة قادمة..

أتدرين الليالي السوداء التي خلّفتيها لي منذ رحيلي عنكِ.ذهبتُ خائفة من الموت من القتل من الدم الذي بات يسقي أرضك، ذهبت رغماً عني. منذ أن أقفلت باب المنزل وانطلقت، كان ثمة شيءٌ يلصق قدماي بالأرض، كنت أسحبهما سحباً لأمشي وكأن أحجاراً ثقيلة عُلقت بهما أو كأن الجاذبية تركت بُقع الأرض أجمع و تجمّعت بين قدميّ وترابك.

في كل خطوة كانت الأفكار في رأسي تتكاثر، أكثر ما فكّرت فيه أن لا أعود. عندها تمنّيت أن أصاب بطلقة في أرضي، كان هناك خياران يريحاني إما أن أموت الآن وإما أن أعود وعندما أصبحت في لبنان تيقّنت من العودة لأني لم أمت لم تُصبني تلك الرصاصة.
كان كل شيء مؤمّن في الغُربة، إلا الوطن والنفس على العيش، انقطع الإحساس ما كان غيركِ يا حلب يوقظه يومياً إما بدمعة أو بلهفة.

في الفترة الأخيرة التي سبقت انتصارك بتُ لا مبالية بأيامي، تمر كأنها المُر. الإنتظار سيّىء وهذا ما جعلني أركد.. لا أخفي انقطع أملي وأصبحتُ كأم تنتظر عودة إبنها الميت، أتدركين كم الإحباط الذي كنتُ فيه، صرت لا أبالي بسماع الأخبار فصوت في داخلي أنبأني أنه لا أمل، إلى أن أتى ذلك اليوم وأعلن الإنتصار.

ياه كان الخبر أشبه بصدمة، صرت أتخيّل ماذا لو كان الخبر كذبة وماذا لو أصبتُ بخيبة أمل جديدة.لكنك لم تخذليني .. حمداً لله لم تخذليني.

راجعين يا قدّيستي، كلنا راجعين
أصبحتي سُكرتي يا حلب، وحده انتصاركِ أزاح عن قلبي الضباب الأسود، وحده انتصاركِ خلق فرحتي من جديد.

لم أوضّب هذه المرة حقيبتي، قرّرتُ العودة مثل ما جئت فقط بثيابي وبيدي هويّتي وبصوتٍ في داخلي ينشدُ الأمان، بتِ الآن أنتِ الأمان وأنتِ الحقيقة الوحيدة التي أؤمن بها.. كل شيء يخذلني ما عاداكِ أنتِ ..


نسيتُ كل المطارات التي حطيتُ بها، وحده قلبي علِق في مطارٍ سيقلّني إليكِ، مطارٌ كان بالأمس وهماً والآن أصبح الحقيقة الوحيدة.

غفيتُ وانا أتخيّل شكل لحظة اللقاء ما بعد الحرب، وبأي شعور سأشعر وأنا أرى كروم الزيتون الممتدّة من شبّاك غرفتي المكسور، كيف سيبدو شكل الطاحونة المدمّرة قليلاً. غفيتُ وأنا أدعو أن يكون الفوّال أبو سليم على قيد الحياة، صراحة، اشتقتُ إلى طعم الفول من يديه. اشتقت إلى كل شبر في حلب، إلى كلّ مكان، إلى كل تفصيل..

 


لملمتُ فقط ذِكرياتي وانطلقت، هذه المرة أغنية "راجعين يا هوى راجعين" كانت في ذاكرتي، راجعين يا قدّيستي، كلنا راجعين، أنتِ أمنا وأبينا، عائدون كما وعدناكِ ولا للفراقِ مرة ثانية.. أقسم لكِ لا فراق بعد الآن..لا فرّق الله بيننا من جديد.. راجعين!

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
بتول سليمان

صحافية لبنانية.

إقرأ للكاتب

عيدية "داعش" للكرادة!

لم تستفق الكرّادة منذ العيد الماضي إلّا وهي تنعى نفسها، فالفرح عادة قديمة لم تعد تمارسها. كلما...

أحقاً أنتِ حلب؟

وقفتُ وسط المدينة على تلةِ رُكام، أسترجعُ ماضيا مُشرقاً مرّ من هنا.. وحضارةً ما كانت أبداً...