ذكرى سليمان خاطر.. فدائي فلسطين

.. وتتوغّل حكاية الوجع ليتحوّل القبطان إلى إنسان مُتّهم بالجنون وإصدار حكم المؤبَّد عليه، لأنه يُهلوِس وِفقَ تقرير الطبيب الشرعي الذي تدحضه آثار التعذيب والحقائق التي كشفتها لاحقاً المُستندات التي قدّمها صديق سليمان خاطر عام 2014 تحت عنوان رصاصات في قلب كامب ديفيد. لكن أمّ الشهيد أوضحت "إبني إتقتل عشان ترضى عليهم أمريكا وإسرائيل"

سليمان خاطر جندي مصري قتل عام 1985 سبعة جنود إسرائيليين
في الوقت الذي تُبحر فيه السفن باختلاف أسمائها وأهداف أعداء الجِوار الذين يشتركون في حصار غزَّة كل بطريقته، كان هناك الجندي سليمان خاطر برتبة فدائي يُبحر على طريقته الخاصّة. في مثل هذا اليوم من عام 1985 اتّخذ سليمان خاطر بفطرته العميقة قراره في وجه استباحة العدوّ لأرضه فأطلق رصاصاته ليُردي سبعة جنود "إسرائيليين".

إنه الفلاَّح المصري إبن الشرقية، الذي صادروا ذاكرته المُزدحِمة بوجع هزيمة عام 1967 وبأصوات طائرات الفانتوم الأميركية وهي تقصف مدرسة بحر البقر في مسقط قلبه، مُخلِّفة وراء جبروتها ثلاثين شهيداً عدا عن الجرحى. سليمان خاطر إبن قرية (أكياد) في محافظة الشرقية الذي كَبُرَ فيها وأكمل الثانوية العامة، ليصبح أول المُتعلّمين في الخدمة العسكرية ومسؤولاً عن نقطة حراسة منطقة رأس برقة في جنوب سيناء. فوجئ في مثل هذا اليوم بمجموعة من الصهاينة الذين امتلكوا صكّ انتهاك الأرض محاولين عَمداً تسلّق الهضبة حيث نقطة الحراسة للجندي الذي حمل عهد حماية الأمانة، ليجد نفسه بغتة بعد أن كان سراً من أسرار الأرض حاملاً لقضية رقم 142 جنايات بدلاً من منحه استحقاق وسام الشرف. 

وتتوغّل حكاية الوجع ليتحوّل القبطان إلى إنسان مُتّهم بالجنون وإصدار حكم المؤبَّد عليه، لأنه يُهلوِس وِفقَ تقرير الطبيب الشرعي الذي تدحضه آثار التعذيب والحقائق التي كشفتها لاحقاً المُستندات التي قدّمها صديق سليمان خاطر عام 2014 تحت عنوان رصاصات في قلب كامب ديفيد. لكن أمّ الشهيد أوضحت "إبني إتقتل عشان ترضى عليهم أمريكا وإسرائيل" الأمّ المصرية التي صرخت في وجه إبنها عبد المنعم حين سمعت عويل روحه لدى معرفته باستشهاد أخيه قائلة ”ما تعيّطش يا منعم.. أخوك راجل يا ضنايا.. واللّي قتلهم أعداءنا .. أخوك ما رضيش يطاطي ويبقى جسر يعدو عليه العدوّين.. أخوك ما سابش سلاحه وما فرّطش فيه". 

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها شمعون بيريز فأعلن عن قبوله للتبريرات المصرية قبولاً مؤقتاً بانتظار خاتمة الأمر ونتيجة المحاكم، والمُطالبة بدفع التعويضات للقتلى الإسرائيليين. فالعدوّ لا يكتفي باتّهام الحكومة لسليمان خاطر بالجنون الذي أدّى إلى الانتحار الكاذِب وفقَ مزاعِم باطلة بل يريد عقوبة صارمة لكي تكون درساً في المستقبل لمن تسوِّل له نفسه أن يخرج على سيادة إسرائيل. 

وبعيداً عن قُبح المشهديّة تبقى استعادة رواية سليمان خاطر مُلحّة ليس هروباً من واقع هزيل بلغ قمّة الانحدار أو نتيجة عجز في التأثير على الحاضر وصوغ المستقبل بقدر التأكيد على ثقافة الانتصار الحتميّة التي ستُعيد الاعتبار لمعنى رسالة سليمان خاطر من السجن، والتي  اختصر فيها أساس الصِراع الوجودي مع العدوّ حيث أجاب حين سأله أحد السُجناء "بتفكّر في إيه"؟ "أفكّر في مصر أميّ، أتصوّر أنها امرأة طيّبة مثل أميّ تتعب وتعمل مثلها، وأقولها يا أميّ أنا واحد من أبنائك المُخلصين.. من ترابك.. ودمي من نيلك، وحين أبكي أتصوّرها تجلس بجانبي مثل أميّ في البيت في كل إجازة تأخذ رأسي في صدرها الحنون" وتقول: "لا تبكي يا سليمان، أنت فعلت كل ما كنت أنتظره منك يا بنيّ".

صدى كلمات سليمان خاطر في المحكمة هي العنوان في قوله "أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه، لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سوف يصدر ضدّي آثار سيئة على زملائي، تُصيبهم بالخوف وتقتل فيهم وطنيتهم"، مُعتبراً إن هذا الحكم، هو حكم ضدّ مصر، لأن جندياً مصرياً أدّى واجبه" ثم التفت إلى الجنود الذين يحرسونه قائلاً "روحوا واحرسوا سينا.. سليمان مش عايز حراسة". 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نجوى ضاهر

كاتبة

إقرأ للكاتب

الأدب بين الرفيقين كاسترو وماركيز

يروي الزعيم الكوبي الراحل " كاسترو" في مقال نشره عام 2002 عن محاولات اغتيال تَعَرَّضَ لها كان...

المُتلاعبون بالعقول ودور الإعلام المُضاد

قال مالكوم إكس إن وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، وانطلاقاً من هذا التعريف...

عن غسّان كنفاني الثائر والأديب

الجيل الّذي لم يتسنَّ له رؤية المناضل والسياسي غسّان كنفاني تواصل مع إنتاجه الإبداعي الغزير من...