عيدية "داعش" للكرادة!

لم تستفق الكرّادة منذ العيد الماضي إلّا وهي تنعى نفسها، فالفرح عادة قديمة لم تعد تمارسها. كلما قامت لتخلّع السواد وتلبس حُلّة العيد، أتتها ضربةٌ من حيثُ لا تدري لتجعلها تتراجع وتُبقي على الحِداد. مصابيح البيوت باتت تنطفىء الواحد تلو الآخر، وسكانها باتوا يودّعون الشهيد تلو الشهيد. فمتى ستطلق حربُ الإرهاب سراحها؟

اضاءة الشموع في الكرّداة
كارثة إنسانية شهِدتها بغداد في 3 يوليو/ تموز الفائت، حيث التزمت كل البيوت الحداد. الانفجار الذي حصل في الكرّادة، الحي الشرقي الواقع وسط المدينة، لم يترك عائلة إلا وفجعها، إمّا بشهيد أو بجريح كانوا يتحضرون للاحتفال بالعيد، فأتى الإرهاب وسرق أرواحهم، وأحل لعنة الدمار والموت عليهم، كهدية العيد وجزاءً لصيامهم وتعبّدهم لله.. لم يُكن انفجاراً عادِياً، فأكثر من 250 شخصاً استشهدوا من مختلف الأعمار والفئات! كان هذا الإنفجار الأكثر دموية منذ عام 2003 أي بعد الغزو الأميركي للعراق.

حي الكرّادة قبل التفجير
لعلَّ من لا يعرف حي الكرادة سيظن أنه متورط في حرب الإرهاب، الأمر الذي يجعله وجبة دسمة ليستهدفه داعش، لكن من يعرفه جيداً يعرف أنه حي شعبي لا هدف لأهله إلا العيش بسلام. مليء بالحياة، من زواياه تفوح رائحة المطاعم الغربية والشرقية، والمقاهي الشعبية، والأسواق التي تختلط فيها أصوات البائعين مع أذان المساجد وأجراس الكنائس، مُزدحِم بالسُياح مع السكان، أرصفته تحمل في طيّاتِها الحضارة القديمة والثقافة والأدب والفنون. ترى ما الذي يجعلُ من هذا الحي عُرضة للإرهاب؟ إنها الحرب غير العادِلة التي يدفعُ ثمنها غالِباً الأبرياء كأهل الكرّادة البريئة!

في ٥ أيلول / سبتمبر قام تنظيم داعش بهجومٍ جديد على حي الكرادة. ظننا أن العيد تصادف بالتوقيت مع الانفجار. فكان العزاء أن هناك عيداً آخر سيعوّض للأطفال الذين حرموا من لِبس الثياب الجديدة والفرح واللعب وممارسة طقوس العيد! لكن هذا الأمل لم يطل. فما أن قرُبَ موعد العيد الجديد حتى كشّر الإرهاب عن أنيابه واختار الحيّ نفسه مجدداً وكأنما حُرِّم على أهل الكرادة العيد. إذن فالإنفجاران لم يكونا صُدفة مع اقتراب العيدين، بل تعمّد تنظيم داعِش هذين التوقيتين ليلحِق بأهل الكرادة نكبيتين متتاليتين، وفاجعتين إنسايتين إنتقاماً لخسائره في مناطِق أخرى! 
كالمرّات السابقة التزم العالم السكوت واكتفى بالإدانة التي لا تردُ ميتاً، ولا تسّكِن قلب أمٍ محروق! فالكرادة ليست جُرح العِراق الأوحد إنما الأجدد، فمنذُ أعوام والعراق بكل أحيائهِ ومحافظاتِه ينزف! وكلما انتهت حرب تبدأ أخرى حتى لا يرتاح العِراقيون ولا يعيشون حياة سلمية خالية من القتل والدمار والدماء!

موقع التفجير
صحيح أن داعش اغتال فرحة العيد لكنّه لم يغتل الأمل بالحياة عند العراقيين. برغم كل الجروح التي لحقت بالكرادة إلا أن أهلها لا يزالون عصيين على الحرب، مؤمنين بالوطن، متمسكين بأملٍ في غدٍ أفضل، مصرين على مقاومة الإرهاب بنفوسٍ أبية، مرددين "لك الله يا عِراق"،  وهذا ما لم ولن يستطيع داعش محوه على الإطلاق!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
بتول سليمان

صحافية لبنانية.

إقرأ للكاتب

عائدة إلى حلب

أما قُلتُ لكِ أنني عائدة؟هاكِ أنا ومعي آلاف الحلبيين يتهافتونَ إليكِ، ما إن يدوسون أرضكِ يخرون،...

أحقاً أنتِ حلب؟

وقفتُ وسط المدينة على تلةِ رُكام، أسترجعُ ماضيا مُشرقاً مرّ من هنا.. وحضارةً ما كانت أبداً...