أحقاً أنتِ حلب؟

وقفتُ وسط المدينة على تلةِ رُكام، أسترجعُ ماضيا مُشرقاً مرّ من هنا.. وحضارةً ما كانت أبداً ستُدمر لولا تلك الحرب المجنونة. حائرة أي طريقٍ أسلُك، بداخلي عتبٌ كبير.. تغيّرتي كثيراً.. أنحن من غيرناكِ حلب؟ أم قدركِ الذي لا مفر مِنه وقع؟!

أحقاً أنتِ حلب؟
أمضيتُ ليالٍ في بيروت وأنا أُفكر بعودتي إليكِ، شيءٌ ما بين الخوف والتردد يتملكني، فأنا لا أقوى أن أراكِ بأمِ عيني مكسورة منذلة. ولكن شوقاً غريباً يدفعني إليكِ، أغمضتُ عينيَّ وغفوت فأتيتني على هيئةِ منامٍ "تعالي إليَّ تعالي".

إستيقظتُ صباحاً، وضبتُ حقيبتي وانطلقتُ، دون أن أسمح لحرب الأفكار أن تتجدد، ساقني الشوق. لا أنكُر أني طوال الطريق كنتُ خائفة، لا من الموت ولا من القصف بل من رؤيتك حزينة مدمعة العين بعد أن خيّم عليك شبح الموت الأسود.

أنا هُنا وصلت، يقولون إنها حلب لكن عقلي أبى أن يصدق.. رحت أركض من شخصٍ إلى آخر "هذه حلب؟" وألقى جواباً بالإيجاب. حقاَ أنتِ حلب! تغيرت معالمُك كثيراً، تركتُكِ مدينة مكتظة عالية العمران.. فكيف أصبحتِ مهجورة؟ ومنذُ متى صِرتي رُكاماً؟ 

حلب تحترق
وقفتُ أخمّن طريق المنزل، إستغرقت نصف ساعةٍ من الوقت لأحدد الطريق، هممتُ للسير في الإتجاه الشمالي علّني أحظى بمفرق دكانة " الفوال أبو سليم" فأهتدي إلى منزلي القريب منه. لفتني ما كُتِب على حائطٌ قبالتي، فاقتربت "#حلب_تحترق" جرت الدمعة على خدي رُغماً عني، وإذ بطفلٍ ينظر إليّ من بعيد، ثيابهُ مهملة بعض الشيء ويداه متسختان، إقتربَ مني وسألني "ع ايش عم تبحثي؟ الظاهر مو من عِنا؟" الحيرة ومحاولة استكشاف المكان جعلت ذاك الصغير يعتقد أني لستُ من حلب، قلتُ له "مبلى من عندكم، وعم دوّر ع بيتي" ضحك قائلاً "كيف الواحد ما بيعرف بيتو؟ بس ما تتعبي حالِك ما في بيوت هون كِلهن اتدمروا، ما رح تلاقيه". صحيح لن أجدهُ، فهو كغيره أصبح رفاة. أكملتُ طريقي علّني أجد شيئاً أعرفه، ترى كيف يفتش الإنسان على حياته في كومة رُكام؟ عبث. المدينة منهارة ولم يبق فيها حجرٌ على حجر! حتى شجر الزيتون إحترق، إستبدلوه بالرصاص ومصوا زيته ليحرقوا بهِ حلب، ففي زمن الحرب تُكسر القواعد ويصبح كل شيءٍ ممكناً!

أدركتُ الحقيقة واستدرتُ لأعود من حيث أتيت، وفي ذاكرتي مشاهدُ الدمار والخراب، وفي أذني صوتُ ذاك الشابِ يُردد: "حلب يا نبع من الألم يمشي ببلادي.. ويا كِتر دم الي نسكب اه ببلادي .. أنا ببكي ومن قلب مقهور ع بلادي .. وع ولادي اللي صاروا فيها غراب .. اه يا بلادي!" حقاً أنا أصبحتُ غريبة عنكِ لكنك مازلتِ في وجداني. الآن سأرحل عنكِ لكن تأكدي سأعود يا حلب عندما تنتهي الحرب، سأعود لأزيل الغبار عنكِ بيديّ عندما تنتصرين، سأعود عما قريب فاصبري وكوني بالإنتظار!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
بتول سليمان

صحافية لبنانية.

إقرأ للكاتب

عائدة إلى حلب

أما قُلتُ لكِ أنني عائدة؟هاكِ أنا ومعي آلاف الحلبيين يتهافتونَ إليكِ، ما إن يدوسون أرضكِ يخرون،...

عيدية "داعش" للكرادة!

لم تستفق الكرّادة منذ العيد الماضي إلّا وهي تنعى نفسها، فالفرح عادة قديمة لم تعد تمارسها. كلما...