الدراما والمجتمع: الحداثة والتلفزة - الجزء الخامس

انحازت هذه المسلسلات إلى تتريث الواقائع التاريخية، بمعنى قياسها والحكم عليها من وجهة نظر تراثية، وليس من وجهة نظر معرفية حديثة أو حداثية ،مطالبة بإعادة الحق الى نصابه من هذه الوجهة. وبهذا صبغت المسلسلات التي تحكي عن الأندلس كفردوس مفقود تجب إستعادته، مثل (ربيع قرطبة) و(صقر قريش) الخ، وكذلك أعمال مثل (أخوة التراب) و(التغريبة الفلسطينية)، التي طالبت بالعودة إلى البارودة العتيقة لتحرير فلسطين. تلك البارودة المرتبطة بإحياء التراث. بحيث أشارت الى الأحداث التاريخية لن تكون حقيقية إلا إذا قرأت وفقاً لهذه الوجهة.

لعل المرأة كمثال فاقع على اللامساواة ينسحب على جميع شخصيات وعناصر العمل
بغض النظر عن تنظير ريجيس دوبريه في اللامعنى في هيجان استخدام الصورة، وبغض النظر عن رأينا نحن في هذه البقعة من العالم الذي يحاول تسخيف الإنجاز التفكيري "الغربي" (وهذا خطأ شائع أيضاً) في محاولة لتأسيس بنية عدائية له، بدلاً من البنية التنافسية، وبغض النظر أيضاً عن الأصالة التراثوية، المتمثلة بالإكتمال المعرفي والذي يقبع كقنبلة في حضننا، بغض النظر عن كل هذا، تبقى التلفزة تكنولوجية حديثة وحداثية، من منتجات التفكير الأنواري، وتحتاج لمن يضاهيها معرفة، كي يستطيع الإستفادة منها، ويضعها موضع المنفعة العمومية. وهذا لا يتم ولن يتم إلا بممارسة المعرفة (وليس العلم فقط) الحديثة والحداثية بكل إخلاص وعزيمة صادقة. أما ما نراه من إفك وتقليد واه لمنتجات تلفزية سباقة، فهو من باب الدليفري لمعلومات بادت، أو اهترأت من كثرة إعادة استعمالها، وهي بالأساس لا تضاهي حضارياً المنجز الهندسي للتلفزة، فما بالنا بمنتجات هذا المنجز الإبداعية؟

على هذه المقدمة المبسطة يمكننا أن نبتني رؤية للمحتوى الفني والفكري للدرامة التلفزيونية، التي تقدمها الفضائيات في موجة تصنيع الدرامة الثالثة، وأقول تصنيع وليس صناعة. فمنتجوا الدرامة التلفزيونية السورية (وربما اللبنانية) هم مجرد ورشات تصنيع بالقطعة وعلى التوصية، ما يذكرنا بورشات صناعة العبي (العباءات)، ولهذا حديث آخر، ولكن من الجدير أن نذكر أن هذه الدرامة التلفزيونية (في معظمها)، يقوم بصنعها مهنيون لا فنانون، بعيدون كل البعد عن الإبداع وهمومه ومستحقاته (وأعود الى التذكير أن التعميم قتال)، إنها طريقة غير حديثة ولا حداثية تحاول أن تضاهي حضارياً الكاميرا على الأقل المستخدمة في تصوير العمل كمنجز تكنولوجي حديث وحداثي.

وهنا يبدو تنظير دوبريه عن اللامعنى، لا علاقة له بما نقصده نحن بالصورة ومنتجاتها، فتنظير دوبريه ناتج عن إحتدام المعرفة وهي في مسيرة ارتقائها حيث المآزق والإشكاليات التي تحتاج الى فعل تفكيري ليس لتجاوزها فقط بل وأيضاً لملاقاة القادم منها، وهذا كله بعيد كل البعد عن ساحتنا، اللهم إلا إذا تنطح أحدهم لإثبات تهافت الحضارة الغربية مستخدماً دوبريه وغيره في الهجوم عليها.

ولكن اللامعنى الحداثي هذا تمثل بسبب وجود التكنولوجيات الحداثية، بفراغ في محتوى الصورة ومنتجاتها. هذا الفراغ الذي سارعنا إلى ملئه بالثقافة التراثوية، بغض النظر عن النوع الذي تنتمي اليه الصورة (المسلسل في مثالنا) تاريخياً أم معاصراً، فانتازيا أم كوميديا. فالإجماع كان حول قيم تراثية مشتقة مباشرة من ثقافة بائدة لا تضاهي ولا تجاري بمعالجاتها الفنية والفكرية أي من أدوات ونوايا صنعها، ولا حتى تجاوزت معالجات الموجة الأولى من المسلسلات والأعمال الدرامية منذ تأسيس التلفزة وحتى منتصف سبعينيات القرن المنصرم، لا بل قامت بتشويه هذه الأعمال وسحب دسمها كما حصل لمسلسل (أسعد الوراق)، الذي أعيد إنتاجه في العشرية الأولى للقرن 21. وكأن بنا أمام محاكمة وتقويم تصرفات درامية شاذة يجب الاعتذار عن خروجها على الثقافة التراثوية.

إحياء التراث هو اللامعنى الموازي والمتعاكس في الإتجاه مع تنظير دوبريه، وإحيائه لم يكن بصورة نقدية كما تتطلب الحداثية، بل كان من باب التكريس، حيث بدت الدراما عموماً كتجديد للخطاب التراثي عبر تكنولوجيات حداثية توازي بطريقة ما استخدام (ربما كان المثال عمومياً بعض الشيء) آخر ما توصلت اليه الحداثة من تكنولوجيات في الإرهاب مما يجعله في الظاهر حداثوياً ولكن محتواه فتراثي. وهكذا يكون المسلسل الدرامي قد حصل على تأثير في "الجماهير" من خارجه، أي بواسطة هاتيك التكنولوجيات التي تعلم تشغيلها مهنيون ليقدموا لنا محتوى تخليفياً في ظل إعلانات التطور والحداثة، منسجمين تماماً مع البنية الثقافية (بكافة أشكالها وتمظهراتها) السائدة في هذه البلدان.

أولاً: المحتوى التراثي في المسلسل التلفزيوني السوري (إنتاجات الموجة الثالثة) هو كل ما أرادته منه المحطات الباثة، وهي الممولة الحقيقية لهذا المسلسل. فإذا لم تكن هي نفسها المنتجة المباشرة للأعمال؟ كان وكلاؤها من المنتجين الذين لا يمتلكون أية استراتيجيا للحفاظ على مهنتهم، أو رؤية يريدون تقديمها عبر منتجاتهم، ومشكلة المحتوى التراثي للأعمال التلفزيونية ذات التأثير المباشر في ثقافة الواقع، لا تكمن في منع تسرب المحتوى الثقافي الحداثي فقط، بل هي بطبيعتها تقمع الحوار أو الجدل بين التراث والحداثة عبر تفعيل الرقابات بأنواعها، ولكن الأهم والأخطر هو تكريسها لقيم وأخلاقيات شعبوية بوصفها معرفة كاملة، لا يأتيها الباطل من أي حدب خصوصاً من الآخر حتى قبل تبين إختلافه معها، مكرسة أمية ثقافية وحتى أخلاقية من هذه الناحية، في تكريس لمكانة حقوقية أرفع، وأخلاقية أنبل، عارضة هذا الآخر على الثقافة القابيلية (ثقافة الغزو) للحكم عليه، وهو مدان سلفاً كونه آخر، وربما كانت هناك أمثلة مباشرة كثيرة على هذا المحتوى، ناهيك عن الأعمال التي تضمنت هذه النزعة كمحتوى، ولكننا نكتفي بالإشارة الى جل مسلسلات الفانتازيا التاريخية، وأكثرها وضوحاً ومباشرة مسلسل (سقف العالم).

ثانياً: من جهة أخرى، انحازت هذه المسلسلات إلى تتريث الواقائع التاريخية، بمعنى قياسها والحكم عليها من وجهة نظر تراثية، وليس من وجهة نظر معرفية حديثة أو حداثية ،مطالبة بإعادة الحق الى نصابه من هذه الوجهة. وبهذا صبغت المسلسلات التي تحكي عن الأندلس كفردوس مفقود تجب إستعادته، مثل (ربيع قرطبة) و(صقر قريش) الخ، وكذلك أعمال مثل (أخوة التراب) و(التغريبة الفلسطينية)، التي طالبت بالعودة إلى البارودة العتيقة لتحرير فلسطين. تلك البارودة المرتبطة بإحياء التراث. بحيث أشارت الى الأحداث التاريخية لن تكون حقيقية إلا إذا قرأت وفقاً لهذه الوجهة. فاستعادة الأندلس التي ضاعت (لأسباب قررتها هذه المسلسلات) واجب وحق من حقوق من حقوقنا، وما على الأسبان المعتدين إلا الانسحاب والإعتذار عن هذا الإعتداء الغاشم.

ثالثاً: على التوازي حملت المسلسلات الشامية، أو مايسمى مسلسلات البيئة، أو ما يمكن تسميته (الكاوبوي الحضري)، اللامساواة كقيمة طبيعية من قيم التجمع الحضري (ولا أقول المديني). ولعل المرأة كمثال فاقع على اللامساواة ينسحب على جميع شخصيات وعناصر العمل الإعتبارية. إذ يكفي باب الحارة الذي يغلق ويفتح وعليه حارس يمثل ثقافة الغيتو والأغيار مثالاً كافياً حتى لا ندخل في تفاصيل ثقافة الغزو وتوابعها. ولكن لا بد لنا من المرور على مثال من مسلسل (أهل الراية أو أيام ساروجا) على عقلنة اللامساواة واعتبارها زينة العقل، عندما يرفض المتعلم استلام زعامة الحارة، بدلاً عن زعيمها الأصلي بعد احتجابه لصالح رجل الدين شيخ الحارة. فالمتعلم الذي يفهم يستطيع تقدير نعمة اللامساواة التي منحت له. هذه اللامساواة التي استطاع المسلسل البيئي تكريسها على أنها واقع الحال، هي لب العنف التراثوي الذي تم تعميمه على الثقافة الشعبية وهو ما نحصد نتائجه اليوم.

المفاعيل الثلاثة التي سجلتها أعلاه ،هي جزء يسير مما ملىء به الفراغ الذي يقابل اللامعنى عند دوبريه ، فالحداثة هي استثمار في "المجتمع " على طريق الإرتقاء ،وليست مجرد معرفة استخدام ماكينات أو آلات حديثة.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نجيب نصير

سيناريست سوري

إقرأ للكاتب

رُهاب الشعبوية ونضال الدّهس بالشاحنات

هل المطلوب من الألماني أن يُبقي نظرة الحنان والأمل في عينيه ويُعيد انتخاب ميركل كي لا يصبح...

في وداع 2017

ندفع اليوم ثمن عدم تحرير فلسطين والأجزاء السليبة ألأخرى جميعها وبالتفاصيل المملّة ، لأن ذلك...

الاستشراق عن بعد

يقول عصام الخفاجي وهو أستاذ في جامعة أمستردام، لصادق جلال العظم (الحياة 13/12 /2016) التالي:...

جوكر التُراث

لسنا مُتّفقين على التُراث وهذا يكفي لنفي وجود أرضية اجتماعية صالحة لتوليد مجتمع من لدن معارفه،...

إبتلاع بيزنطة

تركيا الآن ليست بيزنطة كما كانت عثمانيا التي لم تستطع أن تكون بيزنطة بالمعنى الحضاري، فهي على...

الهويّة بوصفها ....ترياقاً

عملياً الهوية ضرورة إنسانية مجتمعية لا مناص منها. ولكنها في نفس الوقت لها استحقاقاتها...