الدراما والمجتمع.. تسويق ثقافة – الجزء الثالث

من أهم سقطات الدرامة السورية، والعربية أيضاً والتي تسببت فيها الرقابة بالإشتراك التضامني مع المنتجين، هو تقليد الأعمال الناجحة تسويقياً، فما أن نجح عمل من الفانتازيا التاريخية (وتسميتها خطأ شائع أيضاً) حتى تراكض المنتجون على على إنتاجها وتسويقها، وما أن نجح عمل في بيئة العشوائيات السكنية حتى اشتغلت الكاميرات مستنسخة العمل، وكذلك مع الأندلسيات، وسرديات التاريخ المرتجلة إلى تملق الأمراء عبر مدائح مهلهلة.

من مسلسل هجرة القلوب إلى القلوب لـ هيثم حقي
يتمنى المهتم المتابع للدرامة التلفزيونية السورية، لو أنها التجأت إلى لوائح الرقابة الرسمية فقط، على الرغم من كونها رقابة وقاسية أيضاً، ولكنها تبدو شيئاً معقولاً ومبرراً بالمقارنة مع الرقابة الشعبوية التي صارت فيما بعد إلى رقابة إجتماعية تمنع وتجيز بناء على معطيات شفاهية، تشرعن للصورة والحكاية حقها في التعبير عن محتويات محددة سلفاً، تاركة "للدراميين" ما تبقى من مساحات الإبداع، كي يلعبو فيها ما شاءوا من ألعاب، كما أنها تركت للتذاكي مساحة يلعب فيها لعبة الطميمة (الغميضة)، فإذا تملّص من مقصها وقع في مطب الواهي من المسائل والقضايا، وترك بين براثن النقد الشعبوي كي يمزقه إرباً. الطامة الكبرى في هذا الموضوع أن التلفزة الحكومية انجرفت للخضوع إلى هكذا رقابات، ولم تتميز في إنتاجاتها عن أي منتج أمي يسعى ومن خارج مداركه ومهاراته المحدودة إلى تسويق ثقافة أقل ما يقال فيها أنها متخلفة، ولم تتمايز بحفاظها على مستواها أو أهدافها ولا حتى رقابتها، بحيث تتحول إلى منافس أو قائد في مواجهة المنتجات الخاضعة للرقابات الشعبوية.

هذه الرقابة  الشعبوية كانت أم وأب الإنتاج الدرامي السوري (والعربي)، فعلى الرغم من إنخفاض السقف التعبيري ( ونحن أمام صورة !)، إلا أن التحدي كان على مستويين: الأول: هو حاجة الفنانين للتعبير عن أنفسهم، وهي حاجة ملحاحة ومضنية، وقد تقبل التنازلات مقابل عدم التسمم بالعطالة الناتجة عن شح التعبيرعبر مهاراتها.

والثاني: هو الإنتاج، فإنتاج هكذا سلعة وفرّ للمنتجين سوقاً ملتهمة جزيلة الربح من جهة، ومكانة ووجاهة فنية وشهرة مغرية غير مسببة ولا تحتاج إلى إنجاز، فهي مجرد تشغيل فلوس، وهو ما أدى إلى فقدان المنتج الفني وتركز الإنتاج وأمواله مع ثلة من السماسرة الصغار، المتذللون لصغارموظفي المحطات الباثة، الملّبون لأوامرهم على صعيدي الشخصي والعملي، لأن عقوباتهم وعلى حيز مواز قد تؤدي لا إلى خسارتهم فحسب، بل إلى الخروج من المهنة برمتها وهذا ما حصل مع الكثيرين.

لم تبدأ الدرامة السورية  في الموجة الثالثة، على هذه الشاكلة أبداً، فعلى الرغم من سعر ساعتها الرخيص نسبياً والذي ساعد على انتشارها، إلا أن بداياتها كانت كمحاولات إبداعية ممتازة على الرغم من خضوعها وبواسطة التذاكي للائحة الـ 28 الرقابية، فهذه المسلسلات التي ولدت على يدي هيثم حقي كمنتج فني في مسلسل (هجرة القلوب إلى القلوب  25 حلقة) 1990 كاسراً تقليد الموسم ذي الـ 13 حلقة ومن إنتاج التلفزيون السوري ومؤسسة الخليج للأعمال الفنية، كان ذو مستوى مغايراً عن المألوف فنياً وفكرياً وإمتاعياً، ما فتح الباب واسعاً أمام نوعية مختلفة من المسلسلات، بالإضافة لفتح الأبواب أمام قطاع خاص ليقدم إنتاجاته برقابة سياسية وإعلامية بسيطة، لأن لائحة الـ 28 بنداً تغطي إعتراضات أعتى رقابة في العالم.

مشهد من مسلسل باب الحارة الدارمي
طفق المنتجون السوريون يتكاثرون بعد تجربة هيثم حقي  كقطاع خاص ( التي بدأها في شركة السيار ومن ثم الرحبة ) وبدأت أسباب الإتجاه إلى هكذا مهنة بالإتضاح شيئاً فشيئاً، فمن أصحاب السطوة والنفوذ الذين يحاولون مقاماً أو برستيجاً ثقافياً، إلى المتمولين من مغتربين وتجار، إلى أصحاب علاقات بالمحطات الباثة، إلى فنانين اشتهروا وأصبحوا نجوماً استعطفوا أغنياء البترودولار لينتجو أعمالاً تجعلهم أغنياء طوال عمرهم، لتبدو تجربة هيثم حقي موازية، ولم تخل من سقطات ناتجة عن الإحتدام التنافسي القوي بين هذين النوعين من المنتجين، وكذلك نتيجة تهافت المستويات الفنية والإبداعية المطلوبة من قبل المحطات الباثة.

وها نحن في بداية الألفية الثالثة، ننظر إلى ذلك المستوى الرث ( طبعاً التعميم قتال فلا بدّ من وجود أعمال هنا وهناك تمثل مستوى معقولاً كإستثناء على قاعدة ) الذي تلتهمه المحطات وتوزعه على أدمغة الجمهور وثقافته، ومن ثم قناعاته وسلوكه، وذلك كرافد وداعم شديد التأثير لثقافة عامة بدأت تتفشى مع بداية الثمانينيات لم تترك نوعاًإعلامياً إلا واستغلته، إما بالقضاء عليه، أو بإدارته، ثقافة تراثوية، أرسى حضورها بريجنسكي بالإتفاق مع زعماء عرب، لبدء الجهاد في أفغانستان، قد يكون هذا الكلام كبيراً أو واسعاً وربما بعيداً بعض الشيء عن موضوعنا، ولكنه كان في خدمة الثقافة التراثوية  المطلوبة آنذاك لأكثر من سبب، بجميع أشكالها ومآربها، وصولاً إلى اللحظة الراهنة.

بالعودة إلى المنتجين، أو منتجي هكذا سلعة حداثية بدلالة تكنلوجيات الإتصال، وواقعه ودلالاته ومغازيه، فقد افتقد هؤلاء المنتجين إلى معرفة المهنة التي هم بصددها، ولا أقول هنا على المستوى الفكري المعرفي فقط، وإنما على المستوى التنفيذي أيضاً، فهم لا يعرفون في أدائهم أية تفاصيل حرفية تقريباً، مقتصرين على مهارة المساومات وفهلوياتها، ما أدى إلى صناعة حرفيين مزيفين من مخرجين وممثلين وكتاب ومنفذي إنتاج، دون أن يعرفوا كيفية معايرتهم وتقييمهم، ومن ثم تقديمهم كدكتاتوريين صغار يتربعون على عروش واهية من "الإبداع"، ما ساهم وبشكل أساسي في إنحطاط الدرامة الى مستويات قياسية، وهم يعرفون ذلك تماماً ويرضخون، وهم على استعداد تام في حال توقف سوقهم عن إفراز الأرباح أن بإمكانهم أن ينتقلو إلى حرفة أخرى بكل بساطة.

من أهم سقطات الدرامة السورية، والعربية أيضاً والتي تسببت فيها الرقابة بالإشتراك التضامني مع المنتجين، هو تقليد الأعمال الناجحة تسويقياً، فما أن نجح عمل من  الفانتازيا التاريخية (وتسميتها خطأ شائع أيضاً) حتى تراكض المنتجون على على إنتاجها وتسويقها، وما أن نجح عمل في بيئة العشوائيات السكنية حتى اشتغلت الكاميرات مستنسخة العمل، وكذلك مع الأندلسيات، وسرديات التاريخ المرتجلة إلى تملق الأمراء عبر مدائح مهلهلة. هذا ما فعله ويفعله الآن المنتجون وأجزم هنا أنهم لا يدرون ما هم فاعلون على الرغم من معرفتهم أن الدرامة برمتها أضحت في الحضيض، فهم مجرد حلقة من حلقات التثقيف التراثوي، بغض النظر إذا كانت منتجاتهم تاريخية أم معاصرة، أو بين بين كما في "باب الحارة "إلياذة الدرامة التلفزيونية، مع أخواتها الكثر، كأيقونة ثقافية مرجعية لكل من أحب الهداية الاجتماعية وأخلص للشرف الذي يراق على جوانبه الدم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نجيب نصير

سيناريست سوري

إقرأ للكاتب

رُهاب الشعبوية ونضال الدّهس بالشاحنات

هل المطلوب من الألماني أن يُبقي نظرة الحنان والأمل في عينيه ويُعيد انتخاب ميركل كي لا يصبح...

في وداع 2017

ندفع اليوم ثمن عدم تحرير فلسطين والأجزاء السليبة ألأخرى جميعها وبالتفاصيل المملّة ، لأن ذلك...

الاستشراق عن بعد

يقول عصام الخفاجي وهو أستاذ في جامعة أمستردام، لصادق جلال العظم (الحياة 13/12 /2016) التالي:...

جوكر التُراث

لسنا مُتّفقين على التُراث وهذا يكفي لنفي وجود أرضية اجتماعية صالحة لتوليد مجتمع من لدن معارفه،...

إبتلاع بيزنطة

تركيا الآن ليست بيزنطة كما كانت عثمانيا التي لم تستطع أن تكون بيزنطة بالمعنى الحضاري، فهي على...

الهويّة بوصفها ....ترياقاً

عملياً الهوية ضرورة إنسانية مجتمعية لا مناص منها. ولكنها في نفس الوقت لها استحقاقاتها...