بنك الأهداف "غير التقليدية".. من التهديد الاستراتيجي إلى التهديد الوجودي لإسرائيل!

يمثل تهديد الأمين العام لحزب الله مساء الاثنين باستهداف المنشآت النووية والبيولوجية للعدو نقلة كبيرة في سياسة الردع، بما لا يمكننا تصنيفه كمحطة خامسة في سياسة الردع الاستراتيجي، ولكن كسياسة جديدة تقوم على التهديد الوجودي للكيان الصهيوني الغاصب، في حال أقدم هذا الكيان على تهديد لبنان/المقاومة.

مرحلة التهديد الاستراتيجي امتدت لعقد كامل
في حواره مع الإعلامي "غسان بن جدو" على قناة الميادين اللبنانية، مساء الإثنين ٢١ شباط/ مارس ٢٠١٦، كان حديث السيّد حسن نصر الله استثنائياً بكل المعايير، ليس بمعايير جمهور المقاومة فحسب، ولكن بمعايير العدو الصهيوني بالأساس، وبمعايير داعميه غرباً و"عرباً". حيث شكّل حديثه تصعيداً خطيراً لمستوى الردع، من مرحلة التهديد الاستراتيجي التي كانت قائمة منذ حرب تموز ٢٠٠٦، وتطوّرت تدريجياً بتطوّر إمكانات المقاومة ومن ثم خطابها المؤسَسَ على تلك الإمكانات، إلى مرحلة يمكننا تسميتها بمرحلة التهديد الوجودي. ولهذا فلنا أن نعتقد أن حوار الأمس هو حوار له ما بعده في الشرق العربي. بما يجعله يتجاوز عنوان "حوار العام" الذي وضعته الميادين له، ليصبح "حوار العقد" الذي يستمر أثره لعشر سنوات مقبلة على أقل تقدير.  

مرحلة التهديد الاستراتيجي ومحطاتها

امتدت مرحلة التهديد الاستراتيجي لعقد كامل، منذ تموز/ يوليو ٢٠٠٦م وحتى آذار/ مارس ٢٠١٦، قامت خلالها سياسة الردع مع العدو الصهيوني على قدرة المقاومة على  الرد على أي عمل عدائي للعدو الصهيوني برد مُناظر في القوة معاكس في الاتجاه، بما في ذلك نقل المعركة إلى أرض العدو رداً على استهداف الجبهة الداخلية اللبنانية، ما دعا العدو لإجراء مناورات سنوية باسم "نقطة تحول" لتدريب مستوطنيه على التعامل مع استهداف فلسطين المحتلّة بصواريخ الحزب، واسم المناورة يحدّث عن ذاته. وقد مرت تلك المرحلة بعدة محطات، فكانت هناك محطة البداية في ١٤ تموز/ يوليو ٢٠٠٦ مع ضرب البارجة حانيت والذي كشف عن امتلاك حزب الله لصواريخ أرض-بحر، متزامناً مع إطلاق عشرات الصواريخ على مستوطنات العدو من عكا غرباً إلى صفد شرقاً، وإعلان أمين عام حزب الله سياسة استهداف العمق بعبارة "حيفا وما بعد حيفا"! وما تلا ذلك من معارك برية ناجحة ضد مدرعات العدو، والاستخدام الناجع لصواريخ الكورنيت سورية الصنع ضد الميركافا الإسرائيلية.
ثم تعوّد الأمين العام إعلان عناوين المحطات التالية في خطاباته بمناسبة ذكرى الشهداء القادة كل عام في ١٦ شباط/ فبراير/. فكانت المحطة الثانية في شباط/ فبراير ٢٠١٠م، بإعلان الأمين العام سياسة الاستهداف الأدقّ للعمق، عندما قال عبارة "إذا قصفتم مطار الشهيد رفيق الحريري في بيروت سنقصف مطار بن غوريون في تل أبيب"، فصرّح ضمنياً بتطور إمكانات الحزب الصاروخية ودقّة بنك أهدافه، وجاءت محطة ثالثة في شباط/ فبراير ٢٠١١ عندما هتف مخاطباً كوادر المقاومة "كونوا مستعدين ليوم إذا فرضت فيه الحرب على لبنان، قد تطلب منكم قيادة المقاومة السيطرة على الجليل"، فكانت قفزة محورية حيث أخبرت عن جهوزية الحزب لنقل المعركة إلى أرض العدو، لا عن طريق القصف الصاروخي ولكن عن طريق الاقتحام البري. بالسيطرة على بعض المستوطنات الصغيرة في شمال الجليل ومن ثم تحويل مستوطنيها إلى دروع بشرية، بما يُحيّد سلاح الجو الإسرائيلي عن المعركة، ويُعيق إمكاناته الصاروخية ونيرانه الثقيلة. فكانت تلك القفزة برأينا هي الدافع الأهم لتعجيل المؤامرة على سوريا. حيث فرضت على الحزب التدخل لحماية خاصرته، ومن ثم استنزافه في حرب منهكة امتدت لخمس سنوات، لتضمن بذلك تعطيل تطوره النوعي المطرد بإنهاكه وإنهاك سوريا الداعمة له في آن. لكن محطة رابعة أعلنت رغم ذلك في خطاب الأمين العام في ١٦ شباط/ فبراير من العام الجاري، حين تحدّث عن استهداف حاويات الأمونيا في حيفا، مهدداً بتلوث كيميائي لا يمكن السيطرة عليه. والحق أن تلك المحطة الرابعة هي محطة مؤجّلة منذ العام ٢٠٠٦. فمن يعود إلى خطاب السيّد حسن نصر الله في ١٦ تموز/ يوليو 2006 يعرف أن فكرة تصعيد الهجوم بنشر التلوّث الكيميائي لم تكن بعيدة عن ذهن قيادة المقاومة وقتها، لكنها قيلت وقتها بصيغة النفي لا بصيغة التهديد، فقد قال الأمين العام نصاً "تحييد المصانع الكيميائية والبترو-كيميائية في حيفا وهي تحت مرمى صواريخنا حرص منا على عدم دفع الأمور إلى المجهول"، وبهذه المحطة الرابعة وصلت مرحلة التهديد الاستراتيجي إلى ذروتها، وجاء حوار الأمس تدشيناً رسمياً لمرحلة التهديد الوجودي. 

الغطاء العربي للعدوان؛ قديمٌ جديد!!

يحقّ لنا يقيناً أن نرى في بيانات مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية تغطية سياسية لعدوان محتمل، وإن كان الأمين العام قد استبعد احتمالات الحرب المفتوحة، غير أنه لم يستبعد احتمال "المعركة بين حربين"، ولماذا لا نعتبر تلك البيانات التي تُصنّف حزب الله كجماعة إرهابية تغطية للعدو الصهيوني؟ من يستبعد هذا عليه أن يعود بالذاكرة إلى حرب تموز، ولضعاف الذاكرة نساعدهم باستدعاء بعض الأحداث.

ـ في  ١٣ تموز/ يوليو (ثاني أيام العدوان) حمّلت السعودية المقاومة "المسؤولية الكاملة" عن تصرفاتها "غير المسؤولة"، ودعتها إلى "إنهاء الأزمة التي أوجدتها" مطالبة بالتفرقة بين "المقاومة الشرعية وبين المغامرات غير المحسوبة". هكذا نفت مملكة آل سعود قديماً صفة "الشرعية" عن المقاومة. فما أشبه الليلة بالبارحة.

ـ  في ١٤ تموز/ يوليو هاجم الرئيس المصري آنذاك حسني "مبارك" والملك "عبد الله" عملية الوعد الصادق ووصفاها بالمغامرة. وفي اليوم ذاته قال المتحدث باسم البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي لن يضغط على إسرائيل لوقف العدوان، وقال إن الدول العربية ومنها مصر والسعودية والأردن لا ترى في حزب الله كياناً شرعياً بل هو تهديد للدولة اللبنانية .

ـ  في ١٩ تموز/ يوليو قالت الخارجية الأميركية إن دولاً صديقة هي مصر والسعودية والأردن ستمارس ضغطاً على سوريا لإقناع حزب الله بالامتثال للشروط الإسرائيلية.

التغطية العربية المتزامنة أو السابقة أو اللاحقة على العدوان ليست مُستغرَبة، ومع ارتفاع سقف التغطية هذه المرة، ومع تدني الدول العربية للدَرَك الأسفل، لابد لنا من توجّس احتمالات تغطية العدوان، ولهذا برأينا كانت ضرورة الانتقال إلى مرحلة التهديد الوجودي.

 

مرحلة التهديد الوجودي؛ الضرورة والمحاذير

يمثل تهديد الأمين العام لحزب الله مساء الاثنين باستهداف المنشآت النووية والبيولوجية للعدو نقلة كبيرة في سياسة الردع، بما لا يمكننا تصنيفه كمحطة خامسة في سياسة الردع الاستراتيجي، ولكن كسياسة جديدة تقوم على التهديد الوجودي للكيان الصهيوني الغاصب، في حال أقدم هذا الكيان على تهديد لبنان/المقاومة. هذا التهديد الوجودي صار اليوم مبرراً ومشروعاً، بل وضرورياً، لأن حجمه - رغم أي محاذير - هو وحده المناسب اليوم لحجم التحديات التي يواجهها الحزب. فلو كانت الأزمة السورية شكلت حلماً جميلاً للكيان الصهيوني، إذ تنهِك حزب الله والدولة السورية لصالحه، فهذا الحلم قد يتحوّل إلى كابوس لو خرج حزب الله من تلك المعركة بعد أن راكم الخبرات المستمرة لسنوات، مقترناً بكابوس آخر مع المقاومة الشعبية المتنامية في الجولان السوري، والتطورات الميدانية الأخيرة لصالح الجيش العربي السوري والمقاومة قد تغري الصهيوني بالعدوان قبل أن تتطور الأوضاع لصالحهما أكثر.
في هذا السياق قد يبدو توقيت الانسحاب الروسي الجزئي مثالياً. كذلك فمع الوضع الانتقالي المطوّل في السياسة اللبنانية، قد يستغل الكيان الصهيوني وحلفاؤه من الرجعية العربية الظرف الراهن لتحسين شروط تفاوض أتباعهم في الداخل اللبناني بمعركة فوق المحدودة وتحت المفتوحة، خاصة لو تم اصطناع دور لهؤلاء في احتواء المعركة وعدم تحولها إلى حرب مفتوحة، وثالثاً يبقى السؤال عن أهداف بيانات الرجعية العربية التي تتّهم الحزب بالإرهاب وتوقيتها كما أسلفنا. هذا الوضع المعقّد وما يحمله من خطر وجودي اقتضى بطبيعته الارتقاء بالردع إلى مستوى التهديد الوجودي للكيان الصهيوني.

نعم، تبقى هناك محاذير لهذا التهديد الوجودي لو وضع يوماً موضع التنفيذ، أهمها إمكانية اختيار منشآت نووية/بيولوجية صهيونية في مواقع محدودة/ معدومة الأثر على أهلنا في فلسطين المحتلّة، وتبقى محاذير للإعلان عنه اليوم، إذ ستستخدمه إسرائيل في ابتزاز داعميها لزيادة دعمها عسكرياً، ولكن حجم التحديات عندما يزداد في هذا المحيط المُلتهب، لابد للمقاومة من أن تعود إلى دستورها المكوّن من كلمتين كانتا وصية الأمين العام السابق، دستور "حفظ المقاومة"، حيث يصبح السؤال عندما يتهدّد أمن المقاومة سؤالاً وجودياً لكل عربي؛ يكون العرب أو لا يكونوا؟

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أياد حرفوش

كاتب وروائي مصري، حاصل على بكالوريوس الطب من جامعة طنطا، وماجستير الإدارة من جامعة وسط ميتشيجن، وزميل كلية شارترد للإدارة بالمملكة المتحدة، نشرت له ثلاث كتب في الشأن السياسي والأمن القومي العربي، وروايتان ومجموعتان قصصيتان

إقرأ للكاتب

من إدارة التوحّش إلى إدارة التعاطف

أنا مع إدانة الإرهاب في كل مكان فوق هذا الكوكب، أتعاطف وأؤيد التعاطف مع ضحاياه من كل دين وطائفة...

ماذا بقي من ثورة يوليو المصرية؟

بما أننا نعيش هذه الأيام أجواء الذكرى الرابعة والستين لثورة يوليو/تموز ١٩٥٢، فسنحاول هنا الإجابة...

رسالة الإرهاب في نيس.. لم نستقبلها

واضحة هي رسالة الإرهاب! قاسية وفعالة وسيلته الجديدة! لكننا في العالم العربي والإسلامي مصرون على...

"اليوم التالي لداعش" وفق مؤتمر هيرتزيليا؛ رؤية إسرائيلية

نوقشت ضمن فعاليات المؤتمر الإسرائيلي السنوي في هيرتزيليا (١٤-١٦ يونيو/حزيران ٢٠١٦م) ورقة العمل...

السودان والتباكي على المجد الذي كان.. عندما تتقمصنا روح العدو!

لقد اختار السودان بإرادة حرة الاستقلال عن مصر، وكان هذا حقاً مشروعا له! فللسودان كما لمصر تاريخ...

السعودية والقومية العربية؛ من العداء إلى محاولة الامتطاء!

وثيقة المؤتمر المخابراتي الذي انعقد في القاهرة بتاريخ ٢٣ مارس/آذار ١٩١٨م، والتي أفرج عنها في...