لماذا الوقوف مع الدولة السورية في الجزائر؟

المستقبَل الوحيد المدبَّر لسوريا هو نفسه المستقبل الوحيد المدبَّر لليبيا ولغيرها من بلاد العالم الإسلامي، وهو ما عبَّر عنه بوضوح وعلى الملأ وليّ العهد السعودي عندما قال عن إيران "سننقل الحرب إلى داخل إيران"، فهؤلاء ليس لهم من دور سوى إشعال الفِتَن، لتتحّول جميع الدول العربية والإسلامية إلى عبس وذبيان، وتقوم الحروب الجاهلية بينها لتتحوّل إسرائيل مع حلفائها العرب إلى أقوى دول المنطقة.

من مجازر داعش الجماعية في سوريا والعراق

سبب وقوفي في الجزائر من خلال منشوراتي ومقالاتي مع الدولة السورية وجيشها الباسِل، وحلفائها الأوفياء الصادقين، وعدم وقوفي مع المعارضة، مفاده:

أولاً: أن عقلي لم يستسغ تلك المعارضة التي تؤيّدها دول لم تمارس الديمقراطية في يوم من أيام حياتها، تلك الدول التي تمارس كل أنواع الديكتاتورية والاستبداد والظلم في حقّ شعبها، وفي حقّ الكثير من الشعوب المستضعَفة، وهي فوق ذلك كلّه سبب كل المصائب التي نزلت ببلادنا، وجميع بلاد العالم الإسلامي. وفي إمكان أيّ عاقل أن يُراجِع أرشيف تلك الدول ليبحث عن القواعد العسكرية التي ضُرِب بها العراق وأفغانستان وليبيا واليمن، وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.

ثانياً: أن عقلي لم يستسغْ أن ترعى تلك المعارضة أميركا راعية الإرهاب العالمي، وإسرائيل أخطر سرطان تعرفه المنطقة، فهما جميعاً بمعونة المعارضة المستخدَمة كأدوات للإمبريالية الاستكبارية، يستعملان كل الوسائل لانهيار الدولة السورية، فلم يكتفوا بتجنيد أولئك المغرَّر بهم في المعركة الخاسِرة التي يقومون بها بل أضافوا إليها ضرباتهم العلنية لهذه الدولة المقاوِمة.

ثالثاً:  أنا أعرف سوريا قبل أن يحصل لها ما حصل فقد كانت من أحسن الدول العربية، وأكثرها حضارة وتطوّراً وتسامحاً وكانت مساجدها ممتلئة بالمشايخ الربّانيين، بل كانت تُقام فيها الحضرات الصوفية على الملأ. وكانت الحكومة السورية من أكثر الحكومات تساهُلاً مع الزوّار والسوّاح العرب مهما اختلفت مشاربهم، وكان من الممكن لأيّ عربي أن ينال الجنسية السورية بكل سهولة وأن يدرس في مدارسها، وينال الشهادات العُليا من جامعاتها. وذلك كله لم يعجب السلفية الوهّابية التي تريد أن تحوّل بلاد الشام مركزاً من مراكز التطرّف والعُنف والإرهاب، فلذلك اعتبرتها دولة شركية كافرة وأحلّت قتالها في نفس الوقت الذي تحرِّم فيه القيام بتظاهرة أو إضراب في مملكاتها المستبدِّة.

رابعاً: أن التوجّه المقاوِم لسوريا وموقفها من القضية الفلسطينية ومن القضايا العربية والإسلامية لا يماثله أيّ موقف، ومن العجب أن يُشكَّك في هذا الموقف بدعوى أنهم لم يطلقوا رصاصة واحدة على إسرائيل. وأيّ شخص يعرف الاستراتيجيا السياسية والعسكرية يُدرِك أن إطلاق رصاصة أو صاروخ استعراضي لا ينفع ولا يضرّ.

لقد كان الموقف السوري موقفاً استراتيجياً لا يفهمه إلا أصحاب العقول، لا أصحاب الاستعراضات. فيكفي أن تدعم حركات المقاومة وأن تقف ضدّ التطبيع وأن تحضِّر نفسها للمعركة الأخيرة. هذه هي المقاومة الحقيقية التي يخافها الصهاينة لا المقاومة الاستعراضية..

وأنا متأكّد تماماً أن سوريا لو فعلت ما طلبه منها هؤلاء ورمت صاروخاً أو رصاصة فسيكون أول من يطعنها في الظهر أولئك الذين يتحالفون مع إسرائيل فوق الطاولة وتحت الطاولة.

خامساً: أنني أعلم عِلم اليقين أن كل ما تتفوَّه به قنوات الفتنة من الكيميائي وغيرها مسرحيات مُدبَّرة لدعوة الغرب للتدخّل في سوريا، فالجيش العربي السوري استطاع أن يحقّق انتصاراته مع حلفائه من غير حاجة لاستعمال ذلك السلاح أو غيره.

سادساً: الطريقة التي يُفكّر بها أولئك الذين يدعون الجيش السوري إلى عدم تحرير المدن أو الأحياء المغتصَبة مُستغربَة من طرف الجماعات الإرهابية، فهل يرضون هذا لبلادهم؟ تصوّروا أن فئةً من الناس ومعها الجيش راحت تحتل الرياض، ألا يقوم الجيش السعودي باستعمال كل الوسائل لإنقاذها وإعادتها إلى الوطن؟ بل إن هذا في الغرب نفسه الذي يدعونا إلى الحرية فلو أن أية فئة احتلت باريس أو لندن هل يمكن أن يسكت جيش فرنسا أو جيش بريطانيا؟

سابعاً: المستقبَل الوحيد المدبَّر لسوريا هو نفسه المستقبل الوحيد المدبَّر لليبيا ولغيرها من بلاد العالم الإسلامي، وهو ما عبَّر عنه بوضوح وعلى الملأ وليّ العهد السعودي عندما قال عن إيران "سننقل الحرب إلى داخل إيران"، فهؤلاء ليس لهم من دور سوى إشعال الفِتَن، لتتحّول جميع الدول العربية والإسلامية إلى عبس وذبيان، وتقوم الحروب الجاهلية بينها لتتحوّل إسرائيل مع حلفائها العرب إلى أقوى دول المنطقة.

وأخيراً فإنني منسجم في موقفي هذا مع نفسي ومع كل شيء. فلا أؤمن بأية معارضة مسلّحة في أية دولة، ولا أؤمن بأيّ انشقاق عن أيّ جيش، ولا أؤمن بتخريب مؤسّسات أية دولة. أؤمن فقط بالحوار الهادئ والتغيير المسالِم. أما العنف، فلن يجلب إلا العنف.

أما أولئك الذين يعاتبونني، فهم ممتلئون بأنواع التناقُض، فهم يدَّعون أنهم يقفون ضدّ الإرهاب في بلادهم بينما يؤيِّدونه في بلاد أخرى. وهذا من التطفيف في الميزان والكيل بالمكاييل المزدوجة.

وليس الأمر للأسف، متوقفاً عند سوريا. فأولئك الذين وقفوا بكل قوّة لتخريب سوريا وتدميرها هم أنفسهم يقفون ضدّ الجيش المصري، ويتمنّون أية بوادر للانشقاق فيه. بل يقفون ضدّ جميع الجيوش العربية، لأنهم يعلمون أنها صمَّام الأمن الداخلي والخارجي الذي بفقدانه وتفكّكه تحلّ الفوضى. وهم يتمنّون ذلك، لأنه لا مشروع لهم إلا الفوضى.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

إقرأ للكاتب

ما وراء خطاب السيد خامنئي للعرب

وصف مُرشِد الثورة الأبعاد الحضارية التي ينبغي للشعوب مُراعاتها للتخلّص من كل أشكال الهيمنة،...

احذروا الفتنة القادمة.. فيلم مُسيء للصحابة

يتم التحضير لفتنة جديدة خطيرة في بريطانيا، وتتجسّد بفيلم مسيء للصحابة، يستبسل دُعاة الفتنة في...

إلى أبي مهدي المهندس.. شهادتك ميلاد جديد

حياتك ونضالك لن ينتهي بشهادتك، بل إن شهادتك ستكون ميلاداً جديدا للمقاومة، لا في العراق وحدها، بل...

لماذا تحقدون على الحشد الشعبي؟

الحشد لم يجتمع من تلقاء نفسه، ولا اجتمع من خلال طلب الحكَّام الذين تزعمون أنهم جاؤوا على ظهر...

الانتفاضات العربية والمُتاجرون بالفِتَن

إذا ما انبرى العُقلاء والحُكماء لمواجهة تلك الفِتَن، والمُتاجرين بها، مُقرِّين في نفس الوقت...

محور المقاومة والصواريخ الصوتية

وأول آثار تلك الصواريخ على الكيان الصهيوني نفسه؛ فهو يشعر بآثارها الخطيرة عليه، وعلى التركيبة...