مُجاهدات في الثورة الجزائرية

على قدر اتّساع الجزائر، وعلى قدر غناها العرقي والتاريخي، أما عن التاريخي فقد حفل السلّم الزمني بنساء جزائريات تركن بصمات كبيرة في مجتمعاتهن وبين أهلهن.

حفل السلّم الزمني بنساء جزائريات تركن بصمات كبيرة في مجتمعاتهن

انتشرت في الفترة الأخيرة أفكار متنوعة ومتشكّلة في قوالب عدّة، لكن مفادها واحد، إن المرأة الجزائرية عاشت في فضاء الحرية، وإنها لم تستردّ حريّتها فقط في التاريخ القريب ولن نقول إنها إلى اليوم لم تتحصّل على جزء بسيط من حريتها، كما يحاول بعض المحاولين الانتصار لهذه الفكرة، من يرفض تقبل البعض لحقائق التاريخ لوضعهم الحالي وتأقلمهم الكبير مع وضعهن يرون إنهن يمتلكون الحرية التي يريدون، فيتهجمون برفض أكبر لهذه الفئة باعتبارها تحمل فكراً "سفيهاً"كما يدّعون، فكراً لا يُعتدّ به كخبرة في الحياة ولا في فهم الحرية، ومن هنا نستشف أن الحرية هي بالنسبة لهن ما أحبوه هم فقط، لا ما أراد كل إنسان أن يعيشه، مفهوم الحرية ليس فرضاً في التطبيق بقدر ما هو إيمان بما للغير من خصوصيات وتفكير، لكن الأولى في سؤالنا، هل فعلاً لم تكن المرأة الجزائرية تعيش حريّتها ولم يكن لها كيان وبصمة..؟ وهل كانت تعيش في غياهب ما فُرض عليها من دور قصير !!!
على قدر اتّساع الجزائر، وعلى قدر غناها العرقي والتاريخي، أما عن التاريخي فقد حفل السلّم الزمني بنساء جزائريات تركن بصمات كبيرة في مجتمعاتهن وبين أهلهن، فنجد دور المرأة البدوية التي كانت تخرج للعمل بما أتيح لها في تلك الفترة جنباً إلى جنب مع الرجل، في الرعي، في الفلاحة، في التجارة، و المرأة الشاوية التي تشتهر الأوراس( تقع شرق الجزائر العاصمة) بحكايات النساء اللائي يعملن في الجبال من دون أن يرين أية نقيصة في وجودهن ولا غياب لأنفسهن في أماكنهن، هذه بصفة عامة، وبالعودة إلى تاريخ الجزائر، نجد نسوة صنعن ما لم تصنعه جيوش من مُناديات بالحرية والمعاصرة، ومن بينهن الملكة "تينهينان" التي عُرِفَت عند المؤرّخين بأمّ الطوارق، امرأة حكمت ووحّدت كل قبائل الطوارق من جنوب الجزائر إلى مالي وتشاد والنيجر، وكانت تقودهم بنظام عسكري اقتصادي مُحكَم وإلى اليوم يستعين به الرجال الطوارق في تنظيمهم الداخلي، وننتقل إلى جبال الأوراس لنجد الكاهنة "دهية" قاهرة الجيوش، خليفة كسيلة الأمازيغي في قيادة أمازيغ شمال إفريقيا لمدة قدّرت بخمس وثلاثين سنة، قادت حملات ومعارك ضد الرومان والعرب والبيزنطيين في سبيل استعادة أراضي الأمازيغ، كاسبة احترام العدو قبل الصديق وذكرها المؤرّخون العرب بشكلٍ يُبيّن احترامهم لها، ثم إلى قسنطينة، لنجد لالة أمّ هاني بنت رجب باي، التي حقنت الدماء التي كانت بين السلطة العثمانية وقبائل العرب ثم حكمت بوابة الصحراء من منطقة الزيبان إلى ما بعد ولاية تقرت،(جنوب العاصمة) ، كانت تقود الجيوش"جيوش العرب المسلمين" وهي على صهوة جوادها وتلبس الفستان القسنطيني (الفرقاني) وعلى كتفيها البرنوس الوبري(الوبر) وعلى خصرها المسدس الذي لم يُخطئ هدفه أبداً ، وفي جبال جرجرة نجد لالة فاطمة نسومر"عذراء الجبل" أو كما يروق لها أن تُسمّي نفسها "خولة جرجرة" تيمّناً بالصحابية خولة بنت الأزور التي كانت تقاتل في جيش المسلمين، لالة فاطمة نسومر قادت الجيش رفقة المقاوم الشريف بوبغلة، وأنقذته في إحدى المعارك، انضم لها العديد من مشايخ القبائل (7000) إلى أن وقعت في الأسر ووضِعَت في الإقامة الجبرية في مسجد هي اختارته بنفسها، وصولاً إلى حرب التحرير حيث برزت أسماء عدّة في سماء النضال العسكري والسياسي، فقد أنجزن عدداً من الوظائف المختلفة من حضر وريف، وقد بلغ عدد النساء المشاركات في الثورة 111000 إمراة مُسجّلة، وكانت نسوة الحضر تشكّلن نسبة20% والبقية من الريف، وكان وجودهن الجغرافي سبباً رئيساً في قوّتهن كمُقاتلات عسكريات، وجواسيس لجمع التبرّعات، وممرّضات ، وطاهيات، وكذا في النقل والمواصلات، ومن أشهر تلك النسوة جميلة بوحيرد، زهرة ظريف، وجوهر أكرور، هذه الأخيرة التي لا يعرفها الكثير رغم دورها الكبير، إذ تجنّدت كفدائية في الثورة سنة 1956 ولم تكن تتجاوز ال 18سنة، مؤدّية واجبها الوطني المُقدّس بكل حذاقة وبراعة، إذ كانت هي المسؤولة عن عملية التفجير في ملعب 5 جويلية، وحديقة الحامة، في العاصمة إلى أن ألقي القبض عليها وتعرّضت إلى أشدّ أنواع التعذيب وحُكِمَ عليها بالإعدام لكنها لم تخضع وتقبل بأي (حاكم المنطقة) عرض من عروض الاستعمار التي كانت تقدّم لها إلى أن جاء الاستقلال وخرجت وواصلت واجبها الوطني المُقدّس في صوَر عدّة من بينها كانت عضواً في الأمانة الوطنية للمجاهدين مُكلّفة بحقوق الشهيد والمجاهد.
كل هؤلاء وغيرهن مما لا يتّسع المجال لذكرهن كانت لهن رؤيا موضوعية للحياة وللمستقبل رفقة الرجل لا ضده، تبني الوطن بدل أن تحارب الآخر في الوطن، ترتقى بذاتها ولا تدنو بتكبّر ضد الآخر... فأين هو قيدهن؟ لما لم تمنع تلك النسوة من شق طرق التميّز في ظروف أكثر صعوبة من اليوم إلا لأنهن لم يفكرن في حريتهن فقط بل صنعن حرية الوطن، وإن كن فعلاً لم يناضلن لأجل الحرية فماهي الحرية إذن؟ وإن كانت الحرية بمفهوم واحد، ألا تعتبر قيداً هي الأخرى؟ إن ما يفرض على شخص آخر مختلف بحجّة الحرية هو تطرّف مؤسّس على خلفية نفسية مُترسّبة من نقائص كثيرة لكن أن تعتبر الآن فقط وجدت الجزائر، فلا حرائر الجزائر موجودات منذ وجدت.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً