ترامب يمنح الأراضي العربية لنتنياهو برسم قمّة تونس

بعد قمّة الأردن الـ28 سنة 2017م كانت النكسة العظيمة وهي إعلان ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وفي القمّة العربية المقبلة التي ستُعقَد في تونس يوم الأحد 31 آذار/مارس 2019م استبق ترامب الخطوة ليُعلن أن الجولان قطعة إسرائيلية وسيوقّع اليوم بياناً يعترف فيه بأحقية إسرائيل بالجولان، وربما غداً سيمنح ترامب غور الأردن لتصبح إسرائيلية بالكامل وأيضاً قد نشهد تسليم سيناء المصرية في وقتٍ لاحق.

ربما غداً سيمنح ترامب غور الأردن لتصبح إسرائيلية بالكامل وأيضاً قد نشهد تسليم سيناء المصرية في وقتٍ لاحق

كلما أراد العرب الاجتماع في قمّة، جهَّز لهم العدو الصهيوني مصيبة، هذا ما دَرَجت عليه القمم العربية السابقة، وهذا ما تعوَّد عليه العدوّ الصهيوني، ففي كل مرة يستفزّ العدو الصهيوني العرب ولا يحرّكون ساكناً بل يزيدون الطين بلّة، ويُصيّرون المشهد أكثر تعقيداً، وهذا واضح وجليّ منذ انعقاد القمّة العربية في الأردن سنة 2001م والاتفاق على أن تكون دورية كل سنة في بلدٍ عربي، وجاءت بعدها قمّة بيروت المُسمَّاة بالتاريخية لأن وليّ العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز طرح مبادرة التطبيع مع الكيان الصهيوني شرط انسحابه إلى حدود الرابع من يونيو سنة 1967م، وما زلتُ أذكرُ كيف سارت القمّة التي غابت عنها أبرز القيادات العربية ومنع الصهاينة الرئيس الفلسطيني الزعيم ياسر عرفات من الخروج من رام الله لحضور القمّة ، ومُحاصرته ثم اغتياله في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2004م بعد تسميمه وانهيار صحته فجأة، وفي العام نفسه اغتال الصهاينة الشيخ أحمد ياسين الرجل المُقعَد على كرسي عند خروجه من صلاة الفجر، وبعد سنتين تولّت القوات الأميركية بمساعدة كرد العراق إعدام صدّام حسين وكان ذلك يوم عيد الأضحى المبارك فجر يوم السبت 30 كانون الأول/ديسمبر 2006.

وفي 2008 وبعد انعقاد القمّة العربية الـ20 اجتاحت إسرائيل غزّة بلا هوادة، سُمّيت بعملية الرصاص المصبوب، دامت ثلاثة أسابيع كاملة، عاش خلالها الفلسطينيون كل أنواع الرعب والحرمان، وبعد قمّة سرت الـ22 بدأ الربيع العربي يجتاح الدول العربية بدءاً من تونس مروراً بمصر واليمن وليبيا وسوريا، واليوم في السودان والجزائر وربما يلحق دولاً عربية أخرى تنشد شعوبها التغيير والخروج من حال التأزّم الاقتصادية والاجتماعية، وبعد قمّة الأردن الـ28 سنة 2017م كانت النكسة العظيمة وهي إعلان ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وفي القمّة العربية المقبلة التي ستُعقَد في تونس يوم الأحد 31 آذار/مارس 2019م استبق ترامب الخطوة ليُعلن أن الجولان قطعة إسرائيلية وسيوقّع اليوم بياناً يعترف فيه بأحقية إسرائيل بالجولان، وربما غداً سيمنح ترامب غور الأردن لتصبح إسرائيلية بالكامل وأيضاً قد نشهد تسليم سيناء المصرية في وقتٍ لاحق.

ماذا بقيَ للقمّة العربية أن تناقش في وضعٍ مزرٍ كهذا واستسلامٍ عربي وخنوعٍ تامٍ لما يقرّره ترامب، فقد تمّ التطبيع مع إسرائيل من دون انسحاب إسرائيل نفسها من فلسطين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 كما طرحتها السعودية، وها هي اليوم السعودية نفسها تخضع لشروط ترامب ونتنياهو من دون أي شرط،  وقد نشهد مستقبلاً تسليماً آخر خطيراً، وقد عبَّر عنه أحد الصهاينة في تويتر مُستهزِئاً قائلاً متى سنزور الحَرَم المكّي؟، فبعد أن تمّ تخدير العرب كلياً جاء ترامب ليمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي القِطَع المُتنازَع عليها بين إسرائيل والعرب قطعة قطعة وأمام ناظريهم ومن دون مقاومة تُذكَر، فمادام قد تمّ سلب القدس وهي العاصمة الدينية للمسلمين جميعاً في العالم أمام ناظريهم ولم يفعلوا شيئاً فلن يفعلوا شيئاً أيضاً وهم يرون ترامب يُسلِّم نتنياهو الجولان وغداً غور الأردن وبعد غد سيناء في استهتارٍ تامٍ بالعرب والمسلمين وفي بهتة غريبة للمسلمين والعرب لم تحدث من قبل.

وكما تجرَّأ ترامب وفَعَلها اليوم سيفعلها مستقبلاً، وسيتجرَّأ على كل شبرٍ عربي وسيقتطع من الدول العربية ما يريد، وسيضمّ أيَّ جزء لإسرائيل من دون مقاومة تُذكَر من العرب وإسرائيل، ومَن كان مقاوِماً حاصره وخنقه اقتصادياً ليكتم صوته ويُبعثر أوراقه، ويُظهِر ضعفه ويعلن موته تدريجاً، وهذا ما فعله ياجوج ترامب وماجوج نتنياهو اليوم مع إيران وحزب الله وحماس الثلاثي المقاوِم لإسرائيل والتوجّه الاستعماري الانتهازي الامبريالي الأميركي بعد القضاء على سوريا معقل الدعم الأساسي للمقاومة، فهل يستطيع العرب بعد كل هذا الوَهْن أن ينهضوا ويستنفروا قواهم في قمّة تونس المقبلة رغم خشيتنا من أن تدور الدائرة عليهم مرة أخرى ويصفعهم الراعي الأميركي بنكسةٍ أخرى.

لا شك أن الشعوب تتألَّم في كل مرة تُعقَد فيها القمّة العربية للمآسي والنكسات والنكبات التي خلَّفتها القمم الماضية، كلما حملت معها الأمل إلا بادر المستعمرون إلى وَخْزهم وإحداث الألم في نفوس شعوبهم، والتاريخ شاهد على ذلك، حتى يئست الشعوب من أيّ أملٍ أو انفراجٍ قد يحدث، وبيانات القمم كلها تُدين وتُطالب وتتحدَّث بكلماتٍ مُنمّقةٍ وحماسيّةٍ وما تلبث أن تكون حبيسة أدراج جامعة الدول العربية التي تعاني من أمراض التفكّك والتشتّت والصِراع الدموي والاختلاف السياسي والتكتّل الجزئي. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فوزي بن حديد

كاتب تونسي

إقرأ للكاتب

الديمقراطية في تونس والخوف من الاغتيال

المرشح قيس سعيّد شخصية قد تبدو غامضة عند البعض لكنها شخصية صارمة في الواقع حسبما يبدو، تتمتع...

بعد هجومي تكساس وأوهايو .. هل يضغط الشارع الأميركي على ترامب لمواجهة الأميركافوبيا؟

سيضغط الشارع الأميركي على الأرجح على الرئيس دونالد ترامب لاتّخاذ إجراءات جديدة ضد حاملي السلاح...

الجسر بين جزيرة جربة والجرف مطلب شعبي

وعدت الحكومة التونسية في الفترة الأخيرة الشعب التونسي بإنشاء جسر يربط الجزيرة بالجرف، وقامت بعرض...

ورشة البحرين... المال مقابل السّلام أو الموت الزّؤام

نحن اليوم أمام فصل أخير من المشهد، حيث السلام المزعوم تلخّص في تقديم معونات للفلسطينيين لتحسين...

الرئيس الشهيد محمّد مرسي.. الديمقراطية التي ظهرت فجأة واختفت فجأة

وعندما أقدم عبد الفتاح السيسي على عملية انقلابية ورأينا ما حصل في رابعة العدوية وقصر الاتحادية...