تشرشل وجونسون وهوس كتب التاريخ

أغلق جونسون كتاب التاريخ، جلس أمام عدسات الكاميرا رافضاً أن يتحول من بطل بريكست إلى ضحية الكورونا. خاطب البريطانيين بحزم واتخذ، وإن متأخراً،قرارات هي الأشدّ قسوة في تاريخ المملكة في زمن السلم.

  • تشرشل وجونسون وهوس كتب التاريخ
    تفشّى الفَيروس التاجي فارتبك جونسون... بشّر البريطانيين بأنهم سيشربون جميعاً من كأس الموت المر

منتصراً خرج ونستون تشرتشل من الحرب العالمية الثانية فحجز لنفسه أسطراًوصفحات لا بل كتباً في التاريخ. كان يعرف حجم إنجازه ويدرك جيداً أن لقاءه روزفلت وستالين في يالطا في أربعينيات القرن الماضي سيغيّر وجه العالم. فعلها وعاد إلى المملكة المتحدة كأب الأمة وصانع الإنجازات. يدرك رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ما تقدّم، لا بل إنه حفظ تفاصيل حياة تشرتشل عن ظهر قلب، كيف لا وقد ألّف كتاباً يخلّد فيه أهم محطات الرئيس الراحل.

جونسون الذي أحب الإثارة والاستعراض منذ انتخابه رئيساً لبلدية لندن عام 2008 عدّ خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي أو "مشروع زعيم النازية" (على حدّ وصف جونسون) أهم الإنجازات التي ستخلّد اسمه في كتب التاريخ... لكن هذا كان قبل أن يباغت الفَيروس الصغير المملكة العظيمة.

تفشّى الفَيروس التاجي فارتبك جونسون... ألقى خطابه الشهير وبشّر البريطانيين بأنهم سيشربون جميعاً من كأس الموت المر... لم تنقذه مهاراته في الخطابة والتعامل مع الإعلام، فقرر الصحافي المبدع العودة إلى كتب التاريخ لعلّه يجد ما قد يخرجه من الأزمة منتصراًويعيد الزج باسمه في أسطر التاريخ الناصعة.

المرضى يفترشون أرصفة الشوارع والمستشفيات المكتظة فيما رائحة الموت تنبعث من كل ناحية وصوب... كان ذلك في الخامس من كانون الأول ديسمبر من العام 1952.

لندن التي ألِفَت الضباب فوجئت بتحوله إلى قاتل صامت وسريع التنقل. كثافة الضباب حجبت الشمس لأيام وامتزجت بدخان المعامل فتحولت سمّاً يفتك بكل من استنشقه. حركة القطارات شلّت وكذلك الطائرات، ودخلت البلاد في أزمة غير مسبوقة. فشخصت أنظار البريطانيين إلى صانع التاريخ.

وقف تشرتشل كرئيس للوزراء وقتذاك أمام الملكة إليزابيت الثانية حاملاً ورقته الصغيرة ليعرض أهم أحداث الأسبوع. استهل اللقاء بالحديث عن الاضطرابات في مصر حيث تتصاعد المشاعر الرافضة للاستعمار. كان تشرتشل متحمساً جداً لبقاء نفوذ بلاده في أرض الفراعنة وتحديداً على قناة السويس...  قاطعتة الملكة الشابة متسائلة عن خطة حكومته في مواجهة أضرار الضبخان (الضباب الممزوج بالدخان)  استشاط تشرتشل غضباً...  فكيف تجرؤ الملكة على سؤال من انتصر في الحرب العالمية ودحر الفاشية والشر والطغيان عن مجرد ضباب سيتبدّد في النهاية؟

خرج من القصر الملكي مسرعاً، رافضاً الاستخفاف به. متعنتاً، رفض كذلك مناقشة موضوع الضباب في اجتماع الحكومة، ولكن سرعان ما تعالت الأصوات المنتقدة لحكومته والمطالبة بإزاحته، حتى إن الحزب الخصم بدأ يعدّ العدة لتجريده من الثقة.

ارتبك تشرتشل، فهو لا يريد أن يتلطخ اسمه في كتب التاريخ بدماء 12000 بريطانياً قتلهم الضبخان خلال 4 أيام فقط. الرجل الذي بدأ بخسارة الأصدقاء فيما يترقب الأعداء سقوطه،قرّر زيارة أحد المستشفيات حيث ألقى خطابه الشهير قائلاً: "حيثما وجدت البطولة وجد الأمل والله وحده قادر على إزاحة الضباب، أما الحكومة فستزيد من دعمها للمستشفيات ودور الرعاية الصحية لحماية أرواح البريطانيين..." في اليوم التالي انقشع الضباب، وعنونت الصحف "تشرتشل قائد حقيقي في وقت الأزمات."

أغلق جونسون كتاب التاريخ، جلس أمام عدسات الكاميرا رافضاً أن يتحول من بطل بريكست إلى ضحية الكورونا. خاطب البريطانيين بحزم واتخذ، وإن متأخراً، قرارات هي الأشدّ قسوة في تاريخ المملكة في زمن السلم،علّه بذلك يوقف عدّاد الموت الذي حصد أكثر من 300 بريطاني وبات يهدّد حياة آلاف الآخرين.

كورونا لم يفسد نشوة جونسون بإنجازاته فحسب،فها هو يتنقل على خارطة العالم مهدّداً أنظمتها ومبعثراً مخططات قادتها وخاطفاً أرواح سكان الكوكب من دون أي تفرقة بين الشعوب، لا من حيث العرق أو الدين أو اللون أو اللغة أو حجم الثروات... ليصبح بذلك أهم مقتحمي كتب التاريخ الحديث من دون أي منازع.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مايا رزق

مذيعة في قناة الميادين