الولايات المتحدة وخوف النهاية

هي العورة الأميركية، كشفت عنها فجاجة سياسات دونالد ترامب، وهي الصراع الدولي بين نظامين، قائم وقادم، فهل يحقّق الثاني توقعات نعوم تشومسكي؟

  • الولايات المتحدة وخوف النهاية
    أكثر الرؤساء لا عنصرية في تاريخ الولايات المتحدة هم الّذين طالبوا بفصل العرق الأبيض والأسود عن بعضهما البعض

في العام 2001، كتب نعوم تشومسكي مقالاً طويلاً بعنوان "قلق البداية أم خوف النهاية؟!". كان ذلك بعد قصف طائرات حلف شمال الأطلسي ليوغوسلافيا، ونجاحها في إنهاء آخر نظام من بقايا الكتلة الاشتراكية في أوروبا، وتقسيم يوغوسلافيا، كما طُلب من سلوبودان ميلوسوفيتش أن يفعل ورفض.

الغالبية من المفكرين والمحللين رأت في هذه الخاتمة آخر توقيع مدموغ على تربع الولايات المتحدة على رأس عالم معولم، سيده الحقيقي هو الشركات العابرة للحدود والمتعددة الجنسيات (كما رأى إيناسيو رامونيه في كتابه القيّم "سادة العالم الجدد")؛ شركات مروية - رغم تعدّدها - بالصالصة الأميركيّة، على حدّ تعبير المنظر روبرت شيللر، غير أن تشومسكي ذهب مذهباً آخر تماماً، عبَّر عنه مقاله الآنف الذكر، وهو مذهب يُختصر بأنّ الأمم الكبرى التي تتحوّل إلى إمبراطوريات تعيش 3 مراحل: مرحلة البداية، وهي عادة ما تتسم بالقلق؛ قلق تداويه بالحروب والعنف على أشكالهما، إلى أن تتربّع على القمة. وعندها تبدأ حكماً مرحلة التراجع، فينشأ معها خوف النهاية. وهنا أيضاً يؤدي هذا الخوف إلى العنف والحروب وإيذاء الآخرين، ممن يشكّلون تهديداً - أياً تكن نسبته - يمكن أن يساهم في إضعاف يسرّع هذه النهاية.

جاءت نظرية تشومسكي متسقة تماماً مع ما طرحه في تلك الفترة كبار منظّري السياسة وفلاسفة التاريخ، وبينهم ما فصّله البريطاني بول كنيدي في كتابيه "صعود وسقوط الإمبراطورية" و"مجيء القرن الواحد والعشرين". ومن البنود التي ناقشها كنيدي بدقّة، تأثير مسألة الانتشار العسكري والتدخلات المكلفة في البنية الاقتصادية الإنتاجية للإمبراطورية، مستعرضاً بالأرقام والتواريخ التوازي بين الارتفاع الهائل في الإنفاق العسكري وتحول الاقتصاد الأميركي من طور الإنتاج إلى طور الاعتماد على السوق والهيمنة عليه.

أما الفرنسي جان كلود روفين، فطرح مسألة خطيرة أطلق عليها مصطلح "الكتلة المقابلة"، معتبراً أن الإمبراطوريات تعتمد في بقائها على كتلة مقابلة، خصماً، تهديداً، فإذا ما افتقدتها، اختلّ توازنها وتهدد بقاؤها هي الأخرى، ولو بدا الأمر انتصاراً في بادئ الأمر.

بعد 10 سنوات، كان صموئيل هنتنغتون يتبنى مفهوم الكتلة المقابلة في كتابه المعنون "من نحن؟ تحديات الهوية الأميركية". وبعد أن يحدّد عناصر الهوية الأميركية بثلاثة: العرق الأبيض، الديانة البروتستانتية، الثقافة الأنكلوساكسونية، يقول إن الولايات المتحدة حاولت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أن تبحث عن كتلة مقابلة، فبدأت بعصابات أميركا اللاتينية، لكنها لم تكن بالوزن الذي يصلح للتقابل مع الكتلة الأميركية الشمالية، ثم حاولت بأزمات عالمية كثيرة، امتدت من يوغوسلافيا إلى أفغانستان إلى العراق، لتكتشف أن ثمة كتلة وحيدة صالحة لتشكّل الوزن المقابل هي الكتلة الإسلامية. 

وعليه، أصبح في صميم مصلحة بقاء الإمبراطورية نسج خطين يبدوان متعاكسين، ولكنهما في الواقع يؤديان الهدف نفسه: النفخ في الخطر الإسلامي، وتفعيل العداء بينه وبين الغرب، ودعم بعض التيارات الإسلامية العابرة للحدود والقارات (سراً أو علناً)، والتي تتسم بالتشدد الديني المعادي للغرب من جهة، وبالليبرالية الاقتصادية والقبول بالسوق من جهة أخرى.

بهذه الأرضيّة الملخّصة جداً، يمكن فهم بعض القضايا التي تبدو إشكالية، من مثل دعم الحزب الديموقراطي للإخوان المسلمين، وتعويله على أن يحكم هؤلاء المنطقة عبر "الربيع العربي"، وهو دعم صرحت به العرّابة هيلاري كلينتون في أكثر من مناسبة، وكرّست هذا الاعتراف في مذكراتها، إضافةً إلى اعترافها بصناعة داعش. 

وبالطبع، لم يكن تمويل السعودية للقاعدة في أفغانستان، وتمويل قطر لجبهة النصرة في سوريا، وتبنّي الإمارة لمشروع الإخوان كله، إلا بأمر من السيد الأميركي. أما توظيف فرصة انتخاب رئيس أسود (يحمل اسماً إسلامياً لم يعرفه في حياته ولا علاقة له به)، فقد كان تأسيساً لهذه المرحلة الجديدة من المشروع.

لم ينجح تشكيل الكتلة الإسلامية المقابلة، بل سقط المشروع كله. سقط هنا وترنّح هناك، وما زال من دون حسم في مكان آخر.
وفي هذا الوقت، كانت الخطورة التي حلّلها بول كنيدي تتكثّف. الولايات المتحدة المنتجة، سيدة العولمة، حولتها العولمة إلى سوق للبضائع الصينية، والولايات المتحدة، السيّدة العسكرية المطلقة، استنزفتها عسكرتها: الإنفاق العسكري الهائل المنتشر على مساحة العالم، الخضوع المتواصل لمصلحة اللوبي الصناعي العسكري في التدخل العسكري في كل مكان من العالم، لشنّ حروب واستهلاك أسلحة، وإخضاع السياسة لصفقات التسلّح، كل ذلك حوّلها إلى فيل كبير يقف على قدمين رخوتين، وتفاقم وضعها مع تفاقم أزمة النيوليبرالية العالمية العولمية.

ومن أهم بنود الأزمة إشكاليتها الاقتصادية الاجتماعية المتناقضة مع واقع الحياة البشرية، وإشكاليتها الدولية المتمثلة في صعود ثلاثة: تيار التكتلات الإقليمية أو الدولية التي برزت في وجه الإمبراطورية، ولو لم تكن على عداء معها، ثانياً تيار العولمة الصينية القائمة على صيغة مختلفة، ولكنها متماثلة في عملية إغراق أسواق العالم، وبالتالي الهيمنة من خلال الاقتصاد والسوق، ثالثاً التيارات الحمائية الوطنية، ونموذجها الأبرز روسيا فلاديمير بوتين، وتحديداً روسيا ما بعد يلتسين. 

في هذه الأجواء، صعد نجم المرشّح دونالد ترامب. وفي حين كان الكثيرون يعتبرون شعاراته جنوناً، كان المحللون الكبار يتوقعون نجاحه، بناءً على المناخ العام في الولايات المتحدة. وكان من أبرز سمات انتخاباته أنه مرشح يعتبر جمهورياً، ولكنه غير جمهوري تماماً، ولا يجمع عليه الجمهوريون، كما لا يجمع الديموقراطيون ضده. 

كان عنوان سياسته العودة إلى الحمائية الأميركية، في محاولة لإنقاذ الولايات المتحدة، وليس الإمبراطورية، فبعد الإمبراطورية البريطانية، ظلّت بريطانيا دولة عظمى. وبعد الإمبراطورية السوفياتية، عادت روسيا دولة عظمى، إلى ما هناك من الإمبراطوريات. وبما أن الإمبراطورية الأميركية لم تنهَر بعد، فقد اعتبر الرجل أن مهمة الإنقاذ - كما يراها - ممكنة أكثر.

كما اعتبر أن نمو تيار الحمائية عالمياً سيساعده في مشروعه، وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين (الملقب بدماغ بوتين)، في مقال كتبه غداة انتخاب ترامب بعنوان "تجفيف المستنقع"، اعتبر فيه أن على ترامب تجفيف المستنقع النيوليبرالي في بلاده، كما يفعل بوتين في بلاده، وكما يجب أن تفعل ميركل وماكرون، غير أنه كان لا بد لهذه المهمة من أن تصطدم بثلاثة أمور؛ الأمر الأول أن الدولة العميقة الأميركية نفسها لن تقبل هذا التغيير لاعتبارات كثيرة وخطيرة، من ارتباط رموزها وأحزابها باللوبي الصناعي العسكري واللوبي المالي الروكفلري، إلى ارتباط مصالحها بالشركات العولمية التي تتجاوز الولايات المتحدة نفسها، إلى ارتباطاتها بتيارات معادية للحمائية في الخارج. 

والأمر الثاني أن الزمن العالمي كان قد سبق، وتشكَّلت قوة أخرى لا تريد التخلص من العولمة، بل تريد تحويلها من عولمة أميركية إلى صينية بمفاهيم مختلفة، وفقاً لما قاله الرئيس الصيني في مؤتمر دافوس الأخير. 

أما الثالث، وهو الأصعب، فهو تشابك الوضع الداخلي للولايات المتحدة نفسها، ليس فقط من خلال الأزمة الاقتصادية المستفحلة في أمة تقوم على إيديولوجية المنفعة، بل من خلال انصهار اجتماعي غير مكتمل بعد أيضاً، تحتلّ فيه قضية التمييز العنصري موقعاً خاصاً، لما لها من بعد تاريخي وواقعي غير إنساني، إذ مرت من مرحلة التمييز العنصري إلى مرحلة الفصل العنصري.

وأكثر الرؤساء لا عنصرية في تاريخ الولايات المتحدة هم الّذين طالبوا بفصل العرق الأبيض والأسود عن بعضهما البعض، وتهجير السود إلى ليبيريا أو سيراليون، أو الذين أنشأوا في الحرب العالمية الثانية مناطق الضواحي التي لا يسكنها إلا البيض.

وآخر هؤلاء المرشّح الحالي جو بايدن، الذي ناضل بعنف ضد "اختلاط الأعراق"، وطالب بمنع نقل الطلاب السود مع البيض في حافلة واحدة. يبقى الوهم الأسود باراك أوباما، الذي عرّته الصحيفة الإلكترونية "بلاك أجندا ريبورت"، معتبرة أنه نتاج مشروع حدثه جيم كرو، يقوم على "دعم جمهوري ديموقراطي لبعض السود من الطبقة المتوسطة الذين يتم ترويضهم"؛ ترويض تبدى في صمته الذليل عن قتل صديقه الأسود مايكل براون على يد شرطي أبيض، وكذلك قتل أسود آخر هو إريك غارنر بالطريقة نفسها، غير أن انصياعه الأكبر كان للسياسات النيوليبرالية العولمية التي تتبناها زوجته ميشال أوباما، المطروح ترشيحها الآن لمنصب نائب الرئيس مع بايدن.

هي العورة الأميركية، كشفت عنها فجاجة سياسات دونالد ترامب، وهي الصراع الدولي بين نظامين، قائم وقادم، فهل يحقّق الثاني توقعات نعوم تشومسكي؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في جيوبوليتيك الميديا

إقرأ للكاتب

للأسف سيدنا صاحب الغبطة

هل نسيتم سيدنا، أنه لولا حزب الله لكان هؤلاء الإرهابيون جميعاً في زحلة ومن ثم في بيروت، وربما...

الحصار والعقوبات ودروس المواجهة؟

لا شك أن الحصار يخنق، لكنه بحسب دراسة فرنسية لا يحقّق أهدافه طالما أن هناك اقتصاداً شبه مؤمّم...

بولتون - ترامب أبعد من صراع رجلين

علامَ يختلف دونالد ترامب وجون بولتون خلافاً يصل حداً من الحدة لا سابق لها بين رئيس ومستشاره من...

عودة "الحركي"

ملامح الصحافي الفرنسي الذي يجري اللقاءات كانت تكتسي بعض العجب، وكان باستمرار يكرر السؤال حول...

سياقات ألمانية.. ماذا بعد؟

إنها بيئة مناسبة لجهد مركّب أعطى أولى ثماره ضد حزب الله في ألمانيا، وعلينا أن نتوقع ضغوطاً...