في وداع 2020.. عام الخيانات العربية لفلسطين

الحكومات "المُطبِّعة" هذا العام مع كيان العدو هي نفسها الحكومات التي شنَّت العُدوان الوحشي على الشعب اليمني العظيم، أليست هذه إحدى عجائب زمن 2020؟

  • لماذا كل هذا الانبطاح والسقوط أمام أقدام المُحتل الصهيوني؟
    لماذا كل هذا الانبطاح والسقوط أمام أقدام المُحتل الصهيوني؟

 

ستودّع البشرية العام الحالي بعد أيامٍ معدودة غير مأسوف عليه، ففي نظر العالم أجمع، ومنه عالمنا العربي الإسلامي، كان العام كابوساً ثقيلاً جثم بأهواله على صدر الإنسانية أجمع. لنأخذ مثالاً ساطعاً على تراجيديّة المشهد مُنذ بدء العام الذي أفزع الكرة الأرضية برُمتها بجائحة كورونا (Covid-19)، ونتج منه سقوط الملايين من البشر بين مريضٍ وميت وفاقدٍ لعمله وحتى تجارته المتوسّطة.

كان هذا الوباء الخطير عنواناً لإغلاق البلدان والمدن، وحتى الأحياء والحواري، للحد من آثاره المُرعبة، ولم يكن أحد يتصوَّر بأن تتوقَّف رحلات القطارات والحافلات، وحتى السيارات الخاصَّة التي لم يُسمح لها بالحركة والتنقل، كما أنَّ مطارات العالم أُصيبت بشللٍ تام جرَّاء الإغلاق، وتعرضت بسببها شركات الطيران العالمية لخسائر بلغت عشرات المليارات من الدولارات.

وحين يخسر العالم من شرقه إلى غربه كل تلك الأعداد من البشر، فلا أظنّ أنَّ إنساناً ما يعيش على هذه البسيطة لم يتأثر شخصياً بوفاة قريب أو صديق أو شخص مُقرَّب إليه. ولذلك، نستطيع القول إنَّ هذا العام هو عام حزن وحداد عالمي جماعي اكتوى منه الجميع، وهذه هي المفارقة العجيبة التي جمعت الإنسانية كلّها في مأتمٍ وحداد واحد استمرّ حتى هذه اللحظة.

تتبارى مراكز الأبحاث الدولية ونشرات الأخبار والمجلات والصحف المهتمة بالشأن الاقتصادي العالمي، لتعلن، وبشكل يومي، حجم الضرر الذي تعرضت وتتعرّض له اقتصادات العالم (الغربي الحُر) من خسائر فادحة في حجم الإنتاج الاجتماعي الإجمالي، وخسائر باهظة في أسواق الأسهم في جميع بورصات العالم، ما أدى بشكلٍ مباشر إلى ضياع العديد من فرص العمل، وإلى تزايد أعداد العاطلين من العمل في كبريات الاقتصادات العالمية، كالولايات المتحدة الأميركية وغيرها من بلدان اقتصاد السوق (الحُر)، وحتى تلك البلدان التي كان النمو الاقتصادي فيها يتصاعد بوتيرةٍ عالية، وكانت أسواقها تشهد انتعاشاً كبيراً، لم تنجُ من ظاهرة الخسارة الاقتصادية العالمية، وكان الاستثناء هو اقتصاد جمهورية الصين الشعبية وطبقة المليارات، مِمَّن يتاجرون في العالم الافتراضي وبيع الممنوعات عالمياً.

لقد كان هذا الوباء امتحاناً صعباً للنظم الصحية والسياسية والإدارية للدول والحكومات في العالم أجمع، ففي الوقت الذي تهاوت نظم صحية في دول تُعد الأقوى اقتصادياً على مستوى العالم، من مثل أميركا، الدولة الأكثر "رخاءً وقوةً" في العالم، وسقطت كل من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا في فخ "كوفيد 19"، وتحّولت شعوبها إلى ضحايا جماعية حصدتها الجائحة من دون مقاومةٍ تُذكر، في المقابل، نجحت دول في مجابهة الجائحة، إضافة إلى أنها قدَّمت مساعدات طبية إنسانية كبيرة مقارنة بين اقتصاداتها الأقل نمواً والاقتصادات الغربية العملاقة. على سبيل المثال، نجحت حكومة كوبا الاشتراكية في تقديم المساعدات الطبية لأكثر من 55 دولة حول العالم، بما فيها الدول الأوروبية، ونجحت روسيا الاتحادية وفيتنام في تقديم مساعدات ملموسة لعدد من الدول على مستوى العالم.

أما جمهورية الصين الشعبية، فقد كانت الاستثناء في محاصرة تداعيات هذه الجائحة الخبيثة، على الرغم من أنها كانت الضحية الأولى لفيروس كورونا. وقد قررت الحكومة الصينية مساعدة مُعظم دول العالم الثالث ودول مهمّة في القارة العجوز، ما يدل على أن النظم الصحية في هذه الدول هي نُظم قوية وصحيحة.

ولأنَّ سنة 2020 هي سنة انتخابات في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي ترتَّب على العالم أجمع أن يستعد لمضاعفات نتائجها "غير الطبيعية" هذه المرَّة، فإن العالم كان يستعد لحرب اقتصادية وتقنية وتنافسية حادة بين أكبر اقتصادين عملاقين في العالم، وهما الاقتصاد الأميركي والصيني. 

بالفعل، تم اتخاذ قرارات وتدابير اقتصادية وعقوبات متبادلة هزَّت الاقتصاد العالمي برمته، كما ظهرت بوادر توتر عسكري مخيف في بحر الصين الجنوبي. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخاسر في الانتخابات، قد هدَّد مِراراً في حملاته الانتخابية بأن يعاقب الصين، وكانت القيادة الصينية تردّ عليه بهدوء وصبر وحكمة، ولكنّه كان في كلّ مرة يُصرح بهيجانٍ صارخ بأنّه سيعاقب كلّ دول العالم إذا ما تعاملت مع التقنيات الصينية التي تمت سرقتها ونسخها من التقنية الأميركية، وأساس ومحور هذا الصراخ هو العنوان البارز: من سيحكم العالم في القرن الواحد والعشرين من الناحية التقنية وتجلياتها في شبكات الجيل الخامس؟ وما هو مصير عملة الدولار؟! وأين سيكون موقع الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً؟

كانت كل تلك التهديدات الأميركية والرد عليها صينياً مبعث قلق ورعب عالمي، خوفاً من أن تنفجر الأوضاع بين العملاقين من الناحية العسكرية والاقتصادية والتقنية، ومن تأثيرها في مصير شعوب العالم والدول والقارات بِرُمتها حول العالم.

 أمّا إقليمنا العربي الإسلامي الملتهب، فكان الأوفر حظاً من كل تلك التداعيات السلبية التي أدت سياسات الولايات المتحدة الأميركية المتهورة أدواراً سلبية فيها في عهد ولاية دونالد ترامب الرئاسية، وهي أدوار تخريب للقوانين الأممية الصادرة عن مجلسي الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ ارتكبت هذه الإدارة العديد من الجرائم والفظائع، وتعمدت خرق القانون الدولي جهاراً نهاراً، فقد اغتالت الشهيد قاسم سليماني، قائد قوة القدس الشريف، مع رفيقه الشهيد أبو مهدي المهندس في أرض العراق، وشرعت في تطبيق بنود ما سُمي بـ"صفقة القرن" السيئة الصيت، ونقلت سفارتها إلى القدس الشريف، ومنحت هضبة الجولان السورية للكيان الإسرائيلي الصهيوني، واقتادت عدداً من الحكّام العرب إلى حظيرة تطبيع الخيانة مع العدو الصهيوني. كل ذلك في إطار الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب.

 الولايات المتحدة الأميركية، وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، ألغت من طرفٍ واحد الاتفاقية الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني، المقرة في مجلس الأمن الدولي، والمسماة "خمسة زائد واحد"، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحاولت تشكيل حِلف عسكري أمني مؤلف من الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي وآخرين، موجه ضدَّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي استراتيجية قديمة جديدة للحكومات الصهيونية. وبسقوط ترامب، سقط رهان هذه الدول، وتمت الاستعاضة عنه بالتطبيع الحكومي لعدد من الحكومات "العربية" مع "إسرائيل".

 لكن الجديد في الأمر هو المحاولة المستميتة من قِبَل مهندسي "التطبيع" الرسمي بأن يتزامن مع تطبيع شعبي، لكن، ولإيماننا بعدالة القضية الفلسطينية، فستفشل كُلّ تلك المحاولات كما فشلت في القطرين الشقيقين المصري والأردني، ولكم في موقف نقابة الممثلين والفنانين المصريين من محاولة الممثل محمد رمضان مثالٌ يا أولي الألباب، مع الفارق الكبير في فهم دور المجتمع المصري والأردني العالي الثقافة، بالمقارنة مع الطارئين المتطفلين على المشهد العروبي بتاريخه الباذخ.

 بعض "الحُكَّام العرب" يهربون إلى المجهول، أي إلى بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء كيان العدو الإسرائيلي، والمُثْقل هو الآخر بقضايا جنائيةٍ خطيرة، تتعلق بقضايا فساد مالي وإداري غير مسبوق في الكيان، كما أنه متهم بسوء استغلال السلطة، وسيخضع للمحاكمة وفقاً للقانون الإسرائيلي ذاته، ومصيره المرتقب ربما سيكون السجن. 

ورغم ذلك، تجد أن هؤلاء "القادة العرب" من مشايخ الإمارات والبحرين والمغرب، ولحقت بهم شلة العسكر من السودان ما بعد الثورة، والتي يُفترض أن تحرر الشعب، لا أن تنقله من أسر العسكر إلى أسر الكيان الصهيوني، هؤلاء "القادة العرب" يهرولون إلى الاستسلام والخيانة الرخيصة للأمة العربية والإسلامية وهو استسلام تعبّر عنه تغريدات متواترة من دونالد ترامب المهزوم انتخابياً بفارق يزيد على 6 مليون ناخب أميركي بالصوت الشعبي، وأكثر من 80 صوتاً من المجمع الانتخابي. هنا، يتساءل الرأي العام العربي والإسلامي، من إندونيسيا شرقاً وحتى المغرب غرباً، بصوتٍ عال:

لماذا كل هذا الانبطاح والسقوط أمام أقدام المُحتل الصهيوني؟ وما هي مبررات خيانة هؤلاء للقضية الفلسطينية والشعب العربي من المحيط إلى الخليج؟ ولماذا كل هذا الغدر الأسود والصريح للشعب الفلسطيني العظيم الَّذي قدَّم في مقاومته مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وبضعة ملايين من اللاجئين المنتشرين حول العالم؟ كيف لهم أن يشرحوا ذلك لنا وللأجيال والأرواح الطاهرة التي أُزهقت على مدار قرن كامل من أجل فلسطين وشعبها العظيم، أي مُنذ مؤامرة ما سُمي بوعد آرثر جيمس بلفور في العام 1916م، ومؤامرة تقسيم الأمة العربية على يد الغُزاة البرابرة الأوروبيين، بما سُمي اتفاقية "سايكس بيكو" في العام 1917م، وما تلتها من مؤامرات استعمارية صهيونية حيكت ضدّ شعبنا العربي الفلسطيني.

 إنّ ما يعتبر "تطبيعاً" اقتصادياً وسياسياً وثقافياً تمَّ تدشينه بين الكيان الإسرائيلي الصهيوني وعددٍ من البلدان العربية، هو بداية مؤسفة لوضع شعوب هذه البلدان تحت قيود مُعقَّدة وشروط مُجحفة بحقّها، وهذا التطبيع سيتحول إلى كارثة ووبالٍ عليها، ولنا أن نشاهد كمثال صارخ على ذلك عنجهية المُحتل وغطرسته وتعامله غير الأخلاقي مع أهلنا في فلسطين، وهو مثالٌ كافٍ كي تتعلم منه القيادات العربية المتساقطة في فخ التطبيع.

 للتذكير هنا فحسب، فإنَّ كلّ الحكومات "المُطبِّعة" هذا العام مع كيان العدو الإسرائيلي، والراكعة أمام سيدها الإرهابي بنيامين نتنياهو، هي ذاتها الحكومات التي شنَّت العُدوان الوحشي الغادر على الشعب اليمني العظيم في صبيحة يوم الخميس الموافق 26 آذار/مارس 2015، أليست هذه إحدى عجائب زمن 2020؟

 لو اجتمع جميع مدبّري عملية "التطبيع" التي أفضت إلى الخيانة الكُبرى لأنبل وأعز وأعظم قضية في ماضي وحاضر ومستقبل أمتنا العربية والإسلامية، لما وجدوا في قاموس لغتنا العربية حرفاً واحداً يبرر لهم صنيعتهم القذرة ووضاعتهم الهابطة، وستبقى فلسطين قضيّة جميع أحرار الأمة، وفي الوقت ذاته، لن تُغْفَر لهؤلاء المنبطحين خيانتهم.

 والحكمة تقول إنَّنا يجب أن ننسى الماضي بآلامه، ولكن علينا عدم نسيان الدرس، والخيانة للأوطان أعظم دروس التاريخ.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
د. عبد العزيز بن حبتور

رئيس حكومة الإنقاذ الوطني في اليمن. سياسي وأكاديمي تولى مناصب حكومية عديدة.

إقرأ للكاتب

دونالد ترامب غادر البيت الأبيض غير مأسوف عليه

القضيّة المحورية التي بقيت من إرث دونالد ترامب البائس، وهي استمرار الحصار الظالم والعدوان...

حكومة أبو"سيفين ونخلة" وُلِدَت للمرة الثالثة في المنفى الإجباري

"الحكومة اليمنية" التي أُعلِن عن تشكيلها من الرياض الأسبوع الماضي، وُلِدَت بعد مخاضٍ عسير،...

ماذا حلَّ بعربان مجلس التعاون الخليجي "المُطبّعين"؟

على الأَعْرَاب في مجلس التعاون الخليجي، حكاماً كانوا أو محكومين، باستثناء الأحرار منهم، وهم...

الظّاهرة الترامبيَّة المتوحّشة إحدى علامات أزمة النّظام الرأسماليّ "الحُر"

لم يعد النظام الرأسمالي الاحتكاري القائم الآن على مستوى العالم في مأمن من خطر تلك التحديات...

عدن وظاهرة ازدياد أعداد الحمير

لم يعد مستغرباً أن يشاهد المرء تجوّل "قوافل" الحمير في أحياء التواهي والمعلا وكريتر والمنصورة،...

السّودان على خطى المطبّعين.. هل هي صدفة؟

القيادة العسكرية الحالية في الخرطوم كانت ضالعة في جميع التفاصيل التي اقترفها نظام عمر حسن...