تركيا: من صفر مشاكل إلى صفر أصدقاء

تركيا تودع نظرية "صفر مشاكل" لفترة طويلة على أقل تقدير، وتدخل في مرحلة "صفر أصدقاء"، هذا من دون أن نتحدث أو نعالج العلاقات المتأزمة مع روسيا بعد إسقاط الطائرة الحربية الروسية على الحدود مع سوريا، لا سيما وأن روسيا دولة جوار بالنسبة لتركيا، وهي ممر إلزامي للسفن الروسية العابرة باتجاه المياه الدافئة.

تركيا ودعت نظرية "صفر مشاكل" لفترة طويلة على أقل تقدير ودخلت مرحلة "صفر أصدقاء" (الصورة أ ف ب).
في نيسان من العام 2011، وفي مدينة بنغازي الليبية، إلتقيت بالسيد مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الإنتقالي في أحد فنادق المدينة، مباشرة بعد إجتماعه بوفد تركي جاء ليشرح موقف أنقرة الذي كان حازماً بشأن عدم تسليح الثوار، وضرورة حصول تسوية تمنع الفتنة. يومها خرج الوفد التركي غاضباً من الإجتماع الذي عاد وإستكمل في وقت لاحق. دخلت إلى غرفة الإجتماعات حيث كان يجلس عبد الجليل، الذي أخبرني بما قاله الوفد التركي حول ضرورة الحوار وأهمية عدم إنجرار الثورة إلى التسليح وحتمية التسوية، ثم أردف الرجل الستيني الذي تولى سابقاً حقيبة العدل في حكومة القذافي، أن "الأتراك يتصرفون بما تمليه عليه مصلحتهم، وليست بالضرورة أن تكون مصلحتهم من مصلحة شعب ليبيا".

في تلك المرحلة كان الاتراك يعملون بحسب قواعد سلوك كتاب وزير الخارجية حينها أحمد داود أوغلو "العمق الإستراتيجي". رئيس الحكومة التركية الحالي نظـّر في كتابه لما عرف بسياسة "صفر مشاكل" التي حولت تركيا خلال سنوات العقد الأول من القرن الحالي، إلى دولة صديقة للجميع في منطقة تضيق فيها مساحة الصداقات. حتى في عز الأزمات الكبرى، كانت تركيا تجد لنفسها مستقراً بعيداً من اللهيب. بقيت كذلك حتى اشتعل اللهيب في سوريا، ومعه بدأت أوراق كتاب العمق الإستراتيجي، دستور العلاقات الخارجية لحكومات "العدالة والتنمية"، تشتعل، وفي غضون سنوات قليلة، أقل من عدد أصابع اليد، أضحت وريثة الإمبراطورية العثمانية محل خلاف وعلى خلاف مع معظم دول المنطقة.

أخذت تركيا موقفاً حازماً من الاحداث في سوريا، هي سعت في بداية الأزمة لفتح كوة في الجدار والوصول إلى تسوية ما، فإلتقى أوغلو نفسه المسؤولين السوريين مراراً بما في ذلك الرئيس السوري بشار الأسد. بعد أشهر قليلة قررت تركيا أن تأخذ مساراً مختلفاً بناء على أن ما كانت تطرحه على دمشق لم يكن واقعاً محل قبول من وجهة النظر السورية. أخذت أنقرة موقفا جديدا مطالبة برحيل الأسد، وبشكل ممنهج بدأ الضغط السياسي يتحول إلى ضغط عسكري عبر دعم كتائب المسلحين المعارضين على الحدود مع سوريا، وفتح الحدود، بحسب الإتهامات، لمن يرغبون بالقتال في سوريا.

تطور الدور التركي في هذا الاطار بشكل أكبر، وبينما العيون على سوريا، عُزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وسجن هو وكل قادة الإخوان المسلمين في مصر، إلى جانب آلاف المعتقلين من الإتجاه السياسي ذاته بعد فض إعتصام في ميدان رابعة العدوية أدى هو أيضاً إلى سقوط مئات الضحايا. كان الموقف التركي واضحاً جلياً برفض إسقاط النظام في الشارع، وبالمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وإعادة الرئيس المخلوع إلى الحكم. تضعضعت العلاقات المصرية - التركية وفي غضون أسابيع أخرى كانت أنقرة والقاهرة في حال تراشق إعلامي سياسي لا يزال مستمراً وإن بوتيرة أخف حتى اليوم.

تبقى مصر دولة جوار بعيدة، جوار بحري بحكم الإشتراك في المياه على البحر الأبيض المتوسط، لذا فإن أهمية العلاقة معها لا تضاهي العلاقة التركية مع العراق وإيران، فكلاهما بلدان تاريخيان في علاقتهما مع تركيا، وكلاهما مهم كممر للبضائع التركية إلى المحيط الإسلامي الأوسع، بل إن داود أوغلو يقول في كتابه "العمق الإستراتيجي" عن العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية "إن وجود إيران في موقع إتصال بين غرب آسيا والقوقاز وآسيا الوسطى، يجعل من الضروري على تركيا أخذ العامل الإيراني في الاعتبار في سياستها المعنية بهذه المناطق"، ويضيف أن "العمق التاريخي للعلاقات الإيرانية - التركية يجب ألا يسمح بتقييم هذه العلاقات بوصفها إمتداداً لطرف ثالث*".

اليوم تركيا في العراق، وهي في نظر الحكومة العراقية دولة محتلة، ومتهمة من قبل دول المنطقة بأنها تساهم من حيث تدري أو لا تدري في دعم الإرهاب في المنطقة، وفي الوقت ذاته تقف هي وإيران على خط براكين خطير، قد يشهد انفجارات غير محسوبة في أي وقت، بسبب تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين نظراً لعوامل خارجية ثالثة لا لتأثير أي من الطرفين على داخل الآخر. تركيا عبر رئيسها رجب طيب أردوغان ترمي على الرئيس الإيراني حسن روحاني، والأخير يرد عبر متحدثه، وأردوغان قبل أشهر قليلة ومن جامعة مرمرة يتخطى الخطوط الإيرانية الحمراء ويضرب على المرشد الأعلى مباشرة، بسبب سوريا، لكنه في نهاية المطاف يضرب عليه بغض النظر عن الأسباب.

هكذا يمكن القول إن تركيا ودعت نظرية "صفر مشاكل" لفترة طويلة على أقل تقدير، ودخلت في مرحلة "صفر أصدقاء"، هذا من دون أن نتحدث أو نعالج العلاقات المتأزمة مع روسيا بعد إسقاط الطائرة الحربية الروسية على الحدود مع سوريا، لا سيما وأن روسيا دولة جوار بالنسبة لتركيا، وهي ممر إلزامي للسفن الروسية العابرة باتجاه المياه الدافئة.

 

*كتاب العمق الإستراتيجي تأليف أحمد داود أوغلو ـ صفحة 470

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي هاشم

كاتب وصحفي لبناني، عمل في قناة الميادين حتى عام 2017، أسس الميادين أونلاين و غطى العديد من الأحداث المهمة في المنطقة والعالم. يكتب بشكل دوري في موقع المونيتور الأميركي وله مقالات نشرت في صحف عربية وعالمية مختلفة منها السفير اللبنانية والمصري اليوم و الغارديان والصانداي تايمز البريطانيتين.

إقرأ للكاتب

عبد الناصر أرق الملك والشاه

خلال فترة الستينيات تحول المد الناصري إلى هاجس يسيطر على السعودية وإيران. كانت الحرب في اليمن...

طهران - الرياض: الطريق إلى الزلزال (1)

ليس التوتر الحديث بين إيران والسعودية وليد اللحظة، هو نتيجة عقود من التنافس على التأثير في...

خلف حجاب إيران

كلّما عرفت أكثر عن إيران كلّما أيقنت أنك لا تعرف سوى القليل حتى إن بعض ما تخاله مسلّمات يضيع في...

أميركا وإيران: حربٌ حربٌ، سلمٌ سلمٌ

لم تكن العلاقة بين إيران وأميركا سيئة من الأساس، لكنّها لخطب ما تحوّلت من اعتقاد إيراني...

التحرير الذي انتظره جدي!

لو أننا في أي وطن آخر، في أي مكان غير العالم العربي، لو أننا في فرنسا مثلاً لكان هذا اليوم،...

لماذا يهرب المتحدث باسم حماس من نفي الكلام التركي.. بالهجوم على الميادين؟!

ليست الميادين قاصرة عن تأكيد ما ورد على صفحاتها بالدليل، لكنها تحفظ مصادرها وتحترمها وتقدر...