إيران والنظام الإقليمي الجديد: أمن الجميع مترابط

تقرّ إيران أن سبب الأزمات الحالية يرجع لإهمال بعض الحكومات لمطالب التنمية الداخلية والحكم الرشيد وعدم ايلاء صناديق الاقتراع الاهتمام، لذا فمصائر الأمم باتت تقرّر عبر السلاح والإرهاب وهو الذي يجعل من هذه المنطقة أرضاً خصبة لتصدير الإرهابيين إلى جهات الأرض الأربع.

مباحثات فيينا الأخيرة حول سوريا
لم يعد من شك لدى الإيرانيين أن الشرق الأوسط يخطو ببطء على جمر الأزمات باتجاه نظام إقليمي جديد. هذا النظام يرث ما قبله الذي أرسي إبان زمن الاستعمار والانتداب لكن بنوده ترسم بجثث الآلاف ممن يقتلون يومياً على امتداد المساحة المنشغلة بين داعش وإسرائيل وما بينهما ومن على ضفتيهما.

تدرك طهران أن زحمة الألوان والخطوط لا تلغي حقها في اختيار تصورها للقادم من خلف تلال الموت. هي ترى بوضوح أن أي حل في المنطقة لن يكون مبنياً على خيار عسكري، لا بين الدول المصطفّة ضمن محاور متقابلة ولا حتى لحل القضية الأخطر والأكثر حضوراً في هواجس الشارع قبل الحكومات، داعش ومن يماثله في الفكر التكفيري الذي يبدو أنه أضحى سرطاناً ينمو بشكل منظم ومضطرد في الجسد الضعيف المتثاقل. علاج هذا المرض يتطلب تنسيقاً وحواراً واتفاقاً وخطة بين قوى المنطقة الفاعلة، تقول إيران، وهكذا حوار عماده الرئيس احترام دول المنطقة لأمن الجوار، فلا يمكن للسعودية مثلا أن تحفظ أمنها بزعزعة أمن اليمن والعراق وسوريا، على حد ما قال نائب وزير الخارجية للشؤون العربية والأفريقية حسين أمير عبداللهيان في خطاب له في سويسرا ضمن مؤتمر سياسات العالم المنعقد في مونترو في سويسرا.

في خطابه أشار الدبلوماسي الإيراني إلى أن بلاده ترى أمن الجوار من أمنها، شارحاً أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة تتطلب نظام أمن اقليمي جديد يتسم بالكفاءة ويساهم في توليد سياسات جديدة وتعاون بين الدول وأخذ المطالب الشعبية بعين الاعتبار، يقول مضيفاً "واحدة من أفضل الطرق لحل مشكلة الشرق الأوسط تعزيز عملية التقارب الإقليمية على مستوى الحكومات والشعوب."

تقرّ إيران أن سبب الأزمات الحالية يرجع لإهمال بعض الحكومات لمطالب التنمية الداخلية والحكم الرشيد وعدم ايلاء صناديق الاقتراع الاهتمام، لذا فمصائر الأمم باتت تقرّر عبر السلاح والإرهاب وهو الذي يجعل من هذه المنطقة أرضاً خصبة لتصدير الإرهابيين إلى جهات الأرض الأربع، وهو ما جعل من تحدي الإرهاب تهديداً عالمياً يسمح في لحظة ما، مثلما حدث في باريس في ١٣ تشرين الثاني / نوفمبر، باستباحة المدن وتهويل الأبرياء وقتل من لا ناقة لهم ولا جمل في استعراض بالرصاص والدم لقدرة القيادة والسيطرة لدى هذه الجماعات في قلب أوروبا المتمثل بمدينة باريس.

التسوية طريق الحل، والتسوية من دون شك تحتمل التضحيات، ترى إيران، وهي التي منذ بدء الأزمات في المنطقة قبل خمس سنوات رفعت شعار الحل السياسي دون أن تنسى بدورها أن ترك الميدان واعتلاء المنابر لن يصنع معادلة سياسية تصون محورها ومصالحها وأمنها القومي والإقليمي الذي جرى تهيدده بشكل مباشر باستهداف خطوط امداد المقاومة مع اشتعال الفتيل الأول في سوريا.

في أي نظام إقليمي جديد، المقاومة خط أحمر، تقول الجمهورية الإسلامية، والمقاومة اليوم جبهات متعددة تبدأ من غزة المحاصرة والضفة المعزولة إلا من سكاكين، مروراً بجنوب لبنان والجولان، وصولاً إلى الى دمشق وبغداد. هذه المقاومة بعين الإيرانيين ليست مجرد لاعب يمكن استبداله في أي لحظة اذا ما تعب أو انتهى دوره، هي روح الفريق وعماده ومن دونها لا يبقى الفريق فريقا ولا يستحق المحور اسمه المأخوذ منها.

يضع الايراني سقفاً لمطالبه، يريده جامعاً وغير مستفز، يشرح للمهتمين رؤيته للصراع ولما من وجهة نظره كل صراع جديد يعيق مشروع فلسطين.

بالنسبة لخصوم إيران هذا سقف برتبة شمّاعة تستخدمه جمهورية ولاية الفقيه للترويج لكونها صاحبة مشروع وحدوي، بينما الأيام والأحداث أثبتت عكس ذلك. هو كلام يقوله بعض حلفائها السابقين من أهل القضية لكنها لا ترد وتحيل القائل الى لائحة طويلة بدأت يوم انتصار الثورة الإسلامية شباط فبراير من العام ١٩٧٩ ولم تنته حتى لحظتنا المثقلة بجثث إخوة كان بإمكانهم تغيير معادلة الصراع لو أنهم وجهوا بوصلتهم بإتجاه القدس الشريف.

صراعات سوريا والعراق واليمن، في ذهن الإيراني، لا زالت تحتمل حلولاً ولكن الحلول لا تأتي من دون إرادة اقليمية تشخّص الخطر الآزف على حقيقته وتخرج من قوقعة الاستهداف ونظريات ما يوصف بالـ "المشروع الصفوي" الذي يقدّم في بعض المجتمعات العربية على أنه رأس حربة إيران في إعادة بناء امبراطورية طائفية تشيّع السنيّ وتفرض رؤيتها القومية على امتداد الخريطة.

إيران تقول إنها تدافع عن أمنها وعن محورها، هذا ما تراه وهذا ما تبني عليه سياستها وهي تهزأ من اتهامات التشييع بإحالة من يكيلون الاتهامات الى سنّة إيران، الملايين الذين لم تعمل إيران على تشييعهم. الحل في وضع الأفكار المسبقة جانباً واستبدال الأمنيات بالوقائع، والأهم من هذا وذاك الإخلاص لهدف انقاذ المنطقة من نار لن تكوي فقط مكانها إنما ستمتد لتحرق في كل مكان. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي هاشم

كاتب وصحفي لبناني، عمل في قناة الميادين حتى عام 2017، أسس الميادين أونلاين و غطى العديد من الأحداث المهمة في المنطقة والعالم. يكتب بشكل دوري في موقع المونيتور الأميركي وله مقالات نشرت في صحف عربية وعالمية مختلفة منها السفير اللبنانية والمصري اليوم و الغارديان والصانداي تايمز البريطانيتين.

إقرأ للكاتب

عبد الناصر أرق الملك والشاه

خلال فترة الستينيات تحول المد الناصري إلى هاجس يسيطر على السعودية وإيران. كانت الحرب في اليمن...

طهران - الرياض: الطريق إلى الزلزال (1)

ليس التوتر الحديث بين إيران والسعودية وليد اللحظة، هو نتيجة عقود من التنافس على التأثير في...

خلف حجاب إيران

كلّما عرفت أكثر عن إيران كلّما أيقنت أنك لا تعرف سوى القليل حتى إن بعض ما تخاله مسلّمات يضيع في...

أميركا وإيران: حربٌ حربٌ، سلمٌ سلمٌ

لم تكن العلاقة بين إيران وأميركا سيئة من الأساس، لكنّها لخطب ما تحوّلت من اعتقاد إيراني...

التحرير الذي انتظره جدي!

لو أننا في أي وطن آخر، في أي مكان غير العالم العربي، لو أننا في فرنسا مثلاً لكان هذا اليوم،...

لماذا يهرب المتحدث باسم حماس من نفي الكلام التركي.. بالهجوم على الميادين؟!

ليست الميادين قاصرة عن تأكيد ما ورد على صفحاتها بالدليل، لكنها تحفظ مصادرها وتحترمها وتقدر...