هذا ما فعله العيان بالميت

طيّب، نحن الآن تحت حُكم استبدادي بدأ عهده بمجزرة مروّعة، ويحتجز الآن 60 ألف إنسان، ويُطلِق أحكام الإعدام وكأنه يُطقطق رقبته. ناقصينك أنت يا حلوة؟

"نحن الآن تحت حُكم استبدادي بدأ عهده بمجزرة مروّعة، ويحتجز 60 ألف إنسان، ويُطلِق أحكام الإعدام وكأنه يُطقطق رقبته"
عنوان المقال مُستعار من عنوان لكتاب للكاتب والسيناريست الكبير الأستاذ بلال فضل.

والأستاذ بلال فضل استعار عنوان الكتاب من مَثل مصري شهير وقديم وشائع، لا يصحّ ذكره صراحة بكل ما يحتويه من تعبيرات قد تبدو سوقية لكنها تُلخّص حال شخص بائس حائر مريض، لم يجد أحداً يخرج فيه غيظه سوى جثة لميت.

وهو توصيف دقيق لحالنا – وأنا أول الموصوفين – ونحن نقوم بالرد على إحدى السعوديات التي كتبت مقالاً قصدت به الإبلاغ في الإهانة والتشفّي.

الحقيقة أن وصف "كاتبة" على السيّدة السعودية التي دوّنت مقال غير ذي شأن، على موقع غير ذي بال، هو محاولة منا لإضفاء أهمية على شخصية قرّرت أن يعرفها العالم بطريقتها الخاصة، والتي لا تُعد مُبتكرة بالمرّة.

السيّدة السعودية لم تزد في ما دوّنته عن الشائع بين بعض العامّة من الأخوة السعوديين حين يرغبون في إهانة مصري: يا مصري أمّك رجاصة.. يا شحّاذ آل سعود أسيادك.. جول لي نكتة ياللمصري.. ظحكنا يالمصري.. والله المصاروة فهلوة هههخخخ.

ولم يبق إلا أن تختم ما دوّنته بالجملة الشهيرة: أبغى تعارف جاد.

لماذا بلغت بي التفاهة، وبغيري من الكتّاب المصريين، أن نشغل أنفسنا بالرد على هذه السيّدة التي لن أذكر إسمها كي لا أحقّق لها هدفها الذي كتبته على حسابها على الفيس بوك: أريد أن يعرفني العالم؟

قبل الحديث، أقرّ وأعترف أن ما أكتبه الآن تافه، وأنني أشغل نفسي بصغائر الناس والحوادث، بينما يحدث في مصر خطوب جِسام يرتجّ لها وجداننا جميعاَ، ما بين مُعتقلين أبرياء، وإرهابيين طُلقاء، وشهداء على الحدود يقاتلون بسلاحهم الخفيف، وارتفاع في الأسعار يجعل حياة الأثرياء مُستحيلة فما بالك بمحدودي الدخل، وأخيراً، والأكثر إيلاماً: أن تُباع أرضنا عياناً بياناً، وأن تقوم السلطات المصرية بتحويل مياه استراتيجية مصرية إلى مياه دولية عامِدة مُتعمّدة، ما يُهدّد الأمن وسلامة البلاد، ناهيك عن التفريط في جزيرتين مصريتين، وما يزيد الجرح صديداً ويضع في أعيننا مِلحاً هو أن السلطات تقاضت أجراً في المقابل كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي ياعلون في أحد تصريحاته، وحدّد قيمة الجزيرتين: 16 مليار دولار. يا بلاش.

لكنني أترك كل هذا، وأتفرّغ للردّ على نَكِرة لم تزد عن المُعتاد من بعض العامة من أخوتها في المواطنة – إن كان في المملكة مواطنة – من أقوال يترفّع المُتعلّمون من أبناء الجزيرة التلفّظ بها حتى وإن أرادوا الهجوم علينا.

لماذا؟ ما الذي جعلني أختار التفاهة بوعي؟

ببساطة لأنني عاجزة.. وقرّرت أن أفعل ما يفعله العيان بالميت. لست وحدي، هناك شعور جمعي في مصر بالعجز الكامل. لم ولن نرضى عما يُحيطنا، ولم نقبض الثمن لنصمُت كما أشارت السيّدة العامية التي تريد أن يعرفها العالم، وكان أجدر بها أن يعرفها العالم بحُسن طهيها بدلاً من أن يعرفها بالعُنصرية وإهانة شعب في لحظة انكساره.

لو أن تدوين كهذا صدر من شخصية أكثر أهميّة من السيّدة المُشار إليها منذ ست سنوات فقط لما سمع المصريون بالواقعة.

كنا منتصرين، وكان لدينا أمل. كنا ننظر للآفاق، وكانت لدينا خطط لوطننا كي يصبح في الصدارة، وكنا ندفع ثمن الحرية بالدماء والأعين، لم يكن أحد ليجرؤ أن يسعى في كسر نفوسنا وإذلالنا، وما كنا لنقبل الضّيم.

لكننا كسرنا.

هكذا وببساطة، لأسباب ومُعطيات عديدة، منها أسباب داخلية، كمجهودات الأجهزة وفلول النظام القديم وأموالهم، وأسباب كبرى خارجية على رأسها أموال الخليج، وإعلام الخليج، وعُملاء الخليج، بقيادة المملكة العربية السعودية التي تكره الثورات بشكل عام.

يجدر بي هنا أن أذكر طُرفة في هذا الظلام الحالك، منذ أعوام كثيرة مضت، طلبت إحدى المحطّات الإذاعية التي تُموّل وتُدار من قِبَل عناصر سعودية من أحد الكتّاب المصريين أن يلخّص للمُستمع مسرحيات شكسبير بأسلوب شيّق، حتى لا يضطر المُستمع لقراءة المسرحية وعدم فهمها. بالفعل، قام الكاتب المصري بكتابة حلقات تلخيصية تبسيطية لمسرحيات شكسبير، وعرضها على إدارة المحطة الإذاعية، لم تلبث الإدارة أن قرأت هذه الحلقات حتى اتّصلت بالكاتب المصري لتُلغي تعاقده وقال له المُتّصل: إيش شكسبير هذا الخايس؟ يسبّ الملوك.

المهم.. كما هو واضح، المملكة لا تحب الثورات، ولا تحب "التطاول" على الملوك والحكّام، واحنا بصراحة قلينا أدبنا قوي، فلم يعجب المملكة، وأنفقت الغالي والنفيس وجنّدت أعداداً مهولة من "الشخصيات البارزة" وبذلت جهداً استخباراتياً كبيراً، لتفشل الثورة المصرية، وقد كان لها ما أرادت.

ثم سيطرت علينا.

ثم موّلت نظاماً استبداديا.

ثم أخرست الألسُن العالمية عن استبداد نظامنا بمالها وترغيبها وترهيبها وسيطرتها على شبكات عالمية مُتضارِبة، منها بعض الشبكات الإرهابية التي تستخدمها وقت اللزوم.

ثم كمّمت أفواهنا.

ثم اشترت أرضنا.

ثم تخرج علينا ربّة المنزل هذه لتقول لنا بأنها ستحدّثنا بخطاب عقلاني عن أن المصريين شعب شَرِه للمال، مُتسوّل، مُستعدّ لبيع وطنه في مقابل مليار جنيه لكل مصري! وأن العمالة المصرية في المملكة تعمل من باب الصدَقة والإحسان حتى لا ينحرف المصريون ويلجأون للجريمة، لكن المملكة لا تحتاج للعمالة المصرية، دول حتى عندهم دكاترة سعوديين.

طيّب، نحن الآن تحت حُكم استبدادي بدأ عهده بمجزرة مروّعة، ويحتجز الآن 60 ألف إنسان، ويُطلِق أحكام الإعدام وكأنه يُطقطق رقبته. ناقصينك أنت يا حلوة؟

وكتاب الله ما ناقصينك... وكانت هذه فرصة جيّدة جداً، نشكرها عليها، لنخرج كل مكبوتات الغضب والحزن والقهر فيها.

وقد أخرجنا غضبنا، وكل ما حنفتكرها حنشتمها.

وإن كانت ترغب في أن يعرفها العالم، فقد عرفها ربع العالم بكونها تخطو على عتبات الردح والتدنّي الأخلاقي.. عليها بذل ذات المجهودات مع الصين مثلاً، حتى تحقّق حلمها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نوارة نجم

كاتبة وناشطة مصرية

إقرأ للكاتب

اللّي بنى مصر، كان في الأصل..سائق توك توك

تتغيّر الطبيعة الاجتماعية والديموغرافية، بل والأنثروبولوجية، وفقاً للتغيرات الاقتصادية. السلوك...

بريق العشوائية

في كل دول العالم يقوم الإرهابي بتفجير نفسه، أو القيام بإطلاق الرصاص على المارة ثم يحاول الهرب،...

النيل نجاشي

وسط انشغال العالم بتفسير التعبير الذي سكّه رئيس الوزراء اللبناني الذي خرج ولم يعد، السيّد سعد...

هيّا بنا نلعب

يبدو أن الحملة اعتمدت على المُخبر الإرهابي الذي تم تجنيده كما اعتادوا الاعتماد على المرشدين، لكن...

صوت يعلو فوق صوت المدعكة

لم يكن جميلاً أبداً أن تشيّع جنازات بعض الشهداء في تكتم وهدوء، ولم يكن جميلاً بالمرة أن يترك...

المظاليم والعدل

الحقيقة أن الحديث عن علاء أمر مُربك للغاية. لست متأكّدة تماماً من أية زاوية أدخل للحديث عن علاء...