الرأسمالية الحامِلة للانقسامات الدينية في الشرق والغرب

إلى وقت قريب، كان اليساريّون والليبراليون يعتقدون أن الرأسمالية قادرة ومؤهّلة بحدِ ذاتها على دمج الجماعات القومية والجهوية والتقاليد والثقافات ما قبل الرأسمالية، في مجتمعات مدنية معاصرة. وبحيث تنعكس علاقات الإنتاج الاقتصادي الجديدة في علاقات اجتماعية و ثقافية جديدة بحُكم التحديث.

ما يحدث أعاد طرح الأسئلة نفسها في الشمال الرأسمالي نفسه الذي دخل طَور التفسّخ على أساس قومي
وعندما سقطت هذه النظرة في الاختبارات الرأسمالية الطرفية جنوب العالم، أحيل ذلك إلى الركود الطويل السابق في البُنى الاجتماعية والثقافية. بَيدَ أن ما يحدث في العقود الأخيرة أعاد طرح الأسئلة نفسها في الشمال الرأسمالي نفسه الذي دخل طَور التفسّخ على أساس قومي أو جهَوي أو حتى ديني وطائفي. فظاهرة الإسلاموفوبيا التي تُصيب المسلمين الأوروبيين تذكّر بشكل ما بالانقسام الديني القديم بين الكاثوليك والبروتستانت. على الصعيد الراهن فيما يخصّ الحالة الشرقية، فإن القوميات والمذاهب تتشابك  وتتقاطع في تحديد مصير دول الشرق التي تفتقر في مستوياتها المُتباينة إلى شروط الإندماج الاجتماعي للحُقبة الرأسمالية المُعاصِرة.

وتتفاقم أزمة هذه الدول أكثر من غيرها بالنظر إلى دور العامل الخارجي ومشارط التفكيك والتمزيق المُتعدّدة، المُجرّبة منذ الحرب العالمية الأولى، بل أن مخاضات ولادة هذه الدول لم تخلُ منذ يومها الأول من هذه الاستعدادات التي ارتبطت بشروط الجغرافيا السياسية أكثر مما ارتبطت بالحاجة الداخلية لانبثاق أو انبعاث أو تأسيس دولة الثورة البرجوازية القومية وعقدها الاجتماعي.
 

لكل ذلك وتأسيساً عليه، من حقّ الدول أن تتحفّظ على أيّة دعوات مذهبية أو قومية تؤدّي إلى تفكيكها، وأن تتهيّب بالمقابل من أيّة دعوات مذهبية أو قومية تُهدّد وحدتها أو اتحادها، فالمذاهب والقوميات لا تلعب الدور نفسه في كل مرة وحالة.. وهذا شأن القوى القليمية والدولية الكبرى التي وجدت نفسها في لحظات تاريخية،  وتحت ضغط المصالح والتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية أمام نقلة إمبراطورية بهذا الحجم أو ذاك، ما يُعرف بالمجالات الحيوية التي تتّسع لفُسيفساء قومية ومذهبية مُتنوّعِة. هذا ما حدث مع كل العهود الإسلامية الكُبرى، سواء كانت عربية (الأمويون والعباسيون) أو تركية أو إيرانية.وهذا ما يُعاد أو يُستعاد في العقود الأخيرة في العديد من البلدان وخاصة في الشرق الأوسط، ومن ذلك على سبيل المثال:

1. في الحالة الإيرانية، بالإضافة للفرس ومن في حكمهم، ثمة قوميات عديدة من الأذريين (الأتراك) والبلوش ومن العرب والأكراد وغيرهم، وجميعها برسم التوظيف الخارجي. ويبدو هنا أن التركيز الإيراني على الوحدة الإسلامية (المذهب الشيعي في الواقع) يُلبّي الحاجة إلى توفير (إسمنت) أيديولوجي لهذه الجماعات، فيما البعد القومي يُعزّز نزعات الإنفصال  والتفكيك. وباستثناء الأكراد (غالبية سنّية) فإن مُعظم القوميات الأخرى، غالبية شيعية، كما هو حال العرب والترك.

2. في الحالة التركية يبدو الأمر أكثر صعوبة، فلا المذهبية ولا القومية توفّر الإسمنت الأيديولوجي للوحدة التركية، فلا الغالبية من سكان تركيا ينتمون إلى الأرومة التركية، كما لا ينتمون إلى المذهب السنّي.

فالأكراد الذين يشكّلون أقلّية كبرى (15مليون على الأقل) يتوزّعون على كل المذاهب وكذلك العرب، بل أن قسماً كبيراً منهما ينتمي إلى المذهب العلوي، كما ينتمي الأذريون (الأتراك) إلى المذهب الشيعي.

3. في الحالة العربية الحديثة، لم يلعب المذهب أيّ دور توحيدي، بل كان عاملاً تمزيقياً، وليس صحيحاً أن الإسلام هو الذي وحّد الجزائريين، ذلك أن الأمازيغ لم يشكّلوا حالة إنفصالية فضلاً عن الجذور اللغوية والاجتماعية المُشتركة التي تجمعهم مع الأرومة العربية، وذلك أن الوطنية في الجزائر كما في المغرب هي (الإسمنت) الحقيقي للوحدة.

هذا عن الدوائر التي حاول الاستعمار اللعب بها من خلال ما عُرِف بـ (الظهير البربري). أما عن بقية البلدان العربية، فكانت الهوية القومية هي الإطار العام للوحدات الوطنية، فيما كانت المذهبية على الدوام مصدراً للتمزّقات الطائفية.

وباستثناء الحالة الكردية في العراق، فلم تمتلك الهويات الفرعية للجماعات غير العربية أية إسنادات أو روافع تاريخية للانفصال أو الدعوة لدول ثنائية القومية.



إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

إقرأ للكاتب

محميات النفط.. التطبيع بحد ذاته

ارتبطت الرجعيّة النفطية بالحركة الصهيونيّة ارتباطاً وثيقاً، وسعى تحالفهما الموضوعي إلى ضرب مراكز...

المقاومة أو البربرية

عربياً، ما نحن أمامه أولاً أشكال مستجدة لشركة الهند الشرقية تسمح لدولة العدو الصهيوني بتجديد...

صورتان لفرنسا.. إلى ماذا يحنّ عربها؟

إذا كان معروفاً حجم الجرائم التي اقترفتها الإمبريالية الفرنسية في العالم فإن حصة العرب منها...

الصّراع المصريّ– التركيّ وجذوره

ما يبدو شكلاً من الاصطفافات السياسية الراهنة بين مصر وتركيا، ليس سوى تعبير عن استراتيجية ممتدة،...

شريط إخباري 1949.. ما أشبه اليوم بالبارحة!

في الشأنين الأردني والفلسطيني، يصحّ عليهما القول الدارج: "ما أشبه اليوم بالبارحة!"، وبوسع...

مثلث العدوان التركيّ- الصهيونيّ- الأميركيّ

المرجعيّة السياسيّة- الإيديولوجيّة لأطراف هذا المثلّث هي مرجعية مشتركة تعود جذورها إلى الخطاب...