أين تركيا من العدوان على سوريا؟

لا يمكن الحصول على صورةٍ بسيطةٍ أو جدّية لمواقف أردوغان، ذلك أن تأييده للعدوان على دمشق، بل تسهيله له، ولو أن المتحدّث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن نفى استخدام قاعدة إنجرليك في العدوان، هو من الأمور التي يصعب على موسكو وطهران "تفهّمها" بالتمام، إلا أن الذهاب أبعد من ذلك، سوف يضع أنقرة في مواجهة معهما، ولذلك تبعات لا يمكنه تحمّلها.

لم تعترض أنقرة على عملية تحرير الغوطة، بل تعاونت مع موسكو في حل مشكلة نقل المسلّحين إلى إدلب وجرابلس

لا يتيح أردوغان لمتابعيه، من حلفائه وخصومه على السواء، الكثير من الوقت لقراءة موقفه، وما أن يَتَلَّمَسَ المتابعُ صورةً ما لموقف الرجل تجاه أمرٍ ما، حتى يجد منه ما يحيل إلى قراءة مختلفة كلياً أحياناً. وإذا كان ذلك من سمات السياسة والسياسي في عالم اليوم، وربما في كل حين، إلا أن ما تقرأه في سياسة أردوغان من الأزمة السورية، من تحوّل وتبدّل، أو تداخل وتخارج، قد لا تجد له أشباهاً كثراً في أيامنا؛ وقد لا يصدر ذلك عن طبيعة الرجل ونمط حكمه وسياسات دولته فحسب، وإنما عن طبيعة الأزمة السورية نفسها أيضاً، التي تمثّل "خط الصَدع" الرئيس في السياسة الاقليمية والدولية.

رحّبت تركيا بالعدوان الثلاثي، الأميركي والبريطاني والفرنسي، على سوريا الذي جرى التصدّي له فجر 14 - 4 - 2018، وقالت إنه "ردٌّ في مَحَلِّهِ"، و"وجدانيّ"، حسب بيان الخارجية التركية؛ و"عملية صائبة" و"ثأر للمظلومين"، وإنه يجب التحرّك لمنع استخدام الأسلحة الأخرى أيضاً، حسب تصريحات أردوغان، التي بدت أقل حدّة من المعتاد. ولم تطلب تركيا أَدِلَّةً، كما لم تنتظر تحقيقاً في الحادثة المزعومة. وهذا ما فعلته واشنطن وحلفاؤها الآخرون. هنا تطابق في وجهات النظر وفي ردّة الفعل المطلوبة غربياً وإسرائيلياً ضد دمشق.

أين هذا الموقف مما كان في قمّة أنقرة التي جمعت أردوغان قبل عدّة أيام من العدوان بالرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني، حيث قال أردوغان إن الدول الثلاث "تحاول كدول ضامنة أن تتّفق على مستقبل سوريا". وذهبت التقديرات إلى أن القمّة المذكورة عزّزت "تحالفاً شرقياً" أخذ يتشكّل منذ بعض الوقت على خلفيّة الموقف من الأزمة السورية؛ بل أينه من الدعوة التي قيل إن الرئيس بوتين وجّهها للرئيس بشّار الأسد لحضور القمّة المذكورة؟!

لم تعترض أنقرة على عملية تحرير الغوطة، بل تعاونت مع موسكو في حل مشكلة نقل المسلّحين إلى إدلب وجرابلس؛ لكن ما أن تم الإعلان عن الهجوم الكيماوي المزعوم في دوما حتى طالب أردوغان بمعاقبة دمشق، وأيَّدَ الحشود الأميركية والغربية ضدّها، ثم إنه سمح باستخدام قاعدة إنجرليك والقواعد الأميركية الأخرى في تركيا بالمشاركة في العدوان عليها، مُعلناً على لسان وزير خارجيّته جاويش أوغلو "علينا أن ننقذ سوريا من هذا النظام"، و"يجب ألا يظل الأسد على رأس النظام في سوريا"، وإنه "كان يجب التدخّل قبل ذلك". لكنّه أعرب خلال اتصال هاتفي مع بوتين بعد ساعات من ترحيبه بالاعتداء، عن "إدانة بلاده بشدّة لاستخدام الأسلحة الكيميائية"، ولم يتحدّث عن إدانة مباشرة لدمشق، "داعياً إلى عدم تصعيد التوتّر في المنطقة أكثر".

لا يمكن الحصول على صورةٍ بسيطةٍ أو جدّية لمواقف أردوغان، ذلك أن تأييده للعدوان على دمشق، بل تسهيله له، ولو أن المتحدّث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن نفى استخدام قاعدة إنجرليك في العدوان، هو من الأمور التي يصعب على موسكو وطهران "تفهّمها" بالتمام، إلا أن الذهاب أبعد من ذلك، سوف يضع أنقرة في مواجهة معهما، ولذلك تبعات لا يمكنه تحمّلها. ومن المستبعد أن يتّخذ أردوغان قراراً على هذه الدرجة من الخطورة، مع علمه بحجم الاحتدام الحاصل، وإصرار موسكو وطهران والمقاومة على الدفاع عن دمشق، حتى لو أدّى ذلك إلى مواجهة كبرى. التفسير المرجّح للموقف، هو أن الرجل قد علم بالعدوان مسبقاً، على ما قال إبراهيم كالن، وقدَّرَ أن الاعتداء "متّفق عليه"، من حيث حجمه ونطاقه.

صحيح أن الرجل ينتقد واشنطن بشدّة، إلا أن قلبه معها، وأمله فيها، هو حليفها ولن يستبدلها بحليفٍ آخر، ولديه الكثير من الرهانات والعُقَد التي تجعله يؤيّد اعتداءها على سوريا، بل وحثّها على إسقاط نظام الحُكم فيها، إن أمكنها وأمكنه ذلك، إلا أن لديه أيضاً هواجس عميقة حيالها، كما أن اقترابه من موسكو وطهران أمسى ضرورة لمصالحه فيها، يعطيه قوّة الموقف وقوّة المساومة تجاه واشنطن. وإذا ما تطلّب الأمر  مُفاضلة في اللحظات الحاسِمة، فإن سياسته معروفة سلفاً، قياساً على سيرته وأولويّاته وخبرة التعاطي معه، وهي الموازنة بين المواقف والأطراف، وحتى "السعي إلى تسوية" بين واشنطن وموسكو قبيل الاعتداء، على ما قال نائب رئيس وزرائه بكر بوزداغ. وطالما أن المفاضلة ليست صفريّة، وخياراتها غير مُغلقة، فلا يزال بإمكانه الوقوف على جانبي الحرب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عقيل سعيد محفوض

دكتوراه في العلاقات الدولية - باحث وكاتب وأكاديمي سوري. له دراسات وأوراق بحثية عديدة عن سوريا وتركيا، والشرق الأوسط

إقرأ للكاتب

مثلّث سوتشي، في كل قمةٍ قمةٌ أخرى

أكّدت قمّة سوتشي أن التفاهم بين أطرافها حول سوريا ضروري لهم بقدر ما هو ضروري لسوريا نفسها، ولو...

ماذا بين دمشق وكردها؟

يعيش كرد سوريا أحلك لحظات وجودهم على مدى قرن تقريباً، فقد كانوا قريبين من أن يعلنوا دولة، ولكنهم...

خط القامشلي دمشق: في خيارات الكرد بعد الإعلان عن الانسحاب الأميركي

مَثَّلَ القرارُ الأميركي بالانسحاب من شرق الفرات، صدمةً وجرحاً عميقاً لدى الكرد، يعادل حجمَ...

أدونيس قارئاً الأزمة السورية

مثّلت الأزمةُ السورية اختباراً كبيراً لفواعِل الفكر والثقافة في المنطقة والعالم، ولكن بصورةٍ...

أيّ كيانية في شرق الفرات؟

لعلّ أحد أهم شواغِل القوى الكردية، هو محاولة الحصول على "جغرافيا مُؤسِّسَة" لكيانية كردية في...

أبعد من إدلب، تركيا وروسيا والغرب

في خضم الرهانات المتعاكسة حول إدلب تحديداً وحول سوريا عموماً، ودخول باريس وبرلين على خط...