رواية "جبل الأفراح".. مرآة لواقع التطرف في داغستان

تتحدث الرواية عن إشاعة في جمهورية داغستان مفادها أن الحكومة الروسية بصدد بناء سور عظيم يعزل القوقاز عن باقي الاتحاد الروسي، لتصور واقع انتشار التطرف الأصولي في البلاد.

رواية "جبل الأفراح"
رواية "جبل الأفراح"

 قراءة: لحسن الكيري*

يحتوي الأدب الروسي على عدد من الروائع التي تعتبر من أعظم الأعمال الأدبية العالمية، خاصة في مجالي الرواية والشعر. ويعكس هذا الأدب تأثرًا كبيرًا بالتطورات التاريخية التي طرأت على روسيا كاعتناق المسيحية والغزو التتاري. وظهرت أعظم الأعمال الشعرية والنثرية والمسرحية الروسية، كما هو معلوم، في القرن التاسع عشر الميلادي. كانت بدايات الأدب الروسي عام 988 م، وكان معظمه في تلك الفترة دينياً على شكل مواعظ وأناشيد وسيّر للقديسين. وقد كتب رجال الدين الجزء الأكبر من هذا الأدب، وكانوا أيضاً قرّاءه. أما الأدب اللاديني فأهم عمل فيه هو التواريخ، إذ كانت عاصمة كل إمارة تحتفظ بسجل تؤرخ فيه الأحداث. وأهم أعمال تلك الفترة المبكرة القصيدة الملحمية النثرية "أنشودة حملة إيغور"  التي كتبها مؤلف مجهول في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.

    وكان الأدب الروسي أقل عطاء في ظل حكم التتار. ولكن مع اكتساب موسكو السلطة بعد هزيمة التتار عام 1480 م وتوحّد روسيا في ظل حكم أمير موسكو الذي أصبح يدعى "قيصر" فيما بعد، ظهر ما يعرف بالأدب الموسكوفي الذي ركزّ على الموضوعات السياسية وأبدى اهتماماً كبيرًا بالأسلوب.

    وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث و خاصة في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين بعد تخفيف الرقابة على المطبوعات في فترة البيريسترويكا (إعادة البناء)، نجد أن روسيا شهدت بين عامي (1986 - 1989) انفجاراً ثقافياً حقيقياً تمثل في نشر كم هائل من الأعمال الأدبية والفكرية المحظورة طيلة الحقبة السوفيتية السابقة لطائفة كبيرة من أشهر الكتاب الروس الذين ينتمون إلى أجيال متعاقبة عدة. والكثير من هذه الأعمال تم كشف النقاب عنها لأول مرة. وهذه ظاهرة فريدة، أُطلِقَ عليها اسم "الأدب المستعاد" الذي أقبل عليه القارئ الروسي بنهم شديد لنهل النصوص الإبداعية التي تكشف الحقيقة عن ثورة أكتوبر 1917 والحرب الأهلية وأحداثهما الدراماتيكية والأساليب التي اتبعها البلاشفة لبناء "العالم الجديد" المزعوم .

    لكن هذه الموجة التي تسمّى بالأدب المستعاد حجبت الأعمال الأدبية الشبابية إذ كانت المجلات الروسية الأدبية ودور النشر تنشر أعمال الأسماء المكرسة فقط. وهذا في رأينا هو السبب المباشر في عدم رواج أسماء أدبية شابة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسيادة العولمة وانتفاء الحدود واتساع حركة الترجمة وتعاظم الثورة الرقمية والاتصالية والحقوقية، بدأنا نلمس ظهور أسماء أدبية وازنة بدأت تفرض نفسها في الساحة الأدبية الروسية نفسها وفي الساحة الأدبية والثقافية العالمية كذلك من خلال الترجمة.

وجدير بالذكر أن روسيا تأتي في المرتبة الثالثة بعد كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية من حيث عددُ عناوينِ الكتب المنشورة في جميع ضروب المعرفة والثقافة سنوياً؛ إذ لا نعجب من هذا الأمر إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا البلد يتوفر على أكثر من 5700 دار نشر. كما تمنح فيه في مجال الأدب وحده حوالي 51 جائزة منها 27 ذات قيمة كبرى. وهذا دليل على أن الأمة الروسية أمةٌ قارئة. ومن الأسماء الأدبية الشبابية في روسيا يطيب لنا أن نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر طبعا أديبة وروائية تدعى أليسا غانييفا التي نُخضع واحدةً من أجود رواياتها للقراءة في هذه الورقة البحثية المتواضعة.


نبذة عن الكاتبة:

  هي أليسا أركادييفا غانييفا المولودة سنة 1985 في العاصمة الروسية موسكو. يتعلق الأمر بقاصة وروائية واعدة أريبة وناقدة أدبية لبيبة. تعود أصولها إلى شمال القوقاز وبالضبط إلى جمهورية صغيرة هناك تابعة للاتحاد الفيدرالي الروسي ألا وهي داغستان. ولغتها الأم هي الأفار (Avar) لكنها تتكلم وتكتب باللغة الروسية منذ سن الخامسة. استقرت في موسكو منذ سنة 2002 وذلك لمواصلة دراساتها الجامعية في الآداب. وبعدها اشتغلت كصحفية محررة في إحدى الصحف هناك، لتصبح فيما بعد عضوة في هيئة تحرير مجلة "دراسات أدبية" وذلك سنة 2008.

وهكذا راج اسمها في الساحة الأدبية الروسية كناقدة أدبية من خلال صحف ومجلات روسية عدة من قبيل "قضايا الأدب"، "دراسات أدبية"، "عالم جديد"، "أكتوبر"، "سنوب" و"الأدب الروسي" وغيرها. ورغم حداثة سنها، فإن هذه الروائية المتميزة قد استطاعت أن تظفر بمجموعة من الجوائز منها:

- جائزة أسبوعية "الأدب الروسي" و"البداية الأكثر إثارة" وذلك عام 2005.

- جائزة فولوتشين الأدبية وذلك عامي 2007 و2009.

- جائزة غوركي الأدبية عن عملها "تأملات في غير أوانها" وذلك عام 2009.

- جائزة مجلة "أكتوبر" للنقد الأدبي وذلك عام 2009.

- جائزة "بداية" وذلك عام 2009.

- جائزة الشباب "نصر" للتخييل وذلك عام 2010.

- التأهل للمرحلة النهائية من جائزة يوري كازانوف الأدبية لأفضل قصة في السنة وذلك سنة 2010.

- التأهل للمرحلة النهائية من جائزة إيفان بتروفيتش بلكين عن أفضل رواية للسنة وقد كان ذلك سنة 2010.


مضامين الرواية

نقلت رواية  "جبل الأفراح" الصادرة باللغة الروسية عام 2012 إلى الإسبانية في العام 2015، وها نحن نقدم قراءة لها.

ولا بد من الإشارة إلى أن الأدب في كثير من الأحيان وسيلة يمكن أن نغيّر بها التاريخ. ولهذا ربما يستعين فقه اللغة بالأدب من خلال مجموعة من النصوص من أجل دراسة ثقافة شعب أو أمة ما عبر الزمن. إن الفرق بين التاريخ والأدب يكمن في كون الأمر في الأدب يتعلق بوقائع تبدو للعيان (الجمهور) بطريقة فيها ما فيها من الحساسية وفق منظور ذاتي كذلك؛ أي يتم تقديمها من زاوية نظر المبدع أو المؤلف. ونحب أن نحيل في هذا المضمار على الكاتب والقاص الأميركي المرموق إدغار ألان بو الذي سبق أن أشار إلى أن الأحداث والوقائع عندما تمر في مخيلة المبدع تفقد واقعيتها. ومفاد هذا أن للمبدع في الأدب قدرةً على وسم العالم بميسم خاص إذ ينفخ فيه من ذاته فيتلون بلونه ويتقولب حسب قالبه النفسي والعاطفي، فيكون الفنان هنا خالقاً يصنع الكائن والممكن. حتى الفيلسوف اليوناني أرسطو وهو يتحدث عن نظرية المحاكاة قد جعل الأدب (الشعر) أقرب إلى الفلسفة من التاريخ إليها. ولهذا فإن الأحداث العالمية الكبرى في التاريخ يتم تخليدها بواسطة حروف كتاب ملتزمين كبار؛ إذ نجدهم قد عالجوا ولا يزالون يعالجون بفنية وإبداعية كبيرة مآسي الإنسان وخيباته في العالم ناقدين ومتألمين وآملين في غد أفضل ومقاومين قوى الظلام والشر والطغيان.

   في هذا السياق تحكي لنا هذه الروائية الروسية الشابة أليسا غانييفا في روايتها الأولى في مسيرتها الفنية والموسومة بعنوان "جبل الأفراح" عن الحياة في جبال القوقاز الشمالية وعن روسيا الراهنة. وقد تم لها ذلك بواسطة سرد قصص متداخلة مشوقة تظفر فيها تقنيات السرد الكلاسيكي بالسرد المعاصر، مسلطة الضوء على مواضيع عويصة مثل الحب والذكورة والأنوثة والرجعية والسياسة والتطرف و التعصب والنزعات العرقية والنعرات الانفصالية وغيرها.

ونقطة شروع الرواية هي انتشار إشاعة في جمهورية داغستان مفادها أن الحكومة الروسية بصدد بناء سور عظيم يعزل القوقاز عن باقي الفيدرالية الروسية. وقبل أن نواصل السفر مع مضامين هذه الرواية فإنه لا بد من أن نشير إلى أن هذه فكرة فنية متخيّلة لكنها مشدودة إلى خلفية تاريخية واقعية هي جدار برلين الذي تم بناؤه لفصل الألمانيتين الغربية والشرقية.

  إن هذه البداية السردية الغريبة والمثيرة لرواية "جبل الأفراح" سرعان ما تزول غرابتها إذا ما نحن وضعنا في الحسبان مسألة بناء جدار برلين في الواقع والذي كان ينعت بجدار العار؛ إذ كانت الغاية من وراء تشييده هي فصل الجمهورية الفيدرالية الألمانية عن الجمهورية الاشتراكية الديمقراطية الألمانية. وقد تم بناؤه سنة 1961 وبعدها تم هدمه سنة 1989.

   ويطيب لنا أن نضيف معطى آخر كي نستطيع فهم هذه الرواية التي تربط بين ألمانيا وروسيا فنياً وتخييلياً؛ وهو أنه في سنة 1941 وخلال الحرب العالمية الثانية غزت ألمانيا برفقة حلفائها الاتحاد السوفياتي (وهو اتحاد فيدرالي كانت قد وقعت معه ألمانيا معاهدة عدم الاعتداء). غير أن الاتحاد السوفياتي سيخرج منتصراً إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية؛ ولهذا فيوم 9 أيار - مايو يعرف بيوم النصر وهو عيد وطني روسي.

   إن هذا المعطى قنطرة رابطة بين الماضي والحاضر حيث تتموقع هذه الرواية؛ فهذا اليوم أي يوم النصر يظهر في الرواية هنا كيوم احتفال حيث يخرج الرجال والنساء فيه كل سنة إلى الشارع، رافعين الأعلام الوطنية ومستعرضين مظاهر الفرحة والانضباط والتضامن والتعاون والأناقة كذكرى مخلدة لذلك اليوم التاريخي المشهود بالنسبة للأمة الروسية جمعاء.

   إن رواية "جبل الأفراح" تجري أطوارها في دولة داغستان. وداغستان كلمة تركية تعني "بلد الجبال"، وهي أكبر جمهورية روسية في شمال القوقاز. في داغستان يعيش بطل الرواية والذي يحمل اسم "شامل". وهو بطل ينتمي إلى النوع المسطح النمطي والسلبي والمحايد في أفعاله وأقواله. يتعلق الأمر بشاب يشتغل مراسلاً صحافياً لإحدى الصحف المحلية، وقد اشتغل شامل في البداية مع أحد الصائغين من أجل أن يكتب عن هوايته المتمثلة في أن يصبح نحاتاً. وأثناء إقامته في هذه الورشة حيث تتم معالجة وصناعة عدة قطع من الفضة أو معادن أخرى، نجد مقطعاً مهماً حيث يتم الحديث عن الفن من وجهة نظر سوسيولوجية، إذ كانت إحدى الشخصيات تقول إنه بالإمكان دفن أو طمر قنديل زيتي في الأرض وخلال سنتين سيتحول إلى تحفة باهظة الثمن، مدافعاً عن فكرة كون الناس لا يملكون أدنى فكرة عن قيمة الأشياء في ذاتها وإنما بواسطة ما يفرض عليهم.

   ومع مرور الزمن وشامل لا يزال في ورشة الصياغة أو السَّمْكَرَةِ، سيشيع الخبر حول شروع الحكومة الروسية في تشييد جدار عازل لفصل هذه المنطقة القوقازية عن الاتحاد الروسي. ومع انتشار هذه الإشاعة كالنار في الهشيم، ستعم الفوضى وستستشري القلاقل وستتعاظم الاحتجاجات والتجمعات المنظمة من طرف جماعات وفرق دينية متشددة مختلفة. وانطلاقاً من ذلك، ستبدأ قصة هذه الرواية في التشعب للتحول إلى فسيفساء من المحكيات الصغرى التي بقي فيها البطل شامل محافظاً على الحياد وعدم التأثر بما يجري حوله، محاولاً أن يعيش كما يعيش باقي الناس مُحباً، مُشتغلاً ومُواظباً على علاقته بأصدقائه برغم أن الجو مشحون ومكهرب والحرب تكاد تكون على الأبواب.

إن موقفه قد يبدو موقفاً لا معقولاً وعبثياً بالنظر إلى طريقة فهمه للحياة وللحركية والانقلاب المفاجئ الذي أحدثته تلك الإشاعة في الناس جميعاً من حوله. وربما سيكون هذا الأمر إلى حد بعيد سبب تخلّي خطيبته "مادينا" عنه في آخر المطاف. كما تُبرز الكاتبة شخصية محمود الذي يمثل نموذج المثقف لكنه مثقف يبدو هو الآخر منفصلاً إلى حد ما عن واقعه إذ يحلم بأن يصبح كاتباً عظيماً بينما الفوضى تعم من حوله ليلاً ونهاراً. إنه نموذج للمثقف المحبط.

    وفي نفس السياق، توجّه الكاتبة عدسة كاميرا السرد إلى شخصية نسائية أخرى هي "آسية". وهي فتاة تنحدر من عرقين مختلفين من جهة الأم والأب مما سبب تناحراً وعراكات ومشادات مستمرة بين عائلتيها المختلفتين المشارب والأفكار والتقاليد. إن الأمر يتعلق برواية تعكس بشكل مرآوي ذلك المجتمع الداغستاني المختلط والمتعدد والمنعزل في أدغال القوقاز والصعب التدبير والتسيير. وكدليل على ما نقول يمكن أن نذكر الحوار الداخلي الذي تُجريه شخصية محمود مع نفسها وهو استرجاع وصية أبيه له إذ يقول: "داغستان يا بنّي بلد صغير، فكر في هذا الأمر، لكن كم من الأعراق والعادات واللغات وضروب الفنون المختلفة والحيوانات وصنوف النباتات يحتضن (...) إننا نحن الداغستانيين مختلفون جداً ومتشابهون جداً: في النزاهة والضيافة والذود عن حياض العدالة. تذكر دائماً أنك داغستاني يا بنّي. ولا تُقايض هذا الشرف ولو حتى بذهب الدنيا جميعاً!".

من خلال القراءة المتأنية لهذا العمل الروائي نستشف مقصدية صاحبته المضمرة والثاوية في ثناياه وهي أن قضية انفصال وطنها داغستان عن الاتحاد الروسي قد يجلب الويلات بالنسبة لهذا المجتمع الداغستاني المختلط والمعتنق للإسلام وما أصبح يلصق به من سلبيات كالإرهاب والتزمت والتطرف والتشدد وغيرها. إن الواقع الذي تحكيه هذه الرواية متخيل أي ينتمي إلى عالم الفن لا غير. إن أليسا غانييفا تحلم في هذه الرواية بما يمكن أن يقع في بلدها داغستان في حالة ما إذا قامت روسيا فعلاً بتشييد جدار فاصل يعزله عنها.

إن حلم أو رؤيا أليسا غانييفا يمثل هاجساً ليس لها وحدها بل لنا جميعاً من حيث إننا نشترك في الإنسانية ونعيش مشتركاً إنسانياً ثقافياً وسياسياً. وقد يحدث في مناطق مختلفة من العالم ما حدث فعلاً في داغستان.

    ومن المواضيع الشائكة التي تعالجها هذه الرواية كذلك، مسألة النساء بين الاجتماعي والديني. وكي نفهم ذلك سيكون علينا أن نتذكر أنه بعد تفكك الاتحاد السوفياتي تصاعد التشدد الديني هناك، خاصة الإسلامي منه،  أصبح يشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار الذي تعرفه هذه المنطقة القوقازية. وهكذا بحسب بعض الخبراء، فإن احتلال بعض القرى والأرياف في جنوب داغستان من طرف بعض الجماعات الإسلامية المتشددة يعتبر تحدياً كبيراً بالنسبة للسلطات الروسية. وكمثال على ذلك، نذكر في هذا السياق تحرك الانفصالي الشيشاني شامل باساييف الذي كان يطمح إلى أن يجعل من داغستان وجمهوريات روسية أخرى جمهورية إسلامية متشددة كبرى. تعتبر هذه المعطيات مهمة جداً في رأينا لأنها ذات علاقة إما من قريب أو بعيد بالجو العام لهذه الرواية قيد الدرس.

    نقول هذا لأننا نجد بطل رواية "جبل الأفراح" يحمل اسم "شامل"، الاسم نفسه لذلك المتطرف الشيشاني. ولا يجب أن نتعجب من ذلك ما دام لكل شيء دلالة في الرواية حسب الناقد الفرنسي رولان بارث. فهذه التسمية ليست بريئة في اعتقادنا الشخصي. إنها ذات ظلال معنوية تكشف عن إيديولوجية معينة تنطلق منها هذه المبدعة الشابة في معالجة موضوعات عدة في عملها الفني هذا. كما أن تجذرَ الأصولية المتشددة في تلك المنطقة هو نقطة جوهرية في هذا العمل الأدبي لأنه هو سبب هذه القلاقل وأعمال التقتيل.

   نلمس في هذه الرواية ونحن نسافر في عالمها التخييلي أن الأفراد في المجتمع منقسمون بسبب الدين بحيث نجد المتعصبين المتشددين والمتسامحين كما تنشأ بين الفينة والأخرى نقاشات في غمرة السرد حول قضية العلم ومدى الاتفاق معها أو معارضتها. وهو يكاد يكون النقاش نفسه الذي نقف عليه في بعض المقاطع السردية في رواية الأديب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز الشهيرة المعنونة "مائة عام من العزلة". بل نستطيع القول إن داغستان في رواية "جبل الأفراح" هي ماكوندو في رائعة "مائة عام من العزلة"، نظراً لهذا التوازي الحاضر بينهما سياسياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً إلى حدود بعيدة. وهكذا نجد بعض الأفراد يفسّرون العالم بواسطة العلم والعقل بينما نجد آخرين يفسّرونه بالحتمية مدعين أن النص المقدس قد فسّر كل شيء قبل العلم أصلاً.

   تركز أليسا غانييفا أكثر على معالجة قضية المرأة من زوايا متعددة لكن من منطلق التأويل الذي يقوم به الرجال للنص القرآني. وهكذا نجد أنفسنا أمام إمرأة تعاني من التمييز بكل أنواعه (فرض ارتداء الحجاب، اعتبارها امرأة ناضجة بمجرد طمثها الأول، تزويجها وهي لا تزال قاصرة، الطاعة العمياء للرجل وغيرها). ولعل هذا التمييز في جعل المرأة خاضعةً للرجل ومؤتمرةً بأمره مترسب في لا وعيها إذ تَشَرَّبَتْهُ من التنشئة الاجتماعية المعطوبة والتربية الدينية التقليدية. وهذا ما تميط غانييفا عنه اللثام هنا وخاصة عندما تقرر "مادينا" خطيبة البطل "شامل" ارتداء الحجاب والهروب مع الجهاديين السلفيين إلى أعماق الجبال بعدما تم تخديرها فكرياً والتغرير بها.

هذه الرواية تنتقد انسياق الشباب وخاصة الإناث مع الإيديولوجية الدينية المتشددة المحنطة التي ما فتئت تستعمل منجزات الثورة الإعلامية من قنوات تلفزية وإذاعية وشبكات التواصل الاجتماعي للتغرير بهم وغسل أدمغتهم من أجل تنفيذ مصالحها السياسية والاقتصادية المغلفة بغلاف ديني والدين منها براء. ولطالما ناقشت أليسا غانييفا نفسها هذا الموضوع في الواقع مباشرة على قنوات روسية عدة.

   إن هذه الرواية محاولة جادة من طرف هذه الروائية الشابة لتقديم "بورتريه" واقعي واصفٍ للأَسلمة المتشددة التدريجية لشمال القوقاز (داغستان). ويحضرنا هنا تصريح للكاتبة في مقابلة مع إحدى الصحف الإسبانية (El mercurio) إن روايتها هذه تبيّن بالأساس نفس سيرورة انبعاث تنظيم داعش، وتتحدث عن دولة طوباوية يدير أمرها متشددون سلفيون يتبعون حرفياً ظاهر النص المقدس، من دون أن يهمهم إذا ما كان منسجماً أو ظلامياً أو إنسانياً أم لا. ونحن نقرأ هذه الرواية ترتسم في أذهاننا فيديوهات وصور الفوضى التي أحدثها الداعشيون في المجتمعات العربية، العراقي والسوري والليبي وغيره.

   لا بد من الإشارة في الختام إلى أن رواية "جبل الأفراح"، في الحقيقة، هي رواية ذات معمار لغوي غني ومعقد في نفس الوقت مما يتطلب من المتلقي بذل مجهود أكبر لسبر أغوارها والنفاذ إلى تفاصيل التفاصيل فيها. وبالتالي، لا بد من قراءتها قراءة متأنية ومتعددة ومنفتحة وصابرة وموازية إن اقتضى الأمر. وهكذا فإنه تحضر فيها العديد من الكلمات المجهولة من طرف المتلقي والغريبة عليه.

فعلاوة على أنها تنتمي إلى لغات مختلفة كالعربية والتركية والأفارية وغيرها فهي قديمة ونكاد نقول إن بعضها قد سقط من الاستعمال والتداول في الغالب الأعم. وكي يفهمها المتلقي جيداً تم إدراج تعاريف خاصة بها في نهاية الرواية. وعدد هذه الكلمات يصل إلى مائة كلمة. وهي كلمات تتصل، كما هو معلوم، بالمأكل والمشرب والملبس والموسيقى والتاريخ والأمكنة والدين والحضارة والسياسة وغيرها.

 

خاتمة

   من خلال هذا السفر الشائق الرائق مع "جبل الأفراح"، يمكن القول إنه رغم هيمنة الرواياتِ الأميركية على السوق العالمية خاصة بعد نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين فإن روايات أخرى بدأ يتعاظم شأنها في يومنا هذا وعلى وجه الخصوص تلكم التي تحمل بصمات التعدد الثقافي، وذلك بالنظر إلى عدة أسباب تأتي في مقدمتها، الحاجة الملحة لإعطاء الفرصة للأقليات لإسماع صوتها المغيب منذ قرون.

    ونتمنى أن تجد هذه الرواية طريقها إلى اللغة العربية بعدما وصلت إلى لغات وثقافات أخرى كالإسبانية والفرنسية.

 

-عنوان الرواية باللغة الروسية:  La muntanya de la festa

-عنوان الرواية في الترجمة الإسبانية: La montaña festiva

-المترجمة: مارتا ريبون ماتيو

-دار النشر الإسبانية: تورنر Turner- 2015 - الرواية 300 صفحة.

 

* باحث ومترجم مغربي.