"أرواح" ميرنا حوماني "الهائمة" ... مستقرّها في الحبّ!

كيف تُشفى أرواحنا الهائمة من تيهها؟ بالحبّ. الحب الصافي الذي نسقط في أمديته، من دون أن نكون على معرفة مسبّقة بموعد أرواحنا معه ولا في أي مكان سنمسك بيده.

رواية "أرواح هائمة" لميرنا حوماني

علي السقا

قلّما يطرح واحدنا على نفسه أكثر الأسئلة حيرة. ما هي الغاية من وجودنا على هذه الأرض؟ معظمنا يعكف عن الإمعان في البحث عن الجواب، لأننا وإن عزّينا أنفسنا بالعثور على ما قد يهدىء ظمأنا العقلي والروحي، فإننا سنكون أمام أسئلة أخرى تتدحرج أمام عيوننا لا تقلّ قلقاً عن السؤال الأساسي: ماذا نصنع هنا؟ ما هي العبرة من عذاباتنا وآلامنا؟ هل السعادة هي التي تمنح حياتنا ماهيتها؟ كيف الطريق إليها؟

ليس للأسئلة عُمر. ربما روح التمرّد التي تسكننا في سنيّ شبابنا تجعلنا أكثر جرأة على طرح الأسئلة. ميرنا حوماني فعلت ذلك في سنّ مبكرة. لم تنتظر حتى يغزو الشيب رأسها، لتُمسك عن الفضول، كما هي حال من أصبحوا في سنّ متقدمة، حيث يألفون الماضي والحاضر ولا يترقبون من المستقبل إلاّ الموت باستسلام ولا مبالاة ظاهرين.

في روايتها "أرواح هائمة" (دار نينوى)، لا يشعر القارىء أنه أمام التجربة الأولى لحوماني. يُحسب للروائية الشابة أنها لم تقع في فخّ التنميق والتثاقف اللغوي، الذي قد يحيد بالكاتب عن المنطوق المقصود. إذ استطاعت بلغة بسيطة ومرنة أن تجترح صوراً تعبيرية جميلة، مثل "عرّافة يذوب الزمن عند قدميها ويحيا الحبّ عند أول عود بخور تشعله"، و"حرّك دانيال شفتيه كخصر راقصة أسكرها الحب في ليلة قمراء، بينما كان ظلّ النادلة يقترب رويداً رويداً، يتلوى كآلهة الخمر".

لم يكن لميرنا حوماني، أن تكتب ما كتبته لولا أنها "فتاة أسئلة". قد يقول البعض إنهم لم يعثروا على الإجابة المرضية، لكن هذا لا يمكن أن يقلل من شأن ما قدمته حوماني حتماً. فكما أن أسئلتنا متنوعة، فإن إجاباتنا عليها متفاوتة أيضاً.

في رحلة البحث عن "الروح الهائمة"، زرعت حوماني الحزن في شخص صوفيا. الشابة المثقفة التي تسكن مدريد وقررت أن تبحث عن موطن الروح الحزينة التي تسكنها منذ الولادة. ذلك الاكتشاف الذي لزمه اللجوء إلى عرافة، قادها إلى روسيا سعياً وراء إيكاترينا. الفتاة الجميلة التي أسلمت جسدها لعجلات القطار بعد حبّ إنتهى بالخيانة.

ألبست حوماني صوفيا لبوس النقاء والصدق، وإلا لما كانت شعرت بأن روحاً أخرى تسكنها وعليها أن تجد مستقرها. ربما كانت ستكون مثل الكثيرات من اللواتي يرمين حزنهن على كاهل الزمن وغدراته، من دون وعي بالحقيقة. إلا أن تحسس صوفيا الروح الأخرى التي تحيا بها كأنها روحها، كانت جزءاً من الرسالة التي أرادت حوماني أن تقدمها. الأرواح متناغمة ومتصلة وإن توهمنا أن لكل واحدة منها عالمها. ولذلك فإن الشعور ببؤس حياة أخرى ماضية، يجعل أرواح بعضنا بائسة أيضاً. فالتجارب الإنسانية متشابهة منذ الأزل وما نعتقده من إستقلالية هو ضرب من الخيال. فما يحزن روحاً يُكدّر أخرى، وما يزرع السعادة في روح يُفرح أخرى.

تحضر الطبيعة في الكثير من ثنايا الرواية. لعلّ هذا مردّه إلى أننا أبناء الطبيعة. جُبلنا من ترابها وفي باطنها نذوب. هل حوماني عاشقة للطبيعة؟ يبدو كذلك. الحبّ الذي يجعل من كل ما يزيّن الطبيعة حكمة متجليّة أمام أعين البشر الغارقين في كل ألوان الحياة الإنسانية. هذا ما تقوله صوفيا لرفيقها جيمي عن الشمس في سياق الحديث عن الحكمة، "إنها حكمة الشمس يا جيمي. حكمة الشمس التي لا تتساوى معرفتنا بها. تدفئنا جميعنا غير آبهة بنا نحن كبشر. إنها متعالية عنا جميعاً. لا تتأثر بشرورنا وقدسيتنا. فقط تعطينا دفئها من أجل قيمة العطاء. هذا هو الحبّ بدون حدود وشروط. قد تكون أمّنا جميعاً من دون أن ندري. وربما تعطينا من دون مقابل لقاء إلقاء لعنتها علينا منذ الأزل. من يدري!".

كيف تُشفى أرواحنا الهائمة من تيهها؟ بالحبّ. الحب الصافي الذي نسقط في أمديته، من دون أن نكون على معرفة مسبّقة بموعد أرواحنا معه ولا في أي مكان سنمسك بيده. نسير إليه بغير وعي منّا. هكذا وجدت صوفيا عذاب روح إيكاترينا في روسيا، لترفع عنها حزنها المقيم بمقابلة "خائن" الحب الذي يجثو عند قبرها باكياً، والذي رغم توسله السماح قتلته بتطهرها من حبه إلى الأبد. روح إيكاترينا التي تسكن جسد صوفيا هي التي تحدثت، وهي نفسها التي جلبت الحبّ الجديد لها ولصوفيا. فأرواحنا لن تنفك تهيم حتى تجدّ مستقرّها في الحبّ.