العنف المقدس: في الأسس الثقافية لعنف الجماعات التكفيرية

يشهد العنف التكفيري دورة إنتاج عالية المرونة والجاذبية والنشاط، للأسف، ولا من سياسات تستطيع حتى الأن كسر تلك الدورة أو احتواء دينامياتها النشطة، حتى ليبدو الاعتدال أو اللاعنف بلا مستقبل. كما لو أننا أمام حتمية تاريخية قاهرة ولا نهائية.

دراسة "العنف المقدس: في الأسس الثقافية لعنف الجماعات التكفيرية"
 صدر عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للأبحاث والدراسات في الرباط دراسة بعنوان "العنف المقدس: الأسس الثقافية لعنف الجماعات التكفيرية"، للدكتور عقيل سعيد محفوض، الكاتب والأكاديمي السوري.

يقول محفوض في تعريف الكتاب: "إن نظرة لتاريخ المنطقة العربية والشرق الأوسط تُفاجئ الناظر بالبداهة الفائقة للعنف كمؤسس وملازم للوجود الاجتماعي والسياسي، كما لو أنه "قانون أساسي"، إذ تتواصل المعارك والمواجهات الرمزية والمادية، بصورة مستمرة، وحتى الأمراض والأوبئة والفقر والجوع وغيرها تبدو أنماطاً لـ"العنف" الممتد بلا نهاية، والتي تجد من يبررها دينياً أيضاً، كما تمثل في بعض الأحيان بيئة مناسبة لانتشار العنف المرتكز على أسس دينية".

يخرج العنف من عباءة المقدس، وتحكي السرديات الدينية عن أول عنف شهده العالم، بحادثة قتل "هابيل" على يد "قابيل"، ومنذئذ وهاجس الإنسان ضبط العنف وتقنينه -وفق معايير سماوية أو وضعية- ولكن بقدر قليل من النجاح، إذ أن ضوابط العنف هي نفسها مصادر رئيسة من مصادره، ومبرر أو مسوغ رئيس له أيضاً.

يدور الحديث هنا عن "العنف المقدس"، ما يعني مفهوماً من حدين أو مكونين، هما "العنف" و"المقدس"، ومن الواضح أن "العنف" يمثل السمة الغالبة لـ "المقدس" تاريخياً، ويمثل كل منهما مدخلاً ومخرجاً للآخر، أي دينامية إنتاجٍ تبادلية الفعل والاتجاه، إنتاج وإعادة إنتاج، بتعبير بيير بورديو؛ غير أن الدراسة تركز على الأسس الثقافية والرمزية لعنف الجماعات التكفيرية بالتركيز على المنطقة العربية والشرق الأوسط، وهي دائرة أكثر تحديداً، ولكنها أكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الإقليمي والعالمي اليوم.

تتناول الدراسة الأسس الثقافية لعنف الجماعات التكفيرية، ما يتصل بديناميات التفكير ونظم القيم وبنى المقدس على نحو خاص. وتنطلق من أن الثقافي يمثل أحد فواعل ومدخلات العنف والصراع والاحتراب الاجتماعي والسياسي، كما يمثل مُخرجاً له في آن، وفق مقاربة منهجية مركبة تتوسل التحليل الثقافي وسيوسيولوجيا المعرفة ونظم القيم.

     تنطلق الدراسة من مقولة أساسية وهي أن لكل ممارسة دينية خلفيات ومرجعيات سياسية، أو "لا شعور سياسي"، يعود إلى مدارك أو أولويات سياسية، أو إلى "منوال" أو "نموذج" في الماضي وربما في اللحظة الراهنة، وأن لكل ممارسة سياسية أو عسكرية خلفيات ومرجعيات دينية، أو "لا شعور ديني"، يعود إلى (أو يصدر عن) مدارك أو أولويات دينية، أو إلى "منوال" أو "نموذج" في الماضي أو الحاضر. وتتوسل الدراسة عدة مفاهيمية مركبة مثل "العقلية الدوغمائية"، و"الفرقة الناجية"، والعنف الرمزي". 

     تتألف الدراسة من مقدمة وثمانية محاور، أولاً: الإطار المنهجي، وثانياً: "العقلية الدوغمائية"، وثالثاً: "الفرقة الناجية"، ورابعاً: "هابيتوس" العنف والتكفير، وخامساً: العنف الرمزي والمخيالي، وسادساً: فقه الدماء: من المقدس إلى المتوحش، وسابعاً: محددات لـإنتاج العنف، وثامناً: الإشارات والتنبيهات، وأخيراً خاتمة.

تخلص الدراسة إلى أن ثمة علاقة مركبة واستخدام أو توظيف متبادل بين الدين والعنف، تعززه بنى وتفاعلات ورهانات ثقافية واجتماعية واقتصادية "متخلفة" أو "متأخرة"، وبنى سياسية تسلطية ثقيلة الوطأة. وأن التنظيمات الجهادية التكفيرية تستخدم مدونات ومقولات فقهية ودينية، وآيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وميراث فقهي، وتفاعلات قبلية، وتحالفات ارتزاقية، وسرديات وقصصاً تاريخية كثيرة انطلاقاً من ذهنية دوغمائية ثقيلة.

     يشهد العنف التكفيري دورة إنتاج عالية المرونة والجاذبية والنشاط، للأسف، ولا من سياسات تستطيع حتى الأن كسر تلك الدورة أو احتواء دينامياتها النشطة، حتى ليبدو الاعتدال أو اللاعنف بلا مستقبل. كما لو أننا أمام حتمية تاريخية قاهرة ولا نهائية.