العلمانية بين المسيحية والإسلام والحداثة

الشراكة الأصيلة تتحقق بين العلمانيين والإسلاميين في مشروع التمدن، وإن كان لكل منهما طريقة مختلفة.

كتاب "تشكلات العلمانية" لطلال أسد
قراءة: عزيزة السبيني

 

مؤلف الكتاب طلال أسد، نجل المستشرق النمساوي محمد أسد(ليوبولد فايس)، هو باكستاني الجنسية، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة كولومبيا الأميركية، ومتخصص في علم الإنسان وأنثروبولوجيا الدين والثقافة، له مؤلفات عدة في الدراسات المتعلقة بما بعد الاستعمار، والمسيحية والإسلام.

في كتابه (تشكلات العلمانية في المسيحية والإسلام والحداثة)، يعالج أسد مجموعة من الأسئلة والافتراضات المتعلقة بالعلمانية، منها: ما الصلة التي تربط بين "العلماني" بوصفه فئة إبستيمية و"العلمانية" باعتبارها مذهباً سياسياً؟ وهل يمكن أن يكونا موضوعيّ بحث في الأنثروبولوجيا؟ وكيف يمكن أن تبدو أنثروبولوجيا العلمانية؟ وهل يمكن فهم "العلمانية" قبل فهم "الدين"؟

في إجابته عن هذه التساؤلات وغيرها يكشف أسد عن مجموعة متنوعة من المفاهيم الضمنية والممارسات والتجارب التي تجمعت لتشكّل "العلمانية"، مسلّطاً في ذلك الضوء على التحوّلات التاريخية التي شكلت المواقف العلمانية في الغرب الحديث والشرق الأوسط.

يتوزع الكتاب على مقدمة وسبعة فصول وخاتمة. وقد أولى المؤلف في الفصل الأول عناية خاصة بمفهوم الأسطورة، ومن ثَمّ انتقل في الفصلين الثاني والثالث إلى تناول الوساطة والألم والقسوة والتعذيب وعلاقتهم بالتقديس و"القدرة على التصرف". وانطلق من بحوث العلماني هذه إلى تحري أوجه العلمانية ومظاهرها في الفصل الرابع، بحيث تناول مفاهيم ما هو إنساني ويشكل أساس الحقوق الذاتية الشخصية، كما عالج في الفصل الخامس قضية "المسلمين بوصفهم أقليات دينية" في أوروبا، وناقش، في الفصل السادس، ما إذا كانت القومية في الأصل علمانية أو دينية. وفي الفصل السابع، تطرق إلى إيراد بعض تحوّلات السلطة الدينية والقانون والأخلاق في مصر إبان خضوعها للاستعمار ببعض من الإسهاب، وقد أبرز ذلك مظاهر للعلمنة لم تجرِ العادة على الانتباه إليها.  

يبدأ أسد مقدمته بالحديث عن العلمانية بوصفها مذهباً سياسياً في العصور الغربية حيث تُلزم الفصل بين المؤسسات الدينية والعلمانية داخل الحكومة، وكان ذلك خلال حقبة العصور الوسطى في العالم المسيحي، وكذلك الأمر في الإمبراطوريات الإسلامية،  وفي أماكن أخرى من العالم.

لكن المؤلف يرى أن ما يميّز العلمانية عن غيرها من المذاهب السياسية أو الاجتماعية، هو أنها تستلزم مفاهيم جديدة للدين، والأخلاق والسياسة، فضلاً عن التزامات وضروريات جديدة مرتبطة بهذه المفاهيم بشكل أو بآخر، وقد استشعر الكثير من الناس هذا المذهب الجديد، وتفاعلوا معه بطرائق مختلفة. لكن المؤلف وجد أن العلمانية مرفوضة من قبل خصومها ومعارضيها في الشرق الأوسط، وفي أماكن أخرى من العالم الإسلامي، لكونها من الخصائص التي يتميّز بها الغرب، في حين يرى أن مؤيديها أصروا على أن أصل العلمانية يجب ألا ينتقص من ملاءمتها العالمية المعاصرة.

ويستند أسد في تعريف العلمانية إلى رأي الفيلسوف الكندي تشالز تايلور (أحد أبرز الفلاسفة المعاصرين في مجال الفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية( فهي كما يقول "ليست مجرد حل فكري لقضية دوام السلام الاجتماعي والتسامح، بل هي بمثابة قانون يقوّم الوسط السياسي، أي تمثيل المواطنة من خلاله، بالسمو على الممارسات الذاتية التي تهدف إلى التفرقة والتمييز عن طريق الطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي، والدين."

ويشكك المؤلف في الفرضية القائلة إن الديمقراطية الليبرالية تبشّر بمجتمع يمكن الوصول إليه بشكل مباشر، إذ أن أشكال الوساطة المميزة للمجتمع الحديث تختلف عن أشكال الوساطة المميزة للمجتمع المسيحي والمجتمع الإسلامي في العصور الوسطى، وكذلك الأمر بالنسبة للدولة القومية الحديثة، ويعرض المؤلف ثلاثة نماذج هي (فرنسا، بريطانيا، أميركا)، ففرنسا توصف كدولة علمانية، أما بريطانيا فرغم اتصال الدولة فيها بالكنيسة الرسمية، لكن يوصف سكانها بأنهم غير متدينين، فيما يوصف سكان الولايات المتحدة الأميركية بالتدين إلى حد كبير، في حين أن الدولة الفيدرالية تتصف بأنها دولة علمانية.

ويرى أسد أن العلمانية في هذه الدول الثلاث ذات قواسم مشتركة، إلا أن سمة الوساطة للتخيّل الحديث في كل بلد منها تختلف على نحو ملحوظ عن نظيرتها، وبتغير مفهوم التسامح الديني بين الجماعات التي تُصنف على أنها جماعات دينية بشكل متباين في كل من هذه البلدان الثلاثة، كما أن ثمة معنى مختلفاً للمشاركة في القومية، والوصول إلى الدولة بين الأقليات الدينية في البلدان الثلاثة.

ويذهب الباحث إلى أن مفهوم العلماني يسبق مفاهيمياً المذهب السياسي للعلمانية، فقد تجمعت على مرّ العصور مجموعة من المفاهيم والممارسات والمشاعر لتشكّل العلماني، ولهذا أولى أسد في الفصل الأول عناية خاصة بمفهوم الأسطورة الذي اعتبره علامة على حدوث طفرة للصدام القديم بين المقدس والمدنس، وقد ارتدى هذا الصدام حلة جديدة ليصبح صداماً بين الخيال والعقل، مشكّلاً المبادئ الأولية التي ظهر منها مفهوم التنوير العلماني، إذ أصبح للعقل القدرة على القيام بأعمال رئيسة كتحديد الخيال الإنساني الذي يصف الأساطير، وكذلك تقويمه ووضع ضوابط تحكمه.

ويرى أسد أن العلمانية على اتصال شديد بتكوين الدين، وبشكل عملي، لأن الدولة ليست ذلك الكيان المستقل تماماً؛ بل على العكس، لا يمكن فصل السياسات المعاصرة عن الدين كما تزعم العلمانية؛ بل هناك ضرورة عملية لأن تبقى للدين ذاتياته وسياساته. أمّا الدولة فمن ضمن عملها تعريف الوجه العامّ المقبول للدين وتحديده.

وتستند النظم الديمقراطية الليبرالية إلى أسطورتين علمانيتين متعارضتين بشكل لافت، تتمثل الأولى في الأسطورة السياسية للتنوير باعتبارها خطاباً للعقل العام، وتُمكّن صلة هذه الأسطورة بالمعرفة نخبة المجتمع من توجيه تعليم بني البشر. أما الأسطورة الثانية فتتمثل في الأسطورة الثورية للمعاناة العالمية التي يُعبّر عنها بسياسة الأعداد الغفيرة.

ويعرض أسد وجهة نظر الناقد الأدبي (بول دو مان) في مقال له حول (بلاغة التزامن) ويشير فيه إلى تعارض العلماني بشكل جلّي مع الأسطوري، وهذا يعني إقصاء الرمزية. في المقابل يعرض الكاتب وجهة نظر (والتر بنيامين) في كتابه (أصل الدراما الألمانية التراجيدية) أنه تضمين للحكاية الرمزية.

أما الأسطورة الثورية فيرى الكاتب أنها تساهم في تحقق الإرادة الجماعية عن طريق حصر آراء الناخبين من المواطنين وتصوراتهم، وأن نظرية تسامح الدولة العلمانية تقوم على قاعدتين متناقضتين، فمن جهة، تسعى الرغبة الواضحة للنخبة الليبرالية إلى احتواء الشغف الديني، ومن جهة أخرى، تسمح الجماعات الديمقراطية غفيرة الأعداد بأن تهيمن الأغلبيات على الأقليات، حتى وإن كان لكليهما أساس ديني يرتكز عليه.

    

التأمل في القدرة على التصرف والألم

في الفصلين الثاني والثالث يتناول أسد الوساطة والألم والقسوة والتعذيب وعلاقتهم بالتقديس و"القدرة على التصرف". والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختار البحث في القدرة على التصرف؟ هل لأن العلماني يعتمد على مفاهيم بعينها للفعل، والعاطفة، ولماذا أيضاً، البحث في الألم؟ .

من وجهة نظر أسد، فإن البحث في الألم يعود لسببين: الأول أنه فيما يخص العواطف، فإن الألم يرتبط بالذاتية الدينية، وغالباً ما يعد الألم مؤذياً للعقل، والثاني يتمثل في أن الألم بمعنى المعاناة يعد حالة إنسانية ينبغي للقدرة العلمانية على التصرف للتخلّص منها، وهو بذلك يختلف مع رأي لورنس غروسبيرغ، أستاذ دراسات الاتصال في جامعة كارولينا الشمالية، إذ يقول غروسبيرغ إن "القدرة على التصرف - هي القدرة على صناعة التاريخ بصدق وشفافية، ليست ممثلة لجوهر الذاتية، أو لجوهر أشخاص بعينهم، كما أنها ليست مبدأً أنطولوجياً يميّز بني البشر عن غيرهم من المخلوقات والكائنات والأشياء الأخرى".

ويدلل الكاتب على محاكاته بعرض نماذج القدرة من التصرف من التاريخين المسيحي والإسلامي، وتاريخ ما قبل المسيحية الذي يظهر فيه الألم عنصراً رئيسياً ومهماً، وذلك من أجل الوصول إلى فهم جيد للتبريرات التي يقدمها بعض المتدينين بشأن وجود المعاناة من ناحية، وتحري مظاهر العلمانية من ناحية أخرى. لكن الأمر المهم الذي يؤيده أسد بشأن الألم يكمن في أنه يؤيد الفكرة العلمانية القائلة إن صنع التاريخ، وتمكين الذات، يمكن أن يستبدلا المتعة تدريجياً بالألم، أو يستبدلا به أياً كان البحث عما يبعث الناس على البهجة والمتعة.

  

تحرير الإنسان من خلال حقوق الإنسان

 يسعى أسد في الفصل الرابع إلى تحري أوجه العلمانية ومظاهرها، بحيث تناول مفاهيم ما هو إنساني، وما يشكّل أساس الحقوق الذاتية الشخصية، فتاريخ تمتع الإنسان بحقوق مستقلة هو تاريخ معقد يرجع إلى فكرة القانون الطبيعي في العالم المسيحي اللاتيني، وجذوره في قراءات القانون الروماني. ويستند الكاتب في ذلك إلى (ريتشارد توك، أستاذ في تاريخ الفكر السياسي)، الذي يستخدم من خلال استعراضه لمراحل الحقوق الطبيعية في الفلسفة القانونية الحديثة، أسلوب التمييز بين الحق الفاعل، وهو الحق الفطري المتأصل في الفرد بغض النظر عن علاقاته الاجتماعية، والحق السلبي، وهو الحق الذي يَستتبع ويُستتبع بواجبات تُلبى تجاه أشخاص آخرين. وبغض النظر عن تاريخانية الدولة، والمراحل التي مرّت بها، إلا أن الدولة العلمانية وحدها هي القادرة على فرض الحق الطبيعي وتوابعه بوصفها قانوناً، سواء ارتبط ذلك بمعاملة الأشخاص أم معاملة الممتلكات.

ويرى أسد أن مهمة الدولة لا تقتصر على فرض تشريعها السيادي على جميع رعاياها، بل تشمل أيضاً السعي لإيجاد هوية قومية وحصرية لكل فرد من أبناء وطنها، كما شدد على ذلك الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور الذي أكد حاجة مواطن الدولة العلمانية الحديثة إلى جرعة سخية من المشاعر القومية التي لا بد من أن تزوّده بها وسائل إعلام هذه الدولة، الأمر الذي يساعد في الحفاظ على الموروثات والمصالح القومية.

لكن ما يقلق الكاتب هو عدم الإعلان الصريح عن الدعوة الأخلاقية للإنسانية العالمية، وسلطة الدولة في سن القانون وتطبيقه، ويوضح أحد مظاهر الاختلاف بين السلطة الأخلاقية للمعايير والقوة العلمانية لقوانين الدولة، من خلال مثال حديث في أوروبا، فنتيجة انضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي، طُلب منها بمقتضى الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان، إلغاء أي معلومات تخص انتماء المواطن الديني، وحالته الاجتماعية وجنسيته وبصمة إبهامه في البطاقة الشخصية التي تصدر له، لكن المعارضة رأت في هذا تهديداً لهويتها الدينية. ومن بين الأمور التي استنتجها المؤلف أن سلطة المعايير التي قد يراها أعضاء جماعة اجتماعية واحدة سلطة حيوية ومحورية لكينونتهم الدينية، في حين تتجاهلها الحكومة دستورياً من خلال الانتقال إلى حقل أيديولوجي مختلف تماماً، أي العوامل المؤثرة وغير المؤثرة في حرية العقيدة الدينية.

 

 

"المسلمون بوصفهم أقلية دينية"

 

يعالج أسد في الفصل الخامس قضية "المسلمين بوصفهم أقليات دينية" في أوروبا العلمانية، فيصفهم بالغائب الحاضر، ويرى أن مشكلة فهم الإسلام في أوروبا، تبدو في مسألة فهم كيف يتصور الأوروبيون أوروبا، فأوروبا تتشكل من الدول القومية التي تشكلها أيديولوجياً، على نحو لا يمكن أن يمثل المسلمين المهاجرين بالشكل الذي يرضيهم، وأن المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الأوروبي مُستقصون منه بطريقة أو بأخرى. لكن هذا كما يراه المؤلف لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة المطلقة للمسلمين الذين يعيشون بهكذا بيئات علمانية تقوم على أفكار أوروبية خالصة، كالثقافة، والحضارة، والدولة العلمانية، فضلاً عن مفهومي الأغلبية والأقلية.

ومن البديهي هنا، أن يشير الكاتب إلى القلق الذي تعبّر عنه أغلبية سكان غرب أوروبا فيما يخص وجود الجاليات المسلمة، التي تمارس التقاليد الإسلامية داخل حدود أوروبا المسيحية، ويستشهد على ذلك، في استطلاع للرأي أُجري في فرنسا في العام 1992، أظهر أن ثلثي السكان يخشون وجود الإسلام في فرنسا، و لم يقتصر الأمر على مجرد النظر إلى الانصهار الكامل للمسلمين في المجتمع الأوروبي، بل يرى الكثيرون أن اعتناق المسلمين لدين الإسلام هو الذي يجعلهم متشبثين بقيم تسيء إلى الدولة العلمانية الحديثة.

ومن وجهة نظر الليبراليين، هناك مخاوف ضئيلة من المهاجرين المسلمين، وانصهارهم في المجتمع الغربي. في المقابل، هناك مخاوف ضخمة من نتائج البطالة المرتفعة، والاضطهاد الهائل الذي يتعرض له هؤلاء المهاجرون.

ويؤكد الليبراليون أن اليمين المتطرف وحده الذي يشكل وجود المسلمين، ودين الإسلام في أوروبا في نظره كارثة ثقافية محتملة، ويشددون على أن رهاب التيار اليميني من الأجانب يضرب بجذوره عميقة في سياسة العداء الرومانسية التي يناصرها هذا التيار، ومن ثم يضرب بجذوره في رفضه لمبادئ عصر التنوير العالمية، إضافة إلى مؤشرات أخرى تدل على أن الليبراليين يرمزون إلى التسامح والمجتمع المنفتح.

يشير أسد إلى أن تجاهل المسلمين لمبدأ الجمهورية العلمانية، بقضيتين: الأولى، قضية الحجاب، والثانية، الهجوم الإسلامي على مبدأ حرية التعبير(قضية الروائي سلمان رشدي). فهاتان القضيتان أثارتا غضب كل من التيار الليبرالي واليساري بقدر ما أثارتا التيار اليميني المتطرف، وقد قُرئت هذه الأحداث التي جرت داخل أوروبا (فرنسا وبريطانيا)، على أنها تتناسب ولجوء التيار الإسلامي إلى العنف المدني في شمال أفريقيا، وغرب آسيا. كما أدت إلى إثارة شكوك متزايدة جعلت الليبراليين يتساءلون عن مدى قدرة التقليد الإسلامي في العثور على مكان شرعي له داخل المجتمع الغربي الحديث.

وبناء على ذلك يستنتج الباحث أن الطرفين يعاديان المسلمين الذين يعيشون في أوروبا بالقدر نفسه، لأن قصة أوروبا بالنسبة إلى كل من الليبراليين واليمين المتطرف تشير إلى فكرة جوهر لا يقبل التغيير، وأن الجدال بينهما يتعلق بنوع التسامح الذي يدعو إليه هذا الجوهر. 

ويشير أسد إلى عدم إمكانية تمثيل المسلمين في أوروبا باعتبارهم أقليات دينية، إذ أن الديمقراطيات الليبرالية لا تسمح بتمثيل المسلمين، بوصفهم مسلمين، لأن المواطنين في الإيديولوجيا الليبرالية يشكّلون دولة ديمقراطية، وهم ينتمون إلى طبقة تُعرف بما هو مشترك بين جميع أعضائها فقط، والمشترك بينهم هو المساواة المجردة في تعامل المواطنين الأفراد فيما بينهم. أما الأقلية فلا تعد مفهوماً نوعياً خالصاً، أي أنها لا تعد بمثابة نتيجة لنظرية احتمالية يتم تطبيقها لتحديد رأي الشخصية – أي الشعب جميعه.

وينبثق هذا المفهوم، مفهوم الأقلية، من التاريخ المسيحي، الذي فكَّ الرابطة التي كانت قد تشكلت مباشرة بعد حركة الإصلاح الديني بين الكنيسة الرسمية وبداية الدولة الحديثة. وهذا المفهوم الخاص للأقلية لا يتفق مع المفهوم العلماني للمواطن الذي نشأ في عصر التنوير.

وإذا كانت أوروبا عاجزة أمام إنعاش أساليب عيش مختلفة وعديدة، وليست مجرد هويات، فقد يكون مقدراً لها أن تصبح مجرد سوق مشتركة للحضارة الإمبريالية الاستبدادية، دائمة القلق والتخوف من المغتربين داخل أسوارها وخارجها. في مثل هذا الفضاء الحديث المُحاصر الذي تملؤه الخيارات الاستهلاكية الوفيرة، وأساليب الحياة الاختيارية والشعارات المنادية بفضائل العلمانية.

 

العلمانية، الدولة- القومية، الدين

في الفصل السادس يناقش الباحث طلال أسد موضوع القومية وإذا ما كانت في الأصل علمانية أو دينية. ويتناول النظرية السياسية للعلمانية ذاتها، كما ينظر في علمنة القانون والأخلاق في الدول الحديثة. فالعلمانية على اتصال شديد بتكوين الدين. وبشكلٍ عملي، فإنّ الدولة ليست ذلك الكيان المستقل تماماً؛ بل على العكس، لا يمكن فصل السياسات المعاصرة عن الدين كما تزعم العلمانية؛ بل هناك ضرورة عملية لأن تبقى للدين ذاتياته وسياساته. أمّا الدولة فمن ضمن عملها تعريف الوجه العام المقبول للدين وتحديده.

ويرى أسد أن المجتمع لكي يكون مجتمعاً حديثاً، يجب أن يكون مجتمعاً علمانياً، ولكي يغدو مجتمعاً علمانياً عليه أن يُعدّل الدين وفقاً للفضاءات غير السياسية، لأن هذا الإجراء يُعد ضرورياً للمجتمع. وإذا كانت أطروحة العلمنة تبدو للبعض غير مجدية، أو غير قابلة للتصديق، فإن ذلك ليس بتلك البساطة لأن الدين يؤدي اليوم دوراً حيوياً في العالم الحديث. وما يطلق عليه الكثيرون اسم الدين، كان دائماً منخرطاً في عالم السلطة، إذ لم يعد من الممكن تصديق أطروحة العلمنة، كما كانت تصدق يوماً ما، لأن ذلك يعود إلى أن فئتي السياسة والدين تشملان بعضهما البعض، وبالتالي لا يمكن أن يستغني مفهوم العلماني عن فكرة الدين.

وحتى لو روّج البعض لفصل الدين عن الدولة، إلا أن ذلك لا وجود له في الدساتير الرسمية، فالولايات المتحدة الأميركية هي الحالة النموذجية الأمثل، فقد تبيّن أن عبارة (فصل الكنيسة عن الدولة) ليس لها وجود، ولم ترد في الدستور الأميركي، لكنها تمثل تأويل المحكمة العليا لنيات المؤسسين.

ويشير أسد إلى أنه لا يمكن تقييد الأشياء والمواقع والممارسات والكلمات والتمثيلات وحصرها في عقول وأجسام المتعبدين داخل الفضاء الذي يضم كل ما يندرج وفقاً لمناصري العلمانية تحت مسمى الدين.

ومن ناحية أخرى، تتطلب الدولة القومية فضاءات واضحة الحدود والمعالم يمكنها تصنيفها وضبطها. ومن هذه الفضاءات، الدين والتعليم والصحة والراحة والعمل والعدالة... وينبغي للفضاء الذي يحتله الدين في المجتمع على نحو ملائم أن يُعاد تعريفه بشكل مستمر من قبل القانون، وذلك لأن توالد الحياة العلمانية داخل القومية وخارجها يؤثر بشكل متواصل في الوضوح المنطقي لهذا الفضاء.

  

خلاصة

يقول الباحث إنه بعيداً عن الشعارات التي تطرحها السياسات الغربية حول مسألة فصل الدين عن الدولة، فلا يزال الدين يحظى بأهمية بالغة في السياسة القومية في العالم الغربي الحديث، وكذلك في باقي دول العالم.

والسؤال الذي يطرحه الكاتب ويسعى للإجابة عنه هو هل يتضمن التحول من النظام السياسي الديني إلى النظام الذي تحكمه دولة علمانية ببساطة التخلي عن السلطة الدينية وتنحيتها جانباً لمصلحة القانون الوضعي؟

يجيب أسد بإيراد بعض تحولات السلطة الدينية والقانون والأخلاق في مصر إبان خضوعها للاستعمار، فالمصريون نظروا إلى الإجراءات والقواعد القانونية الأوروبية في القرن التاسع عشر، بأنها جوانب تجعل المرء "متأورباً" أو "متمدناً"، وهذا ما يؤكده محمد سعيد العشماوي، القاضي سابقاً في محكمة الاستئناف المصرية، أن القانون المصري ليس فرنسياً ولا رومانياً، أي أنه لا يحتوي على مبادئ غريبة عن المجتمع المصري، أو بعيد عن الشريعة الإسلامية. لكن معظم من يتحدث عن تلك المرحلة يصفها بالعلمنة أو العصرنة، وذلك لبروز التيارات الإصلاحية في عصر النهضة، كالتيار الإصلاحي الذي قاده الشيخ محمد عبده الذي دعا إلى ضرورة الفصل بين وظائف الإدارة العامة والفقه. كما حث عبده على منح استقلالية المحاكم الشرعية عن سيطرة الدولة ونفوذها، وبرغم اعتباره أن نظام الشريعة جزء لا يتجزأ من طريقة حكم الدولة وإدارتها، لكنه لم يكن يرى أن الدولة هي مصدر سلطة للنظام.

أما القوميون العلمانيون فقد نظروا إلى القيود المتزايدة على ولاية الشريعة الإسلامية القضائية بوصفها مقياساً مرحباً به للتقدم، في حين كان الإسلاميون السياسيون ينظرون إليها بوصفها انتكاسة.

ويرى أسد أن الشراكة الأصيلة تتحقق بين العلمانيين والإسلاميين في مشروع التمدن، وإن كان لكل منهما طريقة مختلفة، لكنهما يتفقان في المناطق الريفية والحضرية ذات الطبقات المتدنية، المنغمسة في المعتقدات والممارسات غير الإسلامية، كما في الثقافة المصرية التي تدين لمصر الفرعونية، والقبطية بقدر أكبر مما تدين به للإسلام الذي دخل مصر على يد الفاتحين العرب. كما اتفق العلمانيون والإسلاميون على أن هذه الفئات أو الطبقات بحاجة للعلم لتبتعد عن الخرافات، وأن القوة الاجتماعية التي يمكن أن تنفذ هذه المهمة هي تلك القوة التي تمثلهم بالفعل بوصفهم أمة، وتتدخل مباشرة في حياتهم، وهي الدولة الحديثة بالطبع.

وفي مسألة المساواة يميز الكاتب بين العلمانيين والإسلاميين، فبالنسبة إلى العلمانيين، يتساوى المواطنون فيما بينهم، فكل مواطن يتساوى مع الآخر، من حيث كونه عضواً متساوياً في الحقوق القانونية والسياسية، وذلك ضمن إطار دولة تطالب بشخصية واحدة لنفسها. أما بالنسبة إلى الإسلاميين، فهاتان الفئتان، فئات ثقافية أساسية تعرّف المواطنين بأنهم غير متكافئين في الدولة الحديثة، وخاصة الأقليات الدينية، فمن المستحيل أن يعيشوا وفقاً لتقاليدهم من دون تقسيمهم من ناحية، بشكل غير عادل إلى مجموعات- الذميين، أو من ناحية أخرى إلى جماعات عرقية.

ويختم طلال أسد كتابه في نفي كل ما قيل عن الدولة العلمانية من حيث عدم تميّزها باللامبالاة الدينية أو الأخلاق العقلانية، أو التسامح السياسي، بل يؤكد على أنها ترتيب معقد للتفكير القانوني، والممارسة الأخلاقية والسلطة السياسية. وهذا الترتيب ليس نتيجة بسيطة لصراع التفكير العلماني ضد استبداد السلطة الدينية، لأن جوهر العلمانية يقوم على حماية الحريات المدنية من طغيان الخطاب الديني، في الوقت الذي يسعى فيه الخطاب الديني إلى إنهاء المناقشة، تسعى العلمانية إلى تهيئة الظروف لازدهارها.

*كاتبة سورية