إيزابيل الليندي.. سيدة الأدب اللاتيني

جاءت روايات إيزابيل الليندي كي تفند العديد من الآراء الخاطئة وكي تتحول أعمالها إلى أكثر الروايات شعبية في العالم.

الروائية التشيلية إيزابيل الليندي

لا تحتاج الروائية التشيلية إيزابيل الليندي إلى تقديم او تعريف، فهي من أهم كتاب أميركا اللاتينية. روائعها الأدبية تعد أهم صوت روائي في أدب ما يسمّى جيل ما بعد الواقعية السحرية التي من أفضل من يعبّر عنها غابرييل غارسيا ماركيز من خلال رائعته "مائة عام من العزلة". أو ما بعد جيل الـ"بوم" وشكلت الحركة حدثًا أدبيًا هامّا ونقلة نوعية جديدة في عالم الخلق والإبداع الأدبي عندما نُشرت أعمال مجموعة من الروائيين الشباب نسبيًا في مختلف بلدان أميركا اللاتينية على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم.

ارتبط مصطلح "البوم" كثيرًا بكتاب مثل غابرييل ماركيز من كولومبيا وماريو بارجاس يوسا من بيرو وخوليو كورتاثر من الأرجنتين وكارلوس فوينتس من المكسيك. وتحدى هؤلاء الكتاب القواعد التقليدية التي سنّها الأدب الأميركي اللاتيني. واتسمت إبداعاتهم بالجرأة والزخرفة والتنميق، وطُبعت بقلق رائع مع نوع من الجنون الذي يتناقض مع الواقعية الأوروبية، وعدم التكيّف مع واقع النمط الأميركي، حيث أطلقت هذه الحركة الأدبية العنان لحرية الخيال.

وكان عملهم يميل تجاه كل ما هو تجريبي وذي طابع سياسي، حيث الظروف التي أحاطت بالوضع العام في أميركا اللاتينية في الستينات من القرن العشرين. فمع هذا الجيل الجديد الذي تنتمي اليه إيزابيل الليندي، تم إحياء أدب أميركا اللاتينية الذي اعتقد كُثـر أنه لن ينجب أسماء مهمة بعد غارسيا ماركيز أو كارلوس فوينتس أو فارغاس يوسا.

تقول إيزابيل عن ماركيز: "هناك الكثير من أوجه الشبه بيننا. هو أرسل مخطوطة روايته الأولى "مائة عام من العزلة" على دفعتين لأنه لم يكن قادراً على تحمل تكاليف إرسالها كاملة وهو نفس ما حدث معي في "بيت الأرواح" قبل سنوات عدة...لم يكن لدي المال لإرسال المخطوطة كاملة فأرسلتها على دفعتين ولدينا الناشر نفسه كارمن بالسز التي قالت لي مراراً إنني كثيراً ما اشبه ماركيز".

جاءت روايات إيزابيل الليندي (ابنة ابن عم الرئيس سلفادور الليندي، توماس) كي تفند العديد من الآراء الخاطئة ولتتحول أعمالها، بدءاً من رواية "بيت الأرواح" عام 1982، وصولاً إلى ثلاثيتها "مدينة الوحوش"...إلى أكثر الروايات شعبية في العالم، كما يؤكد ذلك موقع الأمازون الالكتروني وهو أكبر مكتبة تجارية، وإلى أكثـر الكتب مبيعاً بالملايين، ليس بلغتها الاسبانية الأم فحسب، بل في لغات عالمية أخرى وصلت إلى أكثر من 30 لغة. فأصدرت 22 كتاباً وحصلت على أكثر من ثلاثين جائزة آخرها جائزة الوسام الرئاسي الذي منحها إياه الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما في البيت الابيض عام 2014، فضلاً عن حصولها على  دكتوراه فخريّة ثلاث مرات.


"بيت الأرواح" الرواية الأولى لإيزابيل

رواية "بيت الأرواح" لإيزابيل الليندي
تربط إيزابيل بين الانقلاب على الرئيس التشيلي سلفادور الليندي عام 1973 وبين ولادتها  كروائية حيث حلّ مكان الليندي نظام ذعر وإرهاب نتج عنه اعتقال آلاف المواطنين واختفى الكثير منهم. تقول إيزابيل إنها آخر من غادر بعد أن نفدت قدرتها على الاحتمال وفرت مع زوجها وطفليها إلى فنزويلا. تتحدث عن صدمة المنفى الذي تغلبت عليه بعد ثلاث سنوات لكنها تقول بأنها كانت محظوظة إذ وجدت شيئاً ما ينقذها من الإحباط. وتؤكد: "لولا هذا الانقلاب العسكري لبقيت في تشيلي مجرد كاتبة صحافية ... أعطاني الأدب في المنفى صوتاً. الكتابة بالنسبة إليّ كانت بداية طريقة خلاص من الروتين اليومي، ومن جملة معضلات حياتية. لذا كتبت "بيت الأرواح". وهي روايتها الأولى التي تشبه رسالة روحية طويلة لجدها العجوز الذي تلقت نبأ احتضاره ولم تستطع العودة إليه في تشيلي. تحدثت فيها عن ماضيها وحاضرها وطفولتها وشبابها.. كتبت فيها أحاسيسها وهواجسها.

تضيف إيزابيل أنّ جدتها إمرأة استثنائية وجدّها أحبَّها كثيراً وعندما ماتت قال لهم جدها "إنها تموت في اللحظة التي ننساها فيها .. ولهذا كانت حاضرة في حياتنا دائماً".

ولهذا تعتبر إيزابيل "أن روح جدتي وأرواح آخرين هي مشاعر وأحاسيس...تعيش في بيتها في تشيلي وفي روايتها "بيت الأرواح" التي حولتها من مجرد صحافية إلى أهم روائية عالمية تتصدر كتبها أعلى المبيعات فأصبحت "بيت الأرواح" التي تتحدث عن الدكتاتورية والثورة أهم رائعة من روائع ما يسمى "أدب الدكتاتورية العالمي" إلى جانب أخواتها من الروائع التي كتبت عن الشيء نفسه ابتداء من روايات: "ربكم الأعلى" لأغوستو باستوس و"السيد الرئيس" لميغل انجيل استورياس إلى "خريف البطريرك" لغابرييل ماركيز و"حفلة تيس" لماريو بارغاس يوسا و"ليل تشيلي" لروبيرتو بولانو.

بعدها نشرت في عام 1983 روايتها عن الحب والظلال التي تنطلق من جريمة سياسية ارتكبت في تشيلي وبعد عامين نشرت روايتها الثالثة والقريبة على قلبها "ايفالونا"، وأتبعتها بـ"حكايات ايفالونا" وهي مجموعة من ثلاث وعشرين قصة عن الحب. 

"باولا" الجزء الأول من مذكراتها

رواية باولا لإيزابيل الليندي
شكّلت وفاة ابنتها باولا عام 1991 بعد صراع مع مرض البورفيريا فصلاً مهما في حياة إيزابيل، فكانت الكتابة هي التي أبقتها سليمة العقل بعدما تحولت حياتها إلى جحيم، فكانت كل صباح تسحب نفسها من السرير إلى مكتبها لتضيء شمعة أمام صورة باولا وتفتح جهاز الكمبيوتر وتحدق بالشاشة ساعات وتبدأ البكاء، غير قادرة على الكتابة.

تقول إيزابيل: "وفي أحيان اخرى تتدفق معي العبارات كما لو أنها تملي عليّ من ورائي من باولا نفسها... بعد عام اكتشفت مذهولة أني كتبت كتاباً آخر أسميته "باولا" وهو مجموعة مذكرات تضمنت قصتين، قصة وفاة فتاة قبل أوانها، وقصة قدري المجازف. وتقول عن رواية باولا بأنه أهم كتاب في حياتي وسيظل كذلك لأنه أنقذني من الانتحار وحافظ على باولا من النسيان. كان بطريقة ما احتفالاً بالحياة، احتفالاً بالأشياء التي اهتمّ بها: الأسرة والحياة والحب. لم يكن عن الموت أبداً".

بعد ثلاث سنوات من الحزن الشديد على باولا، لم تقدر خلالها على الكتابة وظنّت أن منبع القصص لديها وسردها نضبا إلى الأبد. وهنا لا بد أن نربط بين رحلتها إلى الهند وبين عودتها إلى الكتابة حيث اقترح زوجها أن تسافر في رحلة إلى الهند.

تقول إيزابيل أن رحلتها إلى الهند من التجارب التي تضع بصمة في الحياة. فهي أرض مليئة بالتناقضات، جمال استثنائي وفقر مدقع وسأجد مهمات هناك. حدثت معها حكاية قلبت تفكيرها رأساً على عقب فأثناء تجوالها شاهدت مجموعة من النساء يجلسن على حافة الطريق سلمت عليهن وقدمت لهن بعض الهدايا وودّعتهن إلا أنّ إحداهن تبعت إيزابيل وأصرّت على إعطائها صرّة صغيرة وكأنها حزمة من الخرق. لكن حين فتحتها فإذا هي طفل رضيع حاولت أن تعيده إلى أمه إلاّ أنها هربت مسرعة إلى النساء اللاتي كن يجلسن معها. وهنا بادر سائق التاكسي الهندي الذي كان ينقل إيزابيل بارجاع الطفل إلى أمه فسألته إيزابيل لماذا اعطتني الطفل فرد السائق: إنها مولودة أنثى. تقول إيزابيل إن هذه المقولة أعطتني صدمة وأفاقتني من أنانيتي.. كنت غارقة في الحزن على ابنتي بينما العالم غارق في العوز والمعاناة.. أرغمتني أن أعود إلى العالم وأترجم فقداني لإبنتي إلى حدث... تمتلك بعض القصص الشفاء ..

هنا قررت توظيف المال الذي حصلت عليه من ترويج رواية "باولا" حيث حافظت عليه في صندوق خاص لم تلمسه وقالت إنها ستفعل به شيئاً تتذكرها به. وقد حانت لحظته وأعلنت أمام زوجها ويلي ورفيقتها تابرا: "الآن عرفت ما سأفعل بمدخراتي. سأنشئ مؤسسة لمساعدة النساء والأطفال". وبالفعل أنشات مؤسسة ايزابيل الليندي منذ حوالي 18 عاماً لهذا الغرض.

أعطت إيزابيل نفسها موضوعاً يبعد نفسها عن الأذى قدر الإمكان فكتبت رواية افروديت وتعني آلهة الحب والشهوة والجمال عند اليونان التي شكّلت استراحة روائية بين روايات عظيمة. وتكمن أهمية افروديت ليس بموضوعها عن علاقة الحب بالطعام، ولكن بالطريقة الساحرة التي تكتب بها إيزابيل الليندي التي تقول: نجح معي التداوي بالكتابة حول الحب والغذاء.

بعد وقت قصير كتبت روايتها "ابنة الحظ" التي تحكي قصة اليزا سوميرز، فتاة يتيمة تربّت لدى عائلة بريطانية في الميناء التشيلي، ثم رواية "الباراسيوا" في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وهي رواية تتحدث عن الحرية.

بعد ذلك كتبت روايتها "الصورة العتيقة" التي حدثت في التشيلي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر التي تحكي قصة اورورا ديل فالي، حفيدة اليزا سوميرز. فهذه الرواية تحمل شخصيات عديدة من "ابنة الحظ" و"بيت الأرواح". هذه الروايات الثلاثة تعد ثلاثية، وهي عبارة عن رحلة إلى الماضي والى الروح والذاكرة. تقول إيزابيل: "حينما كتبت الروايات الثلاث من ثلاثيتي دخلت آلة الزمن وعدت إلى 1848 ومن ثم مضيت قدماً إلى عام 1973 عبر أكثر من 100 عام".

في عام 2001، كتبت إيزابيل رواية "مدينة البهائم" للأطفال والبالغين تتحدث فيها عن شاب أميركي يلتقي بفتاة غريبة يعيشان معاً مغامرة سحرية بين هنود العصر الحجري. أتبعتها بكتابين يحملان شخصيات الأبطال أنفسهم، "مملكة التنين الذهبي" و"غابة الأقزام". هذه الروايات الثلاث تُعد ثلاثية للأطفال.

بعد 13 عاماً من الغياب عادت إيزابيل لتكمل مذكراتها في جزء أول بعنوان "باولا" على ما استجد من أحداث، وذلك في كتاب ثانٍ بعنوان "حصيلة الأيام" إضافة إلى كتاب ثالث بعنوان "بلدي المخترع"، وهي روايات باولا وحصيلة الايام وبلدي المخترع تُعد ثلاثية تروي فيها مذكراتها.

لا ينتهي الحديث عن سحر أدب إيزابيل الليندي فما مرّ موجز عن أعمالها وسيرتها. 

محمد علي فقيه باحث لبناني.