"رجال في الشمس".. قراءة جديدة لرواية قديمة

تعد رواية الأديب الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني، "رجال فى الشمس"، التي طبعت في العام 1963، أشهر أعماله على الإطلاق، ما حدا بالهيئة العامة للسينما في دمشق لتقديمها في فيلم سينمائي بعنوان "المخدوعون" في العام 1972.

الروائي الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني
الروائي الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني
 مراجعة: عمرو علي صالح  -
الكتاب: "رجال في الشمس"المؤلف: غسان كنفانيتاريخ النشر: 1963 - بيروت

تتميز رواية غسان كنفاني، "رجال فى الشمس"، بسلاسة لغوية عهدناها في ذلك الكاتب المبدع، فهه تحدثنا عن واقعنا، ما فات منه وما حضر.

ببساطته المعهودة عنه، العميقة المعنى والمغزى، تحكي الراوية عن ثلاثة رجال من الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكل منهم واقع مر يحاول الهرب منه إلى فضاء أرحب.

وسعياً منهم كي يستكملوا مسيرة حياتهم بعدما حطمتها آثار الإحتلال الإسرائيلي، وصاروا أسرى في بلد حر، يتفق هؤلاء الرجال مع مهرّب عبر الحدود بين العراق والكويت، كي يدخلهم من بوابة تحقيق أحلامهم البسيطة، طمعاً فى تحقيق بعض الاستقرار، وقليل من السعادة.

نتوقف هنا قليلاً عند معاناة هؤلاء الرجال وكيف رصد الكاتب بعين ثاقبة تجاوزت الزمن، وكأنه يرصد معاناة الأمة العربية الآن. ولو أن رصده جاء بشكل مركز ومحدد لواقع بلد عربي واحد بات الآن بعد أن نضيف اليه صيغة الجمع بلداناً عربية لا تخطئها العين.

تبدأ أحداث الرواية الأصلية بعد الاتفاق مع المهرّب حيث ركبوا جميعاً معه في سيارة النقل، والتي تنقل المياه في خزان كبير مثبت في مؤخرتها، ويذعن الرجال لأوامره بالاختباء في داخل الخزان الفارغ عند المرور عند كل نقطة تفتيش تقابلهم، والخروج من الخزان بعد عبور نقاط التفتيش. ويتبادل الرجال التنقل بين الخزان والخروج منه طوال الطريق الشاق، بين حرارة الشمس ولهيبها الحارق، وبين برد الأمل وسلامه. تتخلل رحلتهم حوارات قصيرة بينهم، ومونولوج طويل في داخل كل منهم لا يقطعه غير توقف السيارة على أحد الحواجز.

وتختتم الرواية بنهاية صادمة حيث اتفق المهرّب معهم على الاختباء للمرة الأخيرة قبل عبور آخر الحواجز. وقبل أن يوصلهم إلى ما قبل الحدود الكويتية بأمتار عدة، يتركهم المهرّب بعدها كي يشقوا طريقهم نحو تحقيق أمانيهم. ولكن رعونته ومكوثه مع أحد جنود الحاجز لمدة طويلة، أنسياه الرجال القابعين في داخل الخزان المعدني فنالت منهم حرارة الشمس الملتهبة في الداخل حتى يكتشف بعد فوات الأوان أنهم إختنقوا وماتوا جميعاً.

ويبقى السؤال الذى أنهى به غسان كنفانى روايته الأشهر: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟!" وكأن كنفاني يدق لنا من زمن بعيد أجراس الأنذار.

عمرو علي صالح كاتب مصري