"الصندوق الوطني للديمقراطية".. الجندي الخفي لـ"سي آي إيه"

تُطرح العديد من التساؤلات حول مسار عمل ما يسمى بـ"الجمعيات غير الحكومية" (NGO’s). ففي الوقت الذي تنطلق تلك الجمعيات من تسميتها لتفصل أهدافها عن السياسات الرسمية للدول، فإن الدعم الذي تتلقاه من بعض الحكومات لا سيما تلك المؤثرة عالمياً، يحولها إلى "كيانٍ وظيفي" مستتر وغير مباشر يخدم المصالح القومية لتلك الحكومات.

  • "الصندوق الوطني للديمقراطية".. الجندي الخفي لـ"سي آي إيه"
    الـ"سي أي إي" ساعدت على إنشاء "NED" في الكونغرس كي تكون ممراً قانونياً لأعمالها الخارجية

يعرّف "الصندوق الوطني للديمقراطية"  (NED)  نفسه  على أنه "مؤسسة خاصة غير ربحية مكرسة لتحقيق النمو وتعزيز المؤسسات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم". ويقدم  أكثر من 1000 منحة لدعم مشاريع الجماعات غير الحكومية في الخارج والتي تعمل "من أجل الأهداف الديمقراطية في أكثر من 90 بلداً".

يصطدم هذا التعريف الموجَز وما يختزنه من مبادرات خدماتية، باجراءات اتبعتها دولٌ عديدة لمنع أي أنشطةٍ للصندوق الذي تتجاوز ميزانيته الـ100 مليون دولار سنوياً، أو أقلها، مراقبته والتضييق عليه. ولعلَّ الموقف الروسي الرسمي عام 2015 بحظر أنشطة "NED" داخل البلاد، يشي بدورٍ مشبوه وخطيرٍ للصندوق، استناداً إلى تصدّر الخارجية الروسية حينها المشهد في تبرير القرار بقولها  "حتى اسم الصندوق الوطني للديمقراطية مخادع، فهو جمعية أهلية فقط على الأوراق بينما يتلقى دعماً حكومياً أميركياً منذ نشأته بما في ذلك الدعم من قنوات تابعة لأجهزة استخباراتية". 

قرار روسيا بحظر أنشطة "NED" لم يكن قراراً مستجداً، بل له خلفياته وسياقاته الزمنية، باعتبار أن "الصندوق" الأميركي بدأ نشاطه ضد الاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرت الماضي، حيث ظهرت معالم فكرة تأسيس "الصندوق الوطني للديمقراطية" (NED)  من الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي رونالد ريغان في البرلمان البريطاني عام 1982. وصف ريغان الاتحاد السوفياتي حينها بـ"امبراطورية الشر"، وأعلن استعداد بلاده بالتعاون مع الحلفاء لتقديم المساعدة للشعوب "الضعيفة" حول العالم، لا سيما تلك "الخاضعة للحكم السوفياتي"، مقدماً "رؤية" جديدة للديمقراطية حازت على النصيب الأكبر من خطابه.

".. يجب أن نساهم في خلق البنية التحتية اللازمة للديمقراطية"، قال ريغان، وذلك من خلال "حرية الصحافة، تأسيس النقابات والأحزاب السياسية، والجامعات"، وتابع "بعد ذلك سوف يكون بوسع هذه الشعوب أن تختار ما يناسبها، لتطوير ثقافتها، وحل خلافاتها بالوسائل السلمية".

بعد خطاب ريغان تشكلت لجنة في "الكونغرس" الأميركي تضم أعضاءً من الحزبين "الجمهوري" والديمقراطي"، لمناقشة "الرؤية" الجديدة للديمقراطية المرغوبة أميركياً حول العالم. وأوصت في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1983، بضرورة تأسيس "الصندوق الوطني للديمقراطية" (NED). وتقرر رصد الاعتمادات المالية للصندوق من موازنة الحكومة الأميركية، كما تفرّع من المؤسسة الجديدة 4 هيئات توزع إثنان منها إدارياً بين "الجمهوري" والديمقراطي"، وهي: 

- معهد النقابات الحرة، الذي أصبح تحت اسم المركز الأميركي للتضامن مع العمال.

- مركز الشركات الخاصة الدولي، وتديره غرفة تجارة الولايات المتحدة.

- المعهد الجمهوري الدولي، بإدارة الحزب "الجمهوري".

- المعهد الوطني الديمقراطي لقطاع الأعمال الدولية، بإدارة الحزب "الديمقراطي".

دور  الاستخبارات الأميركية في توجيه الصندوق 

تبدو "NED" وتفرعاتها الأربع كـ "مؤسسة ترتكز إلى المجتمع الأهلي الذي يعكس التنوع الاجتماعي، والتعددية السياسية"، هذا ما يقوله الصحافي الفرنسي تيري ميسان، في دراسته "الوقف الوطني للديمقراطية-الواجهة القانونية لوكالة الاستخبارات المركزية"، والصادرة عام 2012، عن مركز "فولتير". ويضيف "بما أنها ممولة من دافع الضرائب الأميركي عبر الكونغرس، فهي تعمل وفق مثل عالمية، لذا فهي مستقلة تماماً عن الإدارة الرئاسية، لكن ممارساتها الشفافة لا تستطيع إخفاء العمليات السرية، التي تنفذها خدمة للمصالح القومية غير المعلنة".

تلك المصالح القومية غير المعلنة، تظهر في الدور الذي لعبه وليام كيسي، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في عهد ريغان، لإنشاء "الصندوق الوطني للديمقراطية"، من خلال التعاون مع منظمة " Freedom House" (بيت الحرية) وهي منظمة غير حكومية، تأسست عام 1941، مقرها الولايات المتحدة الأميركية، "تدعم وتجري البحوث حول الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان"، كما تعرّف عن نفسها.

ووفقًا للوثائق الصادرة عن مكتبة رونالد ريغان الرئاسية، والتي تحدث عنها الصحفي الأميركي الشهير روبرت باري عام 2015، فإن المؤسستين الرئيسيتين اللتان تروجان لـ "الديمقراطية" و "الحرية" وهما "فريدوم هاوس" والوطنية للديمقراطية" عملتا جنباً إلى جنب، خلف الكواليس، مع خبير دعاية لوكالة الاستخبارات المركزية في الثمانينيات، إذ يؤكد باري في مقاله "CIA’s Hidden Hand in Democracy Group"، أن "فريدوم هاوس" والوطنية للديمقراطية" تعاونتا مع عملية دعائية نظمتها وكالة المخابرات المركزية حينها، كما أن "فريدوم هاوس" أصبحت متلقياً رئيسياً للأموال من "الصندوق الوطني للديمقراطية"، الذي ساعد كيسي في إنشائه عام 1983.

الوثائق تشير إلى أن وليام كيسي، عمل في السنوات الأولى لحكم ريغان على إنشاء آلية تمويل لدعم "فريدوم هاوس" وغيرها من المنظمات المتخصصة بالعمل الخارجي، للمشاركة في الدعاية والعمل السياسي، الذي سبق ونظمته وكالة المخابرات المركزية تاريخياً، ودفعت ثمنه سرًّا بشكلٍ غير قانوني. فظهرت الفكرة لتأسيس كيان ممول من "الكونغرس" بحيث يكون قناةً "قانونية" لهذا المال، بعد إدراك كيسي ضرورة "قوننة" مصادر تلك الأموال التي يتم استغلالها من قبل وكالة المخابرات المركزية، لتمويل الأعمال الخارجية.

لذا طُرح "الصندوق الوطني للديمقراطية" (NED) كمشروع قانون من قبل مشرعين في "الكونغرس" تابعين للحزبَين "الجمهوري" و"الديمقراطي"، وذلك انطلاقاً من السياسة الجديدة التي أراد ريغان اتباعها. وخلال صياغة بنود مشروع القانون في "الكونغرس" قرّر بعض الأعضاء، أنه من المهم عزل المؤسسة الجديدة عن أي ارتباط مع وكالة المخابرات المركزية، لذلك تم تضمين بند يمنع مشاركة أي مسؤول حالي أو سابق بوكالة المخابرات المركزية فيها. لكن ووفق ما تذكره الوثائق، فإنه في إحدى الليالي المتأخرة من جلسة للكونغرس عام 1983 حين كان مشروع القانون على وشك الذهاب إلى قاعة مجلس النواب، وصل منسق وكالة المخابرات المركزية في "الكونغرس" إلى مكتب النائب دانتي فاسيل، وهو "ديموقراطي" في لجنة الشؤون الخارجية والراعي الرئيسي للمشروع. ونقل المنسق رسالة من مدير وكالة المخابرات المركزية كيسي، تقول إن "البند الذي يحظر مشاركة موظفي وكالة المخابرات المركزية يجب أن يشطب عن مشروع القانون".  "وافق فاسيل على الطلب، ولم يدرك تماماً أهميته!" يقول باري، مضيفاً أن "ما أوضحته المستندات الموجودة في مكتبة ريغان هو أن رفع الحظر مكّن كيسي من البقاء نشطاً في صياغة قرارات آلية التمويل الجديدة".

وتشكل "الصندوق الوطني للديمقراطية" في أواخر عام 1983، حيث قرر الكونغرس أيضًا تخصيص ميزانية للحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي" كي لا يتعطّل مرور المشروع. وتكشف الوثائق أيضاً جزءاً من الأموال التي قدمتها "NED" إلى منظمات غير حكومية خارجية لأهداف سياسية، وبتوصيةٍ من وكالة الاستخبارات الأميركية، ومنها المنح المالية التي قُدمت "للتحالف الصيني من أجل الديمقراطية" (CAD) عام 1985.

ويذكر في هذا السياق أن روبرت باري، له سجل حافل في كشف خفايا الفترة التي حكم بها ريغان، وهو الذي كشف تفاصيل الدعم السري الذي قدمته إدارة ريغان للمتمردين النيكاراغويين في ثمانينات القرن الماضي. وفاز بجائزة "جورج بولك للصحافة الوطنية" عام 1984، لتقديمه دليلاً على تزويد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لما يسمى "جماعات كونترا"، بتعليمات لعمليات الاغتيال التي نفذتها، حيث كان جزءًا من فريق تحقيق وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية حينها.

المخابرات المركزية تعترف

على الرغم من السريّة التي رافقت دور المخابرات المركزية الأميركية في تأسيس "الصندوق الوطني للديمقراطية"، إلا أن "السي آي إي" لا تخفي تعاونها المباشر مع المنظمات غير الحكومية ومن ضمنها NED، والتي بدورها تقدّم "مساعدات" لمنظمات غير حكومية خارجية.

ففي مقالٍ منشور على الموقع الرسمي لوكالة الاستخبارات المركزية عام 2007، تحدثت الأخيرة عن كيفية تطور تبادل المعلومات بين الحكومة الأميركية وقطاع المنظمات غير الحكومية، "لتحقيق الهدف المشترك المتمثل في تحسين الاستجابة الدولية للصراعات والأزمات الأخرى في الدول الضعيفة"، مشيرةً إلى أن "عملية تبادل المعلومات بين حكومة الولايات المتحدة والمنظمات غير الحكومية مرّت بمراحل مختلفة". وأكدت "أنه في بعض الحالات، تبادلت الاستخبارات المركزية تحليلات استراتيجية مباشرة مع المنظمات غير الحكومية". وبالإضافة إلى تعاونها مع منظمات غير حكومية في العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها من الدول، ذكرت الوكالة تفاصيل "أزمة البحيرات الكبرى" في وسط إفريقيا في منتصف التسعينيات، معتبرةً أنها كانت "نقطة التحول"، حين كانت واشنطن بحاجة إلى مساعدة في تحديد المناطق الأكثر حدة، من دون التواجد على الأرض، ومع تعذّر الاستفادة من صور الأقمار الصناعية بسبب الغابات الكثيفة في تلك المناطق، كانت المنظمات غير الحكومية الموجودة هناك ترسل تقاريرها إلى وكالة الاستخبارات حول حقيقة ما يجري من خلال استخدام وسائل الاتصال الحديثة.

توزع المنح المالية لـ"NED".. لبنان والعراق واليمن 

توضح التفاصيل المذكورة آنفاً، سياق عمل المنظمات غير الحكومية المدعومة من الحكومة الأميركية وعلى رأسها "الصندوق الوطني للديمقراطية"، وما يتفرّع عنها من هيئات، والتي بدورها مسؤولة عن التواصل وتقديم الدعم للمنظمات غير الحكومية الخارجية.  وتذكر  "NED" على موقعها الإلكتروني المنظمات التي قامت بدعمها في مختلف دول العالم بشكلٍ سنوي. وفيما تخفي الأهداف السياسية والأمنية لهذا الدعم، والتي تحددها وتوجهها وكالة الاستخبارات الأميركية، فإنها تذكر تفاصيل الدعم منطلقةً من أهداف اجتماعية وقانونية. 

على سبيل المثال، فإنه في العام 2018 وضمن عملها في لبنان منحت "NED"، دعماً بقيمة 80 ألف دولار لمجلة "شؤون جنوبية" التي يرأس تحريرها علي الأمين، تحت عنوان "تنشيط النقاش المدني" (Energizing Civic Debate). وتحت عنوان "مراقبة البلديات المحلية" ((Local Municipalities Monitor قدمت دعماً بقيمة 30 ألف دولار لـ "مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط". كما قدّم الصندوق دعماً بقيمة 29 ألف دولار لجمعية "نقطة فاصلة"، تحت عنوان "قادة من الشباب للغد"، وغيرها من الجمعيات المحلية أو الدولية العاملة في لبنان.

وفي العراق أيضاً، يذكُر "الصندوق الوطني للديمقراطية" أنه قدّم دعماً مالياً للعديد من الجمعيات في العام 2018، من بينها "الأكاديمية النسائية للقيادة في العراق"، بقيمة 40 ألف دولار وذلك تحت عنوان " تفعيل الدور القيادي للشابات العراقيات" (Activating the Leadership Role of Young Iraqi Women). كما أن الصندوق تقدم بدعمٍ قيمته 140 ألف دولار، لـ "شبكة العمل المدني العراقي"، تحت عنوان "بناء قادة المستقبل لعراق ديمقراطي" (Building Future Leaders for a Democratic Iraq)، والعديد من الجمعيات العراقية الأخرى أو العاملة في العراق.

هذا وقدمت "NED" في اليمن  خلال العام 2018، دعماُ بقيمة 27 ألف دولار لـ"مؤسسة ألف باء للتعايش المدني" تحت عنوان "تمكين الشباب في عدن" (Empowering Youth in Aden)، ودعماً بقيمة 30 ألف دولار لـ"مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية" تحت عنوان "بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع" (State building in post-conflict) وغيرها من الجمعيات.

عباس الزين

كاتب ومحرّر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

"حفل" إعلان "صفقة القرن".. حضورٌ سعوديٌ فاعل!

إلى جانب دورها في تمويل "صفقة القرن"، بحسب ما أعلن كوشنر، مارست السعودية في الأعوام المنصرمة...

خيارات السعودية تضيق في اليمن

ينتقل التحالف السعودي في حربه على اليمن، إلى مرحلة عسكرية مبنيةٍ على اتفاق سياسي وقّع في الرياض...

إبن سلمان يحاول إنعاش «كوينسي»: الاستثمارات بديلاً للنفط!

تتغيّر أسس العلاقة الطردية بين المملكة السعودية والولايات المتحدة الأميركية، وفق تغيّر حاجات...

عن «الفرنسي الخام» ودونيّة المشاهد «العربي»!

تزامنت الاحتجاجات في فرنسا (بعيداً عن أسبابها)، مع العديد من «التحليلات» (للأسف تم تعريفها هكذا)...

الصين تدخل من القرن الأفريقي: هل تصل «المناطق المُحرَّمة»؟

يتزايد القلق الأميركي من النفوذ الصيني المُتصاعِد، والذي بات يقترب من التصادُم المباشر مع...

التظاهر بالجنون هي استراتيجية ترامب

شخصية ترامب "غير المستقرّة" و"غير الرصينة"، تخفي في بعض جوانبها، "استراتيجية أميركية" تقوم على...