حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا.. ماذا تريد موسكو؟

حرب أسواق الطاقة المشتعلة، واحدة من أشكال المواجهة الجديدة بين الدول الكُبرى. المنتجون يتسابقون إلى حجز حصتهم في السوق، ويمارسون لعبة عضّ الأصابع. مَن يصرخ أولاً مع استمرار مستوى الأسعار عند حدوده التاريخية الدنيا؟ 

  • موسكو لا تثق بالرياض، وهي بالتأكيد لا تثق بواشنطن.

تخوض كُبريات الدول المُنتجة للنفط حرباً شعواء في ما بينها منذ سنوات. حربٌ مُستعرِة يحاول كل مُنتِجٍ فيها تعزيز مكانته في نادي المُنتجين، من خلال حجز حصّته من النفط المُنتَج يومياً، الأمر الذي يؤثّر بصورةٍ مباشرة على أسعار المواد المُنتَجة، وبالتالي التأثير على العرض والطلب، وعلى العائدات المالية لكل واحدةٍ من هذه الدول، وميزانياتها العامة بنتيجة ذلك.

تقود منظمة "أوبك" سوق النفط من خلال انضمام كبار المُنتجين إليها، قبل أن يتصاعد حجم إنتاج روسيا لتصبح في المرتبة الثانية بين المُنتجين في السنوات الأخيرة، ليتشكّل بذلك إطار "أوبك +" أي دول المنظمة بالإضافة دول من خارجها على رأسهم روسيا. 

ومنذ الطفرة النفطية الأولى عام 1973 (ارتفاع الأسعار بعد توقّف السعودية عن بيع النفط للضغط لمساعدة مصر وسوريا في حربهما ضد العدو الإسرائيلي) تغيّر سوق الإنتاج. فقبل ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة هي المُنتج الأول للنفط في العالم. وبعد هذا التاريخ، تصدّرت السعودية قائمة المُنتجين، وتراجع ترتيب الولايات المتحدة بين المُنتجين في حين ارتفع استهلاك الأميركيين من النفط، وبالتالي زاد اعتماد الاقتصاد الأقوى في العالم على النفط الأجنبي. 

بعد تطوّر إنتاج النفط الصخري وخفض كلفته، عادت الولايات المتحدة لترفع من إنتاجها، بشكلٍ تدريجي منذ عام 2005، ووصلت إلى إعلان الرئيس دونالد ترامب عن عدم حاجة بلاده للاستيراد خلال العام الحالي 2020. ولكن هذا التأكيد موضع شك عند القوى الأخرى التي تعتقد أن واشنطن تستورد حوالى خمسة ملايين برميل يومياً.

انفجار حرب الأسعار 

في الخامس من آذار/ مارس 2020 تفكّك تحالف"أوبك+" الذي يضمّ أعضاء أوبك ومُنتجين مستقلين بقيادة روسيا – بعد خلافات بين الرياض وموسكو على تعميق خفض الإنتاج- حتى نهاية 2020. ومع تصاعد حدّة الخطوات المتبادلة بين الدولتين بات السياق المتضمّن لهذه الخطوات يسمّى بـ"حرب أسعار" النفط، التي أثّرت على الولايات المتحدة وعلى كل العالم، خصوصاً مع الظروف التي أحدثها انتشار فايروس كورونا، واضطرار أكثر من ثلاثة مليارات إنسان إلى البقاء في بيوتهم، وإقفال كبير للمؤسّسات المُستهلكة للطاقة حول العالم، الأمر الذي يخفض الطلب ويؤثر على الأسعار.

المملكة العربية السعودية أعلنت في بداية الحرب هذه زيادة ضخّ الإنتاج لمتوسّط 13 مليون برميل يوميا ًبحلول مايو/أيار، بالمقارنة مع 9.8 ملايين برميل يومياً كانت تنتجها في فبراير/شباط  الماضي. ومن الطبيعي أن يؤدّي ذلك – خصوصاً مع انخفاض الطلب- إلى التأثير على حصّة الدول الأخرى في السوق، ومنها روسيا التي رفضت الخطوة السعودية واقترحت أن يتم تمديد خفض الإنتاج بالشروط التي سبقت الأزمة، لتقوم السعودية بدورها برفض المقترح الروسي، وتتقدّم باقتراح بزيادة 1.5 مليون برميل يومياً، تم رفضه من قِبَل موسكو.

هذا الموقف السعودي وتعارضه مع مصالح المُنتجين الآخرين أثار تساؤلات كثيرة حول موقف الولايات المتحدة، كإقتصاد مُستهلك بشدّة للنفط، خصوصاً وأن الرياض وواشنطن تجمعهما علاقات تحالف استراتيجي على المستوى السياسي، وتنسّقان بصورةٍ دائمة مصالحهما المشتركة. هذه التساؤلات انتظرت وقتاً طويلاً تعليق واشنطن ورئيسها صاحب المقولة الشهيرة "أنا أحب النفط" (قالها يوماً في معرض حديثه عن آبار النفط في شمال شرق سوريا).

الموقف الأميركي

إن الأثر الواضح لهبوط أسعار النفط إلى ما دون 25 دولاراً للبرميل على صناعة النفط الأميركية يبدو كارثياً بكل المقاييس. فهذه الصناعة التي تجهد واشنطن لتطويرها ومنافسة الدول الأخرى من خلالها، تحتاج لتستمر إلى مستوى أسعار مرتفع بين 30 و40 دولاراً للبرميل الواحد بالحد الأدنى (بعض مناطق الاستخراج الأميركية تحتاج إلى سعر أعلى)، نظراً إلى كلفة استخراج النفط الصخري المرتفعة، والتي تتعطّل حُكماً مع انخفاض الأسعار إلى ما دون مستوى الكلفة، الأمر الذي يعني إفلاس شركات إنتاج أميركية في حال طالت هذه المواجهة. وهذا في مرحلة تالية يعني خسارة الولايات المتحدة لقسم كبير من إنتاجها اليومي، واضطرارها لاستعادة النمط السابق من الاستيراد من الدول المُنتجة الأخرى. والأمر عينه الذي يصيب صناعة النفط الصخري ينسحب على الطُرُق الأخرى غير البرّية للاستخراج، مثل الآبار البحرية. 

ومع أن انخفاض الأسعار يعود بفائدة اقتصادية من ناحية أخرى، لكن مع تزامن هذه الحرب مع الآثار الاقتصادية لجائِحة كورونا وتراجع الإنتاج، مع زيادة الاستهلاك المنزلي، واتجاه الاقتصاد العالمي نحو الركود المتوقّع منذ سنوات، هي عوامل تؤدّي جميعها لأن تكون نتائج حرب الأسعار سلبية أكثر منها إيجابية، خصوصاً على الولايات المتحدة.

هذه المُعطيات وغيرها من تلك التي تصل إلى المكتب البيضاوي عن توقّعات وتحليلات أسواق الطاقة وأثرها على بلاده، دفعت بترامب إلى الانخراط في تفاعُلات هذه الحرب، وإن بصورةٍ غير حادّة، على عكس عادة الرئيس الأميركي. وتصريحات ترامب لم تكن سهلة التوقّع، كونها فُهِمَت على أنها تضع اللائمة على السعودية أكثر مما تحمّل روسيا مسؤوليةً في تدهور الأسعار. ترامب قال إن بإمكانه النظر دائماً بمسألة فرض تعرفة على نفط المملكة، وإن كان قد ربط ذلك بالفائدة المالية التي أحدثتها هذه التعرفات على بلاده، كتلك التي فرضها على البضائع الصينية، وعلى دول أخرى، مشيراً إلى أن هذه البلدان – ولم يستثنِ السعودية من بينها- تستغل الولايات المتحدة منذ سنوات عديدة.

إشارة الرئيس الأميركي القاسية للسعودية، لم تمنعه من اعتبار أن الرياض وموسكو معاً يلحقان ضرراً ببقية دول العالم وبصناعة الطاقة بشكل عام. لكنه استدرك كلامه بالإشارة إلى أن الدولتين تتأذيان أيضاً بصورةٍ لا يمكن تصديقها، ليعرب عن مراهنته على ذلك لحل الخلاف، خصوصاً وأن الدولتين تعتمدان بدرجة كبيرة على عائدات النفط في اقتصاديهما.

إصرار ترامب على توجيه خطاب إنتخابي في معرض حديثه عن أزمة أسعار النفط هذه، يمكن فَهْمه. لكن تحميل الدول الأخرى مسؤولية استغلال بلاده لم تكن على درجة عالية من المنطق، حين قال إن الدول الأخرى استغلّت الولايات المتحدة وخدعتها في التصنيع والتصدير وفي الجيش، حيث تقدّم واشنطن مساعدات لهذه الدول. 

إذن دخل ترامب من باب أسعار النفط، ليعتبر أن بلاده وجيشها هما المظلومان في هذا العالم، وأن الدول الأقل قوّة، والمُسيطَر عليها من واشنطن، هي التي تستغلّ أميركا. إنها رؤيةٌ سوريالية في العلاقات الدولية بالأساس، وتصبح أكثر سوريالية حين تأتي في سياق الحديث عن النفط، في حين ترى دول كثيرة حول العالم، بل معظم العالم، أن أكثر حروب أميركا وتدخّلاتها في أقاصي الأرض كانت من أجل سلب الدول الأخرى مواردها، بالتهديد والحيلة والمخابرات والجيش طبعاً. وأول هذه الدول هي الدول العربية المُدنتجة للنفط، حيث أقامت أنظمة حكمٍ فيها تلعب دورها بدقّة، وهو نقل ثروات الشعوب إلى واشنطن، وكل البروتوكولات والأدبيات التي تغلّف ذلك، هي فقط لزوم الوظيفة الإخراجية.

وبين هذا النمط المُعتاد من الرئيس الأميركي، وضرورة العقلانية التي تفرض تدخلاً لإيجاد حل، سعت وزارة الطاقة الأميركية إلى التدخل من أجل تخفيف حدّة التوتّر بين الطرفين، حيث دعت كل من الرياض وموسكو إلى العمل معاً التهدئة سوق النفط، تزامناً مع مباحثات مكثّفة يجريها الرئيس الأميركي مع قادة البلدين للتوصّل إلى صيغة مشتركة، تجنّباً للوصول إلى السيناريو الكارثي الذي من المتوقّع أن يخرج الجميع منه خاسراً.

عضّ أصابع: مَن يصرخ أولاً؟

روسيا والسعودية من ناحيتهما تدركان تماماً أن ميزانيتهما السنوية تعتمدان إلى حدٍ كبير على أموال النفط. الدولتان تشتركان في الرغبة لتقليص اعتماد اقتصاديهما على موارد الطاقة. لكنهما سوياً لا تزالان بعيدتين عن تحقيق هذا الهدف، مع وجود فوارق بينهما. ففي حين قطعت روسيا شوطاً في الاعتماد على مصادر أخرى كالزراعة والتصنيع العسكري والإنتاج التكنولوجي ومجالات الإنتاج العلمي المختلفة التي ترى موسكو أنها قادرة على منافسة أكبر دول العالم فيها، لا تزال السعودية في مراحل جهودها الأولى لتقليص الاعتماد على أموال الطاقة، وإن كانت قد أعنلت في بياناتها الرسمية أن 36% من موازنتها باتت تأتي من مصادر غير نفطية، لكنها أرقام لاتزال عُرضة للتشكيك، خصوصاً مع اضطرارها لفرض ضرائب ودخول السياق العالمي المُماثل عند الدول الأخرى، وبالتالي انتهاء عصر الرفاهية المجانية التي اعتمدت لـ50 سنة على النفط وحده. كما تقف السعودية أمام ضرورة أخرى، وهي اضطرارها لإنفاق الكثير مما تنتجه في الفترة الحالية لإنجاح مشروع محمّد بن سلمان في القيادة "السعودية 2030". 

لكن الخلاف بين الدولتين احتدم إلى درجة تأجيل عقد مؤتمر "أوبك بلس" بعد أن كان مقرّراً يوم الإثنين في 6 نيسان/أبريل. على الرغم من ذلك فإن روسيا وعبر رئيسها فلاديمير بوتين حاولت تظهير الخلاف الحالي بوجهه الأكثر صعوبة على الرياض. فبوتين اعتبر في تصريحاته أن الرياض زادت من إنتاجها وتخوض هذه الحرب ليس على روسيا بالدرجة الأولى، إنما على صناعة النفط الصخري الأميركي لتخرجه منافسة نفطها في الأسواق العالمية. 

هذه الإشارة القاسية من بوتين، تلتقي في منطقها مع الحدّة التي توجّه بها ترامب إلى السعودية ملوّحاً بفرض تعرفات جمركية عليها. وموسكو التي تصرّ على استعدادها للعمل مع البلدان الأخرى من أجل تحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، تبدو مُدرِكةً لخارطة المصالح في أسواق الطاقة، ولذلك فإنها تمضي في عضّ الأصابع، مُعتقدةً أن الخسارات الأميركية، خصوصاً في وقت الكورونا، ستؤدّي إلى المزيد من الغضب الأميركي على الرياض. وهي في الوقت نفسه، تحمّل المملكة مسؤولية الأزمة أمام المُنتجين الآخرين الخاسرين اليوم لقسم كبير مما توقّعوه في موازناتهم للعام 2020. وهذا معنى ما جاء في تصريح المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف حين اعتبر أن تصرّفات السعودية في الأسواق النفطية ستؤدّي إلى امتلاء كل خزانات النفط في العالم.

موسكو لا تريد أن تبدو كمَن يقطع حبل التواصل ومحاولات الحل، ولكنها في الوقت نفسه لا تريد الخروج من الحرب من دون توسيع الفجوة في المصالح بين السعودية والولايات المتحدة، لأن في ذلك مصالح أبعد من أسعار النفط، ولها علاقة بالصراع الجيوسياسي، خصوصاً وأن مادة الخلاف هي سلعة ما فوق استراتيجية بالنسبة إلى كل الأطراف، وبالتالي فإن انعكاسات الخلاف حولها قد يتناسب مع أهميّتها. وهذه الفرضية تتناسب مع ما نشرته وكالة بلومبرغ في السادس من نيسان/أبريل حول استعداد روسيا لخفض إنتاجها مليون برميل يومياً بشرط مشاركة الولايات المتحدة بخفضٍ مقابل. وهو مقترحٌ قد يحفّز الولايات المتحدة على الاقتراب من موقف موسكو في المفاوضات، أكثر من تفهّمها لموقف الرياض.

لكن هل يعني ذلك أن موسكو تعتمد على موقف واشنطن لكسب حرب الأسعار مع الرياض؟ أم أنه يعني أكثر أن موسكو تلعب ضد الجميع، ولمصلحة تعزيز مكانتها وحماية حصّتها مقابل دول "أوبك"، ونقل معركة تقليص العرض إلى الجانب الآخر، أي دول المنظمة؟

حقيقة واحدة تساعد على الإجابة، وهي أن موسكو لا تثق بالرياض، وهي بالتأكيد لا تثق بواشنطن.