ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا

من الواضح أن لندن تضع مصالحها المالية في المقام الأول في رسم سياستها التصديرية الخاصة بالأسلحة والمنظومات القتالية والدفاعية، ولهذا لا يبدو غريباً أن يكون لديها علاقات تصديرية عسكرية، مع دول تنتقدها لندن.

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا

عاد الجدل داخل الأوساط السياسية والحزبية البريطانية، بشأن أستخدام لندن لصادراتها من الأسلحة، كوسيلة للكسب المادي المحض، بمعزل عن مراعاة أية اعتبارات سياسية أو إنسانية، أو حتى دون النظر إلى الظروف الداخلية الحالية في البلاد. 

ما أشعل فتيل هذا الجدل، المعلومات الأخيرة التي نشرتها صحيفة (الغارديان)، حول مقترحات طرحتها الحكومة البريطانية، تسمح بتقديم حزم مالية وقروض، من خلال صندوق مستحدث للتمويل الخارجي، تصل قيمتها إلى مليار جنيه إسترليني، من الموازنة العامة للدولة، إلى دول أخرى، من أجل تمويل تصدير بعض الأنظمة التسليحية البريطانية إليها.

هذه الخطوة، التي تم الإعلان عنها على استحياء، ضمن بنود ميزانية الحكومة المعلنة هذا الشهر، لها بالطبع بعض المبررات الإقتصادية، خاصة بعد تزايد أهمية صادرات الأسلحة في دعم الاقتصاد البريطاني، عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنها من ناحية أخرى تسببت في موجة عاصفة من الانتقادات، نتيجة ترافقها مع وضع دقيق تعدى فيه عدد المصابين بجائحة كورونا في البلاد، حاجز المائة ألف شخص، كما أنها أعادت الجدل مرة أخرى حول صادرات السلاح البريطانية للخارج، والتي استمرت في التدفق على دول تشهد نزاعات مسلحة، أو تنفذ عمليات عسكرية ضد دول أخرى.

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا
    مسار تطور صادرات السلاح البريطانية

بداية من عام 2008، بدأ منحنى صادرات الأسلحة البريطانية في التذبذب بصورة واضحة، لكن شهد عام 2018 ذروة هذه الصادرات، فقد بلغت قيمة الصادرات العسكرية في هذا العام نحو 14 مليار جنيه إسترليني، 80 بالمائة منها كانت قيمة صادرات عسكرية لدول الشرق الأوسط، وهو الرقم الأعلى على الإطلاق للصادرات البريطانية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي.

بشكل إجمالي، بلغت قيمة هذه الصادرات، خلال الفترة ما بين عامي 2008 و2019 نحو 45 مليار جنيه إسترليني، لتحتل بريطانيا بذلك المركز الثاني على مستوى العالم في تصدير الأسلحة خلال هذه الفترة، وقد كانت حصة الدول العربية من الأسلحة البريطانية خلال نفس الفترة نحو 15 مليار، وهذه الدول هي سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والجزائر ومصر، بجانب قطر، التي وقعت في سبتمبر/أيلول 2018، عقداً لتوريد 24 مقاتلة من طراز (تايفون)، بقيمة 5 مليار جنيه إسترليني، وسيبدأ تسليم الدفعة الأولى منها منتصف العام المقبل. 

المعضلة الأساسية في النهج البريطاني في ما يتعلق بتصدير الأسلحة للخارج، أنه لا يعتمد أية معايير سياسية أو أخلاقية تحدد توجهاته الخارجية، بل ان المعيار الوحيد الذي يبدو أنه متبع في هذا الصدد هو المعيار المالي. وهذا يتضح أكثر من الأرقام التي أعلنها خلال الفترة الماضية، كل من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وحملة مناهضة تجارة الأسلحة (كات).

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا
    معضلة قائمة 

وزارة الخارجية البريطانية دأبت منذ عام 2015 ، على تحديث قائمة "البلدان ذات الأولوية لحقوق الإنسان"، وهي قائمة بالدول التي ترى لندن أنها تقوم بانتهاكات لحقوق الإنسان، وقد بلغ عدد هذه الدول نحو 30 دولة في آخر تحديث لهذه القائمة، من بينها أفغانستان والبحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإيران والعراق و"إسرائيل" وليبيا وميانمار وكوريا الشمالية وباكستان والمملكة العربية السعودية والصومال وجنوب السودان والسودان. 

كان من المفترض أن يتم استثناء كافة هذه الدول من الصادرات العسكرية البريطانية، لكن واقع الحال أن كافة هذه الدول، عدا كوريا الشمالية وإيران، استوردت أسلحة وأنظمة عسكرية بريطانية، خلال الفترة ما بين عامي 2008 و2017، من بينها ثلاثة دول تعد أسواق أساسية بالنسبة لصادرات السلاح البريطانية، وهي كولومبيا والبحرين والمملكة العربية السعودية. الصادرات العسكرية البريطانية إلى هذه الدول، شكلت ما يقرب من 30 بالمائة من إجمالي عقود تصدير الأسلحة البريطانية إلى الخارج، خلال عقد كامل ما بين عامي 2008 و2018، بقيمة إجمالية تبلغ 12 مليار جنيه إسترليني، كانت حصة المملكة العربية السعودية من هذه الصادرات، ما قيمته نحو عشرة ملايين جنيه إسترليني.

وصلت هذه العقود إلى ذروتها عام 2015، بقيمة اجمالية بلغت أكثر من ثلاثة مليارات جنيه أسترليني، وعلى الرغم من انخفاضها في العام التالي إلى نحو 817 مليون جنيه استرليني، إلا أنها عادت للتصاعد مرة أخرى عام 2017، حيث بلغت قيمة هذه العقود مليار وخمسمائة مليون جنيه إسترليني، وهو ما اعتبره البعض مؤشراً على توجه بريطاني جديد، تتجه فيه إلى تعزيز صادراتها العسكرية عقب خروجها من الاتحاد الأوروبي، حتى لو كان ذلك بالمخالفة لتوجهاتها السياسية والتزاماتها الأخلاقية.

من طرق التحايل التي تتبعها الحكومة البريطانية، لتحجيم الضغوط الداخلية المتزايدة على خلفية هذا الوضع السالف ذكره، ما يتعلق بتصاريح صادرات (الترخيص المزدوج)، وهي تصاريح للتحكم في جميع عمليات تصدير المواد والبرمجيات والتكنولوجيا، التي يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية، والتطبيقات العسكرية على حد سواء، مثل معدات المراقبة والتصوير، ومعدات واجهزة الأمن المعلوماتي والتشفير، وهي تطبيقات تم تصديرها لكافة دول هذه القائمة، بما فيها كوريا الشمالية.

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا
    صادرات الأسلحة البريطانية للمملكة العربية السعودية

بشكل عام، تحتل المملكة العربية السعودية، المركز الأول بلا منازع، ضمن قائمة الدول الأكثر استيراداً للأسلحة البريطانية، حيث اشترت الرياض من لندن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016، ما قيمته 11 مليار جنيه إسترليني من الأسلحة والمنظومات القتالية، القسم الأكبر من هذا المبلغ، ويبلغ 7.8 مليار جنيه إسترليني، خاص بسلاح الجو. عام 2017 شهد القيمة الأكبر للصادرات العسكرية البريطانية إلى الرياض، حيث بلغت حينها نحو 2.9 مليار جنيه إسترليني.

المفارقة في هذا الصدد، أنه رغم الانتقادات الداخلية البريطانية، للعلاقات العسكرية بين لندن والرياض، على خلفية إندلاع الحرب في اليمن، إلا أن الصادرات البريطانية للرياض، كانت في أعلى مستوياتها في العام الذي اندلعت فيه المعارك في اليمن، في آذار/مارس 2015، حيث بلغت قيمتها 2.9 مليار جنيه أسترليني، وفي العام التالي بلغت 680 مليون جنيه إسترليني، وفي عام 2017 بلغت 1.1 مليار جنيه إسترليني، وعام 2018 انخفضت إلى 60 مليون جنيه إسترليني فقط، إلا أنها تصاعدت مرة أخرى لتصبح نحو 638 مليون جنيه إسترليني عام 2019، لتبلغ بذلك القيمة الإجمالية للصادرات العسكرية البريطانية إلى الرياض، منذ اندلاع المعارك في اليمن وحتى أواخر العام الماضي، 5.3 مليار جنيه استرليني.

بشكل عام، ترتكز الصادرات العسكرية البريطانية إلى الرياض، خاصة منذ بدء الحرب في اليمن، على قطع الغيار والذخائر الخاصة بالمقاتلات البريطانية الصنع العاملة في سلاح الجو السعودي، من نوعي (تورنيدو) و(تايفون)، بجانب طائرات التدريب المتقدم من نوع (هوك)، ويضاف إلى ما سبق بعض الأسلحة الفردية والمتوسطة والصواريخ الكتفية المضادة للدبابات. 

آخر الصفقات التي تم توقيعها بين الجانبين في هذا الصدد، كانت صفقة بقيمة مليار يورو، تم توقيعها عام 2017، لتوريد 20 صاروخ جو- جو من نوع (ميتيور)، و1000 صاروخ جو-أرض فوق صوتي من نوع (بريمستون)، وقد تم تسليم هذه الصواريخ بالفعل خل عامي 2018 و2019، وتم تسجيل استخدام صواريخ (بريمستون) عدة مرات خلال المعارك في اليمن.

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا
    صادرات الأسلحة البريطانية إلى "إسرائيل"

على الرغم من وجود "إسرائيل"، ضمن قائمة الدول التي تتهمها بريطانيا، بانتهاك حقوق الإنسان، إلا أن الصادرات العسكرية البريطانية إليها، ظلت مستمرة طيلة السنوات الماضية، وفقد بلغت قيمة هذه الصادرات منذ عام 2008 وحتى أواخر العام الماضي، 455 مليون جنيه إسترليني، كان نصيب السنوات الخمس الأخيرة منها 350 مليون جنيه إسترليني، وكان العام 2017، هو الأكبر من حيث قيمة الصادرات العسكرية البريطانية إلى "إسرائيل"، حيث بلغت قيمتها 221 مليون جنيه أسترليني، وهو ما جعل هذه الأخيرة، ثامن أكبر مستورد للسلاح البريطاني في هذا العام. أهمية هذه الصادرات تكمن في أن أغلبية محتوياتها غير معلنة بشكل محدد، ويتركز القسم الأكبر منها في مجال الرادارات ووسائط الحرب الإلكترونية

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا
    الصادرات العسكرية إلى تركيا مستمرة

تحتل تركيا المركز السادس ضمن الدول الأكثر استيراداً للأسلحة البريطانية، حيث بلغت هذه الصادرات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016 وحتى الآن نحو 1.5 مليار جنيه استرليني. عام 2017 كان هو الأكبر بالنسبة لهذه الصادرات، التي بلغت حينها نحو 583 مليون جنيه أسترليني. يتركز الثقل الأساسي لهذه الصادرات، حول الطائرات دون طيار، وطائرات الجناح الثابت، والعربات المدرعة والدبابات، وهنا لا بد من ملاحظة أن لندن، لم تلتزم بما التزمت به دول أوروبية أخرى، التي علقت أو أوقفت الصفقات تسليحية بينها وبين تركيا، عقب تدخل هذه الأخيرة عسكرياً على الأراضي السورية.

  • ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا
    سلطنة عمان والإمارات 

تحتل سلطنة عمان، المرتبة الرابعة ضمن الدول الأكثر استيراداً للأسلحة البريطانية، حيث بلغت قيمة ما استوردته منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016، وحتي نهاية العام الماضي، نحو 1.5 مليار جنيه أسترليني، القسم الأعظم منها صفقات تتعلق بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، في حين تحتل الإمارات العربية المتحدة المركز التاسع، بقيمة تعاقدات إجمالية قدرها 445 مليون جنيه إسترليني، تتركز أغلبها حول قطع غيار طائرات التدريب المتوفرة لديها من نوع (هوك)، بجانب العربات المدرعة ومستلزماتها.

إذن من الواضح أن لندن تضع مصالحها المالية، في المقام الأول، وربما الأخير، في رسم سياستها التصديرية الخاصة بالأسلحة والمنظومات القتالية والدفاعية، ولهذا لا يبدو غريباً أن يكون لديها علاقات تصديرية عسكرية، مع دول تنتقدها لندن ليلاً ونهاراً في ما يتعلق بملفات حقوق الإنسان، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وبورما.

 

 

 

 

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

تاريخ من الإخفاقات العسكريّة الإسرائيليّة في لبنان

صورة "الجيش الّذي لا يقهر" التي كانت تُسوّق دوماً على المستوى الإقليمي والدولي منذ ستينيات القرن...

السلاح الروسي في سوريا.. التجربة أهمّ من الابتكار

مثّلت الحرب في سوريا فرصة للجيش الروسي على مستوى القيادات العليا والميدانية لاختبار مدى القدرة...

التّصنيع العسكريّ التركيّ.. متطلّبات الداخل ومنافسات الخارج

العوامل السياسية كانت دوماً من أهم محدّدات توجّهات التصنيع العسكري التركي في شقّه التصديري، إذ...

التعاون العسكري البحري بين الصين وباكستان يثير قلق الهند

لا يمكن قراءة إصرار الهند على تدعيم قدراتها البحرية وتوسيعها إلا باعتبارها موجهة ضد بكين،...

الهند وباكستان والصين … الثالوث النووي في سباق للتسلّح (1)

أعاد التوتّر الحدودي الأخير بين كل من الهند والصين، والذي أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، التذكير...

ما بين المغرب والجزائر.. توتّر عسكريّ مكتوم

لم تكد نيران هذا التوتر تهدأ حتى تصاعدت مرة أخرى، عقب قرار أصدره رئيس الحكومة المغربية سعد الدين...