البحرية الأميركية في زمن كورونا.. تحديات مُستحدَثة وتعايُش اضطراري

تعتبر البحرية الأميركية الفرع الأكثر تعرّضاً لمخاطر هذه الجائِحة ضمن فروع الجيش الأميركي، نظراً إلى طبيعة الخدمة على متن السفن والزوارق، والتي تقتضي البقاء لفترات طويلة داخل بَدَن معدني يعتبر الأكثر قابلية لبقاء فيروس كورونا عليه لفترات أطول.

  • البحرية الأميركية في زمن كورونا.. تحديات مُستحدَثة وتعايُش اضطراري

لم تكن القوات البحرية الأميركية بمنأى عن تأثيرات جائِحة كورونا، فقد أصابها ما أصاب بقية جوانب الحياة في جميع أنحاء العالم، من تداعيات سلبية يبدو أن آثارها ستمتد إلى سنواتٍ طويلةٍ مقبلة.

البحرية الأميركية تحاول قدر الإمكان مقاومة هذا التحدّي، وخصوصاً أنها تعتبر الفرع الأكثر تعرّضاً لمخاطر هذه الجائحة ضمن فروع الجيش الأميركي، نظراً إلى طبيعة الخدمة على مَتن السفن والزوارق، والتي تقتضي البقاء لفترات طويلة داخل بَدَن معدني يعتبر الأكثر قابلية لبقاء فيروس كورونا عليه لفترات أطول، بحسب الآراء العلمية المتوافرة، وكذا نتيجة الأعداد الكبيرة من البحّارة الذين تحتويهم بعض أنواع السفن الحربية، مثل حاملات الطائرات وسفن الإنزال البرمائي. لكن رغم هذا التحدّي، نجد أنها تحاول إدامة نشاطها التدريبي والتسليحي، مع مشاركتها في جهود احتواء هذه الجائِحة.

البحرية الأميركية.. كورونا يضربها بعنف

  • البحرية الأميركية.. كورونا يضربها بعنف

حتى الآن، تعتبر البحرية الأميركية هي البحرية الأكثر تضرّراً من هذه الجائِحة على مستوى العالم، فقد كانت أول سلاح بحرية يتم فيه تشخيص إصابات بهذه الجائِحة، وذلك في آذار/مارس الماضي، على متن حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت"، التي تم تشخيص إصابة 1155 من أصل 5 آلاف بحّار على متنها بهذه الجائِحة، بمَن فيهم قائدها السابق، إضافة إلى حالة وفاة واحدة.

 هذا الوضع دفع قيادة البحرية الأميركية إلى إرسال هذه الحاملة إلى ساحل جزيرة "غوام"، وبدء تطبيق إجراءات العَزْل الصحّي على المُصابين.

بعد ذلك، تم رَصْد حالات مصابة على متن قطعة بحرية أخرى، وهي المُدمّرة الصاروخية "يو إس إس كيد"، التي كانت تعمل في المحيط الهادئ لتنفيذ مهام تتعلّق بمكافحة عمليات نقل المخدّرات وتهريبها، حيث أُصيب بهذه الجائِحة حتى الآن نحو 64 بحاراً من طاقمها البالغ عدد أفراده 350 بحاراً، وقد وصلت هذه المدمرة أواخر الشهر الماضي، إلى القاعدة البحرية في سان دييغو بولاية كاليفورنيا، للبدء في إجراءات الكشف عن عينات بقية أفراد الطاقم، وعزل المصابين.

جدير بالذِكر هنا، أن البحرية الأميركية تعتبر الفرع الأكثر تضرّراً من هذه الجائحة ضمن فروع القوات المسلحة الأميركية كافة، بنحو 2000 إصابة مؤكّدة بهذه الجائحة في صفوف مُنتسبيها. وهذه الحصيلة مُرشّحة إلى التصاعُد، بعد أن تم اكتشاف حالات مُصابة بهذه الجائِحة ضمن أطقم نحو 26 قطعة بحرية ترسو حالياً في الموانئ الأميركية، من بينها حاملة طائرات، وهي "يو إس إس نيميتز"، بحسب تقارير نشرتها صحيفة "ذا هيل" الأميركية. 

هذا الأمر دفع قيادة البحرية الأميركية إلى إصدار تعاميم لحماية الأطقم البحرية، يتم بموجبها نشر القطع البحرية الأساسية في مواضع خارج أرصفة الموانئ الأميركية، وإبقاء البعض الآخر في أعالي البحار، بحسب مُقتضيات المهام الموكلة إليها، وبالتالي ستبقى حاملة الطائرات "يو إس إس هاري ترومان" والمجموعة القتالية المرافقة لها في المحيط الأطلنطي، ولن تعود إلى الولايات المتحدة كما كان مقرّراً.

كذلك، ستتحرّك قريباً حاملة الطائرات "يو إس إس رونالد ريغان" من قاعدة "يوكوسوكا" البحرية في اليابان، للتمركز في أعالي البحار، وذلك بعد أن ينهي ما يقارب 1000 بحار من طاقمها فترة العزل الوقائي لمدة 14 يوماً في قاعدة يوكوتا البحرية. 

حاملة الطائرات "يو إس إس نيميتز"، غادرت في 28 من الشهر الماضي، ميناء "بريميرتون" في العاصمة واشنطن، باتجاه المحيط الهادئ، وذلك بعد أن تم الاشتباه في إصابة بحّارَين من بحارتها على الأقل بجائحة كورونا، ومن المتوقع أن تظل في أعالي البحار خلال الفترة المقبلة، عقب إنهاء طاقمها لحزمة التدريبات الأساسية التي كانت مقررة سابقاً.

  • البحرية الأميركية تساهم حالياً بشكل أساسي في جهود مكافحة تفشّي كورونا

رغم هذه المصاعب، فإن البحرية الأميركية تساهم حالياً بشكل أساسي في جهود مكافحة تفشّي هذا الوباء في الأراضي الأميركية، وذلك عبر السفينتين الوحيدتين من نوعهما ضمن تسليحها، وهما "ميركي" و"كومفورت"، وهما عبارة عن مستشفيين عائمين، بطاقة تصل إلى 1000 سرير لكل منهما، وقد تم الدفع بالأولى إلى لوس أنجلوس، والثانية إلى نيويورك، من أجل تخفيف العبء عن المستشفيات المحلية الميدانية.

 وعلى الرغم من تاريخ خدمتهما الطويل، والذي بدأ أواسط الثمانينيات وحتى الآن، وشمل المشاركة في عمليات الإغاثة في العديد من العمليات العسكرية والكوارث الطبيعية، مثل إعصار كاترينا في نيو أورليانز، وإعصار ماريا في بورتوريكو، وعملية عاصفة الصحراء في العام 1991، فإنهما لم تقدما أي جديد في ما يتعلق بمكافحة جائحة كورونا، حيث استضافتا أعداداً محدودة جداً من المرضى، لدرجة أجبرت البحرية الأمريكية، على سحب السفينة (كومفورت) من نيويورك الجمعة الماضي. 

يعود انعدام فعالية هاتين السفينتين، إلى أسباب عديدة، منها تكاليف تشغيلهما الباهظة وتقادمهما (عِلماً أنهما تعملان بمحرّكات تعمل بتوربينات بخارية، وهي تقنية قديمة للغاية)، وقد أعادا إلى الأذهان مرة أخرى القصور الذي شاب السياسة التسليحية للبحرية الأميركية التي لم تجد طوال أكثر من 30 عاماً بديلاً لهاتين السفينتين، رغم طرحها في العام 2018 إخراج إحداهما من الخدمة بحلول العام 2021.

 وتم رفض هذا الاقتراح حينها من جانب الكونغرس، لعدم تقديم البحرية الأميركية بدائل من هذا النوع من السفن. 

سفن جديدة تدخل الخدمة.. وخطط تسليح طموحة

تزامن تفشّي جائحة كورونا في الولايات المتحدة مع دخول عدد من القطع البحرية النوعية الجديدة الخدمة لدى البحرية الأميركية. ففي الشهر الماضي، دخلت رسمياً 3 قطع بحرية في الخدمة، الأولى هي الغوّاصة النووية الهجومية من فئة "فيرجينيا"، المُسمّاة "يو إس إس ديلاور"، والتي دخلت رسمياً الخدمة في الرابع من الشهر الماضي، وتعدّ من أحدث الغوّاصات الموجودة حالياً في الترسانة الأميركية، وتتسلّح بصواريخ بحر- بر من نوع "توماهوك"، ويوفّر لها مفاعلها النووي القدرة على العمل لمدة تصل إلى 30 عاماً من دون التزوّد بالوقود.

وقد دخلت التاريخ لكونها القطعة البحرية الأميركية الأولى التي يتم تدشينها وإدخالها الخدمة من دون احتفال على البر، وذلك بسبب المحاذير الصحية المتعلّقة بجائِحة كورونا.

  • المُدمّرة الشبحية من فئة "زوموالت"

القطعة البحرية الثانية التي برز اسمها خلال الشهر الماضي، هي المُدمّرة الشبحية من فئة "زوموالت"، المُسمّاة "يو إس إس زوموالت"، التي دخلت الخدمة رسمياً في العام 2016، لكن عانت منذ ذلك التاريخ من مشاكل تقنية تتعلق بالتسليح وأنظمة التشغيل، وخصوصاً أنها زوّدت بمنظومة تسليحية غير مسبوقة في البحرية الأميركية، وتتمثل في مدفعين ثقيلين من عيار 155 مليمتراً، لم يتم حتى الآن توفير ذخيرة لهما. 

هذا الشهر انتهت عمليات تجهيز المُدمّرة وإصلاح المشاكل الفنية التي تعاني منها، ويتوقع أن تنضم إليها خلال السنوات المقبلة مُدمّرتان مماثلتان من الفئة نفسها، والتي تتسلح سفنها أيضاً بـ80 خلية إطلاق عمودي، تسمح بإطلاق صواريخ للدفاع الجوي أو صواريخ جوالة من نوع "توماهوك".

  • مُدمّرة الصواريخ الموجّهة "يو إس إس ديلبيرت"

القطعة الثالثة هي مُدمّرة الصواريخ الموجّهة "يو إس إس ديلبيرت"، التي دخلت الخدمة بشكل رسمي في الرابع من الشهر الماضي، وتعدّ رقم 68 ضمن مُدمّرات فئة "إرلي بورك" في البحرية الأميركية، لكنها من الفئة الأحدث التي تمّت إضافة تحسينات إليها، وزادت من قدرات الدفاع الجوي وإطلاق الصواريخ الجوالة لديها، وكذا تحسين مستوى الحوسَبة في أنظمتها، وترقية الرادارات المزوّدة بها، ما يُحسّن من قدرات الكشف والرد الخاصة بها على الهجمات الجوية والصاروخية المعادية. جدير بالذكر أنه يجري حالياً بناء 4 مُدمّرات أخرى من الفئة نفسها.

الصين باقية في ذِهن البحرية الأميركية

  • الصين باقية في ذِهن البحرية الأميركية

من التطوّرات اللافتة في التوتّر الحالي بين الصين والولايات المتحدة، طلب قيادة القوات الأميركية في المحيط الهادئ والهندي، المعروفة باسم "INDOPACOM"، مبلغ مليار دولار من الكونغرس الأميركي، بهدف تحديث قدراتها العسكرية الحالية، وهو توقيت مثير للدهشة في مثل الظروف المحلية الحالية في واشنطن، يؤكّد، إضافة إلى تواجد حاملتي طائرات أميركيتين في المحيط الصيني حالياً، أن الولايات المتحدة تضع تطوّرات علاقتها مع الصين كأولوية أولى في كل تقديراتها الاستراتيجية والخططية.

وقد تمّت موافقة الكونغرس على هذا الطلب بالفعل، وكانت أغلبية المناقشات الدائرة حول هذا الموضوع ترتكز على رؤية أميركية مفادها أن احتمالات تصاعد النزاع مع بكين على المدى القصير تتزايد يوماً بعد آخر، وأنه يجب تخصيص هذا المبلغ الكبير لتأمين شراء أنظمة متقدّمة للدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة إطلاق صواريخ جوالة، وتأمين قواعد عسكرية قريبة قدر الإمكان من الأراضي الصينية. 

هذا المعنى أكّدته تصريحات لقائد القوات الأميركية في المحيط الهادئ والهندي، الأدميرال فيل ديفيدسون، الذي يرى "ضرورة تعزيز قوّة الدفاع الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وذلك بالبدء في تطوير الأسلحة الهجومية، والاستفادة من الظروف المواتية حالياً، ومهاجمة العدو استباقياً، وعدم اتخاذ استراتيجية دفاعية محضة".

الخطة الأميركية الجديدة تشمل بندين رئيسيين، الأول هو تصنيع المزيد من الصواريخ الجوالة وشراؤها، مثل "توماهوك" و"أيه جي أم - 158 بي"، إلى جانب أنظمةٍ للدفاع الجوي والصاروخي وأنظمة رادار متقدّمة. أما البند الثاني، فينص على نشر هذه المعدّات والأسلحة في مناطق قريبة من المجال الحيوي الصيني، مثل اليابان وإندونيسيا والفيليبين وتايوان، وكذا في مناطق التمركز الحالية للبحرية الأميركية في المحيط الهادئ، مثل جزيرة "غوام"، وجزر "بالاو"، وجزيرة "هاواي"، وهي مناطق تنتشر فيها أنظمة متقدّمة للمراقبة والرصد الجوي.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

تداعيات كورونا على خطط التسليح والصناعات العسكرية في "إسرائيل" وأميركا

تداعيات جائِحة كورونا ألقت بثقلها على الخطة العسكرية العامة التي أعلنها رئيس أركان الجيش...

طهران على أعتاب رفع حظر السلاح... والصين تنتظر

في حال رفع العقوبات التسليحية عن طهران، ستتوفر لبكين فرصة كبيرة لإنعاش اقتصادها وتعزيز علاقاتها...

ما بين باتريوت و(أس-400).. هل تجمع أنقرة النقيضين؟

ما هي أهم نقاط القوة والضعف، والتشابه والاختلاف بين المنظومتين، على ضوء التجارب الميدانية،...

ازدواجية بريطانيا في صفقات السلاح.. أعطونا أموالكم وتجاهلوا انتقاداتنا

من الواضح أن لندن تضع مصالحها المالية في المقام الأول في رسم سياستها التصديرية الخاصة بالأسلحة...

حاملات الطائرات في الصراعات العسكرية.. هل انتهى التفوّق الأميركي؟

منذ انتهاء الحرب العالميَّة الثانية، تراجع دور حامِلات الطائرات في الحروب والنِزاعات العسكريّة...

"المسيّرات البحرية".. مستقبل الصراع في أعالي البحار

تمتلك الأنظمة البحرية المسيّرة مميزات عديدة تجعلها تتصدَّر بجدارة مستقبل الصناعات العسكرية...