التعليم في لبنان والمشرق

التعليم في لبنان والمشرق... لماذا بدأ دينياً؟ ما هي علاقة التعليم بعصر الأنوار، وما هو دور الإرساليات والطوائف؟ ما الرابط بين التعليم والنهضة العربية والتنوير والتحرر من العثماني؟ المدارس الأرثوذكسية وعلاقتها بروسيا ودورها في النهضة الفكرية والحزبية والدينية...

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحييكم، من تحت السنديانة إلى تحت السقف، هكذا انتقل التعليم في لبنان والمشرق خلال الاحتلال العثماني حيث كان الكاهن والشيخ يعلّمان ومنهما انطلقت المدارس الدينية. جاء المبشّرون والإرساليات وكل جماعة أنشأت مدارسها وبات التعليم هاجساً للارتقاء ومنه انطلقت الأفكار الكبرى التحرّرية، وخاضت النخب المُتعلّمة صراع الخلاص في ما بعد من الاحتلال العثماني ومحاولة ضخّ حركة النهضة العربية في المجتمع. كُتب الكثير عن المدارس المارونية والكاثوليكية وكيف نشأت لكن الدراسات عن المدارس الأورثوذكسية التي بدأت عام 1833 في البلمند ثم في بيروت وحمص وغيرها كانت قليلة، لذلك هي فرصة أن نستضيف الدكتور أسعد سكاف للحديث عن هذا الأمر في سياق النهضة، ولكن قبل الحوار تقرير عن نشوء المدارس في لبنان.

تقرير: 

بدأ التعليم إبان السيطرة العثمانية تحت السنديانة وفي الكتّاب عبر رجال الدين، لكن إنشاء البابا غريغوريوس الثالث عشر المدرسة المارونية في روما عام 1584 كان علامة فارِقة حيث عاد مَن تعلَّموا ليعلِّموا، وكانت مدرسة حوقا أول مدرسة مارونية في جبّة بشرّي عام 1624، فيما شجّع الأمير فخر الدين على قدوم الإرساليات الأجنبية وإنشاء مدارس لها وأولها إرسالية الآباء الكبّوشيين. 

تابعت البطريركية والرهبانيات إنشاء المدارس وتعيين المعلمين بعد المجمع اللبناني عام 1736 في مدارس مثل دير القمر وصيدا وعجلتون وتنورين وبسكنتا، وباتت عين ورقة أول مدرسة منظمة في المشرق منذ عام 1798، فيما تابع الأمير بشير الثاني إدخال الإرساليات والمُبشّرين، كما أسّس الروم الكاثوليك مدرسة دير المخلّص في جون قرب صيدا سنة 1831.

دخل الروم الأورثوذكس ميدان التنافس التعليمي في لبنان والمشرق عام 1833 عبر إنشاء مدرسة في دير البلمند ثم مدرسة الثلاثة أقمار في بيروت وزهرة الإحسان ليتجاوز عدد مدارسهم 140 مدرسة منها الغسّانية في حمص والآسيّة في دمشق بمعونة من الجمعية الإمبراطورية الروسية، أما التعليم الرسمي العثماني فبدأ خجولاً عام 1838، فيما اهتمّ المتصرّف الأول داوود باشا بتأسيس مدرسة للطائفة الدرزية في قرية عبيه.

في القرن التاسع عشر بات لكل طائفة مدارسها الخاصة وتصاعد توافد الإرساليات الأجنبية التي افتتحت مدارس تنشر لغات بلدانها وثقافاتها.

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور سكاف ضيفاً عزيزاً سيّدي. ما العلاقة بين نشوء المدرسة والتعليم وعصر الأنوار في الغرب؟ 

أسعد سكاف: الإجابة عن هذا السؤال والتسليم بأن الانطلاقة في التعليم عندنا اقتبست أو أفادت مما كان الغرب قد حقّقه يكون في إجابتي شيء من الظلم للعلم وللعلماء عندنا في تاريخنا الطويل أو العريق، ذلك أن العرب نشأوا في بيئة قاسية جداً ما كان لهم أن يعيشوا وأن يزدهروا لو لم يكن لهم من العِلم ما يساعدهم على الانتصار على تلك العقبات وذلك قبل الدعوة الإسلامية، وجاءت الدعوة تحضّهم على طلب العِلم بشكل مباشر، فقد جاء في الأحاديث الشريفة ما يدعوهم إلى العِلم "اطلبوا العِلم ولو في الصين".  

غسان الشامي: أنا أقصد دكتور سكاف المدرسة والتعليم، أنت تعرف أن العهد العثماني الجميع يصفه بعهد تراجع فيه التعليم، هنا قصدي وليس عن الفترة السابقة. 

أسعد سكاف: أنا سأقول هذا لأصل إلى أن بدء المدرسة والتعليم مع بدء النهضة وتطلّعنا إلى الغرب نأخذ عنه ونقتبس منه، لم يكن هذا أخذاً إنما كان استرداداً لما كان لنا عند الغرب من دور في النهضة عندهم والتعليم، ولكن عصر النهضة هذا الذي يبدأ بتطلّعنا إلى العِلم كونه مُنقذاً لنا ومحرّراً مما نالنا من الحكم العثماني. وهنا أرجو أن أصوّب تصويباً طفيفاً فلا أسمّيه احتلالاً إنما أكتفي بكونه حكماً مع أنه مارس علينا أسوأ أنواع الاضطهاد والتنكيل بما يجعله يفوق كل احتلال.

غسان الشامي: لن نختلف على التسمية.  

أسعد سكاف: أنا لا أُغالي، ومن هنا كان إيماننا بأن تحرّرنا مما أصابنا من عسف وتنكيل يكون عن طريق العِلم، فاندفع أبناء هذه المنطقة العرب نحو العِلم لكي يتحرّروا من ظلم العثمانيين، وكان أن قامت في الشرق العربي مؤسّسات منها الدينية ومنها العلمية ترعى هذه الوثبة، هذه النهضة وطلب العِلم. 

غسان الشامي: هنا بالتتابُع المدرسة والنهضة، ما هو دور المدرسة في النهضة العربية؟  

أسعد سكاف: أولاً تُنمّي المعرفة وتستحثّ العقل على الأخذ بالمفاهيم المنطقية والموازين العلمية والتي ترفض الفكر الغيبي والفكر الخُرافي، وهما أساس البلوة التي كنا نعيشها بأن معظم مَن كان يبثّ فينا هذا الفكر كان يريد تغييبنا وإبعادنا عن الساحة العلمية، فأوّل ما قامت به المدارس عندنا هو أن تنمّي القدرات العقلية وتضع بين أيدي الناشئة من أبنائنا المناهج والطُرُق العلمية السليمة التي تبني فكراً سليماً.

غسان الشامي: كيف توصِّف هذه النهضة؟ هناك توصيف لمارون عبود لها، أولاً هل تقبل بتوصيف مارون عبود؟ 

أسعد سكاف: سآتي إليه بعد أن أعرض للدلالة اللغوية الأساسية لمعنى النهضة، النهضة بدلالتها القاموسية والدلالة اللغوية هي حركة ارتقاء من نقطة هابِطة إلى حيث كانت قبل الهبوط، هذه هي النهضة، فمتى بلغنا المرتبة التي كنا بها قبل الهبوط تنتهي النهضة ليبدأ ما بعد النهضة، فهذه النهضة التي شرعنا بها مع بداية الاحتكاك بالغرب أخذت عند مارون عبود وهو ناقد واقعي وأديب ومؤرِّخ للأدب بدقّة وواقعية أخذت بُعداً جديداً دلّنا عليه، إذ بنى على أن النهضة التي بدأناها إنما كانت شرارتها الأولى ناجمة عن احتكاك الشرق بالغرب، وهذا الاحتكاك له نقطتان أساسيتان، الأولى في شرق البحر الأبيض المتوسّط على الشاطئ الشرقي في لبنان بشكل عام تمّ الالتقاء بالغرب عن طريق الحملات الصليبية، ومن ثم أتت نقطة الاحتكاك الثاني التي معظم المؤرِّخين للنهضة يبدأون بها وينكرون الأولى هي حملة نابليون بونابرت إلى مصر. يقول مارون عبود: "النهضة نهضتان أولى سابقة ومحدودة الأثر قامت على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط نتيجة الاحتكاك الذي تمّ بين الحملات الصليبية وبين أهل المنطقة، هذه الاجتياحات، هذه الاحتكاكات وإن كانت ناجمة عن اجتياح عسكري لا بدّ من أن تؤدّي إلى تأثير ما بين أحياء يتلاقون". 

غسان الشامي: دكتور موضوع فترة الفرنجة وأنت تعرف أن أوروبا في ذلك الوقت كانت تعمه في ظلام مخيف، كيف هذا الآتي من الظلام ونحن رأينا البشاعات يمكن أن يقدّم نموذجاً للنهضة؟    

أسعد سكاف: كان التساؤل عند أبنائنا في المنطقة حول القوّة التي أتت بها هذه الحملات، القوّة العسكرية، التنظيم، سوى ذلك ما أدّى إلى انتصارات مُتتالية فجعلنا نبحث عن الأسباب وهذا البحث هو بداية كل نهضة. نابليون بونابرت عندما جاء إلى مصر أتى معه بالمطبعة وخلّفها وراءه، حملته لم تدم سوى عام واحد، أتى معه بالمسرح وخلّفه وراءه، أتى معه بالخطابة أو الكتابة بالحرف العربي والطباعة، فإذاً هذه الأشياء حرّكت الفكر العربي وجعلته يسعى إلى أن يأخذ ما يمكن ويبني على هذا الذي أخذه كثيراً من الاكتشافات العلمية.  

غسان الشامي: جاءت المدرسة والنهضة في ظل الاحتلال العثماني، ما هو واقع الولايات العربية التعليمي خلاله؟  

أسعد سكاف: كان واقعاً مُزرياً، لم تكن القدرة عند السلطة المحلية تساعدها على أن تنهض بمسؤولياتها التربوية تجاه أبنائها، فالفقر شامل مُدقع ومن ثم المجاعة التي أورثنا إياها الحُكم العثماني كانت تتطلّب مجهودات ضخمة، ومن هنا وجدت السلطة المحلية نفسها عاجزة عن أن تنهض بهذا الدور، فكما قلت بالمحكيّة اللبنانية طرحت صوتاً على مَن يستطيع أن يمدّ لها يد العون لكي تنقذ أبناءها من هذه الحال المُزرية من الجهل والفقر والمرض.  

غسان الشامي: هل نوصّف واقع الولايات العربية؟

أسعد سكاف: يا مولانا هنا تُعيدني إلى قضية ربما تبدو بعيدة ولكنها ليست بعيدة، العنصر العربي في الخلافة الإسلامية التي أتت بعد أن زال العرب عن السلطة كان مضطهداً مستهدفاً، ونأخذ الامبراطورية العثمانية مثلاً، تحت هذه السلطة أقوام وأعراق شتّى منها الصرب ومنها اليونان ومنها العرب ومنها الشركس، لِمَ كان العرب مُستهدفين أكثر من سواهم بالظلم التركي؟ لأن العرب هم الأحقّ بالحُكم والذين كانت السلطات الحاكِمة غير العربية تخشى مطالبتهم به والعودة إلى السلطة، هذا تحليل ولا أستطيع أن أعطيك مُستنداً، ومن هنا جاء التركيز على ظلم العرب، على التتريك، إلغاء اللغة العربية وجعل اللغة الرسمية للولايات العربية هي اللغة التركية. هذه الظاهرة لم تُطبَّق ولم تمارَس إلا ضد العرب لإقصائهم، لإبعادهم عن أن يفكّروا يوماً باسترداد حقّهم في السلطة. 

غسان الشامي: مَن يتابع المدارس كيف بدأت هذه المدارس كمدارس دينية أو تحت إدارة رجال الدين؟

أسعد سكاف: مولانا، أساساً تتلاقى الأهداف فتتلاقى القوى التي تسعى إلى هذه الأهداف. هدف التربية الارتقاء بالإنسان إلى مستوى الإنسان الذي جعله الله أسمى خلقه، الأسرة لم تستطع النهوض بهذا الدور وحدها فجاءت المدرسة تدعم الأسرة في تحقيق هذه الغاية، وجاءت أيضاً المؤسّسة الدينية والمدرسة معاً ترقيان بالإنسان إلى المستوى الذي تريد له التربية أن يصله، فنشأت المديّرسات التي هي مدارس صُغرى في كنف هذه المؤسّسات الدينية. ذكرتَ في مقدّمتك مدرسة تحت السنديانة التي نشأت في كنف الكنيسة والكتّاب أو المدرسة البدائية التي نشأت في ظل المساجد، ومَن يريد الاطلاع على حقيقة ما كان يتم في هذه المدارس من مادة متعلَّمة ومن طريقة متبناة في التعليم فليراجع كلاً من "الأيام" لطه حسين، فقد وصف التعلّم في الكتاتيب ويطالع "أحاديث القرية" عند مارون عبود الذي وصف مدرسة تحت السنديانة، وقد أشار كلٌّ منهما إلى بدائيّة هذه المدارس ولكن لا ننكر أن لها فضلاً على كبريات المدارس وعلى كبار الأئمة المّتخرّجين منها، طه حسين وصل إلى وزارة التربية، وزير المعارف.    

غسان الشامي: كيف بدأت إذاً المدارس الإرسالية دكتور سكاف؟    

أسعد سكاف: المدارس الإرسالية هنا أيضاً مشروع له صلة وثيقة بالحكم العثماني، كانت الدول الغربية تنتظر سقوط الدولة العثمانية التي كانت تطلق عليها إسم "الرجل المريض"، وتسعى جاهدة سراً وعلانية إلى أن يكون لها النصيب الأوفر في تركة هذا الرجل فسعت إلى عقد صلات بينها وبين السلطان العثماني تقدّم له بعض ما يحتاجه لقاء امتيازات يعطيها لهذه الدول في حماية الأقليات في إمبراطوريته، وهكذا سعت هذه الدول الغربية الطامعة في تركة هذا الرجل المريض إلى أن تكسب أنصاراً لها ومؤيّدين فجاءت البعثات تحت ستار الدين إلى منطقتنا ولمست الحاجة الماسة إلى التعلّم والتعليم، فأخذت تُنشئ المدارس لتكسب عن طريقها الأنصار والمؤيّدين لا لمسيحيّتها إنما لمآربها المُستترة.

غسان الشامي: ولكن هناك المدرسة المارونية لنتكلّم عنها وعن المدارس الكاثولكية التي أُنشئت. 

أسعد سكاف: المدرسة المارونية هي من أقدم المدارس في المنطقة، لمست نتيجة إقبال البعثات التبشيرية أو الإرساليات التبشيرية إلى المنطقة لمست خطورة على أبنائها من أن تجتذبهم الأموال الوافدة مع البعثات البروتستانتية فتبعدهم عن حضن أمّهم، فسعت السلطة الكنسية المارونية إلى الاستعانة بما يمكّنها من الاحتفاظ بأبنائها فلا تغرّبهم المدارس الإرسالية عن حقيقة مارونيّتهم، استنجدت بالداخل، بالأعيان، بالمُقتدرين من الذين قدّموا لها العون ولكن تكاثُر طلاب العلم وتكاثُر الإقبال على طلب العلم وجدت معه الكنيسة المارونية نفسها غير قادرة فطلبت العون من الخارج، ركنان أساسيان اتصلت بهما. 

غسان الشامي: استعانت بالمدارس الكاثوليكية؟

أسعد سكاف: كلا استعانت بالحكومات والمؤسّسات التربوية في الخارج، فرنسا الأمّ الحنون لبّتها بأن أرسلت لها الإرساليات اليسوعية والإرساليات الأخرى لكي تساعد في إنشاء مدارس تدعم موقف الكنيسة المارونية، والسدّة البابوية وجدت أيضاً الكنيسة المارونية عوناً كبيراً لها عندما طلبت من البابوات أن ينشئوا لها مدرسة في روما عُرِفت في ما بعد بعد إنشائها بالمدرسة المارونية في روما. 

غسان الشامي: ولكن هذه قديمة. 

أسعد سكاف: من تاريخها بدأت تخرّج لهم هذه المدرسة الطلاب الذين كانوا في ما يسمّى البراءة التي صدرت عن البابا غريغوريوس الثالث عشر والتي يسوّغ بها أو كما نقول بالمحكيّة يُبرّر، يسوّغ أي يذكر الأسباب الموجبة التي جعلته يُنشئ هذه المدرسة، أن يعود الذين يتخرّجون منها إلى بلاد الأرز ويعلّموا أبناءهم ما تعلّموه عندنا. 

غسان الشامي: إسمح لنا بأن نذهب إلى فاصل. 

أسعد سكاف: قبل الفاصل أريد أن أبيّن دور الكنيسة بأقل وقت، هؤلاء الذين عادوا عادوا ليفتحوا المدارس فأُنشئت مدرسة عين ورقة على غرار المدرسة المارونية، أما الذين لم يعودوا فهناك فئة بقيت في فرنسا وغيرها فقد عملوا في تعليم العربية والسريانية والكشف عن غنى التراث المشرقي لدى الغرب فمالوا إلى تغذية الاستشراق.  

غسان الشامي: أشكرك، إسمح لنا بأن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ونعاود الحوار مع الدكتور أسعد سكاف، الموضوع المدارس في المشرق، في المحور الثاني سنذهب إلى المدرسة الأورثوذكسية انتظرونا.

المحور الثاني:   

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور سكاف نحن تحدّثنا في حلقات سابقة عن المدارس البروتستانتية وعن الكلية الوطنية السورية التي أصبح إسمها الجامعة الأميركية وهي جزء من الإرساليات كما ذكرت، ولكن إسمح لي أن أذهب معك بسؤال مباشر، لماذا قامت المدارس الأورثوذكسية؟ هل أيضاً خوفاً؟

أسعد سكاف: المدرسة الأورثوذكسية ليست جزيرة في محيط وليست واحة في صحراء، هي خليّة حيّة فاعِلة مُتفاعِلة عِلماً وفكراً مع ما حولها من مدارس ومَن حولها من مُتعلّمين.

غسان الشامي: أودّ أن أقول للسادة المشاهدين أن الدكتور أسعد سكاف تعلّم لمدة تسع سنوات في المدرسة الغسّانية، المدرسة الشهيرة الأورثوذكسية في حمص وهذا دليل على أن المحيط كان واسعاً، تفضّل.  

أسعد سكاف: صحيح، هذا الأمر جعلها عندما أتت الإرساليات من الغرب تتنافس في ما بينها على اكتساب الأنصار، تسعى بكل جهد للاحتفاظ بأبنائها الأورثوذكس فلا يُشرَّدون ولا تجتذبهم هذه الإرساليات لأن الكنيسة المارونية حافظت ما أمكن عن طريق الاستنجاد بالخارج وعن طريق استخدام السلطة الكنًسية المُعطاة لها، إذ أصدر البطريرك حبيش بياناً يُسمّى فرماناً يُحرِّم فيه التعامل مع البروتستانت، أيّ تعامل؟ وهناك قصة شهيرة، إذاً حيال هذا ما الذي فعلته المدرسة الأورثوذكسية؟ المدرسة الأورثوذكسية كان بينها وبين الكنيسة الأورثوذكسية الروسية علاقة قديمة ترقى إلى أواسط القرن السادس عشر.   

غسان الشامي: نفس الشيء الموارنة التجأوا إلى روما وفرنسا والأورثوذكس التجأوا إلى الكنيسة المسكوبية وإلى روسيا.    

أسعد سكاف: إلى الكنيسة الروسية ولكن فارقاً طفيفاً ينبغي أن نشير إليه في أن العلاقة التي كانت بين الكنيسة الأورثوذكسية الأنطاكية والكنيسة الأورثوذكسية الروسية هي علاقة بنوّة، علاقة إبن بأبيه، علاقة بنت بأمّها، لماذا؟ يكشف لنا السر المغفور له المطران باسيليوس سماحة في كتاب له إسمه "عشر سنوات من العلاقات بين الكنيستين الروسية والأنطاكية"، وكان هو رئيس الأنطوش أو المركز الأنطاكي في موسكو يقول "إن للكنيسة الأنطاكية فضلاً على أورثوذكس روسيا، حملوه وظلوا أوفياء له"، فعندما شاءت الكنيسة الأورثوذكسية أن تقوّي مدارسها طلبت العون من أورثوذكس روسيا وليس من السلطة بل من الشعب، وكان هناك في تاريخ هذه العلاقة رجل دين هو الأرشمندريت سابا، كان يذهب إلى الشعب في روسيا يجمع التبرّعات ويعود بها دعماً للكنيسة.  

غسان الشامي: ولكن أيضاً الروس ردّوا الجميل وساعدوا الكنيسة الأنطاكية على أن تخرج من سيطرة الكنيسة اليونانية.   

أسعد سكاف: صحيح، هذا في ما بعد أما الفضل الأول أيضاً للبطريرك يواكيم ضو الأنطاكي وهو الذي رسم بطريرك موسكو وكل روسيا، لم يكن لهم بطريركاً مستقلاً، ذهب إلى روسيا في زيارة حيث زار القيصر وتوسّط بأن يكون هناك استقلال للكنيسة الأورثوذكسية فعيّن المجمع الروسي البطريرك أيوب ونال الرسامة أو الشرطنة من يد البابا يواكيم ضو.

غسان الشامي: من هنا لنذهب كيف قامت المدرسة الأورثوذكسية.  

أسعد سكاف: اعتماداً على هذا الدعم سعت الكنيسة الأورثوذكسية الأنطاكية إلى تغذية مؤسّساتها التربوية مدارس، الاستشفائية مستشفيات والاجتماعية عن طريق تأسيس الجمعيات الخيرية. من هذه المدارس أذكر في لبنان مدرسة زهرة الإحسان وهي من أقدم المدارس التي نالت مساعدات أتت من روسيا ثم دير البلمند والانتقال به من معهد لاهوتي إلى أن أصبح جامعة تضاهي أكبر الجامعات، مدرسة الثلاثة أقمار، هذه المدارس العريقة في لبنان نالت مساعدات أما المساعدات الكبرى فقد أتت بعد إنشاء الجمعية الإمبراطورية الروسية الفلسطينية عام 1882 التي أنشأت ما يُسمّى عندنا المدرسة المسكوبية. 

غسان الشامي: سنبقى في هذا الإطار، لنعدّد بالسنوات أهم المدارس الأورثوذكسية في المشرق.  

أسعد سكاف: أهم المدارس الأورثوذكسية في بيروت هي الثلاثة أقمار، زهرة الإحسان، سيّدة البشارة ومن ثم دير البلمند وغيرها من المدارس التي تفرّعت منها، أما المدراس المسكوبية فقد بدأت أولاها في المصيطبة في بيروت ثم بدأت في الأماكن ذات الكثافة الأورثوذكسية الواضحة فبلغ عدد المدارس المسكوبية في لبنان وسوريا وفلسطين 114 مدرسة منها 40 مدرسة في لبنان في شمسطار، في الكورة، في بينو عكار، في أميون، في حاصبيا، وفي بسكنتا المدرسة المشهورة التي خرّجت لنا ميخائيل نعيمة وسنأتي على ذِكره بعد قليل، ثم المدرسة العليا في الناصرة فكان الذين يتخرّجون من هذه المدارس التي عدَّدتها وذكرتها الراغبون في الاستزادة يذهبون إلى الناصرة كما فعل ميخائيل نعيمة فينال درجة أعلى ومن ثم يتوجّهون إلى بولتافا لاستكمال دراستهم وهذا ما فعله ميخائيل نعيمة.   

غسان الشامي: سنأتي على هذا ولكن مثلاً في شرق سوريا، في العراق، في حمص هناك المدرسة الغسّانية، في دمشق الآسيّة هي أورثوذكسية مسكوبية؟ 

أسعد سكاف: نعم، الشيء الذي ينبغي أن نلاحظه بكثير من الدقّة أن المدرسة الغسّانية التي ذكرتها والتي كان لي شرف الانضمام إليها لم تكن مسكوبية، مدرسة وطنية تساعدها الجمعية المسكوبية بالإنفاق، وأريد أن أوضح هنا ليس تعصّباً وليس إزدراء بأحد أن المدارس الإرسالية التي كانت تقوم عندنا بروتستانتية ويسوعية وكرميلية وكبّوشية كانت تعلّم مناهج مُطعّمة بين مناهج بلدانهم التي أتوا منها وبين مناهجنا الوطنية، وهذا الذي يعطي المدرسة هويّتها في حين أن المدرسة المسكوبية كانت تدرِّس المناهج الوطنية. 

غسان الشامي: هذا ما كنت سأسألك عنه لأننا في برنامج أجراس المشرق عندما قدّمنا حلقات في حمص لدينا تقرير أيضاً عن المدرسة الغسّانية، لنتكلّم إذاً عن مناهج المدارس الأورثوذكسية بكاملها ومدى الخلاف الذي بينها وبين المناهج التي جاءت بها المدرسة البروتستانتية أو الكاثوليكية. 

أسعد سكاف: الخلاف من حيث المناهج هو أن المناهج التي درَّستها المدارس الأورثوذكسية لا تختلف في شيء عن المدارس الوطنية الأخرى، مدارس المقاصد، مدارس جبل عامل، مدارس الدولة، مدارس المعارف سوى تعليم اللغة الروسية، كانت تضيف إلى هذه المواد التعليمية مادة اللغة الروسية ويأتي الأساتذة من روسيا ليدرِّسوا لغتهم إلى أن برز بين اللبنانيين والسوريين مَن يُتقن الروسية فدخل يُدرِّس اللغة الروسية. أما المدارس الإرسالية الأخرى، مثلاً نحن الذين لمسنا شيئاً من الخلل في أن يُدرَّس لأبنائنا تاريخ لبنان باللغة الفرنسية، لماذا؟ في أن يُدرَّس أبناؤنا أيضاً مواد أخرى لا صلة لها بالمنهج اللبناني، فهذا ما جعل التربية في لبنان تربيات وهذه نقطة خطيرة، لم يكن في لبنان معهد يُعدّ معلّمين سوى كلية التربية في الجامعة اللبنانية وحدها لكي يكون لنا تربية واحدة. مع الزمن صارت كل فئة تخرّج مُعلّميها، لها كلية تربية وهذا ما جعل التربية شرذمة. 

غسان الشامي: هذا ما قلّل من التربية. ما هو دور مُتخرّجي المدارس الأورثوذكسية في نهضة المشرق؟  

أسعد سكاف: سؤال في موقعه، دور المُتخرّجين من المدارس الأورثوذكسية دوران، دور مباشر يظهر للعلانية، فهم قادة التجديد في المهجر وفي الوطن. خذ الرابطة القلمية التي قامت في الولايات المتحدة الأميركية، مَن قام بها؟ خرّيجو المدرسة المسكوبية: ميخائيل نعيمة، نسيب عريضة، عبد المسيح حداد، كل هؤلاء من خرِّيجي المدارس الأورثوذكسية، فهي دعوة تجديدية للفكر وللأدب. ثانياً غربال نعيمة الذي اعتُبر معجماً أو ناموساً أو منارة التجديد يتلاقى مع مدرسة الديوان التي كانت قد قامت في مصر والتي قام بها عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري، والدعوتان تقومان على تبنّي المفاهيم والنظريات الجديدة والمنهجيات العقلية في التعامل مع الإبداع الأدبي والحُكم له أو عليه، ثم لهم في هذا المجال دور الأخذ بالعقل أو بالفكر المنهجي في كل الأمور. هذا هو الدور الظاهِر أما الدور الباطِن أو الدور الذي يتطلّب دقّة للتعرّف إليه. يا أخي هل نستطيع أن نوجد مدرسة تعمل وإلى جانبها مدرسة أخرى من دون أن يكون هناك تأثّر وتأثير متبادل بين المدرستين؟ سأعطيك مثالاً بسيطاً، نشأت عندنا في بيروت مدرسة أسميناها المدرسة الوطنية أنشأها المعلّم بطرس البستاني، لن أبحث من أين أتى، لهذه المدرسة مجلس عمدة الذي نُسمّيه مجلس أمناء، هل تعرف مَن كان بين أعضائه؟ الشيخ يوسف الأسير المسلم السنّي الذي دخل في المدرسة الوطنية ليعلّم ومن ثم ليضفي على هذه المدرسة طابعاً وطنياً. هل كان هذا من غير تأثّر أو تأثير بالمدارس الأخرى التي قامت؟ لا شك، نهضة المقاصد ومدارسها بعثت المدرسة الأورثوذكسية وخرّيجيها شيئاً من إذكاء أي إنهاض العمل في هذه المدارس فكان لها هذا التأثير غير المباشر. 

غسان الشامي: مَن هم الرجالات المعروفون الذين تخرّجوا من المدراس الأورثوذكسية غير نعيمة؟ 

أسعد سكاف: إذا أردنا أن نعدّدهم أخشى أن أسيء فأهمل شخصاً أو آخر، مثلاً عبد المسيح حداد أتيت على ذِكره، نسيب عريضة، ميخائيل نعيمة، ندرة الحداد، هؤلاء من خرِّيجي المدارس المسكوبية ويأتي بعدهم خرِّيجو المدارس في البلمند وفي مدارس الثلاثة أقمار منهم جبران تويني وغسان تويني وكل هؤلاء الأعلام.

غسان الشامي: ما دور هذه المدارس في الأفكار التي عمّت في بلدان المشرق أي الفكر السوري القومي، الفكر العربي واليسار العربي؟ 

أسعد سكاف: يا سيّدي من طبيعة العقيدة الأورثوذكسية أن ليس هناك سلطة مركزية فيها فهي لامركزية، السلطة العُليا فيها مجمعية، هي مجمع مكوَّن من أحبار المطارنة ورئيسهم البطريرك، هذا أعطى للأورثوذكس شيئاً من الحرية في أن يكون لهم تفكيرهم الذي ربما يتلاقى مع أورثوذكس آخرين أو لا يتلاقى، فالولاء عند الأورثوذكس للأرض، للوطن وليس للمذهب، فولائي لوطني ولأرضي قبل ولائي للأورثوذكس. أعطيك مثالاً، صديقي محمّد علي حسين في النبطية أقرب لي من الأورثوذكسي اليوناني لأنه شريكي في المصير، شريكي في المستقبل وكان شريكي في التاريخ. سؤالك الآن لماذا أثّر الأورثوذكس في الفكر الوحدوي القومي وهذه نقطة تعود إلى السبب الذي ذكرته وتعود إلى أن الأحزاب التي قامت مؤخراً في وطننا لبنان وفي المنطقة معظمها أحزاب طائفية، الأحزاب العقدية والأحزاب الوحدوية والأحزاب القومية قام بها الأورثوذكس والسبب كما قلت الولاء للأرض، من هنا الحزب السوري القومي الاجتماعي مؤسّسه أورثوذكسي، حزب البعث. 

غسان الشامي: ولكنه عِلماني. 

أسعد سكاف: عِلماني أورثوذكسي لأنه لا يمكن أن يكون رجل دين ويؤسّس حزباً سياسياً. النقطة الثانية حزب البعث العربي الاشتراكي كان عبارة عن حزبين هما حزب البعث والعربي الاشتراكي ومؤسّسه ميشيل عفلق وهو أورثوذكسي. قادة الحزب الشيوعي لا أقول مؤسّسيه أتانا من الخارج، فإذاً قادة الفكر التقدمي الوحدوي القومي هم خرّيجو المدارس الأورثوذكسية.

غسان الشامي: مَن هم رجال الكنيسة الأنطاكية الأورثوذكسية كرجال دين وأثرهم في الفكر المشرقي والفكر القومي؟ 

أسعد سكاف: ملحوظة صغيرة أيضاً فاتني أن أشير إليها عندما أتيت على ذِكر العِلم والتعلّم والعلوم والدعوة الإسلامية إلى الأخذ بالفكر والعِلم، عند إخواننا المسلمين ليس هناك رجال دين بل علماء، بالنسبة إلينا لدينا رجال دين نهضوا بالدورين معاً، بوظفيتهم الدينية وبوظيفتهم الاجتماعية من بينهم رجال كبار كالمغفور له البطريرك حداد الذي عاصَرَ الثورة العربية أي ثورة الشريف حسين وكان من مؤيّديها، نأتي بعده إلى مطارنة أفذاذ برزوا من أمثال بولس الخوري مطران صيدا وصور ومرجعيون الذي كان لقبه مطران العرب، المطران نيفون سابا الذي كان مطران زحلة وكان يُلقّب بالمطران الأحمر، غبطة البطريرك المغفور له إلياس الرابع، كذلك أُطلِق عليه لقب بطريرك العرب. لماذا كان لهم هذا الدور؟ قلت لأن أورثوذكسيتنا تتلاءم ولا تتناقض مع حبّنا للوطن وحبّنا للأرض وحبّنا للمواطنين. 

غسان الشامي: لماذا تراجعت المدارس الأورثوذكسية فيما استمرت بشكل كبير المدارس الكاثوليكية والبروتستانتية؟  

أسعد سكاف: قد تكون الإجابة عن هذا السؤال فيها الكثير من المطبّات لا أريد أن أقع فيها أو أوقع أحداً فيها، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أن هناك مقولة تقول إن الثورة الشيوعية التي قامت سنة 1917 قد قلّمت أو قضت على الجمعية الإمبراطورية التي كانت تنفق على المدارس المسكوبية فتراجعت هذه المدارس. 

غسان الشامي: هل انسحاب روسيا سنة 1860 بعد الأزمة الشرقية أيضاً سبّب تراجعاً؟ 

أسعد سكاف: أنا أوافق على هذا القول وأضيف أن الحرب العالمية الأولى كذلك قطعت اليد للجمعية الإمبراطورية الفلسطينية عن المساعدة، ولكن هذه الجمعية عادت إلى الحياة ولديّ دليل أنه في العام 2013 أرسلت هذه الجمعية بعد أن عادت إلى الحياة بانهيار الاتحاد السوفياتي أرسلت وفداً استُقبل في بيروت لإحياء هذه الجمعية، ثم الزيارة التي قام بها السفير الروسي مؤخراً لسوق الغرب، لماذا اختار سوق الغرب؟ لأن سوق الغرب شهد أول مدرسة مسكوبية مختلطة قامت في الشرق عام 1887 وكان يرعاها مَن عُرِف بالعمّ الروسي. 

غسان الشامي: أنا بقي لي دقيقة أريد أن أسألك فيها هل من مستقبل لمدارس الطوائف أو المدارس الدينية في عالم يزاد مدنيّةً؟  

أسعد سكاف: نحن ندعو وبكل جهر الكنيسة والمسجد اللذيْن هما مؤسّستان دينيتان ترعيان مجموعات شتّى من الناس ونجلّ دورهما في ما كان ونسأل مغفرتهما أن يتركا لنا الدور من الآن فصاعداً ويكتفيا بالبركة من بعيد.                                                               

غسان الشامي: أنا أشكرك. تعلّموا واسعوا إلى النهوض، وتعلّمنا وربما لا زلنا أسرى الماضي ويتعلّم أولادنا وللأسف نتيجة أوضاعنا يرحلون، متى سيكون العِلم رافداً لحياة هذه البلاد ويكون دعماً لاستمرارها ورقيّها وخروجها من جهل وتجهيل التحاصُصات الصغرى التي خنقتها، متى؟ شكراً للدكتور أسعد سكاف على مشاركته في قرع أجراس المشرق، شكراً جمّاً لزملائي في البرنامج وقناة الميادين، أيامكم عِلم ومعرفة وعمل، سلام عليكم وسلام لكم.