تفكيك خطط الأعداء

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. هم خططوا ونحن رقدنا العقل الصهيو – أميركي الذي أنتج الفتنة الكبرى في العالم العربي والإسلامي، ونجح في إنتاج حروب المسلمين بأذرع إسلامية، جبار وعملاق وذكي ومتخصّص في الأنتروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع السياسي وسايكيولوجيا الإعلام والأمن والعسكاريتارية والتاريخ الإسلامي ونشأة المذاهب. إنه العقل الجماعي الذي تصدّى لنا، ودكدك كل عقولنا لأنهم يعلمون وهم قد حكموا العالم العربي والإسلامي لمئات السنين أن هنالك قابلية للفتنة في أوطاننا، ولذلك يتسلّلون منها لتفعيل مشاريع التقسيم والتدمير والتحطيم فالوعي ثم الوعي ثم الوعي.

لقد تبيّن لنا من خلال كل الأحداث العربية مع بداية 2011 وإلى يومنا هذا أن منسوب الوعي في أوطاننا صفر على صفر، كان يجب أن نؤسّس لفضائيات الوعي فيما الملايين صُرِفَت على الطرب والعفونة ومعروف مَن يتبنّى هذه المشاريع.

دوائر الاستكبار هي الشيطان الأكبر، وهذا الشيطان يعمل على سياسة الوسواس الخنّاس يحرّض هذا على ذاك ويشعل الحروب والأزمات ويخنق الشعوب لسرقتها. الغرب يخنقنا وعلينا  إبداع اقتصاد المقاومة عبر تحقيق استقلالية كاملة عن الدولار الأميركي وتحرير اقتصادنا عن الهيمنة الأميركية. نعم أميركا تستطيع أن تضرب في القارات الخمس، وتخطط للإطاحة بهذا النظام، وبذاك النظام وبتلكم الدولة وكل ذلك بفضل شبكة العملاء المحليين حيث لأميركا فائض من العملاء في العالم الثالث، ينفّذون ما تريده أميركا منهم ولأميركا والموساد فائض خطط أيضًا قريبة المدى ومتوسّطة المدى وبعيدة المدى.

نحن لدينا فائض ردود أفعال لا نعمل على تدمير هذه الخطط بخطط حضارية، قد نوقف تفجيرًا لساعة، لكن ليس لقرن في كل الأحيان نقول ونرفع الصوت هذا مشروع صهيوني هذا مخطّط أمني هذه خطة أميركية، ومع ذلك تمر الخطة ويُنفّذ المشروع في جغرافيتنا، لماذا؟ لأننا لا نمتلك مراكز دراسات للصدّ ومتابعة المشروع وتفكيكه. نحن لا نستثمر في العقل  والتخطيط ومن أسهل وأبسط الطُرُق لإحداث فوضى في بلادنا وفتح حسابات في الفايسبوك وتويتر وانستغرام ومجموعات الواتس أب، وكلها بيد الموساد والمخابرات الأميركية، قال برنار هنري ليفي "أسّس أربعين حسابًا في الفايسبوك لتنتج ثورة في العالم العربي".

"تفكيك خطط الأعداء" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الشيخ محمد الخضر رئيس المنتدى الإسلامي للدعوة والحوار، ومن الأردن الحبيب الدكتور الأكاديمي جمال الشلبي أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"حروب العقل تاريخ سيطرة الحكومات والإعلام والجماعات السرّية على العقل" ماري جونز.

هناك الكثير من المفاهيم حول السيطرة على العقل، ويعتقد بعض الناس أن السيطرة على العقل تشمل جهود الآباء في تربية أبنائهم وفقًا للمعايير الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والشخصية، كما يعتقد البعض أنها سيطرة على العقل باستخدام تقنيات تعديل السلوك لتغيير سلوك المرء سواء عن طريق الانضباط الذاتي، أو الإيحاء الذاتي، أو من خلال ورَش العمل والعيادات، ويرى آخرون أن الإعلانات والإغواء الجنسي أمثلة من السيطرة على العقل، يعتبرها آخرون بمثابة تحكّم في العقل لتخدير امرأة ما من أجل استغلالها أثناء وقوعها تحت تأثير التخدير، ويرى البعض أنها تحكم في العقل يظهر عندما يستخدم الضباط العسكريون أو ضباط السجن التقنيات التي تقلّل من محاولات المجنّدين أو السجناء لخرق القواعد وجعلهم أكثر توافقًا معها. وقد يعتبرها البعض بمثابة تحكّم في العقل للمدرّبين أو مشرفي الخفر للتهديد والتقليل من العقاب البدني أو الإجهاد الجسدي من فرط التمارين الرياضية للمتدرّبين من أجل كَسْرِ غرورهم وغرس مبدأ روح الفريق أو تحديد المجموعة.

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، وجعٌ على وجع، جرحٌ على جرح، لا إشكال لعلّنا نصل في يوم من الأيام إلى تحقيق المناعة الكاملة في خط طنجا جاكرتا. السؤال المركزي كلنا في العالم العربي والإسلامي في المغرب العربي كما في مشرقه كما في روافِد العالم الإسلامي نتحدّث في المنتديات في المنابر في وسائل الإعلام، هذا مشروع فتنة، هذا مخطط أميركي، هذه حيلة موسادية، ومع ذلك مع انكشاف هذه اللعبة وعِلمًا أن صنّاع هذه اللعبة يتكلّمون بفصاحة شديدة جدًا ويعبّرون عن مخطّطاتهم. لماذا تمر إذًا؟ ولماذا تبصر النور؟ ولماذا تنفّذ ونحن على عِلم بها وقد كشفناها أصلًا؟

محمد الخضر: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه الطيّبين الطاهرين. أنا أريد أن أبدأ حديثي أولًا بالتحية لكم ولسعادة الدكتور جمال ولأهلنا في الأردن ولجمهور الميادين عمومًا.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

محمد الخضر: للتذكير يقول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وقولوا قولًا سديدًا"، أنا أنطلق من هذه الآية لأقول أمام الواقع الذي نعيشه والقضايا المصيرية والوجودية التي نواجهها اليوم المسؤولية الدينية والأخلاقية تحتّم علينا أن نتعامل مع هذه الأمور والقضايا بأعلى درجات المصداقية والشفافية والمسؤولية بعيدًا عن الخطاب الشعبوي وطرح الشعارات التي تثير العواطف والغرائز. وفي ما يتعلّق بسؤالكم المركزي والأساسي، ونحن اليوم فيما أعتقد سنتحدّث عن مراكز البحوث ودورها في بناء الفكرة وبناء الفكر والثقافة الجمعية في الأمّة وفي المجتمع.

أية دولة من الدول القوّة التي تعتمد عليها الدول الكبرى التي تحرص على تثبيت وجودها وتعزيز نفوذها في الداخل وفي الخارج نوعان من القوة القوة السياسية والقوة العسكرية، وتتبع القوة السياسية وتنضوي تحتها القوة الفكرية والثقافية والمعرفية. القوة العسكرية تصنعها مراكز التصنيع العسكري والقوة الفكرية تصنعها مراكز البحوث والدراسات التي تطرح القضايا ذات الطابع الاستراتيجي، وتخطّط لها وتنتج منها مقترحات ومخطّطات قد تتحوّل في إطار مؤسّسات هذه الدولة إلى مشاريع وإلى برامج عملية.

يحيى أبو زكريا: مراكز العقول؟

محمد الخضر: تمامًا هذه الدول التي تقوم بهذا الدور هي الدول التي تسعى لأن تكون مؤثّرة في محيطها وعلى المستوى الدولي. نحن مع الأسف في عالمنا العربي، هل وصلنا في فترة سابقة وإلى يومنا هذا إلى هذا المستوى من الطموح؟ أم أن النظام العربي الرسمي لا يزال يتعامل مع جمهوره ومع قضاياه على قاعدة التجويع والتجهيل واحتكار السلطة من أجل احتكار الثروات وتكوين الأرصدة الشخصية لمسؤولي وقياديي هذه الدول بشكل عام؟ لذلك أقول نحن في إطار التأثر لا في إطار التأثير، وبطبيعة الحال المشغول لا يشغل طبيعة جمهورنا مهما بلغ من الثقافة والمعرفة والعلم نهاية الطريق التي سيسير فيها هي المجهول، ولذلك من أراد من نخبنا الفكرية والثقافية أن يصل إلى تحقيق طموح ما نجده يبحث عن هذا الطموح وعن موطنه في الخارج لا في الوطن العربي ولا في العالم الإسلامي عمومًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمد الخضر: وبالتالي نحن نعيش على حال الجمهور الذي ينتظر ما يخطّط له ليسير في هذا المخطّط، وفي كثير من الأحيان مع الأسف بعيدًا عن الاتهامات التي يمكن أن تثار بطريقة عشوائية وبطريقة غير مدروسة. نحن بالفعل في كثير من بلادنا العربية تحوّلنا إلى حقول تجارب وشعوبنا أدوات لهذه التجارب، ننفّذ ما يخطَّط لنا، وتصل بنا الأمور إلى ما لا نحبّه ولا نريده ولا نحبّذه، وبالتالي المصير يكون دائمًا نحو الأسوأ ولا نخرج من أزمة مصطنعة لنا.

يحيى أبو زكريا: ولأننا لا نتعلم من تاريخنا وتجاربنا ترانا نستنسخ نفس الأخطاء، ونعيد إنتاج نفس الأخطاء للأسف الشديد. دكتور جمال ما رأيك في الإشكال العام الذي طرحته، وفيما أجاب عنه الشيخ محمد بأن هنالك انعداماً للاستثمار في العقل في العالم العربي؟ نعم ربما الجهات الأمنية تؤدّي دورها تكتشف خلايا صهيونية مخطّطًا لعبّاد الشياطين مثلًا، أو ما إلى ذلك من الاتجاهات، لكن ديدن الأمن أنه سرّي للغاية كل الأمن العربي والعالمي محكوم بالسرية المطلقة فهو لا يستطيع أن يكشف حيثيات هذا المشروع، ألا يجب أن ننتج مراكز للعقول؟ وهي التي تفضح وتدكدك المشاريع الامبريالية الجديدة.

جمال الشلبي: أولًا مساء الخير لك ولمشاهديك ولزميلي الشيخ الفاضل.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

جمال الشلبي: الصحيح أنك أحسنت القول في ما يتعلق بالمشاريع الصهيونية هنا وهناك، ولكن لا أتفق معك بأن هذا منطق متّجه فقط إلى العالم العربي، هذا منطق الدول الكبرى. الامبراطوريات دائمًا تحاول أن تزعزع الدول المنافسة لها، فقضية الإعلام والاتصال ووسائل الإعلام والسوشيل ميديا وفايسبوك وتويتر هذه أدوات قد تستخدمها في الخير وتستخدمها في الشر. من هنا فأنا أعتقد أن الهدف ليس فقط العالم العربي، الهدف حتى الصين، حتى روسيا، حتى الهند، كل العالم الآن في مواجهة التكنولوجيا الغربية الحديثة من أجل إضعاف هذه الدولة أو تلك. وفي ما يتعلق بمنطقتنا أكيد المشاريع منذ الأمد لا أريد أن أذهب بعيدًا، ولكن نحن نعرف بأن سايكس بيكو كان مشروعاً سياسياً من الدرجة الأولى اكتشفناه بالصدفة، نحن نعرف بأن مثلًا تيودور هرتزل مؤسّس الدولة الصهيونية عام 1897 في مؤتمر بال يخرج على جمعه وعصبته اليهودية في سويسرا جامعًا كل اليهود، ويقول لهم قد تسخروا مني وقد تضحكوا عليّ، ربما بعد خمس سنوات وربما بعد خمسين سنة ستجد الدولة اليهودية النور. وهذا ما حدث والغرب يفكّر، يخطّط، يرسم، يعلن المشكلة ليس به هو حقه هو يبحث عن مشاريعه وعن دوره السياسي العالمي، ولكن ماذا نحن فاعلون؟ هل نقرأ؟ هل نتمحّص؟ هل نحلّل؟ ماذا يقولون؟ هذه الصورة للأسف الشديد مازالت إلى الآن تتحدّث عن برنار ليفي قبل قليل 40 حساباً يصنع، ولكن ماذا عن برنار لويس 1983 قال هذا العالم العربي شاسع وكبير ولديه كم هائل من الإثنيات والعرقيات والأديان؟ لماذا يبقى على حاله؟ لماذا لا نفكّكه على أسُس عرقية ودينية؟

يحيى أبو زكريا: صحيح.

جمال الشلبي: ثمّ تمّ اعتماد هذا الأمر من جانب الكونغرس الأميركي، وبعد ذلك جاءت كوندوليزا رايس إلى الخارجية الأميركية عام 2004، وقالت أبشّركم بالفوضى الخلاّقة، لا أحد توقّف عند هذا المفهوم، ولكن بعد ست أو سبع سنوات دخلنا في نفق الربيع العربي الذي حقيقة كما تفضلت صحيح هناك حيثيات موضوعية حقيقية في استبداد، وفساد، وانتهاك لحقوق الإنسان، ولكن أيضًا هناك تدخّلات ومشاريع تدخل في إطار هذه الرغبات الشعبية المُحقّة.

من هنا، أقول بأن ما ينقص العالم العربي ليس المال ولا المعلومات تنقصنا الإرادة السياسية من أجل بناء مشروع وحدوي يستطيع أن يواجه هذه المشاريع. أما أن كل دولة تفكّر لوحدها وترى بأن أميركا هي عدو لها، وذاك يفكّر بأن الصين عدوّة له، وهكذا لا أعتقد أننا نستطيع أن نصل إلى شيء نحن ينقصنا المشروع العربي الحقيقي إذا بدأنا بالمشروع، أكيد سنفكّر بالأدوات حتى تبني لا يمكن وأفلاطون سنة 500 قبل الميلاد قال جملة مهمة قال المعرفة فضيلة، اليوم في القرن الحادي والعشرين نقول المعرفة قوة، وبالتالي هذه القوة لا يمكن أن تحصل عليها بالوحي.

يحيى أبو زكريا: دكتور جمال طبعًا من باب نحن ملتقون في كل الأفكار، أنا معك في أن أميركا تريد السيطرة على العالم، وأتصوّر يوجد مفكّران غربيان أشارا إلى ذلك بصراحة رجاء غارودي رحمة الله عليه في كتابه "إمبراطورية الشر الأميركية" وكتاب نعوم تشومسكي "الدولة الأميركية المارقة"، لكن أنا معني كيحيى أبو زكريا بالعرب والمسلمين. نحن نتصدّى للدفاع عن قلاعنا، ولم نسلم. فماذا لو ذهبت إلى الصين لأدافع عن الصين والهند وروسيا تلك الجغرافية لها مَن يحميها أنا معنيٌ بالعالم العربي والإسلامي، أي جغرافيا الإسلام دكتور جمال.

شيخ محمّد بالعودة إلى موضوعنا هذا نلاحظ للأسف الشديد قلّة الاهتمام بالدراسات التي تُعنى بآلية تفكيك مخطّطات الأعداء برزت مشاريع جبّارة لتقسيمنا سياكس بيكو، ومشروع كامبل، وصفقة القرن مثلًا في العصر المعاصر مراكزنا تقوم بتوصيفها، والعرب يحبّون الوصف كما يحبّون الغَزَل والرثاء. نصف الحال السياسية أو التآمر علينا شعرًا، لكن لا نضع خطة واحدة، يجب أن نفرغ هذا المشروع من محتواه، 2 يجب أن نفكّكه في خلال سنتين، 3 لا يوجد عندنا هذا المفهوم الاستراتيجي لتفكيك أخطاء الأعداء. لماذا أيضًا يجب أن نبحث في المزيد من المُعطيات؟

محمد الخضر: أعتقد لماذا؟ لأن الزعامات السياسية التي نصبّت على أوطاننا العربية منذ أن أنشأت هذه الأوطان لم يؤتَ بها لتكون حاكمة، ولم يؤتَ بها لتكون مديرة لشؤون بلادها فضلًا عن أن تكون مؤّثرة في الخارج.

يحيى أبو زكريا: نعود إلى ما قاله بوب ودورد يقول "نحن نعطي رواتب لبعض الحكّام العرب وصلت رواتبهم مليون دولار شهريًا غير ما يسرقونه من الشعوب".

محمد الخضر: تمامًا هم ليسوا أصحاب قرار باعتقادي، وقد أثبتت التجارب في عالمنا العربي وخاصة في المرحلة السابقة إننا نتعامل مع موظّفين لدى الإدارات الكبرى على مستوى القرارات الدولية ومخطّطات الدول الكبرى، ليس لهم من الأمر شيء. نحن اليوم نمرّ في أزمة في لبنان كما في أوطان أخرى في العالم العربي في العراق، وفي الجزائر، وفي غيرها. أين مراكز القوّة التي تمتلك قرارها في هذه البلاد، نحن الآن في لبنان نعاني من أزمة الدولار، أزمة اقتصادية بسيطة في ما يتعلّق بوطن صغير كلبنان لا نستطيع أن نخرج منها لأن الذي يتحكّم بهذه المادة، أو بهذا السلاح هو ليس القائد أو ليس السياسي، أو ليس المسؤول في هذا البلد أو ذاك. إنّ الذي يتحكّم بكل مقدّرات القرار والسيادة والاستقلال والحرية وكل هذه الأسماء ليس داخلياً نحن مجرّد أدوات ننفّذ رغبات الخارج.

يحيى أبو زكريا: وأكمل بعد الفاصل، لكن ما يُبكي ويُزعج ويجعلك تندب حظك على هذا الوضع العربي أن دولنا تغرق وأوطاننا تنهار، ثم نناقش منّا وزير ومنكم وزير منّا أمير ومنكم أمير.

محمد الخضر: توزيع الحصص.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا، سر يا حصاني قبل أن يطول لساني، نتابع بُعيد الفاصل.

"حروب الجيل الخامس، أساليب التفجير من الداخل على الساحة الدولية" شادي عبد الوهاب منصور.

الدول أصبحت تتحاشى شنّ الحرب المباشرة، وتفضّل استخدام كافة الوسائل الإكراهية من دون إعلان الحرب، مثل الحروب الاقتصادية، والسايبرانية، والمعلوماتية، والبيئية، وحروب الفضاء، إضافةً إلى توظيف الأسلحة ذاتية التشغيل. ويرى أن القاسم المشترك بين كل هذه الحروب هو القابلية للإنكار، أي إمكانية إنكار الدولة التي توظّف هذه الأشكال من الحرب وصلتها بهذه الأعمال.

وأكّد الدكتور شادي أنه في بعض الأحيان لا تدرك الدولة المُستهدَفة أنها في حال حرب، فمن السِمات الأساسية لحروب الجيل الخامس تلاشي الحدود بين ما يعدّ أرضًا للمعركة، وما ليس أرضًا لها، وأضحت معامل الأبحاث والبورصات ووسائل الإعلام والمراكز الدينية والمؤسّسات الاقتصادية والفضاء الإلكتروني وغيرها بمنزلة ساحات للمعارك وإدارة الصراعات بين الدول. ولفت إلى أن الصراعات والحروب الأهلية التي شهدتها المنطقة العربية في أعقاب الثورات العربية عام 2011 هي في جانب منها انعكاس لحروب الجيل الخامس. فقد شهدت هذه الدول التي كانت تتمتّع باستقرار نسبي انهيارًا داخليًا بدا وكأنه مفاجئ، وكان القاسم المشترك في أغلب هذه الحالات اتجاه ألمٍ، بصورة تفاوتت بين الإخفاق كما في الحال السورية والنجاح التام كما في الحال الليبية.

وفي كلتا الحالين كانت النتيجة واحدة وهي استمرار الاضطراب الداخلي، ولاسيما في الحال الليبية التي انقسمت بين حكومتين في الشرق والغرب، بالإضافة إلى عدد لا نهائي من الميليشيات المسلّحة والتنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظّمة التي بسطت سيطرتها بحُكم الأمر الواقع على مساحات من أراضي الدولة.

 

المحور الثاني:

"فن الحرب" سون تزو

حيل يوجّهها سون تزو للقادة لخداع العدو في الحروب، أولًا تظاهر لعدوّك بضعف جيشك، اجعله يشعر أن جنود جيشك خاملون عاجزون على الهجوم. ثانيًا، تظاهر بانتشار الفوضى بين الصفوف، استخدم طعمًا تغري به عدوّك. ثالثًا، تظاهر بالضعف حتى يتمادى عدوّك في الغرور، ويظن نفسه هو الأقوى. رابعًا، حاول إثارة غَيْظ عدوّك إذا كان سريع الغضب، قم باستفزازه فذلك يجعله يتسرّع ويرتكب الأخطاء. خامسًا، إذا كان عدوّك يستريح لا تعطيه الفرصة للراحة، واحرص على أن تنهك قواه. سادسًا، أظهر له حيث لا يتوقّع، راقبه واهجم عندما يكون غير مستعدّ. كل هذه الحِيَل تساعد على تحقيق النصر فلا تستخدمها قبل وقتها المناسب ولا تفشها، أو تكرّرها ثانية حيث يتوقّعها عدوك.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع تفكيك خطط الأعداء وأذكّر هنا ببعض الكُتب "حرب المعلومات" سون تزو هذا الفيلسوف العسكري الصيني وضع كتابًا، وأتصوّر مازال يصلح رغم أنه وضِع قبل آلاف السنين، مازال يصلح اليوم. وكتاب "حروب العقل كيفية السيطرة على الشعوب وعلى العقول في العالم العربي والإسلامي، وحروب الجيل الخامس"، وهو كتاب مهم كيف استطاعوا أن يدمّروا العالم العربي من دون دبابات ولا طائرات، بل بالعكس استخدموا أموالنا ونفطنا، والنِعَم التي أعطانا إياها الله لتحطيم عباد الله باسم الله ورسوله تحت عنوان الإرهاب الأعمى. شيخ محمّد كنت تتحدّث عن لبنان والدولَرة وما إلى ذلك.

محمد الخضر: أنا تذكّرت الآن عبارة قرأتها من أكثر من عشرين عامًا في أحد الكُتب تقول.

يحيى أبو زكريا: تستطيع أن تذكر الكتاب.

محمد الخضر: الكتاب هو بعنوان المسؤولية للدكتور محمّد أمين المصري في وقتها كنت طالبًا في الجامعة قرأت هذا الكتاب، وعلقت في ذهني العبارة التالية: يقول "ليس اللوم على الريح حين تلقي بالشجرة النَخِرَة، إنما اللوم على الشجرة النَخِرَة نفسها"

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

محمد الخضر: هذا ينطبق علينا في اعتقادي في عالمنا العربي بشكل عام على شعوبنا وجمهورنا الذي يعمل على قاعدة ردّة الفعل والانشغال بالهموم الذاتية والداخلية على قاعدة المشغول لا يشغل. نحن نريد الآن أن ننظر إلى واقعنا الداخلي، الآن في لبنان مثلًا نقول نحن نريد التغيير والربيع العربي كان بالنسبة لنا أو للبعض هو النموذج الذي نريد أن نلتحق به.

السؤال الآن ما هي مقوّمات نجاح أية ارادة للتغيير في العالم وخصوصًا في عالمنا العربي؟ أنا أعتقد أن إرادة التغيير ترتكز على مقوّمات أساسية لابد لمَن أراد أن يحقّق نجاحًا أو للوصول إلى هدف يتعلق بمصير هذا الشعب، أو هذا الوطن من مقوّمات أساسية هي الوعي، والواقعية، والصبر. أنا أريد من موقع الناصِح الآن لجمهورنا العربي لأهلنا في لبنان وفي غيره من البلدان العربية في الجزائر وفي العراق.

يحيى أبو زكريا: في كل العالم العربي، أحسنت.

محمد الخضر: في كل العالم أين نحن من معركة الوعي؟ والتي نسمّيها بعبارة أخرى البصيرة في مفهومنا الديني "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة". المطلوب أن نكون على بصيرة في موقع التأثير، وفي موقع التأثّر، وفي موقع أي تحرّك الوعي. يعني العِلم الوعي، يعني الإحاطة نحن عندما نتحدّث عن إدارة شؤوننا لابد من أن تكون هذه الإدارة مبنية على إلمام بالتاريخ وإحاطة بالحاضر واستشراف للمستقبل على نحو واضح، أين نحن من هذا الموضوع؟

ثانيًا، الواقعية عندما نطرح شعارات أمليت علينا هي أقرب إلى المستحيل، ما معنى أن تطرح شعار الانقلاب الكلّي الجذري على كل الواقع في لحظة واحدة؟ هذا يعني الذهاب إلى الفوضى. عندما ترفع شعار إسقاط نظام ما، ماذا يعني إسقاط النظام؟ ما هو البديل؟ ما الذي نطرحه؟ ماذا حضّرنا؟ ما هي التجهيزات التي قمنا بها للانتقال من واقع سيّئ إلى واقع أفضل أو أقل سوءاً؟ دائمًا نطرح البديل الفوضى.

يحيى أبو زكريا: الفراغ يخدم الغربيين إلى أقصى درجة لأنهم سيتدخّلون كمُسعِف ومُنقِذ.

محمد الخضر: تمامّا الأرجح وضع الخطط البديل التي تمكّنه من الانتقال من الخطة ألف إلى الخطة باء، أما نحن فمجرّد جمهور نردّد الشعارات ويطرح هذه الشعارات ويسير على غير هدى، مع العِلم أن أية خطوة للتغيير في المفهوم الديني ترتكز على قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسِد إذا وجدت المصالح والموازنة بين المفاسِد فيختار أهونها إذا تضاربت المفاسِد.

يحيى أبو زكريا: وهنا يعجبني الشوكاني رحمة الله عليه أنت تعرف ما للجهاد من فضل في الشريعة الإسلامية، يقول هذا الجهاد إذا أضرّ بالمسلمين يسقط الجهاد، تصوّر إلى هذه الدرجة.

محمد الخضر: تمامًا مع قداسة هذا المفهوم، ومع نُبُل هذا المبدأ في مفهومنا الديني. أيضًا أين نحن من قضية الصبر وطول النَفَس، نحن نريد الآن في لحظة واحدة أن نحقّق كل ما نريده، وهذا طبعًا شبه مستحيل. لذلك أنا أعتقد إذا أردنا التغيير علينا أن نكون واقعيين، وعلينا أن نطرح التغيير المدروس خطوة بخطوة، وألا نرفع شعارات. الآن نحن في لبنان أنا أعتقد من المنطقي ومن المُحق أن يطرح الجمهور شعار مكافحة الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، وضمان الشيخوخة، ورفع الحصانة، ورفع السرية المصرفية هذه أمور يمكن أن تُقرّ بتوافق ما وبخاصة في بلد كلبنان. لكن ما معنى أن نذهب إلى المجهول؟ ما معنى إسقاط نظام؟ هل هذا يمكن أصلًا؟ عندما ترفع مطلبًا يقولون إذا أردت أن تُطاع فاطلب المُستطاع، إذا أردت أن تذهب إلى خيار فيجب أن يكون هذا الخيار ممكنًا، وإلا فأنت تقدّم خطوة تشكّل خدمة مجانية لمَن يريد أن يستثمر في واقعك ومجتمعك وبلدك، ويذهب بالجميع إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث يريد الفقراء ولا المظلومون. ونحن لا شك إننا منهم وإننا معهم والمطالب التي تُطرَح في الشارع العربي عمومًا وفي لبنان خصوصًا هي مطالب مُحقّة، ولابدّ من تبنّيها ولابدّ من رفعها ولابدّ من تحقيقها.

يحيى أبو زكريا: هنا في مجال الوعي والبصيرة أحيانًا تصل رسالة بالوسواس الخنّاس إلى الناس أن هنالك حربًا في الأفق، تجد كل الناس يهرولون باتجاه التعاونيات لشراء المواد الغذائية، والتاجر هو الذي يوزّع هذه الأمور حتى الناس يشترون بضائعه.

محمد الخضر: نفس الأمر في السياسة.

يحيى أبو زكريا: في السياسة أحسنت، دكتور جمال بالعودة إلى موضوعنا سنة 2011 دشّن العالم العربي تلك المرحلة بسوء كبير لم نلتفت إليه وهو تقسيم السودان الذي قسّم في كانون الثاني يناير 2011 السودان الجنوبي والسودان الشمالي. بعد ذلك بدأت موجة سقوط الأنظمة والجيوش العربية والدماء معروف أكثر من 800 مليار دولار سائر شهداء بالجملة والمفرق من الشعوب والجيوش والأجهزة الأمنية.

لِمَ ونحن نندفع اليوم مثلًا في لبنان والعراق والجزائر وليبيا، لِمَ لا نقرأ التجارب التي مرّ عليها سنة أو بعض سنة؟ هل يعقل أنه لا توجد للعرب ذاكرة نهائيًا حتى يراجعوا الأحداث الماضية ويبنون عليها؟ فرانكلن الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية عُرِف بمقولة جميلة يقول القرار الذي ندمت على عدم اتخاذه هو أن يكون أي رئيس أميركي مقبل خرّيج كلية التاريخ. لِمَ نحن لا نسترجع التاريخ القريب دكتور جمال؟

جمال الشلبي: صحيح مئة في المئة أتفق معك أن هذه موجة الربيع العربي جاءت بالصدفة، أو فلنقل من دون تخطيط حقيقي نحن ضد الاستبداد، ضد الفساد، وإذا قارنت الوضع العربي بكل الثورات التي شهدها العالم الفرنسية، الأميركية، الروسية، وحتى الإيرانية تجد بأنه هناك في قيادة وهناك عملية وعي كانت موجودة لدى الشعب ومن ثم ذهبنا. نحن ذهبنا بطريقة فايسبوكية بمعنى عن طريق الفايسبوك فقط، ولذلك هذا يؤكّد أن هناك يوجد دور خارجي لهذا الأمر. الشعوب للأسف لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم، من هنا نقع بنفس الفخّ العراق، وسوريا، ولبنان بالذات أعتقد وأكرّر حتى لا أتّهم بطريقة خاطئة أو أفهم بطريقة  خاطئة، أعتقد أن ما يحدث في العراق وما يحدث في لبنان هو دفع فاتورة الانتصار بشكل أو بآخر في سوريا بمعنى آخر ما لم تحصل عليه إسرائيل وأميركا وأذنابها في الشرق الأوسط الآن يجب أن تدفعه هذه الدول التي ساندت بشكل أو بآخر الدولة السورية.

يحيى أبو زكريا: أحسنت، صحيح.

جمال الشلبي: ومن ثمّ لولا هذا الصمود للدولة السورية كان ربما أن تسقط كل المنطقة، وهذا أحد أهداف الربيع العربي. من هنا يجب أن نكون على حَذَر، وكما تحدّث الشيخ الجليل ماذا بعد إذا أسقطنا هذا النظام؟ بغضّ النظر عن هذا النظام، ماذا بعد؟ الفوضى الخلاّقة بدأت تدكّ حصون ما يُسمّى الدول العربية، وهي للأسف ليست كذلك، هي قبائل لها إعلام. من هنا سقوطها كان سهلاً ومع ذلك هناك مجتمعات هناك شعوب هناك أناس يريدون الحياة.

إذًا قضية الوعي مهمة، ومن هنا أعود إلى قضية ما يُسمّى بمراكز الدراسات، هل مراكز الدراسات في العالم العربي لها دور؟ هل الأنظمة السياسية القمعية تمتلك القائد الراشِد والحكيم والمُلهِم؟ هل هو مستعد أن يقبل تقريراً أو تحليلاً أو ربما إشارة من هذا المركز أو ذاك؟ هل فعلاً لدينا منطق المراكز الدراسية في الغرب؟ أنت تعرف المراكز الدراسية هي التي تصنع للبيت الأبيض وللكرملن وللإليزة السياسات، ومن ثم  يتناقشونها وينفّذونها، المراكز لدينا دكاكين.

يحيى أبو زكريا: صحيح دكتور جمال، تأكيدًا على كلامك أنت أشرت إلى برنار لويس ودراسته الموسوعية عن تمزيق العالم العربي، هي دراسة كتبها للبنتاغون الأميركي وقد نفّذت بحذافيرها.

جمال الشلبي: صحيح وليس هو فقط، أنت عارِف مراكز الدراسات لها دور في الغرب كجزء من عملية بناء استراتيجيات وقرارات للدولة الديمقراطية، أسلوب جديد لإعطاء معلومات للرأي العام، أسلوب جديد للمشاركة السياسية مع القوى ومع المؤسّسات المدنية. أما في العالم العربي كأنظمة سياسية لا تعترف بهذا الأمر هذا أولًا، ثانيًا تحدّثت قبل قليل عن المشاريع التي سقطت أو التي مرّرت على العالم العربي غير مشروع سايكس بيكو، أيضًا أين نحن  من الشرق الأوسط الكبير؟ لماذا لا نتحدّث عنه الآن؟ لأنه سقط في سوريا. لماذا لا نتحدّث عن مشروع الاتحاد من أجل المتوسّط الذي قاده ساركوزي ومبارك؟ لأنه سقط. لماذا نتحدّث الآن عن صفقة القرن؟ هذه الأفكار ليست أفكار الرؤساء والقادة الأوروبيين، هذه بنات أفكار مراكز الدراسات.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

جمال الشلبي: التي للأسف الشديد أقولها بصراحة أنت عارِف معظم المُثقفين الكبار ومعظم الباحثين الجيّدين في العالم العربي هم أدوات لهذه المراكز، ويتلقّون أموالًا طائلة وهائلة ويشعرون بالنجومية عندما يعمل في مؤسّسة راند الأميركية العسكرية أو مركز الشرق الأدنى للدراسات أو أو الخ.

يحيى أبو زكريا: صحيح، مركز الشرق الأدنى للدراسات.

جمال الشلبي: كل هذه المراكز، هناك حوالى 1000 مركز دراسات في واشنطن وفي العالم، لذلك نحن أصبحنا مُستشرقين جدداً عبر هذه الوسائل، وللأسف الشديد أقولها بصراحة في العالم العربي الكثير من رجالاتنا الذين عملوا في الجيش والمخابرات وغيرها من المؤسّسات الأمنية أو حتى في القصور الجمهورية وغيرها عندما يخرج إلى التقاعد للأسف هذه المراكز تقوم باستدعائهم، وتقوم بطلب خدماتهم، وكلما قدّم أخباراً ومعلومات وتحليلات من الداخل أكيد سيحصل على رتبة ما، وبالتالي للأسف الشديد نحن أصبحنا مُخترَقين بشكل كامل بدل أن تكون مراكز دراساتنا في خدمة الأمن القومي العربي وفي خدمة المجتمع العربي، وفي خدمة المستقبل العربي أصبحنا أدوات لخدمة الغرب الذي يأخذ كل هذه المعلومات من الداخل ليُعيد السيطرة علينا.

يحيى أبو زكريا: دكتور جمال دعني أؤكّد لك الأخطر من ذلك أن طلابنا العرب عندما يذهبون إلى الجامعات الغربية لا يُسمَح لهم أن يعدّوا دراسات مثلًا عن اللوبي الصهيوني في الدانمارك وعن السيطرة على المال في الغرب من قِبَل الموساد والصهاينة.

أنت جزائري تريد أن تعدّ دكتوراه نريد أن تعدّ لنا دكتوراه عن البربر ومستقبلهم في الخارطة السياسية الجزائرية، أنت من لبنان نريدك أن تعدّ لنا دراسة عن الشيعة ودورهم المستقبلي، أنت من مصر نريدك أن تتحدّث عن المسيحيين والأقباط في مصر. أنت من الأردن جهِّز لنا دراسة عن القبائل الأردنية ومدى التلاحُم مع صناعة القرار الأردني، الطالب العربي يصبح مزوّدًا لبنك معلومات الغرب من حيث لا يشعر.

جمال الشلبي: صحيح.

يحيى أبو زكريا: وعندما يحصل على الدكتوراه يعرضون عليه أن ينضمّ إلى الخلايا وإلى اللجان لكي يواصل رحلة البحث، وإذا أرادوا أن يخترقوا العالم العربي لا يبعثون بول وجون وسميت ويوهانسون، لا، يبعثون محمّد وخالد وحسن وحسين وعُمر وما إلى ذلك كوجوه عربية لكن يقدّمون خدمات لبنوك المعلومات الغربية. وهنا شيخ محمّد الاختراق الكبير هذا الاختراق الكبير لواقعنا لا يوازيه تصدِّ كامل، أذكر لك قصة وقعت مع مدير المخابرات الأميركية وليام كايسي، وليم كايسي كان واحدًا من أخطر رجال المخابرات في أميركا يقول بعثنا إلى غورباتشوف كي نشتري منه رسائل الدكتوراه التي أعدّها الطلبة السوريون في جامعات الاتحاد السوفياتي السابق روسيا. غورباتشوف سأله لِمَ تريدون رسائل وأطروحات السوريين وعددها كان 40000 أطروحة، قال له المهم فاوضنا على السعر المهم اشتروها بمئة وخمسين مليون دولار. يقول كايسي نحن اشترينا رسائل دكتوراه السوريين، طبعًا كانوا رفاقًا وكانوا مسؤولين في أجهزة البعث والأمن والجيش لنعرف العقل السوري بعد عشر سنوات. نحن مُخترَقون علميًا ومن كل النواحي، فكيف نتصدّى شيخ محمّد؟

محمد الخضر: لا شك أننا في مثل هذه الحال التي نعيشها نحن كالجسد المريض الذي ضعفت آمال شفائه، ولكن هذا لا يجعلنا نفقد الثقة بالله ونتخلّى عن مبدأ الثبات عن العقيدة والقِيَم والمبادئ التي نحن من جهة مسؤولون عنها أمام الله من الناحية الدينية، ومن جهة أخلاقية نحن لابد من أن ننظر إلى مستقبل أولادنا وأجيالنا في المستقبل القريب أو البعيد. وبالتالي لابدّ من تكوين مراكز للدراسات تكون حرّة وبعيدة عن الوصايات السياسية التي تريد أن تستخدمها في الداخل أو في الخارج.

يحيى أبو زكريا: وإذا كنا نصرف على النياق والجمال أكثر من العقل، ما الحل عندها؟

محمد الخضر: عندها لابدّ من أن نتحرّر من التبعيّة، منطق التبعيّة لشيوخ القبائل، وأن نثق تمامًا أن حرية هذه الأمّة لا يحقّقها أمثال هؤلاء العبيد، وأن نتوكّل على الله سبحانه وتعالى وأن نعتصم بحبل الله، وأن نجتمع كقوى فكرية ونُخَب ثقافية في هذا الوطن العربي في كل بلد أن نكوّن فيه هذه الجماعات النخبوية التي من شأنها أن تساهم في حركة الوعي ومعركة الوعي لدى طلابنا ولدى شبابنا، وأن نخاطبهم بهذه المسائل المعرفية والعلمية والفكرية في جامعاتهم، في أوساطهم  الخاصة، وأن نرفع من مستوى الوعي لديهم وأن نتجهّز لحملة تغيير واسعة النطاق مبنية على بصيرة وعلى وعي وعلى دراسة وعلى عِلم.

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد الوعي حتى ينتشر يجب أن يتفاعل معه المُتلقّي أنت تدخل إلى اليوتيوب راقصة عربية ترقص مشاهدون عشرون مليون، مفكّر عنده شروط النهضة المشاهدون ثلاثة أحدهم ضغط على الزر خطأً الثاني كان مُحشّشًا الثالث على سبيل التجربة. فكيف تؤسّس لوعي في ظل الإعراض عن الوعي؟

محمد الخضر: نحن مسؤولون أن نتعامل مع الواقع لا أن نتجاهله، في اعتقادي وهذا جزء من عملية الجهاد التي لابدّ من القيام بها من موقعنا كدُعاة كمُفكّرين، كمُثقّفين، كعقول نيّرة. تريد أن تغيّر من هذا الواقع وأن تنتقل نحو الأفضل لا مكان لليأس في مفهومنا لا الديني ولا الحضاري ولا الإنساني، وإلا لِمَ أرسل الله تعالى الرُسل، ولا ما أنزل الكتب ولترك الناس يعبدون هبل واللاة والعزّة.

لن نفقد الأمل في التغيير، لكن علينا أن نثق أن للتغيير رجال وأن للتغيير مقومات وأن آليات التغيير لابدّ من أن تكون آليات منطقية وواقعية تعتمد على رؤية وعلى بصيرة تنتقل من هذه الرؤية والبصيرة إلى وضع خطط مستقبلية من شأنها بالفعل أن تُحدِث تغيّرات في القاعدة وأن تؤسّس لجيل يتبنّى التغيير ويحقّق هذا التغيير شيئًا فشيئًا بطريق مدروسة وواقعية ومنطقية.

وبالتالي أنا أعتقد أننا ينبغي ألا نتفاعل مع الأحداث من منطلق ردّات الفعل وأن ننتبه إلى أن ما يحدث في عالمنا العربي ونحن نعيش في ظل أمثلة ونماذج واقعية، علينا أن ننتبصّر وأن ننظر هل ما يُسمّى بالحراك أو بالثورة أو بالربيع العربي هل أنتج بالفعل ما كنا نتوقّعه؟ ولماذا؟ وبالتالي علينا أن نعلم أن مَن يتشكّل منه هذا الحراك وهذه النهضة أو هذه الثورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام في كثير من الأحيان، نحن لابدّ من أن نتذكّر أن هناك طبقة شعبية متأثرة وأن هناك المتنفعون من وسائل إعلام من جمعيات وجماعات. الآن ما هو دور بعض وسائل الإعلام في ما يجري في عالمنا العربي؟ ما هو دور جمعيات الـ ngos وجمعيات ما يُسمّى بالمجتمع المدني؟ ما هو دور بعض الأحزاب التي هي ليست فقط في موقع المُنتفِع وانما هي في موقع المُتآمِر على واقعنا وعلى مجتمعنا وعلى بلدنا؟ لا يمكن أن نبقى نحن في دائرة مَن يتأثّر أو دائرة مَن ينفّذ خطط الأعداء كأننا مجرّد أتباع وجمهور.

يحيى أبو زكريا: مثلما أوجدوا ما يُسمّى بالحروب الاستباقية يجب أن نعدّ أيضًا للحروب الاستباقية ونذهب إلى قلاعهم قبل أن يدكدكوا قلاعنا.

دكتور جمال أنا قلت في البداية أنهم يعلنون بفصاحة عن مشاريعهم، كنت ومازلت مهووساً حقيقة بقراءة مذكّرات الساسة الغربيين وحتى قادة الموساد والكيان العبري، هم يتكلّمون بوضوح في مذكّراتهم ممكن ألا يعطوننا كل شيء، لكن يقينًا عشرين بالمئة من المُعطيات تستطيع أن تستقيها من هذه الكتب. جيمي كارتر في مذكّراته يقول عندما سحبنا مصر من العالم العربي باتفاقية كامب ديفيد ضربنا العالم العربي ومثله هنري كيسنجر في مذكّراته التي تقع في أربعة أجزاء. الآن كيف السبيل لتأجيج حركة الوعي في العالم العربي؟

جمال الشلبي: اسمح لي أن أقول بداية لا يمكن أن نصنع سياسة من دون معلومات، وهنا بدأنا المشاريع الكبرى من الدول المُستعمِرة تجاه الدول المُستعمَرة والتي نحن جزء منها، ثم بعد ذلك وهو خلالها وقبلها هناك حركة المستشرقين، ثم بعد ذلك بدأت تبرز مراكز الدراسات في أميركا وأوروبا، وبعد ذلك أصبحت الجامعات بشكل آخر الغربية تلعب دور مُستشرِق جديد رسمي. المشكلة الآن حتى جامعاتنا ومراكزنا أصبحت ديكورية أولًا وأصبحت لذوات أشخاص لهم مصالح شخصية يقومون بتنفيذ هنا أو هناك بالثمن على الرأس، وهذا يدرّ دخلًا كبيرًا أصبحت هناك طبقة جديدة تستغني من وراء هذه الأعمال هذا أمر مهم.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

جمال الشلبي: الأمر الأخطر والأهم برأيي أن الغرب أدرك أهمية المعلومات من الداخل وبأدوات داخلية، أصبح هناك مُثقّفون على درجة عالية معروفون يلعبون دورًا فكريًا، توعويون على مستوى العالم أصبحوا يموّلون من قِبَل بعض الجهات، وأصبح لديهم مراكز دراسات عالية الجودة وعالية الثمن وتنشر كتباً ومجلات وتقارير وتؤثّر في ما بعد على الرأي العام وعلى الوعي العربي هؤلاء بالنهاية سيصبوا في خدمة المشروع الغربي. إذًا نحن محاصرون من الأتباع والأذناب الذين أصبحوا أخطر الآن، ماذا نستطيع؟ الوعي مهم ولكن لا تقول لي بأن الحكومات ووزارات التربية والتعليم العالي لا تستطيع فرض ذلك.

يحيى أبو زكريا: دكتور جمال طبعًا سوف نفتح المجال لمواضيع أخرى مقبلة لأن الوقت داهمني.

أؤكّد أيضا أن المخابرات الأميركية والموساد الإسرائيلي والمخابرات الأوروبية تدفع تمويلًا لكثير من مراكز الدراسات، أو بين قوسين مراكز دراسات في الوطن العربي، ويطلب منها دراسات خاصة عن آلية اختراق العالم العربي.

الدكتور جمال شلبي من الأردن الحبيب شكرًا جزيلا لك الوقت داهمني معذرة.

جمال شلبي: شكرًا لك.

يحيى أبو زكريا: الشيخ محمّد الخضر شكرًا جزيلا لك من لبنان الحبيب أمّنه الله تعالى.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدا ودائعه.

حيّاك ربي إن شاء الله شكرًا جزيلا.

محمد الخضر: شكرا لكم.

"حرب المعلومات" ياسر بكر

الكتاب يعرض بين سطوره لقصة التلاعُب بالوعي والإرادات، والتحكّم في عقول البشر من خلال عمليات التضليل المُعقَّدة والمُخطَّط لها، وهي قصة تتخلّلها علوم التاريخ، والسياسة، والأديان والاقتصاد، والفلسفة والتعليم، والإعلام والفن والتكنولوجيا وعِلم النفس الاجتماعي وعِلم النفس الجماعي. يقول شيلار لتحقيق نجاح عملية التلاعُب يجب أن يظلّ غير ملحوظ ونجاح عملية التلاعُب مضمون حين يؤمن المتلاعب به بأن كل ما يجري حوله طبيعي ومُحتّم. باختصار يحتاج التلاعُب إلى واقع مُزيَّف لا يلحظ فيه وجوده أنه لا يحرّض الإنسان على فعل ما يريده الآخرون، بل يجبره على أن يرغب في فعل ذلك. ويرى باولو فرار أن التضليل أو التلاعُب بالوعي هو إحدى أدوات القهر التي يسعى المستفيدون من خلاله إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة.