مستقبل الشرق الأوسط

 

مقدّمة:

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن كامل أوضاع الشرق الأوسط، ليس بنظرة حالية بل بعينٍ تنظر إلى خمس سنوات مقبلة لأنّ رؤيتنا في البرنامج أنّ (الولايات المتّحدة) ستكون قد انسحبت أو طُرِدت من الشرق الأوسط خلال خمس سنوات. من هنا يبرز السؤال: كيف سيكون شكل الشرق الأوسط بعد خمس سنوات؟ قد يظنّ بعضكم أنّ رؤيتنا غير واقعيّة ما يعني أنّكم لم تروا تظاهرات الملايين في (العراق) في الأيام والأسابيع الماضية ولم تروا حجم رفض الناس المتزايِد للاحتلال الأميركي ووجود الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط. في رأيي، سيأتي انسحاب (الولايات المتّحدة) من الشرق الأوسط أسرع بكثير من خمس سنوات، لن تنسحب من كلّ المناطق بالطبع لكن انسحابها سيُغيِّر من وجه المنطقة. رجل في عُمري ومن بيئتي نادراً ما يبكي، أمام الآخرين على الأقل، لكنني أجهشت بالبكاء حين شاهدت الطفل الفلسطيني "قيس" ذو السنوات السبع مُختطفاً من قِبَل مستوطنين إسرائيليين ومرمياً في بئر ليتم انتشاله لاحقاً جثة هامدة بعد أن مات متجمِّداً من البرد. أتيت على ذِكر ذلك لأنّ من الأشياء التي لن تتغيّر خلال خمس سنوات احتلال الأراضي الفلسطينية ودعم (الولايات المتّحدة) لذاك الاحتلال، هذا سيستغرق وقتاً أطول بكثير من خمس سنوات لكن حجم الانقلاب الذي طرأ على الرأي العام في العالم في شأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كبير ويزداد قوّةً وامتداداً. حين بدأت العمل في ذاك المجال عام 1975 كان في وسعكم جمع كافة مناصري القضيّة الفلسطينية في هذا الاستديو مع بقاء العديد من المقاعد الشاغرة بينما اليوم لن يتّسع لهم منتزه (هايد بارك)، أمّا مناصرو (إسرائيل) والمؤمنون بقضيّتهم فقد بات هذا الاستديو حالياً يتّسع لهم وهذا ظاهِر في كافّة أنحاء العالم لكن على مُستوى الحكومات بالطبع إذ لا يزال في وسعهم توجيه الحكومات كيفما شاؤوا. لكن ذلك سيتغيّر في نهاية المطاف وحركة المُقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في العالم الغربي ضدّ (إسرائيل) ستزداد انتشاراً مهما حاولوا فرض قوانين تُجرِّمها وتمنعها. لن يتغيّر ذلك في خمس سنوات، لكن في غضون خمس سنوات لن يبقى أثر لأيّ جندي أميركي على أرض الجمهوريّة العربيّة السوريّة، في غضون خمس سنوات أو خمسة أسابيع أو خمسة أشهر أو سنة لن يبقى جندي أميركي واحد على أرض (العراق)، ليس هناك وجود أميركي رسمي في (اليمن) بل مُرتزقة فقط وسيتم طردهم أيضاً خلال تلك الفترة، لا جنود أميركيين في (ليبيا) على الرغم من أنّ (الولايات المتّحدة) ساهمت كثيراً في تدميرها وإيصالها إلى وضعها المأساوي الحالي، كما لن تطأ قدم جندي أميركي واحد بالطبع أرض الجمهوريّة الإسلامية الإيرانية قط وستحمل لنا السنوات الخمس المقبلة تحوّلاً جذرياً. بالطبع ستبقى هناك دول خليجية تضمّ قواعِد أميركيّة على أراضيها وستبقى بعض أنظمة المنطقة دمية في يد (أميركا) فاتحةً مياهها وموانئها أمام البحريّة الأميركية لكن عددها سيتناقص أكثر فأكثر وستتم التغطية على ذلك في وصفه تحوّلاً استراتيجياً من (الولايات المتّحدة) التي ستنسحب من المنطقة لأنّها لم تعُد في حاجة إلى النفط والغاز من الشرق الأوسط وستتوجّه نحو (آسيا) ونحو تحدّيات أُخرى في وجه الهيمنة الأميركية. ماذا سيفعل العرب حينها في المناطق المُحرّرة من الوجود الأميركي التي ستنتج من ذلك؟ هذا سؤالٌ الإجابة عليه مفتوحة بالطبع لكن في رأيي أرى أنّ التحوّل الذي سيطرأ في السنوات الخمس المُقبلة سيُغيِّر من حال الشرق الأوسط إلى الأفضل إذ ستزداد قوّة محور المُقاومة ضدّ (إسرائيل) والهيمنة الأميركية وستزداد دمى الهيمنة الأميركية ضعفاً وذلك سيفتح آفاقاً جديدة من الاحتمالات. ستظهر بالطبع مُحاولات أُخرى لتقسيم العرب والسيطرة عليهم كما كان يحدث دائِماً مع البريطانيين وعبر الأميركيين وفي المُشاركة مع الإسرائيليين، سيُحاولون الإيقاع بين فئات الشعوب وبين أطيافه الدينية وحتّى بين الدول في تكرارٍ لما حدث في (المغرب العربي). لكنني أعتقد من دون تفاؤل أنّ تلك القوى ستزداد ضعفاً في السنوات الخمس المقبلة ولن تزداد قوة لأنّ فترة التطلُّع إلى عصر الوحدة العربيّة وفكرة اتّحاد العرب من (مراكش) حتّى (البحرين) كشعبٍ واحد ولسان واحد ودين واحد ستزداد انتشاراً مع نهاية السنوات الخمس التي نتحدّث عنها ولن تزداد ضعفاً. انضمّت إليّ كالعادة مجموعة من الخُبراء المتميّزين وبعض الهواة المتحمّسين أمثالي، فلنبدأ الحوار. دكتور "ماركوس بابادوبولوس"، أنت خبير في هذه القضايا إلى جانب قضايا أُخرى، لِمَ لا تفتتح الحوار؟ 

ماركوس بابادوبولوس – باحث ومحرّر في جريدة بوليتيكس فيرست: شكراً لك يا "جورج"، أنا دكتور "ماركوس بابادوبولوس" وأنا مُحرِّر جريدة Politics First، المجلّة الرسميّة للبرلمان البريطاني. الجريمة الوحشيّة التي اغتالت فيها (أميركا) "قاسم سليماني" رسمت بالتأكيد قواعِد جديدة للصراع في الشرق الأوسط لكنني أرى أنّ أثر ذلك قصير الأمد وليس بعيد الأمد لأنّ (أميركا) لا تزال وستبقى القوّة الخارجيّة المُهيمنة على الشرق الأوسط وليس هناك في الحقيقة أدلّة ملموسة تُشير إلى خسارة (أميركا) موقعها الأقوى والأوسع نفوذاً في الشرق الأوسط. لا تُسيطر (أميركا) على النفط وخطوطه في الشرق الأوسط فحسب ولا تُسيطر على تجارة السلاح فحسب ولا تُسيطر على تجارة المواد فحسب بل تُسيطر على ما هو أبعد من ذلك بكثير، وأعتقد أنّ (العراق) مثالٌ جيد جداً على ذلك. نحن نعلم أنّ الأميركيين يحتلّون (العراق) منذ سبعة عشر عاماً تقريباً، وخلال هذه السنوات لم يتوقف الأميركيون عن العمل. نعم، لقد سيطروا على منشآت النفط في ذلك البلد لكنّهم فعلوا أكثر من ذلك بكثير، لقد اخترقوا المؤسّسات السياسية في (العراق) واخترقوا الجيش العراقي والمُخابرات العراقية، وسأقول لك يا "جورج" أنّ أهمّ ما اخترقه الأميركيون هو الخدمات العامّة العراقية وإذا نجحت في السيطرة على الخدمات العامة ستتحكّم في مفاصل الدولة وسأطرح مثالاً على ذلك وهو ما حدث في (صربيا) خلال العشرين سنة الماضية. (صربيا) اليوم دولة تابعة ولن أُصنِّف (العراق) كدولة تابعة لـ (أميركا)، ليس بعد، لكن (صربيا) دولة تابعة لها اليوم ونعلم كيف كان الصرب في التسعينيات يُقاومون الهيمنة الغربيّة العالمية، لكن أحد السُبل أو أحد الطُرق التي تُسيطر فيها (أميركا) على (صربيا) هي أنّها تُسيطر على خدماتها العامّة وهذا ما يضع (أميركا) في موقع قوّة في (العراق). لقد شاهدنا مؤخراً التظاهرات الحاشدة للعراقيين في (بغداد) تنادي بطرد الأميركيين من (العراق) وسأُسعَد كثيراً إن رأيت هذا يحدُث لكنني أرى أنّ الأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير لأنّه حتّى لو افترضنا أنّ الجيش الأميركي انسحب من (العراق) لن يعني ذلك أنّ الأميركيين قد خرجوا من (العراق) تماماً لأنّهم كما قلت يُسيطرون على المؤسّسات السياسية والخدمات العامّة والجيش والمُخابرات، فالأميركيون خلال سبعة عشر عاماً من الاحتلال الغاصب لـ (العراق) كانوا يعملون على قدمٍ وساق. صحيح أنّ الأميركيين غير بارعين في التخطيط الاستراتيجي أحياناً لكنّهم بارعون في أحيانٍ أُخرى ويُدركون أنّهم إن أرادوا السيطرة على بلد، إن أرادوا أن يحافظوا على موطئ قدم لهم فيها عليهم أن يخترقوا الخدمات العامّة. لكن بالرغم من هذا هناك سبب يدعو إلى التفاؤل لأنّه منذ تدخُّل (روسيا) الشرعي في (سوريا) لهزيمة "داعش" و"القاعدة" شهِدنا ظهور ما أُسمّيه حلف غير رسمي في الشرق الأوسط، تحالف غير رسمي يضمّ (روسيا) و(سوريا) و(إيران) و"حزب الله" أيضاً وهذه خطوة جيّدة في طريق ترسيخ السلام والاستقرار في الشرق الأوسط والتصدّي كذلك لحلفٍ غير رسميّ آخر في الشرق الأوسط مكوّن بالطبع من (أميركا) و(إسرائيل) و(المملكة السعودية). في النهاية لا تزال (أميركا) القوّة المُهيمنة على الشرق الأوسط ولا أعتقد أنّ ذلك سيتغيّر قريباً، لكنّها لم تعُد في القوّة التي كانت عليها قبل عشرين أو ثلاثين سنة، ومن المهمّ جداً في نظري إضفاء الطابع الرسمي على الحلف بين (موسكو) و(دمشق) و(طهران) لأن هذا حينها سيُساهم كثيراً في ضمان أمن وسلام (إيران) و(سوريا) وأيضاً "حزب الله" وسيُساهم قليلاً في الحدّ من هيمنة الأميركيين على الشرق الأوسط 

جورج غالاواي: هذه فرضيّة صعبة أختلف معها بعُمق، فأنت تقول إنّ الهيمنة الأميركية على المنطقة لن تزول قريباً وأنّ سيطرتهم لن تزول قريباً لكنني أعتقد أنّها زالت في الأمس أو في اليوم الذي سبقه. أحياناً يُحاول العدوّ جاهداً حفر حفرة ليقع فيها في النهاية وأعتقد أنّ هذا ما حدث تماماً، لقد فشلت (الولايات المتّحدة) في الإطاحة بالحُكم في (دمشق) وفشلت في مُحاولتها استخدام "داعش" و"القاعدة" لتدمير كلّ شيء في بلاد المشرق، لقد فشلت في (لبنان) وفشلت في (سوريا) وفشلت في (ليبيا) حيثُ سيسيطر الجيش الوطني قريباً على البلاد وفشلت في (اليمن) حيثُ سعَت إلى بسط هيمنة عربيّة خليجية على (اليمن) وفشلت في (أفغانستان) وفشلت ضدّ (إيران، لذا فقد أظهَرت في الواقع ضعفها وليس قوتها وسأُعطيك هذا المثال: شاهدنا أنا وأنت "دونالد ترامب" يعتلي المنصّة بعد أربع وعشرين ساعة على الردّ الإيراني على اغتيال "سليماني" وشاهدناه يقول إنّ (إيران) هُزِمت وأنّ أيّاً من الموظّفين الأميركيين لم يُصب بأذى نتيجة ردّ (إيران) على اغتيال "سليماني"، لكن اتّضح أنّ كلا التصريحين كانا كاذبين. فقد أعلن "البنتاغون" إصابة العشرات من الأميركيين وربّما أكثر نتيجة الردّ الإيراني على القاعدة الأميركية ولم تتراجع (إيران) بل "دونالد ترامب" هو مَن تراجع، فقد توعّدَ بأنّه إذا ما تعرّضت أية قاعدة من قواعده للهجوم ستتجه أسلِحته الباهظة الثمن بلا تردّد كما ادّعى نحو (إيران). حسناً، لقد تعرّضت قاعدة للهجوم وأُصيب عدد كبير من الموظّفين الأميركيين لكن لم يحدُث أي هجوم على (إيران)! سبب ذلك أنّ "دونالد ترامب" كان يعلم أنّ أيّ هجوم على (إيران) سيُقابَل بردٍ إيراني آخر وسندخل بالتالي قريباً في حربٍ شاملة وسيتمّ تدمير الدول التي أشرت إليها سابقاً وقد حدّدها الإيرانيون، لا أُريد أن أتسبّب لها بالحَرج لكن كلّ المُشاهدين يعلمون أيّة دول عربيّة كانت ستُدمَّر وتحترق. لذا أعتقد أنّ موازين القوى قد انقلبت وأنت مُحق، انسحاب الجنود الأميركيين لا يعني خروج (أميركا) تماماً لكن الأميركيين لا يُجيدون استخدام القوّة الناعمة، هم بارعون جداً في استخدام القوة العسكرية لاسيما الجويّة منها لكن حين يخرج الجنود الأميركيون من (العراق)، ثق بي، ستجد المسؤولين الحكوميين الذين رشوهم والصحافيين الذين اشتروا ذممهم ومحطّات التلفزة التي يُسيطرون عليها ويملكونها لن تعود عليهم بعظيم الفائِدة لأنّ قوّة الشعب العراقي الكبيرة ستطردهم، ستطردهم قبل مرور خمس سنوات بكثير لأنك إن لم تُلبِّ رغبة الملايين في شوارِع (بغداد) سيظهر نوعاً مختلفاً من الضغط الشعبي العراقي. تذكّر ما حدث في (لبنان) عام 1982، سيرحل الأميركيون إمّا بسلام أو في توابيت في الأسابيع والأشهر والسنوات المُقبلة، إذاً هذان تحليلان مختلفان. "كارول غولد" أنتِ أميركية، سامحيني على وصفك بذلك، أنتِ أميركية طيّبة، حدّثينا عن رأيكِ في شأن شكل الشرق الأوسط بعد خمس سنوات

كارول غولد – صحافيّة: أعتقد أنني سأُقدِّم وجهة نظر ثالثة على الأرجح. أودّ البدء من الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1995 حينما قُتِلَ "إسحاق رابين" رئيس الوزراء الإسرائيلي بطلقٍ ناريّ في (تلّ أبيب). خلال بضعة دقائق، الرئيس الروسي آنذاك "بوريس يلتسين" الذي كان في المستشفى، ويقول البعض أنّه كان ثمّلاً وسأحجم عن البتّ في المسألة، قال: "مع دويّ صوت تلك الطلقة حول العالم ستغرق المنطقة في أنهرٍ من الدماء"، كان ذلك قبل خمسة وعشرين عاماً تقريباً. قال الجميع حول العالم: "ما خطبه؟ إنّه ثمّل! إنّه يفقد عقله! تجاهلوه!" لكن في الواقع كان الكثير مما قاله صحيحاً. مهما كان رأينا في مفاوضات (أوسلو) بين "رابين" و"عرفات" والملك "حسين" لكنها كانت أفضل مما لدينا الآن بالتأكيد، وهذا قبل خمسة وعشرين عاماً. لننتقل الآن إلى عام 2007، وأودّ أن أقرأ عليكم مقطعاً آمل أن يُضحككم قليلاً. الجنرال "ويسلي كلارك" الذي كان حينئذٍ رئيس أركان حلف "الناتو" وكان جنرالاً مهماً في إدارة "بوش" على الرغم من أنه كان يُعتبَر ليبرالياً بعض الشيء، لكنّه قال وأنا هنا أقتبسه: "سنغزو سبع دول خلال خمس سنوات، (العراق)"، قال إنّنا سنغزو، "(العراق) و(سوريا) و(لبنان) و(ليبيا) و(الصومال) و(السودان) و(إيران)"، حسناً لم يحدُث ذلك وبالطبع تسلّم "أوباما" الحُكم عام 2008. ما شعرت بأنّه مبشُّر خلال إدارة "أوباما" كان الاتفاق النووي الإيراني وخفض العقوبات، أعلم أنّك تكلّمت عن هذا الشأن كثيراً وتكلمتم عن (العراق) للتوّ لكن بالنسبة لي الحدث المحوري في الأشهُر المُقبلة سيكون الانتخابات الأميركية. لنتذكّر معاً ما قاله "ترامب" قبل عشرة أيام على الأرجح بعد خطاب المُرشد الأعلى الذي قال فيه  حاذري يا (أميركا)! وكان ردّ "ترامب "حاذر أيها المُرشد الأعلى! بالنسبة لي كان ذلك أحد أكثر التصريحات المُفزعة التي أدلى بها رئيس أميركي على الإطلاق، ثم قال "ترامب" بعد نحو ثلاثة أيّام، "ربما من الأفضل أن نبدأ من جديد في المفاوضات مع (إيران) في شأن الاتّفاق النووي"، وهذا ما لفت انتباهي. إذا سارت الأمور على هذا النحو وكانت النتائِج إيجابيّة، وهذا ما أشكّ فيه، فهذا أمر جيِّد، لكن إذا انتُخِب رئيس جديد في نوفمبر/ تشرين الثاني فيجب أن نُراقب ما سيفعله "ترامب" بين نوفمبر/ تشرين الثاني ويناير/ كانون الثاني لأنّه سيبقى في سدّة الحُكم، وهناك نظريّة تقول أنّه سيُطلق سياسات غير متوازنة وأكثر عُنفاً واضطراباً وتوتيراً تجاه ذاك الجزء من العالم وربّما سنكون على أعتاب ما قد تُصبِح حرب عالميّة أُخرى. أرى مستقبل الشرق الأوسط في السنوات الخمس المقبلة بعينٍ تشاؤميّة جداً، اعذرني. يُعاني (لبنان) من صعوبات اقتصاديّة شديدة وكذلك (الأُردن)، فقد تحمّل (الأُردن) لن أقول فوق طاقته لكنّه تحمّلَ العديد من اللاجئين السوريين. اقتصاد كلٍ من (لبنان) و(الأُردن) والأراضي الفلسطينية بالطبع في حالةٍ مُزرية جداً حالياً ولا أستطيع رؤية تقدُّم (سوريا) بعد الصراع والدمار الحاصلين. سيكون من الجيِّد رؤية دول كـ (الجزائِر) وحتّى (السودان) أيضاً، على الرغم من عدم وجودهما ضمن منطقة الشرق الأوسط فعلياً، تأخذ زمام المُبادرة في حلّ بعض المشاكل وفي هذا الصدد غياب ورحيل (الولايات المتّحدة) أمرٌ ضروري. لننتقل الآن إلى (إسرائيل)، "نتنياهو" في السنتين أو الثلاث الماضية على حدّ وصف الأميركيين بدأ في التواصل مع أشخاص كـ "أوربان" في (هنغاريا) ولا بدّ من أنّه مُغتبِط من وصول "بوريس جونسون" إلى رئاسة وزراء (المملكة المتّحدة) ويبدو أنّ "نتنياهو" سيبقى في حُكمه للأبد، فهو يُنشئ نوعاً من النظام الدكتاتوري وأعتقد أنّه بعد خمس سنوات سيكون في رئاسة الوزراء حتماً وسيكون حليفاً لـ "ترامب" وهو يرجو كما (المملكة السعودية) أن يُعاد انتخاب "ترامب" في نوفمبر/ تشرين الثاني وأشعُر أنّ ذلك سيحدُث فالناخبون الأميركيون لا يأبهون بسحب الثقة منه في الكونغرس. وأريد التطرُّق إلى نُقطة أُخرى، يبدو أنّ الناس يعتقدون أنّ أصوات اليهود في (الولايات المتّحدة) هي الداعمة لـ "ترامب"، لكنّها ليست كذلك بل أصوات المسيحيين الإنجيليين البالغ عددهم نحو سبعين مليوناً؛ تتملّكهم الحماسة حين يذهب "نتنياهو" إلى هناك ليُلقي كلمة. هذا مصدر الدعم المادّي الهائِل والحشد الجماهيري لـ "ترامب"، و"نتنياهو" على دراية بذلك و(المملكة السعودية) تُراقب مُجريات الأمور وأنا شخصياً لا أرى "ترامب" يخسر الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني. مع الأسف، لا يبدو أنه يوجد أيّ مرشّحٍ ديمقراطي يُمكنه منافسته وإن كان هناك من مُرشّح منافِس واستطاع الفوز في النهاية فقد نرى تغييراً في الموقف تجاه (إيران) 

جورج غالاواي: ماذا عن المُرشّح اليهودي الوحيد الذي يمتلك فرصة حقيقية؟ "بيرني ساندرز" يتقدّم الآن مرشّحي الحزب الديمقراطي وأعتقد، وهذا ما توقعته منذ أشهُر، أنّ "ساندرز" سيكون المُرشّح عن الحزب الديمقراطي وإذا حصل هذا الأمر يُمكنه أن يتغلّب على "ترامب" 

كارول غولد: كان في وسعه التغلُّب على "ترامب" عام 2016 لكن من تابعوا الانتخابات منّا عن كثب يومياً يعلمون أنّه فاز في 23 ولاية وبتأييد قُرابة ألفيّ مندوب وهذا نصف عدد ممثلي (الولايات المتّحدة) في الانتخابات الأوّليّة تقريباً، وفاز في ولايات في الانتخابات الأولية خسرتها "هيلاري كلينتون" في الانتخابات العامّة لكن داعميه وأعضاء اللجنة الوطنيّة الديمقراطيّة حاولوا تقويض كلّ الطموحات التي كان يبتغيها ممثلو "ساندرز" في المؤتمر لأنه كان عليهم أن يدفعوا ببعض المندوبين الكبار إلى تأييده. أنا أعتقد بالطبع كما تعتقد أنّه كان في وسعه هزيمة "ترامب" 

جورج غالاواي: شكراً لكِ "كارول غولد". هذه ثلاث وجهات نظر مُختلفة نفتتح بها الحوار عن حال الشرق الأوسط بعد خمس سنوات، سنعود بعد قليل  

المحور الثاني 

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن حال الشرق الأوسط وأوضاعه وشكله بعد خمس سنوات من الآن. اصطحبنا كاميرا "كلمة حرّة" إلى شوارِع (لندن) لاستطلاع آراء الناس، فلنشاهد 

المُحاور: مع ازدياد المطالب بانسحاب (الولايات المتّحدة) أتعتقد أنّ حال الشرق الأوسط ستكون أفضل أم أسوأ؟  

رجُل 1: أعتقد أنّ سيكون في حالٍ أفضل

رجُل 2: أعتقد أنّه سيكون في حالٍ أفضل بكثير من دون الأميركيين 

شاب 1: أعتقد أنّ الصراع قد مضى عليه وقت طويل في الشرق الأوسط وقد رأينا المناوشات التي حصلت، ويبدو أنّ (إيران) حينما تخرج عمّا تريده (الولايات المتّحدة) تثير رد فعلٍ مبالغٍ فيه لذا أعتقد أنّ انسحاب (الولايات المتّحدة) من الشرق الأوسط سيجلب حلاً أكثر سلميّةً

شابة 1: إن انسحبت (الولايات المتّحدة) من الشرق الأوسط وتركته وشأنه أشعُر أنّه سيكون هناك مجال أوسع للتقدُّم لاسيّما في دولٍ ضعيفة اقتصادياً كـ (لبنان) و(سوريا) 

شاب 2: أعتقد أنّ حال الشرق الأوسط سيكون أفضل لأن دولُه ستحظى بفرصة تطوير جيوشها الخاصّة وبناء وهيكلة دفاعاتها الداخليّة التي كانت تنقصها أثناء تدخل (الولايات المتّحدة) العميق في الشرق الأوسط 

المُحاور: حينما تنسحب (الولايات المتّحدة) كيف ستبدو حال الشرق الأوسط بعد خمس سنوات؟ 

شابة 1: أعتقد بصراحة أنّه سيكون أكثرُ سلاماً بكثير عمّا هو عليه الآن وعمّا كان عليه سابقاً لأنني أشعُر أنّ تدخُّل (الولايات المتّحدة) في الشرق الأوسط لطالما أشعل التوتّرات. لهذا السبب أعتقد أنّ الشرق الأوسط سيبقى يُعاني من مُشكلات بسبب وجود النفط في المنطقة ولا أعتقد أنّ (أميركا) ستدع الشرق الأوسط وشأنه أبداً 

رجُل 1: حسناً، من الصعب جدّاً توقُّع ذلك لكنني أعتقد أنّ حاله ستتحسّن 

رجُل 2: أعتقد أنّها ستكون كارِثة حقيقية إذا قررت (الولايات المتّحدة) البقاء هناك، أعتقد أنّ الصراع سيأخذ المنحى الذي أخذه في (العراق) وفي (ليبيا) وفي (سوريا) وأعتقد أنّها ستكون كارِثة جديدة 

المُحاور: مرّة أُخرى، إن انسحبت (الولايات المتّحدة) كيف في رأيك ستكون حال (فلسطين) المُحتلّة؟ 

شابة 1: أعتقد بصراحة أنّ حالها ستتحسن، هذا يُعطي (فلسطين) قدرة أكبر للدفاع عن نفسها ولتحقيق السلام ربّما، لكنني لا أعتقد ذلك لأنني أشعُر أنّ (إسرائيل) قويّة في حدّ ذاتها لذا لا أشعُر أنّها في حاجة إلى (الولايات المتّحدة) 

شاب 1: أعتقد أنّ (أميركا) ستُبقي وجودها العسكري على الأرض وستُتابع أيضاً علاقاتها الإيجابية مع (إسرائيل) 

شاب 2: بدأت (فلسطين) بخسارة الحُلفاء منذ نقل السفارة وقبول العالم بذلك. أعتقد أنّ الوضع في (فلسطين)، بغضّ النظر عن انسحاب (الولايات المتّحدة)، يبدو ميؤوساً منه عالمياً 

جورج غالاواي: لا يوجد الكثير من داعمي وجود (الولايات المتّحدة) في الشرق الأوسط بين عامة الشعب في (لندن). سيّدي، هلّ أنت موافق أولاً على طرحِنا بأنّ (الولايات المتّحدة) ستنسحب في السنوات الخمس المُقبلة من الشرق الأوسط؟ وإذا كنت موافقاً كيف ستكون الحال من وجهة نظرك؟ 

حميد الشجني – باحث في الشؤون العربيّة: لا أعتقد أنّ (الولايات المُتّحدة) ستنسحب من الشرق الأوسط خلال خمس سنوات، أعتقد أنّها نظرة تفاؤليّة جداً ونحن نأمل أن تنسحب فعلاً لكن المُشكلة أن التواجد الأميركي خلال السنوات السبع عشرة الفائتة زادها قوة فوضعت أساساً من البنى التحتية لكي تبقى في المنطقة لزمنٍ طويل. إذا أخذنا (العراق) على سبيل المثال وتحدّثنا في شأنه نجِد أنّ الثورة التي تحدُث الآن موجّهة في مُعظمها ضدّ (أميركا) وضدّ حكومة (العراق) أيضاً بسبب فسادها وقمعها للشعب العراقي، وهذا ما يحدُث في مُعظم الدول العربيّة. حينما احتلّ "بريمر" (العراق) مع الأميركيين كان أوّل ما فعله هو تفكيك الجيش العراقي ليضمن بقاء الأميركيين هناك وإلى الأبد وكان هذا أحد عناصر تدمير (العراق). أتى الأميركيون إلى (العراق) ليُسقطوا نظاماً قائِماً، ولا نتحدّث الآن عن الدكتاتوريّة أو ما شابه بل نتحدّث عن النظام الذي كان قائماً، ومن الأمثلة على ذلك النفط الذي ينتجه (العراق) والذي كان الأفضل في العالم، أفضل حتّى من نفط (المملكة المتّحدة). ماذا لدينا في (العراق)؟ حتّى الحاجات الأساسية لم تعُد متوفِّرة، هناك نقص في الطعام والوقود وفي كلّ شيء مع أنّه من أغنى بلدان العالم. لقد حقّق الأميركيون غايتهم فبات لدى (العراق) حكومة ضعيفة جداً يسرقون عبرها كلّ النفط العراقي من دون تحقيق أيّة منفعة للعراقيين. إذا أخذنا (اليمن) على سبيل المثال وقلنا أنّ (الولايات المتّحدة) تخسر فيه، لا أعتقد أنّها تخسر لأنّ (اليمن) بات منقسماً على نفسه وتسبّب في انقسام المنطقة بأكملها، فقد تشكّلت ميليشيات في الجنوب إلى جانب ميليشيات في الشمال. نعم تدعم (إيران) ميليشيات الشمال بينما ميليشيات الجنوب شكّلَها حلفاء (الولايات المتّحدة) أي (الإمارات) والهدف من ذلك تمزيق البلاد إلى أجزاءٍ صغيرة وتقسيمه وسرقة ثرواته. إذا تناولنا أية دولة أُخرى في المنطقة نرى فيها الوضع ذاته تماماً وإذا انتقلنا إلى (إسرائيل)، أو ما يدعونه بـ (إسرائيل) وهي (فلسطين) المُحتلّة، ما يحدُث في الشرق الأوسط يُساعِد هذا الاحتلال لأنّ اليمنيين الآن على سبيل المثال يتقاتلون في ما بينهم ويتقاتل العراقيون في ما بينهم وكذلك يفعل السوريون، فمَن بات اليوم تركيزه منصبّاً على القضيّة الرئيسية التي تهمّ كلّ مٌسلِم وهي (فلسطين) المُحتلّة؟ لم يعُد هناك أيّ تركيز عليها. لذا إن قلنا أنّ الأميركيين سينسحبون وأنّ الشعب سيُقاومهم لا أعتقد أنّ هذا سيحدُث مع الأسف ومجرّد قول هذا يؤلمنا جميعاً. تغيير نظام الإدارة في (الولايات المتّحدة) من رئيس إلى آخر لن يُغيِّر شيئاً فلديهم سياسة ثابتة تهدف إلى احتلال هذه المنطقة بشكلٍ مُباشر أو غير مُباشر، إلى نهب كلّ ثروات دول المنطقة. لقد غزوا (العراق) تحت راية إقامة نظام ديمقراطي، أين (العراق) الآن؟ (العراق) الآن على وشك الإفلاس، لا مجال للمقارنة بين حال (العراق) الآن وحاله قبل سبع عشرة سنة أو عشرين سنة. إذا تذكّرنا حال (العراق) قبل سبع عشرة سنة كنّا نعيش تحت نظامٍ تبنّى شعار "النفط مقابل الغذاء" ومع ذلك كان يحصل كلّ عراقي على نصيبه من الغذاء والوقود وكلّ حاجيّاته بينما الآن يخرُج معظم العراقيين إلى الشوارِع مندّدين بحكومتهم لأن (العراق) الآن محتلّ من (الولايات المتّحدة) و(إيران) أيضاً. ما يحدُث في (العراق) وفي عدّة دول أُخرى هو نوع من الانقسام الديني بين السنّة والشيعة وما إلى ذلك والمستفيدون من ذلك هم القوى الخارجية، لذا لا أعتقد أننا سنرى انسحاب (الولايات المتّحدة) خلال خمس سنوات، وإذا انسحبت فسيبقى عملاؤها ومُخابراتها على الأرض يعملون لصالِحها وستستمرّ سرقة نفط هذا البلد لصالِح (الولايات المتّحدة) 

جورج غالاواي: شكراً لك، السيّد الجالس إلى جانبك 

كريستيان كارتر – مهندس: مرحباً "جورج"، أنا "كريستيان"، أنا ماركسي وعضو في نقابة العُمّال من منطقة Mid Lands. حسناً، باختصار أنا أُشاركك الرأي وأتفق مع ما تقوله وأعتقد أنّ الأميركيين سينسحبون خلال خمس إلى عشر سنوات. لكن سؤالي لك هو، إذا انسحب الأميركيون هلّ تعتقد أنّ ذلك سيعيد إحياء الحركة العروبيّة؟ أتذكُر "الجمهوريّة العربيّة المتّحدة" في الستّينات والسبعينات تقريباً؟ أتعتقد أنه سيحدث إحياء لحركات العروبة والبعث ربما أيضاً وقد يحصل نوع من الاتحاد بين (لبنان) و(سوريا) و(إيران) بالرغم من أنّ (إيران) ليست عربيّة بل فارسيّة؟ وإذا حدث ذلك، ألن يكون لذلك أثره الاستراتيجي العميق إذا سمحوا لـ (فلسطين) عندئذٍ بالانضمام إلى اتحادٍ كهذا؟ 

جورج غالاواي: حسناً، هذا حلمي بالطبع كما يعلم متابعو البرنامج، أن تحدُث وحدة بين العرب. أتوقّع ألا تكون رسمية أو عضويّة بل على نحوٍ عمليّ أكثر وبحُكم الواقع أو ربما بحكم القانون، وأنت ذكرت البعثيّة لكن البعثيين لم يستطيعوا توحيد أنفسهم ناهيك عن توحيد العرب، فقد حكم البعثيون (سوريا) و(العراق) لكنهم قاتلوا بعضهم البعض بدل أن يوحّدوا بلديهم. تخيّل لو أنّ (سوريا) و(العراق) توحّدتا منذ لحظة تولّي البعث الحُكم فيهما! كم كان سيبدو العالم مختلفاً الآن بجمهورية عربيّة متّحدة من دولتين يحكمهما بعثيّون، كم كان العالم ليكون مُختلفاً؟ لا أعتقد أنّ هذا النوع من الاتّحاد سيحدُث من جديد لكن على عكس الاتّحاد الأوروبي من الممكن جداً أن يظهر اتحاد واضح بين دول عربيّة، فهناك مُسبقاً اتّحاد عسكري وسياسي يشمل (لبنان) و(سوريا) و(العراق) و(إيران) الفارسيّة، هذا في واقع الأمر موجود، هذا سبب كل الصراع، وهو حاجز موجود مُسبقاً ولا سبب يمنع هذا الحاجز من التشارُك الاقتصادي المُتزايد نحو التطوير لكنني أعتقد أنّ فكرة الوحدة العربيّة وحلم "جمال عبد الناصر" لن يموتا أبداً. من يودّ التحدث أيضاً؟ السيّد الجالس خلفك 

جوشوا ميغان - طالب: أريد التعليق على موضوع العروبة، أنا مناصر لها بالطبع مثلك يا "جورج" لاسيّما أنّهم يتشاركون لغة واحدة. صحيح أنّ لهم ثقافات متنوِّعة لكن فيها روابط توحّدهم، وهذا ما سأقوله ليس دفاعاً عن احتلال الولايات المتّحدة للدول العربية كما أنه ليس دفاعاً عن احتلال (إسرائيل) لـ (فلسطين)، لكن المثير للسخرية في (العراق) أنّ ما يوحِّد العراقيين العرب هو الاحتلال الأميركي. آمل أن يُدرِكوا أنّ ما يوحّدهم ليس عدوّاً مُشتركاً فقط سواء كانت (إسرائيل) أو القوات الأميركية المُحتلّة، لكن ما يُقلقني عند خروج القوّات الأميركية كما سبق وخرجت من قبل، أعتقد أنّ عليهم أن ينسحبوا وما كان عليهم أن يتواجدوا هناك أصلاً ولا يُمكنني الدفاع عن ذلك ناهيك عن بقائهم هناك، لكن ما يُقلقني هو عودة التوتّرات الطائِفيّة إلى المشهد من جديد في (العراق)، آمل ألا يحدث ذلك، آمل أن يتجاوز العراقيون والسوريون والعرب من المُحيط إلى الخليج ويتخطّوا كلّ خلافاتهم الطائِفية لكنني آمل ألا نكون متشائمين جداً في أنّ ما يوحِّدهم هو العدو المُشترك فقط بدل أن يوحّدهم هي اللغة الواحدة والروابط الثقافية المُشتركة 

جورج غالاواي: وجهة نظر جيّدة جداً وقويّة. ليتفضل السيّد الجالس إلى جانبك المتحدّث باللغة العربية

سليم الجيتا – مُدوِّن: إسمي "سليم" وأنا مهتمّ في الشأن العراقي ومن (العراق). في الحقيقة أوّل سؤال أرغب أن أساله هو، على ماذا اعتمدت حضرتك أنّ الفترة خمس سنوات؟ لماذا خمس سنوات وليس أربع سنوات أو ثلاث سنوات؟ على ماذا اعتمدت؟ هذا سؤالي الأول. السؤال الثاني، المشكلة ليست مُشكلة (أميركا) أو (الصين) أو (بريطانيا)، المُشكلة هي البنية الداخليّة داخل المُجتمع العربي ومن ضمنها (العراق). الآن (العراق) كلّه يستقوى بالخارِج، الكرد يختلفون في رؤاهم عن العرب وأبسط مثال موجود حالياً هو التظاهرات التي عمّت (العراق) ولم يُشارِك بها الكرد ولا شاركوا بها السنّة، فقط الشيعة مع العلم أنّ الشعار الذي انطلق هو "نريد وطناً". فسؤالي هو أنّ الذي يحصل هو مشكلة داخل البُنية حتّى لو انسحبت (أميركا) وما نحتاجه هو تعليم جيّد وصحّة جيّدة وأناس تُقاة غير سارقين للمال العام يحاولون أن يكونوا في السُلطة حتّى تكون الأمور طبيعيّة. شكراً جزيلاً 

جورج غالاواي: أشهر مقتطفاتي من برنامج "كلمة حرّة" هي حين أجبت شابة في (بيروت) عن السؤال ذاته المطروح الآن. ليسوا الأميركيين من يبقونكم منقسمين وليسوا البريطانيين أو الأتراك أو الإسرائيليين، أنتم المُشكلة! المشكلة فيكم أنتم. المُشكلة هي كما قال هذا الشاب الإنكليزي لتوّه، هلّ سيتقاتل العرب في ما بينهم من أجل طريقة إمساك أيديهم في الصلاة؟ هلّ سيتقاتل العرب ويموتون في سبيل علَمٍ وضعه الأوروبيون لهم وفي سبيل خطٍّ رسمه الأوروبيون في الرمال؟ هذا ما كان يصفه الأميركيون بسؤال الـ 64 ألف دولار حينما كان مبلغ 64 ألف دولار مبلغاً كبيراً جداً، أكبر مما هو عليه الآن في أيّة حال، والسؤال الذي طرحته بالطبع هو السؤال الأهمّ. لن يتم حلّ هذا خلال خمس سنوات لكن ما لم يجد العرب إجابة على هذا السؤال سيبقون إلى الأبد منقسمين وضعفاء ومسروقين ومرضى وميّتين! أتدري؟ رافقت مرّة الرئيس "عرفات" إلى (الصين)، سألني " أتريد مرافقتي إلى (الصين)؟" وكنت لم أزُر (الصين) من قبل، فتحمّست بشدّة وسافرت إلى (الصين) وأمضيت الرحلة كلّها في المطار في لقاء ثمّ عُدت إلى الشرق الأوسط ولم أرّ (الصين) في تلك المناسبة. لكن الصينيين سألوه، إذا كان العرب جدّيين في رغبتهم استعادة (فلسطين) يُمكنهم أن يدخلوا جميعاً سيراً على الأقدام، ليس هناك رصاصات تكفي لإيقافهم، وكان استنتاج الصينيين أنّهم ليسوا جادّين. وحين رأيت الطفل "قيس" إبن السبعة أعوام ميّتاً ومُنتَشلاً من البئر، مرمياً في البِئر من قِبَل مستوطنين إسرائيليين غير شرعيين كان أوّل سؤال طرحته على نفسي، هلّ ستصل هذه الصورة وهذا المقطع إلى قلوب العرب؟ هلّ سيبكي أيّ ملك أو رئيس كما أفعل ألماً على هذا الطفل؟ وبالطبع، الإجابة على السؤال الأخير هي بالطبع لا، لن يبكوا على طفلهم أو والدهم حتّى. لكن أعتقد أنّ الشعب العربي سيبكي علناً أو سرّاً بسبب هذه الصورة، لن يبكي على مصير هذا الولد فحسب وهو في مكانٍ أفضل الآن بل سيبكي على قيمته المهدورة وعلى ضعفه وعجزه ويأسه. 350 مليوناً أو ما يُقارب 400 مليون عربي من (المغرب) حتّى (البحرين)، يا لها من قوّة جبّارة قد تكون! يُمكنها أن تكون قوّة اقتصادية وعسكريّة وثقافيّة وسياسية عُظمى! لن يتمكّن أحد من فعل أيّ شيء في العالم من دون موافقة قوّة في هذا الحجم لو أنّهم يتّحدون وحسب! تفضّل أيها الدكتور

ماركوس بابادوبولوس – باحث ومحرر في جريدة بوليتيكس فيرست: أريد أن أوضِح نُقطتين وحسب، النُقطة الأولى: كما القوّميّة السلافيّة، العروبة مفهوم رائِع لكنّه غير موجودٍ عملياً. النُقطة الثانية: أودّ التعليق على التفاؤل المُضلل بـ "بيرني ساندرز". أخر مرّة دعمتُ فيها مُرشحاً في انتخابات الرئاسة الأميركية كانت حينما كنت في العاشرة من عمري عام 1988، حين دعمت "مايكل دوكاكيس" ومنذ ذلك الوقت تعلّمت الكثير عن (أميركا). في الواقع، لا يهمّ مَن يرأس البيت الأبيض، كلّ ما يهمّ هو تغلغل النظام في السُلطة في (أميركا) وبالتالي المؤسّسة الأميركية أو النخبة الأميركية هي التي تتحكّم بالسلطة. إذا أردت إحداث تغيير في (أميركا) فيجب تغيير النظام من جذوره ولا يوجد دليل إطلاقاً يُشير إلى حدوث ذلك في يومٍ ما في (أميركا). نُقطتي الثانية في شأن "بيرني ساندرز"، "بيرني ساندرز" هو الرجل نفسه الذي أيَّد القصف الوحشي الغاشم على (صربيا) الذي تضمّن قصف المدنيين الصرب باليورانيوم، هو "بيرني ساندرز" ذاته الذي أيَّد ما يُدعى بـ "جيش تحرير (كوسوفو)" الذي هو أحد أكثر التنظيمات الإرهابية وحشيّةً التي عرفها العالم وإحدى أقوى عصابات الجريمة المنظّمة وأكثرها وحشيّةً. قلت في عام 2016، إذا فاز "ترامب" بالرئاسة لن يُحدِث تغييراً في السياسة الخارجية الأميركية، وإذا فاز "بيرني ساندرز" بالرئاسة لن يُحدِث تغييراً في السياسة الخارجيّة الأميركية، النظام يتحكّم بالسلطة وعند دخول الرئيس إلى البيت الأبيض ستُحيط به مؤسّسات الحكومة الأميركية وتُملي عليه ما يفعل، لذا دعونا لا نقع ضحيّة التضليل بـ "بيرني ساندرز" 

جورج غالاواي: هذا صحيح حتّى الآن إلى حدٍّ ما، فقد حاول "ترامب" في الواقع تغيير السياسة الخارجية الأميركية وهذا سبب وقوعه في المأزق العصيب الذي هو فيه، فهو في مأزق مع الدولة الأميركية العميقة لأنّه تحديداً لم يرِد مُجاراة سياسة "هيلاري كلينتون" الخارجية ولم يرِد خوض حرب شاملة في (سوريا) ولا يريد خوض حرب مع (إيران)، إنه لا يريد خوض الحروب في الواقع بل يريد جني الأموال، يريد أن يحتفل بسعادة، فهو يبدو لي رجلاً يحب الحفلات. تفضّلي يا "كارول" 

كارول غولد – صحافيّة: نعم. يمكن أن يتغيّر الناس، أنت تعلم ما تقوله عن "بيرني" لكن "عبد الباري عطوان" كان ضيفاً في برنامج "دايت لاين لندن" في أيام الانتخابات في عام 2016 وقال إنّ العالم الإسلامي يعشق "بيرني ساندرز"، ونعلم أنّ "بيرني" كان واضحاً وصريحاً جدّاً في شأن (إسرائيل) 

جورج غالاواي: عارض حرب (فيتنام) وعارض حرب (العراق) وهو ضدّ الحرب في (سوريا) وهو ضدّ أيّ احتمال للحرب مع (إيران)، فقط لنعطي الرأي الآخر مقابل نُقطة الدكتور "ماركوس" 

كارول غولد: وأنت قلت في الافتتاحيّة أنّه في عام 1975 لم يكن في وسعك ملء الغرفة بمناصري القضيّة الفلسطينية والآن أنت تحتاج إلى 

جورج غالاواي: إلى منتزه (هايد بارك)

كارول غولد: نعم بالضبط. أنا أفهم ما يجري فأنا أميركية وأنا منخرطة جداً في الواقع، صحيح أنني صحافيّة لكنني منخرِطة. لقد تغيّر المُجتمع اليهودي في (الولايات المتّحدة) الآن ولم يعُد مناصراً بالكامل لـ (إسرائيل) وانخفضت مساهماته له كما أنّ الناخبين الأميركيين سئِموا رؤية أفعال كأفعال ما حدث للطفل في البئر كما تقول. "بيرني ساندرز" في رأيي، قد أكون مُخطئة لكنني أعتقد أنّه سيُحدِث تغييراً في السياسة الأميركية بخصوص الشأن الفلسطيني الإسرائيلي ولا أعتقد أنّه سيأبه بطريقة سير النظام الأميركي، أعتقد أنّه سيُحدِث زلزالاً عنيفاً لكنّى أظن أنّه سيصل إلى نتيجة وأعتقد أنّ الدول الأوروبيّة ستدعمه وسيدعمه "جاستين ترودو" وسيدعم ما سيفعله كثيرٌ من قادة العالم كما أن الموضوع له علاقة بالمال أيضاً. كان رأي "بريني" منذ سنوات أنّ الأموال الطائِلة التي تنفقها (أميركا) على قوّاتها في تلك المنطقة وعلى العتاد الحربي لا بدّ من أن يتمّ تحويلها لوضع تأمين صحّي شامل للأميركيين كما لدينا هنا

كارول غولد: من فضلك "جورج" يجب أن أُكمل، هم في حاجة إلى المال ليستطيعوا إيصال الرعاية الصحيّة إلى 57 مليون أميركي 

جورج غالاواي: حسناً، تفضل يا سيّدي 

حميد الشجني – باحث في الشؤون العربيّة: أظنّ أننا تحدّثنا كثيراً عن دور (الولايات المتّحدة) في (فلسطين) والشرق الأوسط وما إلى ذلك ولا أرى أنّ هذا هو السبيل إلى حلّ المشكلة. ما يحدُث في (فلسطين) حالياً، وهو ما نجح الأميركيون في تحقيقه بنجاح، أنهم استطاعوا تقسيم الفلسطينيين. فقد أوجدوا ما يُدعى "السلطة الفلسطينية" ووضعوها داخل (فلسطين) لتكون عبئاً على الفلسطينيين أنفسهم، وبات هذا الانقسام بين الفلسطينيين اليوم أسوأ مما كان عليه حال الصراع مع المُحتلّين. بات المحتلّون الآن مرتاحين لأنّ حركة "حماس" تُقاتل منظّمة "فتح" والعكس بالعكس. الأمر الآخر يتعلق باستمرار العرب في وضع أمانيهم في الرئيس الأميركي المقبل. كان العرب متفائِلين جداً بـ "أوباما" الذي تلا "جورج بوش" الذي كان بالنسبة لنا رئيساً شرّيراً جداً وما إلى ذلك، وظنّوا أنّ "أوباما" سيكون رجل السلام وفاز بجائِزة "نوبل" وما إلى ذلك. لكن ماذا فعل؟ ارتكب ما هو أسوأ مما فعله "جورج بوش" لأنّه لم يستطع تغيير شيء. فكما قال زميلي هناك للتو، المُشكلة في النظام، النظام الذي تمّ تأسيسه منذ وجّه "هنري كيسنجر" أطماعهم نحو المنطقة وخطّط لاحتلال المنطقة وسرقة نفطها وغزوها وتفكيكها، حتّى لو اضطرّهم الأمر للتدّخل العسكري فسيعيدون الكرّة مجدّداً. بعد حرب (فيتنام) لم يجرؤ الأميركيون على شنّ أيّة حرب ثمّ قاموا بغزو (العراق) لأنّهم وجدوا أنّ تغيير نظامها ليس بالأمر السهل، في البلدان الأُخرى قاموا بتغيير الأنظمة عبر ما يّدعى بالتظاهرات وما شابه وزرعوا جواسيسهم فيها، وباتت لدينا اليوم كوارث في كلّ أنحاء الشرق الأوسط. (العراق) على سبيل المثال كان أقوى دولة في المنطقة بغضّ النظر عن الدكتاتوريّة، فكلّ الأنظمة العربيّة دكتاتورية، دول الخليج دكتاتوريّة ودول الشرق الأقصى والأوسط معظمها دكتاتورية، لكن كان هناك نظام قائِم على الأقل. الأمر الآخر الذي يجب أن نأخذه في عين الاعتبار في حديثنا عن الشرق الأوسط، هناك أطراف أُخرى تُساعِد (أميركا) سواء علموا بذلك أم لا كـ (إيران) على سبيل المثال، فالإيرانيون الآن يُقاتلون تلك الدول ويتحدّثون بعقليّة أنّهم ينشرون التشيُّع، ليس هذا المطلوب، تعالوا واستثمروا عندنا، ساعدوا في دفع عجلة التطوير في هذا البلد ونشر العدل في فُرَص العمل وحقوق الإنسان، لكن هذا لا يحدُث. المُشكلة التي نعانيها في المنطقة الآن أنّ (إيران) فرّقتنا كما فعلت (الولايات المتّحدة). حينما كانت (الولايات المتّحدة) على وفاق مع الإيرانيين تركتهم ليحكموا (العراق) بلا اعتراض، لكن حينما هاجمت الحكومة العراقيّة السفارة الأميركية اغتالوا "سليماني". وما يُزعِج معظم العرب أنّ البرلمان العراقي اجتمع وطالب برحيل الأميركيين بسبب مقتل "سليماني"! لماذا لم يقوموا بهذا الاجتماع منذ سبع عشرة سنة وطالبوا بخروج الأميركيين؟ 

جورج غالاواي: لأنّهم لم يمتلكوا القوّة الكافية عندئذٍ لكنّهم يملكونها الآن 

حميد الشجني: لسنا في حاجة إلى (إيران) لتأتي وتحكُم (العراق)، نحن نتحدّث عن أننا نريد العراقيين 

جورج غالاواي: أنت تلوم (إيران) 

حميد الشجني: لحظة واحدة 

جورج غالاواي: قبل أن تلوم البريطانيين والأميركيين، لكنّ الإيرانيين لم يفعلوا شيئاً، الطرف الوحيد الداعم للفلسطينيين الذي يُقتلون تحت سطوة الاحتلال هي (إيران) وليس أية دولة عربية واحدة! 

حميد الشجني: "جورج"، "جورج" 

جورج غالاواي: أو أيّة قوّة سنيّة واحدة 

حميد الشجني: هذان موضوعان مختلفان، ما نتحدّث به عن (العراق) يختلف عن (فلسطين). ما يحدُث في (العراق) أنّ لدينا حكومة فاسدة تدعمها (إيران) لأنّ أعضاءها كانوا يقيمون في (إيران) ثمّ أتى الأميركيون وأعادوهم على متن الدبابات 

جورج غالاواي: هلّ أيّدت إطاحة "صدّام حسين"؟ 

حميد الشجني: لا لم أؤيد ذلك، أنا لا أؤيّد تدخُّل أيّة قوّة خارجية على الإطلاق

جورج غالاواي: يجب أن تحذر مما تتمناه 

حميد الشجني: بالضبط، حسناً. الذين أسقطوا "صدّام حسين" هم أعضاء الحكومة الحاليّة بمساعدة الأميركيين وهم ينقلبون الآن على الأميركيين لأنهم اغتالوا عميلاً إيرانياً في (العراق). لو كانت لديهم أيّة كرامة لكان عليهم الوقوف في وجه (أميركا) منذ البداية ومُطالبتها بالرحيل، نحن لسنا في حاجة إلى احتلالٍ يُدمِّر بلدنا، لكن أن يفعلوا ذلك الآن يعني أنّهم دمية في يد الإيرانيين وحسب ونحن لا نريد أن يكون أيّ عربي دمية في يد أحد 

جورج غالاواي: أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً. سُرِرت بالاختلاف معك كالعادة. لقد كانت حلقة رائِعة وأعتقد أنّكم توافقونني الرأي وسنرى مَن على حق ومَن على خطأ ليس بعد خمس سنوات وحسب بل ربما في وقتٍ أقصر من ذلك بكثير، ربما بعد خمسة أشهر                     

 

 

 

 

البرنامج

إعداد
جورج غالاوي
تقديم
جورج غالاوي
المنتج
سعاد حمود
الايميل