العنف والدين والذكورية في المجتمعات العربية

العنف والدين والذكورية في المجتمعات العربية... سطوة الماضي على العقل العربي، ومسألة تحرر المرأة وحقوق الإنسان والتسامح وشكلانية الحوار الإسلامي المسيحي والعلاقة المأزومة بين الشرق والغرب.

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، قدر المتنوّر التنويري في مجتمعٍ متقلقل ومُتخندِق ومُتفتتّت أن يحمل أكبر قدر من الهموم، فكيف إذا باتت مجتمعاتنا ودولنا أكثر انغلاقاً واحتراباً وأقلّ إنتاجيّة معرفيّة، ويكون الحِمل أكثر وطأة عندما تتنكّب المرأة هذه القضايا في المجتمعات الذكورية لا بل الطاعنة فيها. كثيرةٌ هي الشؤون التي تناولتها الدكتور إلهام كلّاب البساط في نشاطها الأكاديمي والثقافي والتنويري، فإضافةً إلى أنها تحمل شهادة دكتوراه في الفنون والآثار وهذا أمر لافت وأحبّه كثيراً من السوربون، فقد درّست الحضارات القديمة وتاريخ الفنون وقضايا المرأة وعلاقات الغرب والشرق والدراسات الإسلامية والمسيحية طيلة 40 عاماً والخير آتٍ في الجامعة اللبنانية واليسوعية واللبنانية الأميركية والأنطونية والبلمند، وهي حالياً رئيسة جامعة اللاعنف سنتحدّث معها عن قضايا المرأة والدين واللاعنف وغيرها بعد تقريرٍ عن العنف في العالم العربي. 

تقرير: 

العنف هو استخدام القوّة المادية أو المعنوية بشكل عدواني لإلحاق الضرر بشخص آخر، وهو عملٌ سلبي وسلوك شائع نسبياً بين البشر منذ فجر التاريخ، وأنواعه متعدّدة فهو جسدي أو نفسي أو أسَري أو منزلي أو جنسي أو عاطفي، وشائعٌ في السياسة وبالطبع في العسكر.

تشير تقارير للأمم المتحدة إلى أن نسبة العنف ضد النساء في بعض البلدان تبلغ نحو 70% وأن 37% من النساء في العالم العربي تعرَّضن لعنفٍ جسدي أو جنسي، ويمكن أن تكون النسبة أعلى من ذلك بكثير في بعض البلدان العربية، فيما يقرب من 93% مثلاً من النساء والفتيات في مصر تعرَّضن للتحرّش الجنسي، بينما تُسهم بعض قوانين الدول العربية  في ممارسة العنف ضد المرأة.

وهناك العنف ضد المُسنّين والأطفال، وترى دراسة لليونيسف أن عدداً كبيراً من الدول العربية يعاني من ظاهرة تعنيف الأطفال جسدياً، وتراوح نِسَب هذه الحالات من 85% في اليمن إلى 62% في العراق، وبين هاتين النسبتين دولٌ عربية أخرى مثل مصر وسوريا وتونس وفلسطين، في الوقت الذي تبيح فيه كل الدول العربية عدا تونس الضرب للآباء، فيما لا يزال العنف قائماً في المدارس بشكلٍ أو بآخر، إضافة إلى عَمالة الأطفال والتحرّش بهم في الشارع.

ويُعدّ عنف الدولة وعنف الجماعات المسلّحة وازناً في العالم العربي.

غسان الشامي: تحيّة لكم من أجراس المشرق، تحيّة لكِ دكتورة إلهام كلّاب البساط، شكراً لكِ سيّدتي على تلبية دعوتنا.

إلهام كلّاب البساط: شكراً لاستضافتكم وشكراً لتقديمك السخيّ.

غسان الشامي: شكراً جزيلاً لكِ. سيّدتي العنف عميمٌ في العالم العربي، هل هو سمةٌ متأصّلة وكلمة متأصّلة مُغايرة لمنطوق العِلم، ولكن ما ارتباطه بذكوريّة المجتمع العربي؟ 

إلهام كلّاب البساط: العنف بالتأكيد موجود بكثرة وبفداحة في العالم العربي في الوقت الحاضر ووُجِد من قبل، وُجِد أيضاً في مراحل عديدة من تاريخ الإنسانية، ولذلك عندما نُدرِّس تلاميذنا التاريخ نُدرِّسهم المعارك ونُدرِّسهم البطل الذي قتل أعداءه، نُدرِّسهم كل شيء يتعلّق بالعنف الذي أدّى بنا إلى هذه المرحلة. بالتأكيد ترافق العنف الذي هو سلطة والذي هو امتلاك لما هو أفضل، ترافق مع الذكوريّة التي تتكلّم عنها، ترافق مع تطوّر الإنسانية التي كان فيها الرجل هو المسيطر، ولهذا السبب ارتبط العنف أولاً بالرجال مع أن العنف هو شيء موجود عند الرجال وعند النساء معاً ابتداءً من أسطورة قايين وهابيل ورمزيّتها إلى اليوم لا نزال نعرف أن القوي هو الذي يقتل الضعيف لكي يتسلَّط ويأخذ ماله. 

غسان الشامي: هذا العنف الذي في أغلبه ذكوري لأننا نعرف أنه في مرحلة من مراحل البشرية كان المجتمع أمومياً، هل أيضاً في المجتمع الأمومي كان هناك عنفٌ أم أنه قرين الذكورة؟   

إلهام كلّاب البساط: أعتقد أنه قرين الذكورة لأن الأمّ هي التي كانت تعطي الولد وكان الانتساب إليها، وكلّ القوانين التي ظهرت بعد ذلك هي لتأكيد أبوَّة الرجل، الرجل تتأكّد أبوّته بالقانون ولكن بالفعل تتأكّد أمومة المرأة فعلياً. نحن لا نعرف كل مسارات وأسرار التاريخ القديم ولكن أعتقد بأن مرحلة الأمومة التي كانت مُسيطرة كانت أرقّ لأن وجود الطفل يفرض الحنوّ والرقّة أكثر من المعارك واصطياد الحيوانات.    

غسان الشامي: وأنا أعتقد ذلك أيضاً. 

إلهام كلّاب البساط: أعتقد أننا نحن النساء نكتسب الرقّة بالتعامُل مع الأطفال. 

غسان الشامي: هذا الحنان الغرائزي، هذه العاطفة. 

إلهام كلّاب البساط: هناك إحساس بالغريزة منّا وبذات الوقت هناك إحساس بأن نموّه لا يمكن أن يتمّ إلا برقّة.  

غسان الشامي: وأن تنظر إليه وهو يكبر وينمو ويترعرع. سيّدتي أين الدين من العنف؟ هل تنامى العنف بعد الديانات؟

إلهام كلّاب البساط: أريد أن أذكر كتاباً صدر في فرنسا لمُفكّر فرنسي لاعنفي بعنوان "نزع سلاح الآلهة" أي أننا نحن صُغنا صورة للإله المُسيطر، العنيف، القوي، حتى أننا صُغنا صورة للشيطان أو لإبليس تُوازي بقوَّتها صورة الإله الذي في أذهاننا، إذاً صُغنا علاقة عنفيّة بيننا وبين الإله الذي يُعاقِب، الذي يُسيطر، الذي يُلاحقنا بأوامره، وصورة أيضاً للشيطان الذي لا نستطيع الفكاك منه، كلها أصبحت علاقة عنفيّة، كيف نخلّص اقتناعنا الديني من العنف الذي ظلّلنا به الآلهة، هذه هي المشكلة الأساسية التي تواجه الأديان في الشرق في الوقت الحاضر.

غسان الشامي: قبل عدّة أسابيع في حوارٍ مع المفكّر والباحث فراس سوّاح تحدّث في جزءٍ عن إله الشرّ التوراتي، الإله الذي يحبّ القتل "حرّموهم وأي بلدة تدخلوها، حتى الأبقار اقتلوها" ولكن أين العنف في الدين الإسلامي والدين المسيحي أيضاً وهما ديانتان توحيديّتان فيهما من المحبة؟ 

إلهام كلّاب البساط: دعوة للتسامح، للمحبة، هناك أيضاً صفة أساسية للمسيحية هي المحبة وهي العطاء من دون أن تحسب هذا العطاء، هناك صفة أساسية في الإسلام هي العدل، أن تكون عادلاً، أن تكون صادقاً مع الآخر، هناك قِيَم جذرية أساسية ولكن كأنّ العالم لا يستطيع أن يصوغ رؤيته الإنسانية للمطلق إلا من خلال مفهوم السلطة: الحاكِم والعبد، الرئيس والمرؤوس. لهذا السبب في كتبنا المدرسية أيضاً أعود إليها لأنني عملت على هذه القصة، قصة الملك العادِل، هذا أمر طبيعي، لا يسأل أحد لماذا ليس هناك قوانين تحدّد العدل، إذا كان الإنسان عادلاً يكون المجتمع عادلاً. أعتقد أنه في أنْسَنتنا للمفاهيم الروحية أحطناها بالكثير من العنف والقصاص، جهنّم، الله في أذهان الأولاد هو البوليس، هو الذي يُقاصص، هو الذي يُعاقب، هو الذي يمنعنا من النوم إذا قمنا بخطيئة ما، مفهوم الحرام والحلال أيضاً عندنا هو مفهوم عنفي. 

غسان الشامي: ولكن الحرام والحلال هما جزء من الحياة، هما جزء من منظومة القيَم، هناك شيء مسموح به وهناك شيء غير مسموح به.    

إلهام كلّاب البساط: ولكن نحن نعتبر أن الحلال يمكن أن نصرّح به والحرام هو المخفي وإذا اختفى فلن نبوح به.

غسان الشامي: ولكن أيضاً في الدينين الإسلامي والمسيحي على سبيل المثال في ما يتعلّق بالعنف تجاه المرأة أو في الموقف تجاه المرأة، إذا جاز يمكن أن نوصّفه عنفاً وأنتِ يجب أن تقولي لنا ذلك، يُقال في الإسلام أن للذكر مثل حظّ الأنثيين و"عظوهنّ، واهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ"، وفي المسيحية "الرجل هو رأس المرأة"، هذا ليس كلام السيّد المسيح بل هو كلام الكنيسة في ما بعد "أيتها النساء اخضعن لرجالكنّ كما للربّ"، ألا يحمل هذا ملامح عنفٍ لنصف البشرية تجاه نصفها الآخر؟ 

إلهام كلّاب البساط: نعم، ولا ننسى المجال التاريخي الذي ظهرت فيه الأديان والذي كان تعبيراً عن مجتمع في نهاية الأمر، هناك عنف بالتأكيد تجاه المرأة وعانت كثيراً لكي تتخلّص منه، لم تصل المرأة في الوقت الحاضر إلى واقعها إلا بعد مجتمعات عديدة أصبحت مدنيّة ووضعت قوانين مدنيّة تستطيع أن تبدّلها في أي وقت من دون أن تثير شبهة أو استنكاراً أو غيره لأن ما اعتُبر قوانين دينية هو مؤذٍ ويسحب من المرأة إمكانات عديدة ويعاملها ككائن إنساني. أريد أن أقول لك أمراً، في الكنائس صورٌ لقدّيسين وحتى في تصوّرنا للقديّس هو أنه يحمل سيفاً أو رمحاً أو يقتل الأعداء، هذه المفاهيم القديمة التي كانت في عصرهم والتي ليس من الضروري أن نأخذها كما هي بل نأخذ روحيّة الأديان الحقيقية كي نتقدّم وإلا لن نتقدّم ونظلّ نعتبرها عودة إلى الماضي، هو تديُّن لكنه تديُّن خاطئ لأن الإيمان الحقيقي هو أن تسحب روحيّة الدين وأن تتصرّف بها حيال الإنسان الآخر. في عصرنا هذا ومع كل مفاهيم احترام حقوق الإنسان والعدالة والحريّة وغيرها لا يمكن لإنسانٍ مؤمن ٍ أن يعامل امرأة بدونيّة أو بعنف أو باعتبار أنها أقلّ منه قدراً. على كل حال النساء في الوقت الحاضر وجدنَ المفتاح ودخلنَ إلى مجال العِلم، تعلّمن كثيراً، في لبنان مثلاً هناك حقل كامل من النساء في الوقت الحاضر في جميع الاختصاصات اللواتي أثبتن جدارتهنّ وإمكاناتهنّ وأصبح لهنّ كلمةً ودوراً، لم تعد المرأة إذا كانت قاضية على قوس المحكمة أن تقول باسم الشعب اللبناني أحكم وتعود إلى بيتها فيحكمها زوجها أو يقول لها أنتِ طالق ويرميها خارجاً. هناك تطوُّر كبير حصل حين تخلّصنا من طاعة العقليّة القديمة ومن خضّ الفكر لكي نصل إلى مفاهيم الإنسانية الحقيقية. 

غسان الشامي: ولكن أيضاً إذا عدنا  إلى البؤرة الأولى التي نشأت فيها سياقاتنا الاجتماعية وتحديداً هذا الفصل بين الرجل والمرأة في المجتمع نعود إلى الدين وإلى مفهوم النبي المسلّح، أنتِ ذكرتِ بشكل ما القدّيسين الذين يحملون السيوف لا بل هناك القادة الذين هم في مرتبة الأنبياء، القادة المقاتلون، الأنبياء المقاتلون، هذا أين يمكن أن يؤدّي بالمجتمعات البشرية؟ 

إلهام كلّاب البساط: هناك مجتمعات تقدّمت لأنها تخلّصت من هذه الصِيَغ القديمة، هذه صِيَغ قديمة تنتمي إلى عصرها ولا تنتمي إلى كل العصور، كل بلد، كل بيئة، كل عصر ينسج مفاهيمه وقِيَمه. أعتقد بأن هذا التمسّك اللفظي أو التمسّك غير العاقل بمفاهيم قديمة يتكسَّر الآن مع حياتنا اليومية وقدرتنا على التفكير. الإنسان في المجتمعات القديمة كان القطيع، المطيع، الذي يقبل بكل شيء، تحكيم الفكر النقدي أساسي جداً في بناء المجتمعات وإلا كلّما وصلنا إلى فجوة نعود ونتّكئ إلى ماضينا، إلى ما فيه من مفاهيم تخطّاها الزمن. 

غسان الشامي: أنتِ رئيسة جامعة اللاعنف، أنا بهذه المناسبة أحيّي الدكتور وليد صليبي والدكتورة أوغاريت يونان وأتمنّى أن نجري حواراً مع الدكتور صليبي. جامعة اللاعنف في البيئة الأعنف كيف؟

إلهام كلّاب البساط: قبل أن أبدأ الحديث أريد أن أقول أن أكثر تلاميذنا يأتون من البلدان العربية التي تشهد عنفاً، أغلب التلاميذ يضحّون بوقتهم ويغتنمون الفرصة ليتعلّموا في هذه الجامعة. في البداية كنا نضطّر إلى تفسير كلمة اللاعنف لأن الناس كانت تفهم بأن العنف هو ضدّ السلام، هي مُقتبسة من كلمة سنسكريتيّةahimsa  أي اللاعنف، اللاعنف هنا ليس بمعنى النفي وإنما بمعنى النهي مثل لا تقتل، لا تزني، لا تسرق.   

غسان الشامي: وصيّة جديدة.   

إلهام كلّاب البساط: نعم، هي اعتراف بوجود العنف ولكنها نهيٌ عنه. اضطررنا أن نسافر كثيراً إلى جميع البلدان العربية وأن نتكلّم وكأنّ هناك أذناً تستطيع أن تسمع لأنها عانت وتعذّبت. نحن بنينا توق الإنسان العربي إلى السلام وإلى الحياة العادية اليومية وإلى رفضه اللاعنف، بنينا عليه مناهج أكاديمية يستطيع دراستها والحصول على شهادات فيها ثم تؤثّر ليس فقط على معلوماته وإنما على حياته. غالباً التعليم يعلّمنا فنّ العمل ولكن التربية تعلّمنا فنّ الحياة، طريقة التدريس فيها وطريقة تفاعُل التلاميذ معها فيها نوع من إعادة النظر بداخل النفس، لا نستطيع أن نكون لاعنفيّين مع الآخرين إذا كنا عنفيّين تجاه أنفسنا أيضاً. هناك محاولة تطهير للنفس من خلالها وتبديل في رؤية الإنسانية إلى الآخر، حتى إذا اختلف الآخر عني وإذا كان خاطئاً فأنا أعالج القضية ولا أكره الآخر. اللاعنف هو مفهوم فلسفي وهو أيضاً التزام اجتماعي، أكاد أقول سياسياً لأن اللاعنفي هو الذي يسعى إلى بناء مجتمع أفضل، أنقى، إلى أن يكون الإنسان أسعد، يحصل على السعادة وعلى الفرح وعلى الحب.

غسان الشامي: هذا أيضاً يدفع إلى سؤال دكتورة إلهام، ما مدى سطوة الماضي على العقل العربي؟ وبسطوة الماضي إذا كانت هذه السطوة كبيرة وهذا يتّضح في السياقات التاريخية أننا أكثر الناس عبادةً للأجداد في هذه المنطقة من العالم، كيف يمكن ضمن هذه السطوة أن نذهب إلى مفهوم اللاعنف؟   

إلهام كلّاب البساط: المسار صعبٌ جداً، لهذا السبب نخبٌة صغيرة ما زالت تأتي إلينا ليس لكي تتعلّم فقط وإنما لإدخال مفهوم اللاعنف في مجالات عملها. لدينا مديرة مدرسة قامت بتحويل مدرستها إلى مدرسة لاعنفيّة، لاعنفيّة في العلاقات بين الأساتذة، بين الأساتذة والتلاميذ، بين الأساتذة والإدارة، تحويل كل العلاقات إلى علاقات فيها رَحابة وفيها قبول للاختلاف وفيها تفاوض أيضاً. اللاعنف ليس موقفاً سلبياً، اللاعنف هو ابتداع مواقف جديدة تُجابه القضايا ولكن بطرق مختلفة لا تقتل الآخر ولا تُدميه. لأن تطوُّرنا كان بطيئاً في العالم العربي ولا ننسى مراحل الانحطاط ومراحل العثمانيين منذ حوالى الأربعمئة سنة، لا ننسى أن كل هذه المواقع جعلت الإنسان يعود إلى إيمانه الأوّلي وإيمانه بأن هناك سلطة كبيرة في العالم، نقول إن شاء الله، الحمد لله، لم يتحكّم بمصيره بنفسه.     

غسان الشامي: يعني ثقافة التوكّل أو الاتّكال. 

إلهام كلّاب البساط: نعم، لم يستلم إدارة نفسه.  

غسان الشامي: يأخذني هذا إلى تحرّر المرأة، الآن كل ِصيَغ تحرّر المرأة في العالم العربي يبدو فيها الكثير من الشكلانيّة، فيها مفهوم الكوتا حتى في السياسة رغم عمق الأزمة، أنتِ تكلّمتِ عن هذه الأزمة، لماذا؟     

إلهام كلّاب البساط: أزمة المرأة لأن الفكرة التي ورثناها عن الأجداد وعن الأديان أيضاً هي فكرة أن هناك أوّل وثانٍ، وفي العالم هناك سلطة الرجل وطاعة المرأة، في كل الأديان وُجدت هذه الفكرة، تأخّرنا في التخلّص منها لأننا تأخّرنا في اكتشاف أن الفكر هو الذي يجعلنا نتقدّم وليس نقل التقاليد.  

غسان الشامي: صراع بين مفهوم العقل والنقل. 

إلهام كلّاب البساط: نعم، لاحظ التعليم في مدارسنا كيف لا زلنا نحفّظ التلاميذ وهم يكتبون ما حفظوه، لم نستثر أذهانهم للسؤال والانتقاد والتجرّؤ على النقد، الجرأة على التفكير وعلى النقد تستلزم شجاعة كبيرة وهذا ما لم يكتسبه المجتمع العربي ولم نُكسبها لأبنائنا. تالياً إرسال الفتيات إلى المدارس لم يبدأ إلا في نهاية القرن التاسع عشر، الفتيات اللواتي يمتلك أهاليهنّ نوعاً من الوعي. أنا كنتُ في نهاية الخمسينات من جيلٍ لم يكن كل الأهالي يرسلون بناتهم إلى المدرسة، وأنا أعتبر نفسي محظوظة لأن لديّ أهل لديهم عقلٌ مستقبلي، فتحوا لي كل مجالات التعليم حتى آخرها، كنتُ نموذجاً، كنتُ من المجموعة التي تتعلّم. في الوقت الحاضر أصبح هناك تعليم، أصبح هناك رؤية، أصبح هناك نضج، صار هناك إمكانيات نقاش ولكن تطوير الفكر هو مسار طويل يستلزم أجيالاً، يحتاج إلى حرارة التجربة وعمق العقلانية كي نتحرّر. لدينا وقتٌ طويل لتحرير الفكر، ولو تلاحظ أن القليل من الكتب في العالم العربي تجرؤ على التفكير.  

غسان الشامي: ما تزال الكتب الأولى المؤسِّسة كتلك التي صدرت في مصر في عصر النهضة عن تحرير المرأة لقاسم أمين ما تزال كتباً معاصرة.  

إلهام كلّاب البساط: نعم.  

غسان الشامي: اسمحي لي أن نذهب إلى فاصل ونعود إلى الحوار، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتورة إلهام كلّاب البساط، انتظرونا.  

المحور الثاني:   

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتورة إلهام كلّاب البساط الحديث عن المرأة يقودنا إلى المفهوم الحقوقي المعاصر وهو حقوق الإنسان، مَن ينفّذه في هذا العالم؟ هل نحن نحترمه في بلادنا؟  

إلهام كلّاب البساط: بعد إعلان حقوق الإنسان تحرّكت المنظمة الدولية ورأت أن وضع المرأة مزرٍ في العالم كله، بدأت بإصدار وثائق لتحسين وضع المرأة، وبدأت المرأة بالمطالبة بالمساواة واكتشفت في ما بعد أنها ستتساوى مع رجل غير حاصل على كافّة حقوقه، طالبت بالحرية ولكنها أدركت أن هناك مفاهيم متطوّرة للحرية وأن الأمر غير سهل، طلبت العِلم واستطاعت أن تثبت أنها موجودة. يُحكى عن النوع الاجتماعي أو ال gender أي أن نحترم كل جنس في كينونته، أنا إمرأة وأنت رجل لدينا صفات معينة ولكن على ذات المستوى من الاحترام ومن التقدير ومن إفساح المجال لهم، وكلّ شخص بإمكانه أن يعطي بصمته الحقيقية أو الخاصة لهذا العالم. الأمم المتحدة كان لها دور كبير، وفي العام 1995 أقامت مؤتمراً في بيجينغ بالصين، مؤتمر الصين جمع كل نساء العالم، وانطلاقاً منه انطلقنا إلى وثيقة "سيداو" أو محاولة نزع كل أنواع التمييز عن المرأة، هذه الورقة أُقرّت في بداية الثمانينات وأبرمها العديد من الدول، نحن في لبنان أبرمناها أيضاً ولكن تحت وطأة أو تدخّل رجال الدين تحفّظنا على بندين منها خاصة البند الذي يثبت أن المرأة مساوية للرجل داخل العائلة، وحتى الآن لم نلغِ هذا التحفّظ الذي يجب أن نلغيه لأنه لم يعد له إمكانيّة أو وجود الآن. 

غسان الشامي: يعني فقط في تونس هذا الأمر.

إلهام كلّاب البساط: نعم تم إلغاؤه في تونس وفي جزر القمر أيضاً أما نحن فلم نلغه بعد. 

غسان الشامي: نحن في جزرٍ أخرى.    

إلهام كلّاب البساط: في الوقت نفسه بدأ يبرز العنف ضد النساء، ما يسمّى بالعنف المعنوي أو الجسدي أو الجنسي أو غيره، بدأت الأمم المتحدة تُصدر معاهدات ووثائق لكي تتّقي العنف الذي يُوجَّه ضد النساء، وبدأت بإقامة البرامج الدولية وتطلب من الدول تقديم تقرير عنها في النهاية، على الدول أن تقدّم تقارير رسمية وتقرير الظلّ الذي تقدّمه الجمعيات العاملة على الأرض، والتقرير الرسمي الصادر عن الدولة والذي قد يكون زائداً أو ناقصاً والذي يصحّحه تقرير الظلّ. 

غسان الشامي: سيّدتي هناك حمولات ثقيلة في التاريخ المسيحي والإسلامي، أنتِ كتبتِ عن التسامُح بين المسيحية والإسلام، أولاً أريد أن توصّفي للسادة المشاهدين مفهوم التسامُح لأنني سأناقشه معكِ.   

إلهام كلّاب البساط: أولاً استخدمتُ كلمة تسامُح ومن ثم ابتعدتُ عنها لأن التسامُح يفترض أن هناك شخصاً يقف في الأعلى وآخر في الأسفل وحصل خطأ بين الإثنين، الخطأ حاصل في كل موقع وليس بين موقعين فقط. خلال التاريخ نعرف أن المسيحية والإسلام جاءا في ظروف تاريخية معينة وحملا قيَماً تتتابع في الإنسانية من قبل ومن بعد. عندما جاءت المسيحية كان هناك الرومان، كان هناك هيمنة السلطة، المال، العنف، الغنى. 

غسان الشامي: كان هناك مجمع السنهدريم اليهودي. 

إلهام كلّاب البساط: نعم كانت هناك اليهودية أيضاً، على كل حال العهد القديم لا يجب أن يوصَل بالعهد الجديد أو بالإنجيل، مفاهيم العهد القديم هي مفاهيم سلطة وقوّة وعنف وحتى أغلب نساء العهد القديم لسن نساء صالحات بينما الإنجيل يدعو إلى المحبّة، إلى المغفرة، إلى لقاء الآخر، إلى لقاء الأضعف، وهنا أقول أن غاندي الذي هو رسول اللاعنف كان مُعجباً بعِظة الجبل للمسيح ومُعجباً ب "طوبى للمساكين، طوبى لأنقياء القلوب، طوبى للودعاء وللرُحماء"، هذه الدعوة التي جاءت بها المسيحية التي كانت تريد إصلاح الإنسانية من خلالها. الإسلام نزل في صحراء، في أرض جرداء، في واحات وفي تجارة، أنت إذا كنت تاجراً يجب أن تتعامل بالعدل وبالقسطاس، ألا تكذب، لهذا السبب فإن مفهوم العدل واسع جداً في مجتمع كان صحراوياً ومفتوحاً على بعضه، لا مجال فيه للتضاد، التضاد حصل حين استلم الإنسان السلطة الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية وبدأت الانشقاقات وبدأ التضاد وبدأ مَن يكون الأفضل وبدأ مَن يسيطر على ما كان يسيطر عليه الآخر، انزلقوا في نفس اللعبة التي كانت تقوم بها المجتمعات والحضارات السابقة. 

غسان الشامي: قلتِ أنك انزحتِ عن مفهوم التسامُح لأن هناك نقدٌ لهذا المفهوم، التسامُح يعني أن هناك مَن أخطأ وأنت سامحته، لا يوجد أحد أخطأ بحقّ أحد بمعنى حتى تسامحه وخصيصاً أن المسيحية أتت قبل الإسلام بستمئة عام، لذلك ينحى الكثيرون إلى أن يقيموا العلاقة المسيحية الإسلامية على النوع المتوازي من مفهوم المحبة بمعنى "أيها المؤمنون تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"، ولكن هل هذا تمّ في الدراسات الإسلامية المسيحية سيّدتي وأنتِ عملتِ طويلاً عليها؟ 

إلهام كلّاب البساط: نعم عملتُ طويلاً وحصلت محاولات جدّية وعلمية ولكن هناك محاولات عديدة كان فيها نوعٌ من الإنشاء للمواضيع ونوعٌ من تبرير الذمّة.    

غسان الشامي: وتبخير.  

إلهام كلّاب البساط: وتبخير وخوف، الأمر يستلزم شجاعة القول وفي الوقت نفسه بالتأكيد أن كل مجموعة خاضت حروبها، وأحياناً حروبها الداخلية في ما بينها أشرس من حروبها مع الآخرين. في التاريخ هناك الكثير من المواقف التي كانت فيها رؤية فسيحة بين المسلمين والمسيحيين وغيره ولكن هناك قصص داخل كلّ دين عن التقاتل، إذاً القضية ليست قضية اختلاف في المفاهيم إنما هي اختلاف في مَن يتناول السلطة ويصبح هو الرئيس أو البطل. 

غسان الشامي: أين هي الآن الدراسات الإسلامية المسيحية دكتورة إلهام؟ 

إلهام كلّاب البساط: عرفتْ نوعاً من الخفوت حالياً ولكن هناك مستشرقون كُثُر استبدلوا استشراقهم القديم الذي كان انبهاراً بالشرق وبشمسه وببلدانه وبنسائه، استبدلوه بدراسات عن الإسلام والمسيحية، ولكن أيضاً كانت هناك نظرة سياسية إلى الموضوع حين عملوا عليها، خفتتْ الآن.

غسان الشامي: لأكون صريحاً معكِ البعض يقول إن كل هذه الدراسات أو أغلبها لأن التعميم قتّال، هي شكلانية، برّانيّة أو نكديّة ثأريّة أو تُغضّن الضّغينة، أنتِ ماذا تقولين؟ 

إلهام كلّاب البساط: أنا معك في ما تقوله لأنه أحياناً تصلني دراسات كثيرة لا أستطيع قراءتها حتى النهاية لأنها من الأنواع التي تتحدّث عنها ولا حاجة للقيام بها. في نهاية الأمر جميعنا ننظر إلى السماء ونصنّف بعضنا، لا ننظر إلى الأرض، إلى الإنسان، تجلّي التعاليم الروحية هي في تعاملك مع الإنسان، مع الآخر الذي قد لا يكون أخاك، لماذا المواطنيّة في العالم خلقت المساواة والعدالة؟ لأنك لا تسامح الآخر لأنه أخوك أو من أقاربك بل لأنه مواطن ومرجعيّتنا هي القانون، القانون الذي هو للجميع وليس لمجموعة. موزاييك الشرق الذي كان من الممكن أن يعطي نتيجة جميلة جداً عبر عَجْن مفاهيم جديدة لم يكن يعرفها الغرب للأسف انقلب إلى عصبيّات متناحرة.    

غسان الشامي: والحوار الإسلامي المسيحي هل هو حوار مؤتمرات، فنادق، مطاعم ولا طائل تحت غرباله أم هو حوارات توافقية ومجاملات؟ نحن نشهد في كل سنة مجموعة من المؤتمرات للحوار الإسلامي المسيحي.  

إلهام كلّاب البساط: مندون أن تقدّم أو تؤخّر، هذه موضة أو نهج، هذه كلمة جميلة وجذّابة ولكن كل محاولة حوار بين الأديان ليست ضرورية، الأديان هي رؤية مختلفة للعالم، رؤية لها طقوسها، لها نظرة. 

غسان الشامي: كلٌّ يعظّم دينه كما قال مولانا أبو العلاء المعرّي.     

إلهام كلّاب البساط: كيف تتحاور الإنسانية مع بعضها، كيف يتحاور الإنسان مع الإنسان المختلف، وكيف يحترم الآخر، هناك أسلوب كامل أو تركيبة كاملة في كل دين، إذا أخذتَ تفصيلاً منها قد تسأل لماذا هكذا وهكذا ولكن هناك نهج كامل في كل دين عليك أن تحترمه، لا يجب أن تبدّل أو تُقنع الآخر بأنك على حقّ أو هو على حقّ. هل كان النهج هو أن تتحاور الأديان؟ كلا، هناك طُرُق مختلفة لرؤية الله المُطلَق ولكن نحن نتحاور في حياتنا وفي يومياتنا. 

غسان الشامي: الحوار ضروري لأنه هو الجسور بين الناس، هو الانتقال منك إلى الآخر والآخر هو أنت أيضاً بمفهوم المحبّة، كيف يجب أن يكون الحوار في المستقبل؟  

إلهام كلّاب البساط: أولاً يجب أن تربّي أشخاصاً محاورين، أن يكون داخلك فسيحاً كي تتقبّل الآخر المختلف عنك سواء عرقياً أو دينياً، يجب أن تربّي أشخاصاً يمتلكون هذا الاتّساع ولا يخافون من الآخر الغريب. أنا تربّيت في جبيل وعمشيت التي تتميّز بأنها لا تخاف الغريب نظراً لتعاقب الحضارات عليها ونحن على الشاطئ، ترحّب بالغريب.    

غسان الشامي: شاطئ وأبجديّة.  

إلهام كلّاب البساط: لا تخاف الغريب، ألا نخاف المختلف هي نقطة الانطلاق في تربيتنا كي نصل إلى إمكانيّة الحوار وإلا سنظلّ نتعارك.   

غسان الشامي: يعني سيبقى هذا الموضوع نوعاً من الصُراخ في وادٍ عميق. سيّدتي أيضاً عملتِ على حوار الشرق والغرب، هل هو مُجرّد حوار إسلامي مسيحي بين الشرق والغرب؟  

إلهام كلّاب البساط: كلا ليس فقط، تعرف أن إدوارد سعيد أصدر كتاباً عن الاستشراق الذي أختصرُه بأن المعرفة هي السلطة، يتعرّفون علينا لكي يتسلّطوا علينا أكثر، هناك عدّة طرقات أو مسارات حصلت خلال التعرّف على الشرق، هناك أناس انبهروا بجماله، أحبّوه، لامارتين على سبيل المثال.

غسان الشامي: ونحن نتغنّى بذلك. 

إلهام كلّاب البساط: نعم ولا يزال المنزل الذي سكنه في الأشرفية موجوداً. هناك قناصل وسفراء قدّموا تقارير إلى دولهم عن الشرق، هناك رسّامون رسموا الشرق خاصة نساء الشرق وجمال لون الشمس فيه. 

غسان الشامي: ما نسمّيه بالاستشراق.   

إلهام كلّاب البساط: نعم، وهناك مَن جاؤوا وعلى أساس معرفتهم بنوا كيفيّة إبقاء هذا الشرق تحت سيطرتهم. في الوقت الحاضر تبدّلت مفاهيم الاستشراق القديم والسفر ولم يعودوا بحاجة إلى السفر ليعرفوا كل هذه المعلومات، ولكن علاقة الشرق بالغرب هي علاقة كانت مأزومة دائماً. 

غسان الشامي: وما تزال.  

إلهام كلّاب البساط: وما تزال بالرغم من الجماليات التي طرأت في القرن التاسع عشر ولكنها لا تزال مأزومة لأنها أصبحت نوعاً من الميثولوجيا بين الشرق والغرب، ما هو الشرق وما هو الغرب، الغرب كان أوروبا سابقاً والآن أصبح أميركا، أين هو الشرق وما هو، تفتّتت المفاهيم القديمة وأصبحنا بحاجة إلى خارطة جديدة لمعنى الشرق والغرب. 

غسان الشامي: ولكن ما هذه الصورة النمطيّة؟ كيف جاءت أن الغرب هو مسيحي والشرق هو مسلم؟ من أين جاءت هذه الصورة؟ مَن حاول ضخّها في البنية الذهنيّة العربية؟  

إلهام كلّاب البساط: لأنه من الأفضل للغرب أن يحدِّد نوع الشرق، بالنسبة له المسيحي المشرقي لا يثير اهتمامه، المسلم المختلف هو الذي يثير اهتمامه، وترى أوصافاً كثيرة في كتب المُستشرقين، مثلاً يهتمّون بمعرفة الدروز لأنهم مجموعة مُغلقة على بعضها، يهتمّون بمعرفة الاحتفالات والعادات الإسلامية لأنها بالنسبة إليهم الغريب والمختلف الذي يسعون إليه لينبهروا أكثر، لهذا السبب المسيحية الشرقية عانت من المسيحية الغربية لأنه لم يتمّ الاهتمام بها بشكل أساسي.

غسان الشامي: أنا أعتقد أن المسيحية المشرقية بدأت النظرة لها بهذا النوع من الحوَل الفكري ابتداءً من حروب الفرنجة وحتى الساعة وتتالت.  

إلهام كلّاب البساط: أكثر تعاونٍ حصل بين الفرنجة والشرق هو مع المسلمين لأنهم كانوا السلطة الحاكِمة، كانوا يملكون المال وأكثر زيجاتهم كانت من المسلمين، وكان لديهم نوعٌ من الرؤية الفوقية لمسيحيي الشرق الذين حاولوا استجلاب قسم منهم ليكونوا في خدمتهم ولكن قسماً كبيراً منهم ترك جبيل ولم يكن بخدمتهم. 

غسان الشامي: ولأن مسيحيّي المشرق مغايرون لهم عقيدياً أيضاً بطريقة أو بأخرى.

إلهام كلّاب البساط: نعم، ولكن لاحِظ أن موقع المسيحية هو هنا وليس عندهم، النبع الحقيقي هنا.   

غسان الشامي: كيف يمكن إذاً أن تنتظم العلاقة بين الشرق والغرب ما دمتِ قد جزمتِ أنها مأزومة؟  

إلهام كلّاب البساط: هي مأزومة ولكن أكاد أقول إن العالم تفتّت مع العولَمة، لم تعد هناك حدود، لم يعد هناك خوف من أي تأثير لأن التأثير دخل في كل شيء، من تفكيرنا إلى ملبسنا، أصبحنا نتشابه لأن العولمة تفرض اقتصادها، تفرض مواقفها، تفرض مفاهيمها علينا وأصبح مَن يعاند العولمة يتمسّك بالتراث بطريقة مضحكة، ومَن تماشى مع العولمة نسي إسم جدّه الموجود هنا، العولمة خلقت تشتّتاً وعدم توازن خاصة في البلدان الصغيرة التي لها تاريخ عريق وقديم ولكنها لم تلحق التطوّر، والعالم الجديد الذي ليس لديه هذا التاريخ والتراث ولكنه هو الذي يمثّل العالم في الوقت الحاضر.

غسان الشامي: سأذهب أخيراً إلى اختصاصكِ الأصلي، الفن والآثار، سيّدتي بعد الكوارث التي حصلت في سوريا والعراق، المنطقتان الأكثر عمقاً أثرياً في المشرق، ضرب الآثار، تحطيم متاحف، كيف برأيكِ يمكن استعادة هذا الإرث من موقع حضاري؟  

إلهام كلّاب البساط: أولاً هذا الحزن الذي أصابنا، كان هناك نوعٌ من الرعب كأنّ هناك محاولة محو للعالم القديم، للتراث القديم، للحضارات القديمة التي هي أساس كل حضارات العالم حتى اليوم، كأنّها محاولة قصف أو محو لكل ما يمثّل بوجوده، بكينونته، بأماكن تواجده، ما حصل في تدمر، في حدود صحراء سوريا مخيف.  

غسان الشامي: أنا كنت في إيبلا صبيحة تحريرها، كانوا قد حوّلوها إلى ثكنة وبألغام.   

إلهام كلّاب البساط: وهذا هو العالم المتقدّم والمتطوّر الذي قضى على هذه الآثار. أنا لديّ خوف ورعب كبيرين من محاولات المحو، جيلنا يتشتّت، آثارنا تندثر في سلطة المفاهيم الحديثة التي هي مفاهيم استهاكية، مفاهيم اقتصادية، سيطرة المال، سيطرة العنف وغيرها بغرض محوها. أنا كنت مديرة لمركز اليونسكو التي اهتمّت كثيراً ولكن ليس لديها القدرة على فعل شيء.  

غسان الشامي: سيّدتي هل بالإمكان مُجابهة هذه العملية؟ ما قلتيه يعني محو الذاكرة الجمعيّة التي تتّكئ على إرث؟ كيف يمكن مُجابهة محو الذاكرة؟ كيف يمكن تحفيز الذاكرة؟    

إلهام كلّاب البساط: هنا يأتي دور الفنّانين والمثقّفين والمفكّرين أن يعملوا بجهد وبجدّ ومثابرة لأننا متأخّرون سواء بدراسة تاريخنا أو بدراسة العلاقة مع الحاضر، العلاقة مع الحاضر هي علاقة مختلفة جداً، كيف نُعصرن هذه العلاقة، هذا ما ينقصنا في الوقت الحاضر وتأتي الحروب والاضطرابات التي تجعلنا نعود إلى حياتنا اليومية العادية من دون أن نطير أو نتحوّل إلى محاولة فكرية لفَهْمِ واقعنا وللانطلاق فيه. 

غسان الشامي: سيّدتي لا يمكن ما دمنا نتكلّم عن الآثار إلا أن أشير إلى الصورة، صورة هؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم أنهم ثوّار ينزلون إلى مقرّ متحف بيروت، يحطّمون الجرار، يحطّمون إرثاً، هل هذا مُجرّد جهل عميم أم ماذا؟ أعرف أن الحروب تجلب الجَهَلة لكن أن تكون ثائراً وجاهلاً هذا أمر لا يطاق. 

إلهام كلّاب البساط: بالتأكيد هذه مجموعة جاهلة ولكن لم يحصل تحطيم للمتحف، هناك أرض فيها أحجار قديمة سيُبنى عليها متحف بيروت المقبل، استخدموا للأسف الحجارة وكسّروها ليرجموا بها، تخيّل تحوُّل الفن إلى أداة عنف.     

غسان الشامي: هنا عدتِ بنا إلى اللاعنف.   

إلهام كلّاب البساط: نعم عدنا إلى اللاعنف. أنا أعتقد أن مَن نزلوا إلى الشارع هم أطراف عددية، جَهَلة، هناك مثقّفون وهناك جَهَلة.  

غسان الشامي: ولكن إلى جانبهم مثقّفون ومتعلّمون.

إلهام كلّاب البساط: ولكن يكفي وجود بعض العناصر التي لا تستطيع السيطرة عليها أو تنبيهها إلى ما يحصل. في مجال التعليم والتدريس عندنا لا يوجد تعميق لمعنى التراث، يعتقدون أن التراث هو أن نعود مثل الماضي، هو ليس كذلك وإنما هو أن نعرف قيمة الماضي ونعرف أن نوظّفه لكي نصبح نساءً ورجالاً عصريين. بالتأكيد هناك الكثير من الأمور المُحزِنة في الشرق.  

غسان الشامي: ولكن هناك أمور أيضاً تجعلنا.. 

إلهام كلّاب البساط: بالتأكيد.  

غسان الشامي: أنا أشكرك سيّدتي. أعزائي ها نحن نتابع حياتنا بكل أعطابنا الاجتماعية وبقدرٍ ضئيلٍ من الحداثة والقوانين الضامِنة للحياة الحقّة الكريمة، ويبدو أن بعضنا أو الكثير منا ربما لا يريد الخروج من الماضي بل قد استمرأه. الشكر للدكتورة إلهام كلّاب البساط على إضافاتها في أجراس المشرق وأدعوكم إلى قراءة إنتاجها المعرفي، الشكر لزملائي الأعزاء الذين يقرعون معي هذه الأجراس، ولمَن يتابعنا سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.