اسماعيل هنية - رئيس المكتب السياسي لحركة حماس

 

سلام العبيدي: أعزائي المشاهدين طابت أوقاتكم. في ظروفٍ إستثنائيةٍ تمرّ بها منطقتنا العربية بشكل عام وفلسطين بشكل خاص، تأتي زيارة وفد حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى العاصمة الروسية موسكو. للوقوف على مجمل قضايا المنطقة وفلسطين بالدرجة الأولى يسعدنا أن نستضيف رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس الأستاذ إسماعيل هنية.

أهلاً وسهلاً بكم حاج، وشكراً على هذه الفرصة أن نستضيفكم على شاشة الميادين وتحديداً في موسكو.

إسماعيل هنية: شكراً لك وتحيةً لشاشة الميادين ولكل المشاهدين.

سلام العبيدي: إذاً طالما نتحدث عن زيارة أنا أعتبرها زيارة نوعية لأنها أول زيارة لكم لهذا البلد الصديق، ولا سيّما أنّ هذه الزيارة كان مُقرَّر أن تتم في وقت سابق منذ حوالى سنة من الآن ولكنها تأجلت، ليتك تضعنا بصورة لماذا تأجلت هذه الزيارة وما هي العوائق التي حالت دون أن تتم هذه الزيارة كما كان متوقّعاً في مطلع العام الماضي؟

إسماعيل هنية: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا لا أريد أن أخوض كثيراً في أسباب التأجيل، هي كانت أسباب متداخلة، ولكن في النهاية حصلت هذه الزيارة ربّما جاءت بهذا التوقيت الإستثنائي الذي تمرّ به القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والمنطقة بشكل عام، هذا يتسنى لنا أن نتحدث بأكثر عمق وانفتاح على كل الملفات ذات الاهتمام المشترك مع المسؤولين هنا في روسيا الإتّحادية، وهذا ما تمّ من خلال اللقاءات التي جرت خلال هذا اليوم.

سلام العبيدي: إذاً لنتكلم عن هذه اللقاءات، اليوم تمّ استقبالكم في وزارة الخارجية من قبَل السيد الوزير سيرغي لافروف وأيضاً كانت لكم مباحثات مع كادر الوزارة، مع نائب وزير الخارجية المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط السيد ميخائيل بوغدانوف، عن ماذا تباحثتم في هذه الزيارة؟ هل كانت هناك أهدف محددة لهذه الزيارة؟ هل كانت هناك نقاط محددة تم بحثها؟ وما هي الإنطباعات والنتائج التي خرجتم بها من هذه المباحثات؟

إسماعيل هنية: تناولنا تقريباً ثلاثة أو أربعة ملفات من خلال لقاءنا بالسيد لافروف وكذلك السيد بوغدانوف وطاقم وزارة الخارجية، الملفّ الأول هو الملفّ السياسي، التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية خاصة بعد الإعلان عمّا يُسمى بصفقة القرن، ونحن رأينا أنّ هذه الصفقة شكّلت قمّة الإنحياز الأميركي للكيان الصهيوني، وأيضاً تمّ التحالف بين الإنجيلية المسيحية والحركة اليهودية الصهيونية، خاصةً بأنّ هذه الصفقة قد استهدفت ركائز القضية الفلسطينية، القدس، الأرض، وحق العودة، وكان لا بدّ أن يكون لدينا فعالية أكثر من ذي قبل على مستوى الوطن الفلسطيني، على مستوى المنطقة حتى، وأيضاً على مستوى الأسرة الدولية في تحشيد الموقف من أجل رفض هذه الصفقة وبناء إستراتيجية وطنية فلسطينية وتبنيها أيضاً من كل الأصدقاء والحلفاء لمواجهة هذا الشطط الأميركي، بل أقول هذه البلطجة الأميركية. 

والحقيقة أنه من خلال الحوارات التي جرت اليوم المواقف من الصفقة متطابقة، روسيا أعلنت أنها لا تؤيد هذه الصفقة كونها تتعارض مع الشرعية الدولية، مع القانون الدولي، وأيضًا تجاوزت إطار الرباعية الدولية، بما في ذلك أيضًا تجاوزت المبادرات التي طُرحَت من الجانب العربي كالمبادرة العربية التي تم الإتّفاق عليها في القمة العربية في بيروت سنة 2002، بغض النظر عن موقفنا في هذه المبادرة، لذلك الموقف السياسي من هذه الصفقة موقف متطابق، ونحن تحدّثنا عن الإجراءات، والإستراتيجية التي يجب أن نواجه من خلالها هذه الإستراتيجية تتحرك على ثلاث مسارات كما نحن عرضنا اليوم، المسار الأول هو المسار الفلسطيني ضرورة ترتيب البيت الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية والإتّفاق على برنامج سياسي مشترك في هذه المرحلة. المسار الثاني هو مسار المقاومة الواسعة الشاملة بكل أشكالها وبكل عناوينها بدءاً من المقاومة الشعبية الجماهيرية وحتى المقاومة العسكرية. المسار الثالث هو تعزيز شبكة الأمان العربي والإسلامي لتبنّي ولإحتضان الموقف الفلسطيني الرافض لهذه الصفقة، وأبعد من ذلك هو إيجاد شبكة أمان دولية أيضاً متبنّية للموقف الفلسطيني الموحّد، خاصةً وأنّ مكوّنات الشعب الفلسطيني كلها رفضت هذه الصفقة، فتح وحماس وجميع الفصائل الفلسطينية، نحن بادرنا من قبلنا في حركة حماس بالإتّصال بالأخ أبو مازن، أيضًا بالموافقة على المشاركة في اجتماع القيادة الفلسطينية الذي عُقد في رام الله، وأيضًا وافقنا على استقبال في غزة وفد من إخوتنا في الضفة الغربية لكي نبدأ سلسلة من المباحثات الفلسطينية الداخلية للاتّفاق على استراتيجية وطنية فلسطينية. هذا هو الملف الأول الذي كان مدار حديثنا اليوم.

الملفّ الثاني هو ملفّ الوحدة الوطنية الفلسطينية، المصالحة الفلسطينية، نحن من جانبنا أكّدنا بأنّ استراتيجية حماس قائمة على ضرورة توحيد الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، في داخل فلسطين وخارجها، ونحن فعلياً قدّمنا الكثير من الخطوات والتنازلات إذا صحّ أن نسميها تنازلات، من أجل إحداث اختراق في ملفّ المصالحة واستعادة الوحدة الفلسطينية لنبني نظام فلسطيني موحّد تكون هناك قيادة فلسطينية موحّدة وأيضًا نتّفق على استراتيجية نضالية وأيضًا استراتيجية سياسية في هذه المرحلة.

عرضنا أربعة خيارات، يمكن لأي خيار منها أن يوصلنا إلى هذه الوحدة الوطنية، الخيار الأول هو إجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ولاحقاً للمجلس الوطني الفلسطيني، ونحن أعلنّا موافقتنا على هذه الانتخابات. 

الخيار الثاني هو أن ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية خارج رام الله، يعني ممكن أن يُعقَد في بيروت أو في أي عاصمة أخرى حتى يتسنى لجميع الفصائل الفلسطينية التي هي من خارج المنظّمة أي من الحماس والجهاد أو الفصائل التي لا تستطيع أن تصل إلى رام الله كالفصائل في دمشق أو في بيروت، وأن نتّفق من خلال هذا المجلس الوطني على رؤية فلسطينية وآليات المتابعة لهذه المرحلة. 

الخيار الثالث هو أن يُعقد الإطار القيادة المؤقّت للأمناء العامّين للفصائل الفلسطينية الذي تمّ تشكيله بموجب اتّفاقية القاهرة 2011 ويمكن أن ينعقد هذا الاجتماع في القاهرة مثلاً.

الخيار الرابع هو أن نشكّل حكومة وحدة وطنية تتولى إدارة الوضع الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة في هذه المرحلة بما فيه التحضير لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. 

نحن قلنا للمسؤولين في روسيا اليوم أيّ من هذه الخيارات يمكن أن يتعاطى معها الأخ أبو مازن وحركة فتح بإيجابية نحن أيضًا جاهزون لأن نسير في أي من هذه الخيارات لأنه في المحصّلة الأخيرة الشعب الفلسطيني اليوم أصبح أمام معركة وجودية، لأن هذه الصفقة تريد أن تنتزع كل شيء من شعبنا الفلسطيني ولم يعد بالإمكان البقاء في حالة الجمود الذي تعاني منه حالة الوحدة الوطنية الفلسطينية/

 

       الملف الثالث الذي تناولناه هو العلاقات الثنائية، نحن طبعاً نرى بأنّ روسيا لها ثلاث ميزات تتعلق بالقضية الفلسطينية، الميزة الأولى أنها حاضرة في ذاكرة الثورة الفلسطينية منذ الإتّحاد السوفياتي وحتى الآن هي ذات علاقات وثيقة ومباشرة مع القيادات الفلسطينية، مع الفصائل الفلسطينية. 

الميزة الثانية بأنّ لها علاقات على مسافة واحدة من الفصائل الفلسطينية من فتح وحماس والجبهات وجميع الفصائل الفلسطينية هي دائماً تستضيف هذه الفصائل.

والميزة الثالثة أنه يمكن أن يكون لتحرّكها على الساحة الدولية نتائج من قبيل إحداث توازن مع الموقف الأميركي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحقوق الوطنية الفلسطينية، لذلك رأينا بأنّ العلاقات الثنائية بين شعبنا بشكل عام وبين حركة حماس بشكل خاص وروسيا يمكن أن تنمو أكثر، يمكن أن تتطوّر أكثر ويمكن أن نوجد مساحات مشتركة أكثر في ما يتعلق بحماية الحقوق الثابتة لشعبنا الفلسطيني في مقدّمتها الدولة والقدس وحق العودة وتحرير الأسرى من سجون الاحتلال الصهيوني.

سلام العبيدي: ردّ جميل، إذاً دعنا سيدي الكريم نتحدث في كل ملفّ عن بعض التفاصيل. في هذا المكان تحديداً عُقدَت إحدى جولات المشاورات بين الفصائل الفلسطينية وكانت برعاية روسية، وهي لم تكن الجولة الأولى إنّما الثانية للمشاورات بين الفصائل الفلسطينية، هل تعتبرون الدور الروسي في تحقيق المصالحة الوطنية مكمّل للدور المصري والأدوار الأخرى؟ وما هي الميزة التي تتمتع بها روسيا لكي تسهم في رأب الصدع في الصف الفلسطيني، ما هي خصوصية روسيا في هذا الموضوع؟

إسماعيل هنية: الحقيقة أنا أريد أن أقول ابتداءً أنّ المصالحة الفلسطينية والوحدة الوطنية الفلسطينية هي مسؤولية الفلسطينيين بالأساس، يعني بالتأكيد نحن سنكون بحاجة دائمة إلى مساعدة واحتضان وإلى إيجاد مظلات تساعدنا على هذا الموضوع، لكن القضية مرهونة بالإرادة والقرار، إرادة فلسطينية وقرار فلسطيني.

نحن نعتقد بأنّ حركة حماس، حركة فتح، الجهاد، الفصائل، مطالَبة أكثر من أي وقت مضى أن تتناول موضوع الوحدة الوطنية بطريقة تُحدث النقلة المطلوبة على هذا الصعيد، هذا أولاً.

ثانياً لا شكّ بأنّ روسيا كما أشرتُ سابقاً، أنها تتمتع بعلاقات مع جميع الفصائل الفلسطينية دون انحياز لهذا الفصيل على هذا الفصيل، هذا يمنحها مساحة من التحرك وإمكانية عرض بعض الأفكار والمقترحات التي يمكن أن تساعد في إطلاق قطار المصالحة. لا شكّ بأنّ الإخوة في جمهورية مصر العربية بحكم التاريخ وبحكم الجغرافيا وبحكم الإلتصاق بالملفات الفلسطينية يتولوا الدور الأساس والمركزي في هذا الملف، وجميع الفصائل الفلسطينية وبما فيها حركة حماس هي تعتقد بأن الدور المصري هو دور محوري في ملفّ المصالحة الفلسطينية كما في بقية الملفات الفلسطينية الأخرى. لكن هذا لا يعني أن لا نرحّب بأي دور مساعد، نحن نرحّب بدور روسي، نرحّب بدور قطري، تركي، لبناني، وأنا أعتقد أنّ الكثير من الدول كان لها إسهامات في محطات كثيرة للبحث في سبل الخروج من حالة الجمود في الوضع الفلسطيني الداخلي. أنا أذكر أنّ السيد نبيه بري كان له دور في هذا الموضوع، الأشقاء في لبنان، في قطر، في تركيا، في الأردن في مرحلة من المراحل، السينغال في مرحلة من المراحل، اليمن في مرحلة من المراحل، لذلك هذا مؤشّر على أنّ القضية الفلسطينية هي قضية تهمّ كل إنسان عربي ومسلم، وأنّ حالة الخلاف داخل الساحة الفلسطينية حالة غير طبيعية وغير متفهّمة من محيطنا العربي والإسلامي. لذلك نحن نرحّب بالدور الروسي، نرحّب بأي دور يمكن أن يُسهم في تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية مع التأكيد على محورية الدور المصري في هذا الموضوع.

سلام العبيدي: تحدّثتم في إطار السعي إلى مصالحة كما كانت تصريحات الرئيس محمود عباس ورغبته في زيارة غزة، قبل أيام، وهذا لا يخفى عليكم، زار موسكو عضو الللجنة المركزية لحركة فتح السيد الشيخ، وأيضًا بحث هذا الموضوع وكل الملفات التي بحثتموها اليوم مع السيد لافروف أيضًا فعل هو، وتحديداً موضوع المجيء إلى غزّة، يعني أين نحن من هذه المسألة لكي تكون ربّما نقطة البداية لإنهاء هذا الإنقسام الفلسطيني المستمرّ منذ حوالى ثلاثة عشر عاما.

إسماعيل هنية: أنا كما قلت لك بادرت قبل حتى الإعلان عن الصفقة في البيت الأبيض بالإتّصال بالأخ أبو مازن، وقلت له أخي أبو مازن هذه معركتنا جميعاً، حتى نضع أيدينا في أيدي بعضنا ونتصدى لهذه الصفقة، لأن هذه الصفقة كشفت عن الوجه القبيح للسياسة الأميركية وأيضًا عن هذا الحصاد المر لمسيرة التسوية، بعد 25 سنة من اتّفاق أوسلو كان هذا هو الحصاد وكانت هذه هي النتيجة، حتى موضوع الدولتين لم يعد قائماً، القدس غير موجودة، اللاجئون غير موجودون على الطاولة، الأسرى سيبقون داخل سجون الاحتلال الصهيوني، سيتم ضم ثلاثين بالمئة من أراضي الضفة الغربية، سيتم ضم منطقة الأغوار. لذلك نحن بحاجة لأن يكون هناك لقاء فلسطيني فلسطيني وعلى مستوى قيادي وأن نبادر في وضع رؤية وطنية فلسطينية لهذا الموضوع.

أمامنا ثلاثة مستويات التي يمكن من خلالها أن نبني المشهد الفلسطيني. المستوى الأول هو الإتّفاق على ترتيبات متعلقة بمؤسسات السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا الوسيلة له الانتخابات التشريعية والرئاسية.

المستوى الثاني هو مستوى القيادة الفلسطينية الجامعة وهي منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا وسيلة له انتخابات مجلس وطني فلسطيني  في الداخل وحيث ما أمكن في الخارج. ينبثق عن المجلس الوطني الفلسطيني المجلس المركزي وكذلك اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، هذه القيادة الوطنية الموحدة هي التي تتولى الوضع الفلسطيني والإتّفاق على الإستراتيجية بما فيها الإستراتيجية السياسية، بما فيها الإستراتيجية النضالية، كيف نناضل، كيف نقاوم، كيف نزاوج بين المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي؟

المستوى الثالث هو أن نتفق على برنامج سياسي يمثّل الحد المشترك بين الفصائل الفلسطينية مع احتفاظ كل فصيل باستراتيجيته، يعني حركة حماس على سبيل المثال ترى بأن فلسطين من البحر إلى النهر، حماس لن تعترف بإسرائيل، لن تعترف بإسرائيل، وحماس تتبنى خيار المقاومة وستستمر بخيار المقاومة، لكن في ظل توافق على برنامج وطني بالتأكيد حماس ستتحرك في المربّع المشترك لهذا البرنامج، في حدود معينة نتلاقى عليها مع احتفاظنا باستراتيجيتنا الفلسطينية. 

بما في ذلك أيضًا نتّفق على كيفية إدارة القرار الفلسطيني، نحن لا نريد أن تبقى إدارة القرار الفلسطيني بهذا الشكل، التفرّد المطلق بإدارة القرار الفلسطيني مرتعه وخيم، وأيضاً نتائجه أيضًا نحن رأيناها، لا نريد أن نتفرّد بقرار المقاومة، وكذلك لا نريد لأخوتنا في فتح أن يتفرّدوا بقرار السياسة، تعال بنا نكون في إطار موحّد مع كل الفصائل الفلسطينية ونتفق على كيفية إدارة القرار الوطني الفلسطيني.

     بالنسبة لزيارة الوفد إلى غزة نحن اليوم تحدثنا في هذا الموضوع، وقررت موافقة حركة حماس على استقبال إخوتنا من الضفة الغربية في غزة، نحن جاهزون بدون أي شروط، بدون أي عقبات، بدون أي إشكاليات على هذا الصعيد، فقط نحن نريد من إخوتنا في فتح أن يتخلصوا من بعض القضايا التي هي من ذيول مرحلة ما قبل صفقة القرن، صفقة القرن هي مرحلة بين مرحلتين، لا يجب علينا أن نستمر بالعقلية وبالنظرة حتى للمكوّنات الفلسطينية بالشكل الذي كنّا عليه قبل صفقة القرن، صفقة القرن وضعت حد لأشياء كثيرة جداً، على إخوتنا في حركة فتح حقيقةً أن يتّخذوا خطوات جديدة باتّجاه كل الوطن الفلسطيني. 

أما الآليات، كيف يتم الإجتماع وبأي طريقة فهذه مسألة يمكن أن نتّفق عليها حين وصول الوفد إلى قطاع غزة.

       أنا أيضاً اليوم زرت السفير الفلسطيني أنا وإخواني في قيادة الحركة، وحصلت على زيارة السفارة الفلسطينية في موسكو، وأيضًا استقبلته في مقرّي قبل قليل، رسالتنا رسالة لشعبنا، رسالة وطنية، رسالة سياسية، رسالة لكل الأشقاء، رسالة للدول، رسالة لموسكو بأننا كحركة حماس نريد أن نتخطى كل العقبات وأن نبدأ خطوات حقيقية وعملية لتحقيق المصالح الفلسطينية وقلت للأخ السفير الفلسطيني في موسكو أرجو أن تبلغ الأخ أبو مازن والإخوة في رام الله بأن موقفنا على ما هو بالترحيب باستقبال الوفد من الضفة الغربية في قطاع غزة وفق الآليات التي تؤمن نجاح هذه الزيارة.

سلام العبيدي: سنعود سيدي إلى الملفين الآخرين، لكن طالما أنت هنا في موسكو وهي تأتي في سياق جولتكم الدولية التي أنتم خارج فلسطين منذ فترة وقمتم بزيارات عدة، واليوم أنتم هنا في موسكو، هل أنتم لا تستبعدون إمكانية تواصل بأي شكل كان مع الجانب الأميركي، باعتبار الجانب الأميركي هو الآن الذي، لا أستطيع القول أنه هو الذي يلعب الدور المصيري ولكن هو الذي يعكّر الأمور ويدفع بها نحو الهاوية، هل هناك أمكانية لمثل هذه الإتّصالات مع الجانب الأميركي؟ أو بالأحرى هل الأميركيون يحاولون الإتّصال بكم؟

إسماعيل هنية: نظرتنا العامة أننا لسنا ضد أي اتّصالات سياسية وأي علاقات مع أي دولة في العالم، نحن فقط ضد أي علاقات أو اتّصالات مع الكيان الإسرائيلي، عدا ذلك نحن لسنا لدينا مشكلة في هذا الموضوع، ولكن أنا في اعتقادي بأنّ الإدارة الأميركية الحالية التي أخذت هذا الموقف المنحاز بالكامل وضربت بعرض الحائط كل آمال وتطلّعات وطموحات الشعب الفلسطيني نحن في تقديرنا أنّ الإتّصالات السياسية مع الإدارة الأميركية الحالية لن تكون مجدية،بالعكس، يمكن أن تعود بالضرر على صورة المقاومة الفلسطينية التي تمثّلها حركة حماس، وكأنّ حركة حماس أصبحت من خلال هذه الإتّصالات جزء من ترتيبات صفقة القرن، خاصة البعض في ظل إشاعات يتكلم عن أنّ دولة في غزة وكيان في غزة وهذا ضمن صفقة القرن، ونحن قلنا كثيراً لا دولة فلسطينية في غزة ولا دولة فلسطينية بلا غزة، وأنّ غزة حررتها المقاومة وهي تمثّل قاعدة صلبة للمقاومة ولمشروع التحرير مع أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة وفي القدس وفي الداخل وفي كل أماكن تواجده.

لذلك لا أرى أن هناك جدوى في أي اتّصالات مع الإدارة الأميركية الحالية التي قالت أنّه لا دولة فلسطينية والقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وأنّها نقلت السفارة الأميركية إلى القدس وأنها تشطب حق اللاجئين سبعة ملايين فلسطيني المشردين منذ أكثر من سبعين عام، بجرة قلم هو يريد أن يشطب هذا الحق. لذلك لا أعتقد بأن هناك جدوى من أي اتّصالات أميركية.

       أما أنّه كانت هناك محاولات أميركية للإتّصال بحركة حماس أنا أريد أن أقول عبر شاشة الميادين ومن موسكو، نعم حاولت الإدارة الأميركية أن يكون هناك اتّصالات مع قيادة حماس، حاولوا أن يقولوا بأي مكان يمكن أن يكون هذا اللقاء لكي نتباحث مع حركة حماس باعتبارها حركة قوية وموجودة وهي أحد العناصر المهمة جداً في الحالة الفلسطينية، أقول لك نحن أيضًا رفضنا التعاطي مع هذه الدعوة، ورفضنا أن يكون هناك أي لقاءات سرية بيننا وبين الإدارة الأميركية، لأننا كنّا على قناعة كاملة بأنّ هذه اللقاءات سوف تُستثمَر في المحصّلة النهائية لرواية تريد أن تمررها الإدارة الأميركية بأنّ صفقة القرن التي نعلنها جاءت بترتيبات مع أطراف فلسطينية خاصة أطراف المقاومة وأطراف حماس، التي وكأنها تُعلن بالعلن رفضها وأنها من تحت الطاولة تجلس مع الإدارة الأميركية.

نعم أقول لك أننا رفضنا اللقاء مع الإدارة الأميركية، لأننا كنّا نتنبّأ بطبيعة الصفقة والرؤية الأميركية التي ستطرحها في النهاية.

سلام العبيدي: كنت تحدثت عن جولتكم الدولية هذه، هذا يعني أن شبكة علاقاتكم الدولية تتوسع وهذا شيء ينعكس إيجابياً بلا شكّ على القضية الفلسطينية، الآن المنطقة متوترة خاصة المحيط القريب جداً لكم، أقصد سوريا وإلى آخره، وهذا كله ينعكس على القضية الفلسطينية بلا شكّ، اليوم الحركة أصدرت بياناً حول ما يجري على الحدود بين سوريا وتركيا، أريد أن أفهم ماذا تريدون القول من هذا البيان، وهل الحركة بوزنها الآن وعلاقاتها المتشعبة والواسعة يمكن أن تسهم بشيء من التهدئة في هذا الموقف تحديداً؟

إسماعيل هنية: انظر أخي الحبيب، عدد من الزوايا يجب أن نتناولها في هذه النقطة، الزاوية الأولى بأنّ حركة حماس تتبنى إستراتيجية الإنفتاح على الجميع، القضية الفلسطنيية، المقاومة الفلسطينية، القدس اليوم وهي في محل الخطر الحقيقي، هي بحاجة لدعم الجميع، شعوباً ودول عربية وإسلامية وأحرار العالم، لذلك نحن نتبنى إستراتيجية الإنفتاح على الجميع. حماس لها علاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران وعلاقة استراتيجية كما لها علاقة بتركيا، كما لها علاقة بقطر، كما لها علاقة بجمهورية مصر العربية، بلبنان، بالأردن، دول المغرب العربي، على المستوى الدولي نحن لنا علاقة أيضًا بروسيا، هناك ترتيبات لزيارة قريبة إلى دولة جنوب إفريقيا كذلك. لذلك هذه الشبكة من العلاقات التي تتحرك بها حركة حماس هي منطلقة من إستراتيجية ومن رؤية لحركة حماس، حماس يجب ألا تتقوقع في زاوية معينة، في قطعة معينة في المنطقة و لأن ذلك سيعود بالضرر بالتأكيد على القضية الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني. هذا من زاوية.

       من زاوية ثانية، صفقة القرن لها مسارين، مسار فلسطيني متعلق بتصفية القضية الفلسطينية، والمسار الآخر هو بترتيب المنطقة وفق النظرية الأميركية لتعزيز الهيمنة والنفوذ الأميركي في المنطقة ولإدخال الكيان الإسرائيلي ليكون جزء من هذه المنطقة. لذلك الموضوع الذي حصل في المنطقة الإنقسام بين الدول وهذا الوضع القائم ربّما مثّل للإسرائيلي وضعاً إقليمياً ذهبياً من خلاله يستطيع أن ينفّذ المخطط الذي كان موضوع في الدرج.

من هنا، نحن ربّما تحدثنا اليوم في جانب من جوانب الحديث أنه مهم جداً أن نقطع الطريق على هذا التوجّه الأميركي الذي يهدف إلى السيطرة على المنطقة، على مصادر الطاقة فيها، على الممرات التجارية الرئيسية البحرية والمائية والجوية، إلى أن تتسيّد إسرائيل بشكل أو بآخر هذه المنطقة إبتداءً بالشراكة وانتهاءً بالهيمنة من خلال ما يسمى ببناء تحالفات، مرة تحدثوا عن ناتو عربي، مرة يتحدثون الآن عن لقاءات لدول محيط البحر الأحمر، تحدثوا عن قمم ممكن أن تُعقَد في هذه العاصمة أو تلك، مشاركة بعض الدول العربية وأيضًا مشاركة إسرائيل. لذلك نحن نرى بأنّ هذا الوضع وضع ضار يُفترَض على القوى الحية، على الدول المتضررة من السياسة الأميركية بالحدّ الأدنى، المتضررون من السياسة الأميركية أن يوجدوا بالتأكيد مساحة من التفاهم والحوار لتخفيض حدة التوتر ولبناء جسور ثقة ولمعالجة القضايا بمنطق الحوار وبمنطق الأخوة وبمنطق المصالح المشتركة للجميع. 

نحن كحركة حماس نعم لنا علاقات نتمتع بها، ونحن جاهزون بالحقيقة بأي دور يمكن أن يُسهم في خفض هذا التوتر، في بناء جسور ثقة، في إعادة ترتيب المنطقة بما يقطع الطريق على السياسة الأميركية وأيضًا بما يؤمّن شبكة الأمان للموقف الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية.

 كلنا أمل أن لا يستمر هذا التوتر القائم، أن لا يحصل هذا الصدام بين الدول الوازنة والدول المؤثّرة والمهمة بالنسبة لنا وفي المنطقة وفي الإقليم، وهذا ما نتمناه وما نسعى إليه وأيضاً جاهزون لأن نلعب أي دور على هذا الصعيد.

سلام العبيدي: اسمح لي سيدي أن نذهب إلى فاصل قصير ومن ثمّ  نعود لنكمل هذه المقابلة.

أعزائي المشاهدين فاصل قصير ومن ثمّ نعود ونكمل المقابلة مع السيد إسماعيل هنية، فابقوا معنا.

فاصل

سلام العبيدي: أعزائي المشاهدين أهلاً وسهلاً بكم من جديد إلى هذه المقابلة الخاصة مع رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس السيد اسماهيل هنية.

سيدي نعود إلى الملفّ الأول الذي تحدّثتَ عنه مع الجانب الروسي، ملف صفقة القرن. طبعاً تحدثتم عن بعض الأمور المهمة وهي كيفية مواجهة هذا الأمر، كيفية التصدي له، أريد أن أسأل هنا كيف يمكن أن تجنّدوا الشعب الفلسطيني بشكل عام؟ كانت هناك في البداية مسيرات وإلى آخره لكن نرى بعض الخمول في الآونة الأخيرة، كيف يمكن تحفيز الشعب الفلسطيني وأيضاً كيف يمكن تحفيز الشعوب العربية الأخرى على الوقوف بوجه هذه الصفقة؟

إسماعيل هنية: الشعب الفلسطيني هو حقيقة شعب لا يتعب ولا يكلّ ولا يملّ مطلقاً من استمرار المقاومة والمقاومة والصمود، وشعبنا الفلسطيني منذ أكثر من مئة عام حتى الآن هو في خط المواجهة الساخن مع الاحتلال الإسرائيلي، موجة بعد موجة، يعني ثورات، انتفاضات، مقاومة متواصلة لا تتوقف، وربّما آخر ابداعاته كانت مسيرات العودة وكسر الحصار التي استمرت قرابة سنتين كل يوم جمعة أسبوعياً يخرج عشرات الآلاف من أبنائنا وبناتنا كباراً وصغاراً في غزة على حدود غزة والأسلاك الشائكة مع الحدود الإسرائيلية، وقدّم ثورة عظيمة من البطولة ومن التضحية والفداء والإقدام، بما في ذلك، في اليوم الذي قرر فيه الأميركان نقل السفارة الأميركية في 14-5-2018 من المواجهة في مسيرات العودة ارتقى حوالى سبعين شهيد، مهروا بالدم رفضهم لهذا القرار، وأكدوا بأن هذه القدس لا يمكن أن تكون عبرانية ولا يمكن أن تكون إلا إسلامية، بالدم مهروها.

ثمّ واصلنا المسيرات وغيرها. بعد صفقة القرن الحقيقة مَن ينظر إلى رقعة وجود الشعب الفلسطيني هناك عمل كبير جداً، هناك عمل على المستوى الشعبي الجماهيري، على المستوى السياسي الدبلوماسي، على مستوى المؤتمرات، على مستوى اللقاءات القيادية الفلسطينية، نحن في الخارج في لبنان على سبيل المثال مخيّماتنا لا تتوقف عن التدفق الوطني والفعاليات الشعبية بشكل دائم، شعبنا في الأردن، حتى في أوروبا، نحن بعد وقت قصير سيكون هناك نسخة 18 لمؤتمر فلسطيني أوروبي الذي سينعقد في باريس هذا العام، هناك حركة نشطة حقيقةً لشعبنا الفلسطيني لمواجهة هذه الصفقة. 

اليوم نحن نريد أن نؤطّر هذه الفعالية عبر استراتيجية وطنية وعبر هياكل بعمل ميداني، في الضفة الغربية وفي القدس وفي الداخل الفلسطيني وفي غزة وفي الخارج، انظر حتى في القدس، المواجهة مع القدس لا تتوقف، مع الاحتلال لا تتوقف، الحفاظ على المسجد الأقصى وحمايته بصدورهم العارية، بقبضاتهم بصلواتهم، انظر أخي الحبيب اليوم إلى ما يُسمى بصلاة الفجر العظيمة، عشرات الآلاف يتدفقون فجراً في القدس، في المسجد الأقصى، في الحرم الإبراهيمي، في مساجد غزة، في مساجد الضفة الغربية، في كثير من المساجد في الخارج. نعم، هذا شكل تعبّدي، نعم، هذه صلاة، لكن هذا أيضًا شكل من أشكال الرفض الفلسطيني لأية مؤامرات تستهدف حقوقنا الوطنية وأيضًا تأكيد على حيوية الشعب الفلسطيني حتى لو من باب المسجد ومحراب المسجد في مواجهة هذا الاحتلال الإسرائيلي.

نحن الحقيقة بحاجة لتطوير الفعل بالتأكيد، من هنا نحن نؤكد وقلنا أن الموقف الذي أعلنه الأخ أبو مازن أنه ضد الصفقة وعبّر عن ذلك في خطاباته في رام الله، في الجامعة العربية، في مجلس الأمن، نحن بحاجة إلى أن يتمّ ترجمة هذه الأقوال إلى أفعال في بناء إستراتيجية ميدانية وطنية سياسية إعلامية شعبية جماهيرية في الداخل وفي الخارج لكي نستثمر هذا الرفض الفلسطيني الموحّد لهذه الصفقة.

وأيضًا نحن بحاجة حقيقةً إلى وقفة من شعوب الأمة العربية والإسلامية، فلسطين ليست للفلسطينيين وحدهم، القدس ليست للفلسطينيين وحدهم، نعم نحن رأس الجسر، نحن المرابطون، لنا شرف الرباط في الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى والمقدسات المسيحية والإسلامية، لكن هذه القدس أولى القبلتين ثالث الحرمين، مسرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، معراجه إلى السماوات العلى، لذلك هذه لكل عربي ولكل مسلم، بل هي لكل حر في هذه العالم. 

لذلك نعم، أنا أدعو من خلال شاشة الميادين الشعوب العربية والإسلامية إلى مزيد من الفعاليات، إلى مزيد من التضامن، إلى مزيد من التصدي لهذه السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية.

سلام العبيدي: سيدي كيف لذلك أن يتحقق وهناك جنوح عند البعض نحو التطبيع؟ على سبيل المثال من لقاء الرئيس السوداني الحالي مع نتنياهو، هو ليس اللقاء الأول لمسؤول عربي كبير.

إسماعيل هنية: في الحقيقة نحن نعبّر عن أسفنا وعن غضبنا لكل محاولات التطبيع أو الإقتراب من الاحتلال الإسرائيلي وقادة الاحتلال الإسرائيلي، الحقيقة أنه حتى المبادرة العربية رغم تحفّظنا الكبير عليها هي كانت تتكلم عن السلام ثمّ التعامل والتطبيع، اليوم قُلبَت الأمور، اليوم التطبيع أولاً وعلى حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى حساب السلام. لذلك نحن غير راضين بالمطلق لا عن مؤتمر وارسو ولا عن مؤتمر المنامة ولا عن اللقاء الذي تم بين نتنياهو وبرهان أخيراً، ولا أي لقاءات تطبيعية مع هذا الاحتلال الإسرائيلي. مخطئ مَن يعتقد بأنّ النجاة هي في الإقتراب من إسرائيل، هذه كنافخ الكير إمّا أن يحرقك وإّما أن يسوءك برائحته النتنة، هكذا هو الاحتلال الإسرائيلي، مخطئ مَن يعتقد بأن الطريق إلى الأميركان مرهون برضى الإسرائيلي، مخطئ مَن يعتقد بأن التضحية بالقضية الفلسطينية يمكن أن يكون ممراً للنجاة ولبقائه في سدة الحكم في هذه الدولة أو تلك، هذه كلها لا يمكن أن تكون مقبولة. لذلك انظروا إلى مجريات التسويات، إلى الصفقات الصغيرة أين قادت؟ قادت إلى الصفقة الكبرى وهي صفقة ضياع فلسطين، الصفقات الصغيرة من أوسلو، وادي عربة، وقبلها وبعدها في النهاية أوصلتنا إلى ضياع فلسطين بالطريقة التي عرضتها الولايات المتّحدة الأميركية ويقبلها الإسرائيلي.

من هنا لا بدّ من وقف هذا التطبيع والتصدي له، طبعاً تصدي شعبياً، سياسياً، إعلامياً، ونحن نحيي حقيقةً كل قوى المقاومة والممانعة السياسية، ونحيي كل المجاميع في هذه الأمة التي ترفض التطبيع، ترفض الإنصياع للإرادة الأميركية الإسرائيلية، تؤمن بحتمية النصر على هذا الاحتلال، وأنّ حركة التاريخ حركة لا تتوقف، مَن هو قوي اليوم صغير الغد، ومن هو صغير اليوم قوي الغد، من يبني حساباته على مراحل الضعف هو أيضًا مخطئ، يمكن أن يأخذ الإنسان شكل من أشكال المناورة ولكن لا يبني حساباته واستراتيجياته على مراحل الضعف أو مراحل التعب التي تمرّ بها الأمّة. مرّ على قضية فلسطين وعلى فلسطين وعلى الأمة كثيرون ولكن لم يعد لهم أثر. نحن على يقين كامل بأنّ أيضًا هذا المشروع الصهيوني لا مستقبل له على أرض فلسطين المباركة.

سلام العبيدي: أستاذي العزيز ما هي آفاق التوصّل إلى تهدئة طويلة الأمد مع الكيان الصهيوني ولا سيّما في ظلّ تهديدات شخصيات كبينيت وغيره بشنّ حملة عسكرية ضد قطاع غزة؟

إسماعيل هنية: التهديدات لم تتوقف وهي مستمرة ولكنها لا تُخيفنا ولا يمكن أن تردع المقاومة، المقاومة في غزة عصيّة عن الكسر، قوية، مستمرة بإستراتيجية التراكم وبناء القوة، وهي خاضت ثلاثة حروب شنّها الاحتلال الإسرائيلي وآخرها كان حرب 2014 التي استمرت 51 يوم وسجّلت المقاومة الفلسطينية بكل عناوينها وفي مقدّمتها كتائب القسّام، سجّلت صفحات من ذهب في مواجهة الاحتلال وفي ردعه على الإستمرار بعدوانه على قطاع غزة.

قضية التهدئة طويلة المدى أنا لا أعتقد أنها واردة، طويلة المدى أي سنوات وإلى آخره، هذا مرتبط بمعالجة أكبر من قضية ظروف غزة، ولكن أن يكون هناك تفاهمات، مقابل هذه التفاهمات يُرفَع الحصار عن قطاع غزة، تنتهي المعاناة لشعبنا الفلسطيني، يتمتع أهلنا في غزة ببعض الحقوق التي سلبها منهم الاحتلال والحصار فهذا أمر متوافق عليه بين الفصائل الفلسطينية وفيه متابعة من قبل الإخوة في مصر والإخوة في قطر. ولكن نحن نراقب أيضًا سلوك الاحتلال الإسرائيلي خاصة وأنه من آن إلى آخر يقوم بشنّ عدوان ويتحرّش أيضًا بفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، كان قبل فترة هو الذي قال بإغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، هو الذي قام بقصف دمشق واستهداف الشهيد العجوري واستهدف ولده رحمة الله تعالى عليه، وهو أخيراً الذي قصف في دمشق واستهدف إثنين من إخواننا وأبنائنا من حركة الجهاد الإسلامي وأيضًا هذا الشهيد البطل الذي رفعته جرافات الاحتلال بأبشع صور النازيّة حقيقةً أمام مرأى ومسمع العالم، لذلك من حقّ الفصائل، من حق المقاومة أن تردّ على العدوان، أن تتصدى للإستهدافات، وأن تحمي أيضًا وتدافع عن شعبنا الفلسطيني. في نفس الوقت إذا ما التزم الاحتلال تلتزم فصائل المقاومة. إذا ما استمر في تطبيق التفاهمات والقيام بالإلتزامات المترتبة عليه بموجب هذه التفاهمات فأنا أعتقد أننا من جانبنا أيضًا مستمرون في هذه التفاهمات والعمل بمقتضاها تحقيقاً لتطلّعات شعبنا ولمصالحه العليا في هذه المرحلة كخطوة على طريق مشروع التحرير والعودة والإستقلال.

سلام العبيدي: سيدي ألا ترون في انتقائية الكيان الصهيونية في الآونة الأخيرة تحديداً كما ذكرت الآن استهداف فصائل معينة أو أشخاص ينتمون لحركة معينة، ألا ترى في هذه الإنتقائية محاولة لشقّ الصف الفلسطيني والتساهل مع فصيل آخر، ألا ترى زرع فتنة أم أنكم تتعاملون مع هذا الشيء بشكل طبيعي؟

إسماعيل هنية: هو زرع فتنة بين فصائل المقاومة أمر لا يمكن أن ينجح، وتحديداً العلاقة بين حماس وإخواننا في الجهاد علاقة استراتيجية، وانتقلت نقلات نوعية على أكثر من صعيد وعلى أكثر من مسار، ونحن في حالة من الإنسجام والتفاهم مع إخوتنا في حركة الجهاد الإسلامي، وحتى إذا حصل أي تباينات في زاوية من الزوايا سرعان ما تجري اللقاءات والتفاهم بشأنها وترتيب الأوراق بمقتضى إدارة المقاومة وحماية المصلحة العليا لشعبنا الفلسطيني.

من جانب آخر الاحتلال حقيقةً لا يفرّق بالأساس، هو أحياناً يكون ضد حماس، أحياناً يستهدف الجهاد، يستهدف الشعبية، يستهدف شعبنا، حتى في الضفة الغربية ربّما لا توجد صواريخ ولا توجد أنفاق وكذا، يواجه شعبنا الفلسطيني بصدوره العارية، لكنه يمعن بقتل بناتنا وصبايانا، طلابنا الذاهبون إلى المدارس والجامعات، وشاهدنا كيف عملية القتل من جنود يتلذذون وهم يصوّبون الرصاص على شبابنا الفلسطيني في مناطق مختلفة في الضفة الغربية، كيف أحرقوا بيوت، كيف أحرقوا مساجد، كيف أحرقوا أبو خطير، كيف أحرقوا أطفال، لذلك الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع شعبنا ككتلة واحدة وعلى أنّ هذا الشعب عدو وأنّ هذه الأرض هذه أرض الميعاد وهي أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض، فيتعامل مع قطاع غزة أيضًا علي هذا النحو، هو مرّات يدّعي أنّ هناك صاروخ خرج من إخواننا في حركة الجهاد فيردّ على حركة حماس، يضرب مقرات حركة حماس، يضرب مواقع لكتائب القسّام.

هو لا يفرّق حقيقةً، ونحن بالأساس نملك الوعي الكامل لقطع الطريق على إحداث أي شقوقات داخل صفّ المقاومة الفلسطينية وخاصة بين حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي.

سلام العبيدي: هناك أمور كثيرة تهمّ المشاهدين، على سبيل المثال مشاركتكم في تشييع الفريق قاسم سليماني، ألم تثر هذه المشاركة حفيظة أو استياء أو عدم رضى لدى البعض؟

إسماعيل هنية: لا، المشاركة والتعزية هي واجبة، علاقتنا بإيران علاقة إستراتيجية، الشهيد سليماني كان له دور مركزي ومحوري في دعم القسّام وفي دعم المقاومة الفلسطينية، أيضًا هو قُتل غدراً على أيدي الأميركان، لذلك أن يكون هناك مشاركة بوفد من قيادة حركة حماس بالتعزية هذا شيء طبيعي.

الأمر غير الطبيعي أن لا يكون هناك مشاركة أو تعزية وأعتقد أنّ هذا غير وارد ولم يكن واردا.

سلام العبيدي: تتحدثون عن علاقة استراتيجية مع إيران، في نفس الوقت هناك كلام بأنّ السيد حسن نصرالله يبدو أنه يخوض وساطة بينكم وبين القيادة السورية، هل هذا الشيء وارد، هل هناك مانع؟

إسماعيل هنية: السيد نصرالله هناك لقاءات عديدة تمّت معه وهو بالتأكيد محلّ إحترامنا في حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية، ربّما هذا الموضوع لم يأخذ هذا المنحى الذي تفّضلتَ به أنه عرض من جانبه شيء يتعلق بموضوع العلاقة مع سوريا، مع العلم في ظنّي أنه لا يمانع وأنه مستعد وأنه جاهز في ما لو طُلب منه أن يقوم بمثل هذا الدور. نحن نتابع حقيقةً هذه المسألة، نحن نتمنى دائماً لسوريا الاستقرار، الأمن، وحدة الأراضي السورية، سيادتها على كامل التراب السوري، نحن رفضنا القرار الأميركي باعتبار الجولان السوري المحتلّ جزء من الكيان الصهيوني، ونتمنى إن شاء الله أن يأتي وقت ليكون هذا الموضوع على الطاولة.

سلام العبيدي: إذا وقع عدوان جديد على غزة ما هي القدرات التي ستقومون بحشدها سواءً على صعيد المقاومة في قطاع غزة، وما هي توقعاتكم من محور المقاومة بشكل عام في المنطقة؟

إسماعيل هنية: ليس من السهل أن أتحدث عن ما تملك المقاومة الفلسطينية وما يملكه كتائب القسام، ولكن فقط أعطي إشارة بأنّ القسام مع فصائل المقاومة في 2014، إخواننا في السرايا وبقية المقاومة الفلسطينية، هو صمد 51 يوم حتى اللحظة الأخيرة وصواريخ القسّام كانت تدكّ في كثير من المواقع والأماكن الصهيونية، فرضت حظر جوي على مطار اللد في ذلك الوقت. بعد ست سنوات بالتأكيد من 2014 إلى 2020 بالتأكيد قوة المقاومة، قوة كتائب القسام أصبحت أضعاف أضعاف ما كانت عليه في 2014. باختصار إذا فكّر الاحتلال الصهيوني بأي حماقة تجاه قطاع غزة فهو سيرى ما لم يره في 2014، دونما أن أتحدث عن أي تفاصيل.

سلام العبيدي: أودّ أن أسألك سيدي عن الانتخابات عند الحركة، متى تعتزمون إجراء هذه الانتخابات  في المكتب السياسي؟ هل هناك احتمال عودة الأخ أبو الوليد للقطاع؟ وما هو تصوّركم للعملية السياسية في داخل الحركة كيف ستكون؟

إسماعيل هنية: مما تفتخر به حركة حماس هذه العملية الشورية الديمقراطية في تجديد مؤسساتها الشورية وكذلك التنفيذية.

نحن كل أربع سنوات نجري انتخابات في كافة أقاليم الحركة في غزة والضفة بشكل يتلاءم مع ظرفها الأمني، وكذلك في الخارج، وهذا شيء فيه مؤسسية عالية، فيه حيوية عالية، فيه تكامل أجيال، فيه أيضاً توريث تجارب قيادية، ولذلك حماس اليوم فيها طبقات قيادية كثيرة جداً منذ أن انطلقت في عام 1987 حتى الآن طبقات قيادية كثيرة جداً.

بالتأكيد من حق أي أخ في الحركة بما فيهم الأستاذ خالد مشعل أبو الوليد، له الحق الكامل أن يكون هو جزء من هذه العملية، والحركة هي سيدة نفسها، مجلس الشورى الذي سيكون منتخَباً هو الذي سينتخب قيادة الحركة، أي قيادة تُنتخَب سيكون لها بالتأكيد الثقة الكاملة من قبل الحركة ومكوّناتها، وأي رئيس سينتخبه مجلس شورى الحركة سيكون بالتكيد محل احترامي وتقديري وثقتي العالية والعمل بكامل القوة والطاقة الى جانبه من أجل جماية مشروعنا الفلسطيني ومشروع المقاومة الفلسطينية.

سلام العبيدي: سؤال أخير سيدي الكريم، تقومون بنشاط دولي وزرتم عدداً من الدول، هل هذه المسيرة ستستمر بالفترة المقبلة؟ وهل ستعودون الى غزة في المستقبل القريب لا سيّما مع الانتخابات؟

إسماعيل هنية: طبعاً الانتخابات لا يزال أمامنا وقت، هناك سنة حتى يأتي الإستقاق الإنتخابي لأنه كما قلت كل أربع سنوات لدينا انتخابات، مضى تقريباً ثلاث سنوات لهذه الدورة، ربّما بقي سنة وبعض الشهور يعني لا يزال أمامنا وقت في هذا الموضوع.

أنا مقرّي بالأساس في غزة، مقرّ القيادة رئيس الحركة في غزّة، وتم انتخاب رئيس الحركة وهو في غزة، على أرضه، في وطنه، بين أبناء شعبه في الداخل وبين قواته وبين فصائل المقاومة على الأرض، ولذلك ليس لي مقرّ إلا غزة، إلا مقرّ الوطن، لكن بالتأكيد رئيس الحركة شيء طبيعي جداً أن يكون عنده إنسيابية التحرك من غزة وخارجها ومن الخارج الى غزة. اليوم أنا بصدد جولة على كثير من الدول وأيضاً بصدد القيام بالتزاماتي وواجبي كرئس للحركة في ما يتعلق بإخواني الموجودين في هذا العالم الواسع، في دول كثيرة، بما في ذلك إخواني في الضفة الغربية، هذا الشىء الطبيعي حقيقةً. 

ربّما أنا سأحتاج لمزيد من الوقت حتى أتمم ما بدأته في هذه الجولة، حتى أستكمل المسارات، أنا وضعت مسارات متعددة لهذه الجولة سواءً على الصعيد الداخلي أو العلاقات السياسية ومشروعنا المقاومة أو موضوع العلاقة مع الأمة، معالجة الأزمة المالية التي تمرّ بها الحركة، هناك مسارات متعددة لا زلت بحاجة لبعض الوقت للبقاء في الخارج لاستكمال هذه المسارات والقيام بالتزاماتي وواجباتي كرئيس للحركة تجاه الحركة ومكوناتها جميعاً، كما كنت في الداخل والخارج والعكس، ولكن في المحصّلة الأخيرة أنا سأعود إن شاء الله الى غزة.

سلام العبيدي: أستاذ إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس شكراً جزيلاً على وقتكم وعلي رحابة صدركم.

بارك الله بك وشكراً لك على هذه المقابلة، وأنا أحيي كل المشاهدين عبر شاشة الميادين.

سلام العبيدي: أعزائي المشاهدين وشكرٌ موصولٌ لكم على حسن المتابعة، والى لقاء جديد مع ضيف جديد، أستودعكم الله.