الشرق الأوسط وصفقة القرن

 

مقدّمة:

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن قضايا الشرق الأوسط وفي الأخصّ "صفقة القرن" التي أعلنها "دونالد ترامب". هلّ الصفقة فاشلة؟ هذا هو سؤالنا. مأخذي على المُجتمع السياسي في (بريطانيا) و(أوروبا) وسواهما من الدوائِر السياسية أنّهم يتعاملون مع الأمر كما لو أنه ثورة غضب مُحرِجة لقريبٍ مُسنّ في زاوية الغرفة يتظاهر الجميع أنها لم تحصل أبداً، لكن المشكلة هي أنّ المسألة في غاية الجديّة في (واشنطن) وفي (القدس) المحتلّة. إدارة "ترامب" قد تنجح وقد لا تنجح في الانتخابات العامّة في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم في (الولايات المتّحدة) ولكن إن نجحت ينوي "ترامب" المضيّ قُدماً في "صفقة القرن" هذه وسيكون "نتنياهو" قد بدأ بالفعل في تنفيذ أجزاءٍ من الصفقة التي تأتي فعلاً لمصلحة القضيّة الإسرائيلية الصهيونية، كما أنّ هذه الصفقة جديّة للغاية لأنّ كلّ واحدة من تلك الخُطط، مهما كانت تُعتبر غير مُجدية في كلّ مكانٍ آخر، تقدِّم قاعدة لانطلاق الخطة التي تليها. فاتفاقيّة (أوسلو) التي تطلّبت تضحيات ضخمة من الشعب الفلسطيني لا سيّما التخلّي عن الأراضي على نطاقٍ واسع وإنكار حقّ الفلسطينيين المشروع في بلدان الشتات في العودة إلى وطنهم على نطاق واسع، هذه الخطّة الجديدة تجعل اتّفاقيّة (أوسلو) تبدو كجنّة في المقارنة. هذه الخطّة الجديدة التي لا تنص فحسب على ضمّ "وادي (الأُردن)" ولا توضح فحسب أنّ الدولة الفلسطينية لن تكون أبداً دولة فعلياً بل مجموعة مواقع كما في (جنوب أفريقيا) ولن تحظى أبداً بعاصمتها في (القدس) بل في المقاطعات الشرقية لـ (القدس) كما تم تقديم الأمر في طريقةٍ ماكرة. هذه الخطّة تُنهي بالفعل النضال الطويل للشعب الفلسطيني من أجل حصولهم على دولة وضمان حقّ عودتهم. كثيرون محرجون أيضاً من مصدرها الفاسد لأنّها وليدة عمل صهر الرئيس الأميركي "ترامب" وهو رجل لديه أقارب وعلاقات شخصيّة مع القادة الإسرائيليين، فـ "بنيامين نتنياهو" نام مراراً في غرفة الضيوف في منزله الخاص وهذا يشير إلى قوّة العلاقة بينهما ولم يعرِض "جارد كوشنير" يوماً أيّ فكرة تتعلّق بشؤون الدولة أو اهتمام ومعرِفة في شؤون الدولة الخارجية ويتباهى أنّه قرأ 25 كتاباً، تصوّروا، عن الشرق الأوسط كتمهيد لرسم تلك الخطّة. مصدر الفساد القائم المؤلّف من شبكة فاسدة من داعمي (إسرائيل) في البيت الأبيض وفي محيط العائِلة الرئاسية هو أحد مشاكل هذه الخطّة. فقد رفضتها البلدان العربيّة كلّها رغم أنّ ثلاثة بلدان أرسلت سفراءها إلى البيت الأبيض للاطّلاع على فحوى البرنامج لكن ما من بلد عربيّ وافق على ما يُسمّى بـ "خطّة السلام" التي عمل عليها "كوشنير" ولم يعترف بها أيّ بلد مسلم، فقد رفضت منظّمة الدول الإسلاميّة الخطّة في شكلٍ كاملٍ تماماً مثلما رفضتها جامعة الدول العربيّة. ما من فلسطيني مهما كان معتدلاً قد يقبل بهذه الخطّة وبالفعل لم يقبلها أحد لأنّها تفتقر إحياء الروابط القروية وتعيد ابتكار خطّة التقسيم الإسرائيلية السابقة بهدف إضعاف "منظّمة التحرير الفلسطينية"، من الصعب أن نرى كيف أنّ أي شخص مغفّل قد يتقدّم من الجانب الفلسطيني للتفاوض في شأن هذه الخطّة التي لم تحصل على دعم كبير في (أوروبا) كما ذكرت ورغم أنّ حكومة "بوريس جونسون" البريطانية منحتها ترحيباً مبكراً حذراً كخطوة أولى. إذاً ما الذي سيحصل الآن ضمن الحلبات الفلسطينية والعربيّة والإسلامية؟ ماذا سيحصل على ساحة السياسة الدوليّة؟ هل نشهد نهاية نضال شارك معظمنا فيه لفترة طويلة من حياتهم وشارك بعضنا فيه طوال حياتهم لأننا كنّا ضحايا تأسيس دولة (إسرائيل) الصهيونية منذ البدء؟ كالعادة ينضمّ إلينا جمهور من الخبراء المميّزين وبعض الهواة المتحمّسين أمثالي ومن بينهم شخص كان حاضراً منذ البدء وخسر كلّ شيء في "النكبة" وسيكون أوّل المتكلّمين هذا المساء. الدكتورة "غادة كرمي" انضمّت إلينا، يسرّني وجودكِ معنا دكتورة. كيف تبدو خطّة  "ترامب" للسلام في الشرق الأوسط بالنسبة إليكِ؟ 

غادة الكرمي – طبيبة وأكاديميّة: أظن أنّك اختصرت الأمور في شكلٍ ممتاز لاسيّما المُشكلات الرئيسيّة في خطّة السلام هذه ولكن قد أُضيف أنه من بين الأخبار السيّئة جداً أنّ "جارِد كوشنير" خلال رسمه للخطّة قال إنّ التاريخ لا يهمّه! لكن إن كانت هناك مسألة مهمّة جداً معنيّة بهذا الوضع فهي التاريخ. ثانياً، الخطّة ستطال الشعب الفلسطيني أكثر من أيّ أحد آخر بالإضافة إلى أنّه لم يكن هناك أحد يُمثّلهم حين تمّ رسم هذه الخطّة، إذاً هذا يُعطي فكرة واضحة عن نوعيّة "صفقة القرن" المزعومة هذه. أجل بالفِعل، في صغري كنت ضحيّة قيام دولة (إسرائيل) وأنا في المنفى مذ ذاك الوقت وبالنسبة لي أحد أخطر جوانب هذه الخطّة هو القضاء على حقّ العودة وهذا أمر ندفع ثمنه كلّنا في المنفى أكثر من أيّ شخص آخر بالطبع. لكن ما يقلقني فعلاً في هذا الشأن هو أنّ هذه الصفقة هي مزحة وقد قرأتها، في الواقع قرأتها بعناية وأذكُر أنني اعتبرتها مزحة في البرهة الأولى لأنّه يستحيل على أحد أن يأخذها على محمل الجدّ كما ظننت، لكن المُشكلة في تلك الخطط الأميركيّة الصهيونيّة أنها مهما بدت مُضحكة لكن لديها تأثير، فالأمر لا يقتصر كما أشرت حضرتك على كونها قاعدة لمفاوضات السلام المزعومة. لكن، وهنا أُريد أن أُسلّط الضوء على هذه الفكرة، ما هو دور المجتمع الدولي المزعوم؟ مهما كان نوع الغضب الذي تسبّب به "ترامب" للفلسطينيين فقد جرى تخطّيه، يُظهر الناس غضباً ويُحدثون ضجّة وجَلَبة ولكن هذا لا يعني شيئاً وفي النهاية يحصل هذا الشيء. مؤخراً كما تعلم رأينا أنّ (الولايات المتّحدة) اعترفت بـ (القدس) كعاصمة لـ (إسرائيل) وسرعان ما رفضت جامعة الدول العربيّة والاتحاد الأوروبي وغيرهما هذه الفكرة، لكن ما الذي يحصل؟ لا شيء! الآن باتت (القدس) وكأنّها فعلاً عاصمة (إسرائيل) وقد حصل الأمر نفسه مع مرتفعات (الجولان) لكن ما الذي حصل؟ لا شيء! بالإضافة إلى أمثلة كثيرة عن ذلك. لذا الأمر الذي أودّ فعلاً أن أُشير إليه هو أنّه ما من قوّة تردع (إسرائيل) أو تردع (الولايات المتّحدة) وإن لم نواجه هذا الواقع سنظلّ جالسين هنا العام المقبل برفقتك الرائِعة لنتحدّث عن أفظع المُستجدّات التي ارتكبها هذان الحليفان. في رأيي نحتاج إلى طرح السؤال التالي: ما الخطب؟ لماذا تقف الفعاليّات الدوليّة مكتوفة اليدين وتسمح بهكذا تصرُّف؟ نحن لا نتحدّث عن الاحتياجات الكثيرة ولكن في النهاية ينبغي التصرُّف ولكن لا أحد يتصرّف، فلماذا هذا الشلل؟ 

جورج غالاواي: أنتم تعرفون جيّداً أنّ المسألة أصبحت سامّة للغاية ومُكهربة جدّاً إلى درجة أنّ السياسيين لا يتجرؤون على مسّها. في الماضي حين بدأت أعمل على هذه المسألة في منتصف سبعينات القرن الماضي لم تكن هناك أغلبيّة ولكن كان هناك عدد كبير من السياسيين الذين كانوا يدعمون الجانب العربي والجانب الفلسطيني من المسألة لكن الآن لم يتبقَّ أحد منهم. يسعنا القول إنّ "جيرمي كوربين" رئيس "حزب العُمّال" تعرّض للتعذيب حتّى الموت نتيجة عقودٍ من دعمه للشعب الفلسطيني والآن لدينا خلفاؤه المفترضون الذين يتفوّق بعضهم على بعض في طاعتهم لوجهة النظر الإسرائيلية. ما زال بعضهم يقول إنّه يدعم حقوق الفلسطينيين وما إلى ذلك لكن عبوديّتهم في دعمهم للأعمال الإسرائيلية ومفهوم دولة (إسرائيل) تدحض أيّة دموع تماسيح قد يذرفونها إنْ ذرفوها على الفلسطينيين. ينبغي عكس ذلك عبر الاتحاد الأوروبي مثلاً ولا يجوز أن يقتصر السؤال على (بريطانيا)، هلّ بات دعم الجانب الفلسطيني انتحاراً سياسياً؟ غالباً ما أمزح قائِلاً إنّني لو دعمت (إسرائيل) بدلاً من (فلسطين) لكنت الآن على الأرجح رئيس وزراء سابق وقد أكّد لي ذلك بعض داعمي (إسرائيل). في (الولايات المتّحدة) ربّما يختار "بيرني ساندرز" مقاربة مُختلفة إن تمّ انتخابه، وهذ مُجرّد احتمال بالتأكيد. إن صار مُرشّحاً وإن فاز قد يتّخذ وجهة نظر مُختلفة تجاه "كوشنير" و"ترامب". لذا في طريقة ما السؤال المطروح هو، كيف كنّا أقوياء في الماضي فيما الآن نحن ضعفاء ونخاف من الجانب الإسرائيلي؟ هذا سؤال كبير لكن ربما السيّد "عُثمان" الصحافي المميّز يُمكنه الإضاءة على هذه النُقطة لأنّ الدكتورة "كرمي" سألت، لماذا لا يفعل أحد أيّ شيء؟ ورأيي هو أن يقوم أحد بأي شيء هو انتحار في حدّ ذاته ويُمكنني أن أريكم ندباتي 

ماهر علمان – صحافي: بالتأكيد، أظنّ أنّ اللوبي اليهودي في هذا البلد وفي (الولايات المتّحدة) وفي قسمٍ كبيرٍ من البلدان الأوروبيّة لطالما استخدم سلاح "مُعاداة الساميّة"، أيّ شخص يدعم القضيّة الفلسطينية أو يتجرّأ وينتقد (إسرائيل) سرعان ما يتهمّ بأنّه معادٍ للساميّة وهذا الأمر أدّى إلى حال خوف في هذه البلاد. لقد تكلّمت عن "جيرمي كوربين" وإن تصفّحت صحيفة "التايمز" بالأخصّ ستجد في كلّ يومٍ مقالة خاصّة عن "مُعاداة الساميّة" في "حزب العُمّال" تتّهم "جيرمي كوربين" بمقابلة هذا الزعيم الفلسطيني أو ذاك. إذاً هذا سلاح قويّ جداً وهو يُقدِّم صورة مشوّهة. أعني الفلسطينيين والعرب في شكلٍ عام هم شعوب ساميّة ولكن في هذه المرحلة كما ذكرت دكتورة "غادة" يتعرّض القانون الدولي للدوس. كما تعلم هناك قرارات صادرة عن الأُمم المتّحدة تدعم الحقوق الفلسطينية وحقّ العودة وأنّ (القدس) الشرقيّة على الأقل يجب أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية وأنّ احتلال أراضي آخرين هو أمرٌ مرفوض، لكن "نتنياهو" والرئيس "ترامب" داسا على القانون الدولي في هذه القرارات كلّها وهذا في أيامنا هذه يُشير إلى أنّ الحق هو في القوّة أو يبدو هذا لأنّ المُجتمع الدولي صامت ولا يتصرّف لتطبيق القرارات الدوليّة التي تصبّ في مصلحة قيام دولة فلسطينيّة. في مرحلة مُعيّنة وقبل أن يتسلّم "ترامب" سدّة الرئاسة اعتبر المُجتمع الدولي كلّه أنّ الحلّ يكمُن في قيام دولتين كأمرٍ ينبغي أن يحصل ويتبلور. لكن في أيامنا هذه منطق السياسة الإسرائيلية هو "عِشْ ودَعْ غيرك يموت"، والفلسطينيون حين وقّعوا منذ زمن غير بعيد على اتفاقيّة (أوسلو) كانوا يقولون للإسرائيليين: "سنتعايش وسنعيش معاً وسنقبل بـ 22 في المئة فقط من أرضنا" وهذه كانت تضحية كبيرة جداً في الواقع، في أيّامنا هذه تريد (إسرائيل) كامل الأراضي الفلسطينية من دون أيّ نقاش. عام 1948 حينما بدأت الحرب ورثوا المُدن التي بنيناها وورثوا مزارعنا ومصانعنا الصغيرة ولم يتركوا لنا شيئاً وطردونا، وفي رأيي ما سيحصل الآن هو أنّ (إسرائيل) تحصل على رخصة للاستمرار في التطهير العرقي للفلسطينيين  

جورج غالاواي: حتّى الآن داخل مناطق الخطّ الأخضر الأماكن التي كنت أزورها وأستمتع بها مثل (المُثلّث) كما يُسمّى هو من الأجزاء التي لم تلقَ إلا ملاحظة ضئيلة في "صفقة القرن" المطروحة من "ترامب" والهدف هو طرد تلك المناطق من (إسرائيل) أيّ التخلُّص من 325 ألف فلسطيني يحملون الجنسيّة الإسرائيلية وذلك بشطبة قلم، فما رأيك في ذلك كتطهير عرقي؟ لقد بحثت في وثائق التاريخ ولم أجد أيّة عيّنة عن أمرٍ مماثل. بالتأكيد يتمّ طرد الناس ولكن نادراً ما يتمّ ذلك في طريقة قانونيّة ويُطردون من الأماكن التي يكونون فيها 

ماهر علمان: في مسألة التطهير العرقي أودّ أن أُشير إلى كتاب المؤرِّخ الإسرائيلي " "إيلان بابيه". يشرح الكتاب الجذور والخطط العلميّة لاختيارهم القُرى التي سيتمّ تدميرها، ما يقارب أربعمئة بلدة فلسطينية تمّ هدم منازلها هدماً كاملاً، ولتنفيذ ذلك قاموا باستطلاعات جويّة لتحديد مواقع تلك القرى لتدميرها. لذا تمّ الأمر عمداً ووفقاً لخُطط علميّة مدروسة جيداً. حتّى عند التوصّل إلى اتفاقيّة (أوسلو) بين الفلسطينيين والإسرائيليين قسّموا (الضفة الغربيّة) إلى المناطق "أ" و "ب" و "ج"، المنطقة "أ" التي تخضع للسيطرة الفلسطينية مباشرةً كانت من المناطق المأهولة جداً، وكان عدد سكّان المنطقة "ب" أقل، فيما عدد السكان في المنطقة "ج" أقلّ بكثير وكانت نوايا الإسرائيليين منذ البداية بناء مستوطنات فيها. إذا هذا كان شكلاً آخراً من أشكال المضيّ في عمليّة التطهير العرقي وذلك في الاستيلاء على الأراضي للحؤول دون توسّع الفلسطينيين عبر هذه الأراضي 

جورج غالاواي: "يوسف حلو" هو صحافي آخر مميّز وهو قادم من (غزّة) حيث تقابلنا للمرة الأولى، كيف هو الرأي العام الفلسطيني الآن في رأيك؟ هو بالتأكيد يرفض خطّة "ترامب" ولكن ما هو الرأي في شأن ما ينبغي القيام به؟ 

يوسف الحلو – صحافي: إن سألت أيّ فلسطيني فسيقول لك إنّ (فلسطين) ليست للبيع وسيقول لك إنّ حقوقنا الثابتة ليست للبيع، وما تمّ عرضه على الفلسطينيين لم يكن خطّة سلام بل كان خطّة إملائيّة للانتهاء من القضيّة الفلسطينية، كما سيقول أيّ فلسطيني إنّ الإدارة الأميركية لم تكن يوماً وسيط سلام. يبدو أنّه تمّ حشر الفلسطينيين في الزاوية للتخلّي عمّا تبقّى من حقوقهم ويشعر الفلسطينيون أنّه تمّ التخلّي عنهم من قِبَل المُجتمع الدولي المزعوم ومن قِبَل بعض البلدان العربيّة في منطقة الخليج، في الواقع هذه طريقة للضغط على الفلسطينيين للاستسلام. لقد كانت (إسرائيل) تعمل على مدار الساعة وتشتري الوقت ويشعُر الفلسطينيّون أنّهم مُهملون. يظنّ الغرب أو بالأحرى الدول العُظمى الغربيّة أنّه ينبغي على الفلسطينيين أن يؤمنوا ويقبلوا أنّهم ضحيّة الأحداث السيّئة التي حصلت في (أوروبا) على يد (ألمانيا) النازيّة، إذاً يبدو أنّنا الضحايا ونحن كبش المحرقة جرّاء الإهانات التي حصلت في أربعينات القرن العشرين. إذاً في شكلٍ عام رفض الفلسطينيّون خطّة السلام المزعومة لأنّها لا تُلبّي الحدّ الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني للحصول على دولة فلسطينية مُستقلّة مع شرق (القدس) تقوم على أراضٍ تمّ احتلالها عام 1967. إذاً هم لا يقبلون بدور الوساطة الذي تلعبه الإدارة الأميركيّة بل يؤمنون أننا نعيش في شريعة الغاب حيث العدالة مفقودة لذا يشعرون بالخيبة وفقدان الأمل 

جورج غالاواي: فقدان الأمل هو شعور سيّئ للغاية بالتأكيد، هل لدى أحد خطّة في (فلسطين)؟ يسعنا القول ويؤسفني ذلك أنّ قيادة فلسطينية مرّت عليها هذه الأحداث وأدّت إلى ما آلت إليه حان الوقت على الأرجح أن تتقاعد. قالوا إنّهم سيقطعون التعاون الأمني مع (إسرائيل) لكنّهم لم يفعلوا ذلك 

يوسف الحلو: تمّ التقدُّم بطلبات كثيرة لوقف التنسيق الأمني وعلى الأرجح وقف تنفيذ اتفاقيّة (أوسلو)، لكن ذلك لم يتبلور. لذا بالنسبة إلى الفلسطينيين هذه المفاوضات وهميّة ولن تصل إلى نتيجة أبداً لأنّ بعض الأشخاص يستفيدون من هذه السُلطة. إذاً لا نعرِف إن كانت هناك مواقف فعليّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة للذهاب إلى المحكمة الجنائيّة أو استخدام ورقة التنسيق الأمني فعلياً، فالجانب الإسرائيلي يعرِف أنّ القيادة الفلسطينية ضعيفة لذا يمكنهم التصرّف كما يريدون. لم تعُد المستوطنات في الضفّة الغربيّة تُعتَبَر غير قانونيّة وتتم مصادرة الأراضي الفلسطينية ليلاً ونهاراً وهناك الآلاف من الفلسطينيين في السجون الإسرائيليّة ومواردنا تتعرّض للسرقة وغازنا الطبيعي في البحر المتوسِّط يتعرّض للسرقة، لذا ينبغي بالقيادة الفلسطينية أن تتخذ المزيد من الإجراءات الميدانيّة لتُظهِر لشعبها أنّها تهتمّ فعلاً بحقوق الفلسطينيين. إذاً في ضوء الانشقاق بين "فتح" و"حماس" كان الشعب الفلسطيني يعيش على الهامش، لذا الاتّحاد هو الخطوة الأولى في اتجاه التضامن لمواجهة كلّ التحدّيات الخارجيّة والمُطالبة بحقوقنا 

جورج غالاواي: في الماضي كانت تحصل انتفاضة ردّاً على هذه الأمور. لقد حصلت بالطبع احتجاجات وتظاهرات لكنّها لم تُعتَبَر انتفاضة، صحيح؟ 

يوسف الحلو: لم تكن انتفاضة بل كانت طريقة للتعبير عن الغضب والاستياء لأنّك لو كنت ستنتفض ضدّ شعبك رأينا أنّ "الربيع العربي" لم يأتِ بنتائِج جيّدة وكان الفلسطينيون يأملون أن يأتي "الربيع العربي" بتغيير في المنطقة. بالتأكيد، العرب في العالم العربي يكنّون الاحترام للشعب الفلسطيني ونضاله ولكن القيادة الفلسطينية تحول دون أن يُعبِّروا عن حقوقهم 

جورج غالاواي: لنتطرّق إلى هذه المسألة 

يوسف الحلو: لذا هناك خيبة الأمل والاستياء 

جورج غالاواي: تصوّروا أنّ (البحرين) اعتقلت رجلاً اليوم لأنّه أحرق عَلم (إسرائيل) في بلدٍ عربيّ! سنعود إليكم بالمزيد بعد الفاصل       

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (فلسطين) و(إسرائيل) والشرق الأوسط وخطّة السلام التي طرحها "دونالد ترامب". اصطحبنا كاميرا "كلمة حرّة" إلى شوارِع (لندن) لاستطلاع آراء الناس، فلنشاهِد 

المُحاوِر: ما الذي يحقّقه "دونالد ترامب" مما نُسمّيه "صفقة القرن" فيما كان يعلم أنّ مُعظم البلدان سترفضه في نهاية الأمر؟

شاب 1: أظن أنّ "ترامب" يريد أن يحذف القضيّة الفلسطينيّة بكاملها. يريد في شكلٍ أساسي أن يمحي بالكامل فكرة قيام دولة فلسطينيّة مُستقلّة 

رجُل 1: يريد أن يمنح (إسرائيل) كلّ ما تريده 

رجل 2: يريد تسهيل توسّع (إسرائيل) إلى داخل (فلسطين) والحؤول دون التوصّل إلى حلّ قيام دولتين 

شابة 1: أجهل ما يُحاول "ترامب" تحقيقه من خلال خطّته هذه ولا أعتقد أنّه يأخذ الفلسطينيين في عين الاعتبار ولا أظنّ أنّه في موقع يسمح له بعرض الصفقات على الفلسطينيين. هذه ليست صفقة مناسبة للفلسطينيين وهذا غير منصف 

شاب 2: لستُ واثقاً من أنّه كان يعلم بأنّ الدول كلّها سترفض خطّته، أظنّ أنّه كان يأمل بأنّ بعض البلدان ستقبلها، ولكن أيضاً لديّ شعور بأنّها مؤامرة تتعلّق بالانتخابات المُقبلة في (إسرائيل) و(الولايات المتّحدة) ولهذا الأمر علاقة بخطّة السلام، ولكنني أشعُر أنّه يُحاول الحصول على المزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة 

شاب 3: بكلّ صراحة، لا أظنّ أنّه يريد تحقيق السلام، في رأيي هو يُريد تحقيق النصر لـ (إسرائيل) ولا شيء إطلاقاً لـ (فلسطين) 

المحاور: هل قد تحظى القضيّة الفلسطينية على اعتراف أفضل من خلال رفض "صفقة القرن" أو القبول بها؟

شاب 1: لستُ واثقاً من أنّ للأمر علاقة مترابطة لأن الفلسطينيين يحصلون على الدعم الدولي في أيّة حال، لذا لستُ واثقاً من أنّ للأمر أيّة علاقة. ينبغي أن يرفضوها ولكن أجهل ما سيكون ردّ الفعل! على الأرجح سيؤدي إلى توحيد الصفوف

رجُل 1: أظنّ ذلك لأنّهم إن لم يرفضوا الخطة سيظنّ الجميع أنّهم راضون بها ويجدر بهم ألا يرضوا بها لأنّها صفقة فاسدة وهذا الأمر يُغضبني

شاب 2: أظنّ ذلك إذ هناك عدد كبير من الناس في أنحاء العالم ضدّ "صفقة القرن" وكثيرون يدعمون القضيّة الفلسطينية وأظنّ أنّ كثيرين في أنحاء العالم يعتبرون "صفقة القرن" الطريق المؤدّي إلى التمييز العُنصري 

شابة 1: لكنّهم الآن لا يحصلون على الدعم الدولي، قبل الصفقة لم يكن الدعم للفلسطينيين موجوداً وبعد الصفقة لن يحصلوا على أيّ دعم وسيبقى الوضع على حاله إن رفضوا الخطّة

رجُل 2: بالتأكيد، لا شيء سيكسبونه إن وافقوا على الخطّة 

شاب 3: لست واثقاً من ذلك ولكن أظنّ أنّهم سيكسبون وعياً أكبر وأجهل إن كان هذا الوعي سيؤدّي إلى أيّ دعم ولكن ستزداد نسبة الوعي

جورج غالاواي: كما رأينا، هناك اعتراف كبير في الشارع في بلاد "وعد بلفور"، ونظراً إلى أهميّة الموضوع نتساءل كيف أنّ اللوبي الإسرائيلي والسياسة البريطانية يتمتّعان بقوّةٍ كبيرة إذا كان هذا رأي الناس في الشارع! سيّدي، الميكروفون معك فماذا تريد أن تقول؟ 

تيم الفاروق - صحافي: مرحباً أنا "تيم الفاروق" من (برلين) في (ألمانيا) وأنا صحافي أعمل لحسابيَ الخاص. كوني من (ألمانيا) من المُدهش أنّنا كألمان لا يُسمح لنا أن نقول أيّ شيء عن (إسرائيل)، نرتاد المدارِس ونتعلّم أنّ (ألمانيا) ارتكبت أمراً سيّئاً وينبغي على الجميع قبول هذه القصّة وهي حقيقية بالتأكيد. قُتل ستّة ملايين يهودي وكانت هذه جريمة ألمانيّة ضدّ البشريّة، كانت إبادة جماعيّة ولكن هذا الشعور بالذنب لدى الألمان لا يسمح لهم بالنظر أبعد لربط أنّ ما يحصل في (فلسطين) لا علاقة له بالمحرقة إطلاقاً. لديك شخص مثل "جوديث باتلر" التي كانت في (برلين) وكان يُفتَرَض بها أن تلقي كلمة في حَدثٍ داعم للفلسطينيين لكن هذا الحدث تمّ إلغاؤه لأسبابٍ لوجستيّة كما قالوا. أظنّ أن سياسية ألمانية من اليسار، من "الحزب الأخضر"، نعتت "جودي باتلر" بكونها مُعادية للساميّة وقالت إنّ الأشخاص الذين دعوها أخطأوا في دعوة امرأة معادية للسامية لتُلقي كلمة. المُشكلة هي أننا لا نتمتّع بأيّة قوّة كما ذكرتِ يا دكتورة "كرمي"، لا وجود لأيّة قوّة لحماية الفلسطينيين، لا قوّة للدفاع عنهم لأنّه لو دافع أحد عنهم سيكون كما ذكرتِ معادياً للساميّة. إذاً في رأيي المُشكلة هي كيف سنقنع الناس بأنّ مسألة ما لا علاقة لها بأُخرى

جورج غالاواي: هذا مثير للاهتمام. لنستمع إلى الشاب في الوسط 

رامي عزيزي- ناشط سياسي فلسطيني: مرحباً، إسمي "رامي عزيزي" وأنا فلسطيني من (بيت لحم). أظنّ أنّه في هذه المرحلة الأخيرة في الأيام الماضية عانى الفلسطينيّون جداً وهُم الذين دفعوا الثمن. أظن أننا نحتاج إلى استقرار في هذا الجزء من المنطقة، نحتاج إلى التحرُّك لأجل المُستقبل وفي رأيي هذا مُمكن في ثلاث خطوات بسيطة، أولاً ينبغي بالعرب أن يتّحدوا معاً، وليتحقّق ذلك يجب أن يتوقّفوا عن لوم البلدان الأُخرى على عدم قدرتها على الاتّحاد لأنهم، صحّح لي إن كنت مُخطئاً، هم أصحاب القرار في الاتّحاد أو عدم الاتّحاد ولا يعود ذلك إلى (إيران) أو (المملكة السعودية) أو (أميركا) ولا حتّى إلى الأُمم المتّحدة التي اتّخذت 192 قراراً لمصلحة الفلسطينيين وعلى الرغم من ذلك لم يتمّ تنفيذ قرار واحد منها ميدانياً. ثم الخطوة الثانية هي في اتّحاد "فتح" و"حماس" والتوقّف عن لوم بعضهما، إن اتّحدت الحركتان معاً سيتّحد الشعب وسيأتي ذلك لمصلحتنا كفلسطينيين. ثالثاً، كما قالت الدكتورة "غادة" عمِلَ "دونالد ترامب" على الجزء الأساسي من "صفقة القرن" من خلال إعلان (القدس) عاصمة لـ (إسرائيل) ومن ثمّ إعلان ضمّ هضبة (الجولان) ومن ثمّ أوقف ملايين الدولارات من المُساعدات للفلسطينيين ثمّ لاحقاً تحدّثنا عن وقف التنسيق الأمني، ولكن هلّ ممكن أن يحصل ذلك؟ هل هذا سيعني نهاية اتفاقيّة (أوسلو) ونهاية السلطة الفلسطينية وهو أمر لا يريدونه؟ وفي الختام أودّ أن أسأل

جورج غالاواي: لماذا لا؟ ما الأمر الجيِّد الذي تفعله السلطة الفلسطينية؟ 

رامي عزيزي: أجهل ما الأمر الجيِّد الذي تفعله ولكن أسأل، لماذا لا يريدون وقف المُساعدات والعلاقات؟ 

جورج غالاواي: لأنّهم لا يريدون ترك مناصبهم! لا يريد أن يُصبِح الرئيس السابق أو رئيس الوزراء السابق وما إلى هنالك لكن هذه ليست ألقاباً مهمّة إذ لا وجود للسلطة الفلسطينية الوطنيّة فهي ليست سلطة وهي ليست وطنيّة، إنها فلسطينية ولكنّها لا تعمل لخدمة الفلسطينيين وهذا هو رأيي بها كشخص عاش مع "عرفات" ودعَمَ اتفاقيّة (أوسلو). كم كنت أحمقاً! 

رامي عزيزي: أنا أظنّ مثلك تماماً، أن خمساً وعشرين سنة من المفاوضات لم توصِل إلى شيء، لقد فشلنا تماماً ولم نتمكّن من وضع حدٍّ لهذا النزاع حتّى مع الحدود عام 1967. أجل، من المؤسف أننا فشلنا 

جورج غالاواي: إسمح لي بالقول إنّك تكلّمت في شكلٍ رائِع لكنّك وصفتها بخطوات بسيطة مع أنها بعيدة كلّ البُعد عن كونها بسيطة 

رامي عزيزي: بالفعل 

جورج غالاواي: تماماً كما فشل "حزب البعث" في توحيد (العراق) و(سوريا) يبدو أنّ الفلسطينيين يعجزون عن توحيد "فتح" و"حماس". حين بدأت في هذا المجال لم تكن حركة "حماس" موجودة ولم تكن قائِمة بعد وكان للفلسطينيين عنوان واحد، قائد واحد وعنوان واحد، هذا ما قاله "عرفات" دوماً: "إن أردتم التحدّث مع الفلسطينيين فعليكم التحدّث معي لأنّ منظّمة التحرير الفلسطينية تتكلّم باسم شعبنا كلّه في الداخل والخارِج ولدينا عنوان واحد" وهو (تونس) أو المكان الذي تمّ أخذه إليه حينها. لكن أُريد أنّ أتحدّاك في الخطوة الأولى من خطواتك البسيطة؛ قبل ولادتك بوقتٍ طويل، حين بدأت العمل على هذه المسألة كنّا ضعفاء جدّاً في الدول الغربيّة وأقوياء جداً في البلدان العربيّة، كان كلّ شخص عربيّ يدعم بحراة الشعب الفلسطيني وكان كلّ داعمي "منظّمة التحرير الفلسطينية" ليملأوا هذه القاعة عام 1975، أمّا الآن فلا يتّسع لنا (هايد بارك)، لكن يبدو أنّ العُنصر العربي اختفى بالكامل في رأيي. أعلم أنّ "يوسف" قال منذ قليل إنّ الحكومات هي السبب ولكن هلّ هذا صحيح؟ هل يقتصر الأمر على الحكومات فقط؟ العرب يذبحون بعضهم البعض في أنحاء مختلفة من العالم لأجل رايات بلدانٍ أُخرى أو لأجل قذِر إسلاموي، هُم على استعداد لمحاربة بعضهم بعضاً أكثر من استعدادهم لمُحاربة (إسرائيل). أوليس هذا جزءاً أساسيّاً من المُشكلة؟ 

رامي عزيزي: في رأيي أجل، وأقول لـ "دونالد ترامب" نيابةً عنّي وعن الأشخاص الذين أُمثّلهم في رأيي في (فلسطين)، "أرجوك خذ برأينا، هذه ليست خطّة سلام بل هذه خطّة حرب. ينبغي وقف ذلك، يحتاج الأمر إلى وضع حدّ له". شكراً    

جورج غالاواي: أحسنت قولاً، لننتقل إلى الشاب الجالس هنا في الصفّ الأوّل 

جوشوا ميغان – طالب وناشط سياسي: هل يعقل أنّ الأمر لن يقتصر على ذلك؟ هل تظن أنّ الأمر سيقتصر على الاحتلال من دون التوسُّع في الأراضي؟

جورج غالاواي: فعلياً كلّ المُستوطنات غير القانونية ستُصبِح شرعيّة في الواقع وستُصبِح جزءاً من (فلسطين)، (وادي الأُردن) الذي يُشكّل ثلاثين في المئة من مساحة (الضفّة الغربيّة) سيتمّ ضمّه إلى (إسرائيل) كما أنّ تَجاوُر قطاع (غزّة) مع (الضفّة الغربيّة) سيتحوّل إلى نفق

جوشوا ميغان: إذاً ما من تجاور 

جورج غالاواي: هذا تحديد غريب جدّاً للتجاور 

جوشوا ميغان: ولكن هلّ تظنّ أنّ (إسرائيل) ستتوسّع أكثر بعد ذلك؟ 

جورج غالاواي: أظن أنّ "نتنياهو" كان مستعدّاً للمباشرة في ذلك فوراً، لكن أظنّ أيضاً أنّ شخصاً من جهاز الأمن أو الاستخبارات أو الجسم العسكري أو أيّ أحد سيواجه عواقب ذلك أقنعه بالانتظار، وربّما أيضاً الأميركيّون، وإلا لكانوا نفّذوا ذلك فوراً. تفضّل "ماهر" 

ماهر علمان – صحافي: أودّ الرجوع إلى بدايات هذه الصفقة، إلى العام 1917 أي إلى "وعد بلفور" وإلى السنوات القليلة التي تلت ذلك. "حاييم وايزمان" الذي أدّى دوراً أساسيّاً في "وعد بلفور" كان يقول في اللقاءات العلنيّة، "سنذهب إلى (فلسطين) لنعيش بسلام مع الشعب الفلسطيني"، ولكن في الاجتماعات الخاصّة والمُغلقة مع اليهود في هذا البلد كان يقول، " سنجعل (فلسطين) يهوديّة بقدر ما هي (إنكلترا) إنكليزيّة". في عبارةٍ أُخرى، منذ البدء لم تبغِ الحركة الصهيونية موطناً لليهود في (فلسطين) فحسب بل أرادت دولة على كامل الأراضي الفلسطينيّة. إن عدت أبعد في التاريخ، إلى مُلهم الصهيونية "ثيودور هرتزل" الذي قال في دفتر يوميّاته السرّي، "سنذهب إلى (فلسطين)، وقبل أن نطرد الشعب الأصلي الفلسطيني سنجعله يقتلع الحجارة ويُفتت الصخور لإعداد الأرض لنا". إذاً انطلاقاً من ذلك أرادت الحركة الصهيونية كامل (فلسطين) وأرادت الأرض ولكن من دون سكّانها الأصليين، أي الفلسطينيين. الآن في "صفقة القرن" المزعومة هذه، الكاتب الفعلي لهذه الصفقة هو "نتنياهو". قد يكون "جارِد كوشنير" وضع بعض اللمسات عليها ولكن الواقع هو أنّ هذه الخطّة هي بمثابة لائِحة أمنيات وضعها "نتنياهو" وما فعله "ترامب" هو أنّه أخذ تلك اللائِحة ووضعها على ورقة بيضاء رسميّة من البيت الأبيض وأعلن أمام العالم أنّ هذه هي "صفقة القرن" التي أعدّها وهذا كلّ ما في الأمر بكلّ صدق. إنّها خطّة تُرغِم كلّ شخص حسّاس يتمتّع بحريّة التفكير ويؤمن بالعدالة أن يرفضها فوراً ومن دون تردّد، إنّها خطّة مُصممة لإرغام الفلسطينيين على رفضها 

جورج غالاواي: دكتورة "غادة"، في موضوع العودة إلى المبادئ الأولى، (إسرائيل) ليست لا أكثر ولا أقلّ من مشروع استعماري أوروبي، تماماً مثل جمهوريّة (جنوب أفريقيا) البيضاء و(روديسيا) البيضاء وأيّ جزء آخر من بلدان "الكومونويلث". أي أنّه مشروع كان ليقوم في أيّ مكانٍ آخر تمنحهم إياه الإمبراطوريّة البريطانيّة وكنّا لنسمع عن منظّمة تحرير مُختلفة مثل "منظّمة التحرير الأرجنتينية" لو نجحوا في إقامة هذا المشروع في (الأرجنتين) أو منظّمة تحرير (أوغندا) أو (السي شيل). كانوا مستعدّين لإقامة دولتهم في أيّ مكانٍ تحدّده لهم الإمبراطوريّة، والجملة التي قالها "وايزمان" والتي ذكرها صديقنا "ماهر" منذ قليل يُمكننا مقارنتها بحال مُشابهة وهي قيام دولة صغيرة في الشرق الأوسط تماماً كما في (إيرلندا) الشماليّة، هذه ستكون مركزاً للاستعمار الأوروبي الأبيض، إذاً هذا هو المبدأ الأوّل. أمّا المبدأ الثاني فهو أنّ لإدارة هذه الدولة على أرض شعبٍ آخر، إن لم تقتل أو تطرُد الشعب كلّه، ينبغي أن تُطبِّق سياسة التمييز العُنصري. أعني لا يُمكنني منحك حقّ تصويت مماثلاً لحقّي لأنّك ستختار إلغائي. لا يُمكنني أن أمنحك الحقوق التي أتمتّع بها لأنّك ستستخدمها لتُضعِف مشروعي الاستعماري. إذاً هذا مشروع استعماري فعلي يقوم على نظام التمييز العنصري ولا خيار آخر أمامه، هذا ما ينبغي تسميته بالفعل أليس كذلك؟ المُشكلة الأساسيّة مع (أوسلو) هي أنّنا تخلّينا عن ذلك وقلنا إنّه يحقّ لهم الوجود هناك ولكن يُمكنهم الحصول على 78 في المئة من ذلك. لقد حان الوقت لنتكلّم كما كنتم تتكلمون عن دولة عربيّة فلسطينية وإسرائيليّة واحدة حيث يعيش اليهود والمسلمون والمسيحيون كمواطنين متساوين من دون تفوُّق أحد على الآخر 

غادة الكرمي – طبيبة وأكاديميّة: بالتأكيد، وأنت مُحقّ تماماً بأنّ جوهر هذه المُشكلة يكمُن في طريقة النظر إليها وفي طريقة التعامل معها. الناس لم يفهموا كما أوضحت للتوّ أنّها دولة استعماريّة كلاسيكيّة من نواحٍ كثيرة، وتقوم الدولة الاستعمارية بتنفيذ حقوقها المُجحفة على الشعب الأصلي وهذا ما تفعله (إسرائيل) اليوم، يسرّني جداً أننا وصلنا إلى هذه النُقطة. أشعر أنّ علينا أولاً أن نفهم أننا هنا، إذاً لا جدوى من الندم أو التساؤل في شأن ما كان ليحصل فنحن هنا الآن، وما هو تحديد كلمة هنا؟ هنا هو واقع جغرافي وديموغرافي ينبغي أن ينال تركيز الناس. (إسرائيل) اليوم هي دولة واحدة ولا وجود لـ (فلسطين) التي نعرِفها، هناك المساحة بين النهر والبحر وهي مساحة واحدة تحكمها سلطة واحدة وهي (إسرائيل). ما هو هذا إذا لم يكن دولة واحدة؟ هذه هي الدولة الواحدة ولكن المُشكلة هي أنّها دولة تمييز عُنصري، والمُشكلة هي أنّ نصف شعبها تقريباً يملك الجنسيّة ويتمتّع بالحقوق بينما النصف الآخر لا يملك جنسيّة ولا يتمتّع بالحقوق. من المُدهش بالنسبة لي أنّ (إسرائيل) نجت بفعلتها وحكمت هذا الشعب من دون أن تمنحه أيّ حقّ منذ لحظة وصولها. الآن حان الوقت ليستلم الفلسطينيّون بأنفسهم زمام الأمور، أظن أنّ الوقت قد حان للتوقف عن الشعور بالندم وعن طرح الاحتمالات في شأن اتّحاد العرب. لا بديل عن استلام الفلسطينيين زمام الأمور ليقرّروا مصيرهم وقد فعلوا ذلك سابقاً حين أسّسوا "منظّمة التحرير الفلسطينيّة"، كان ذلك إنجازاً عظيماً وبرهاناً وإشارة إلى ما يحصل حين يقول الشعب، "نحن سنتصرّف أو نحن سنقوم بالأمر ولن ننتظر الإذن من أحد". في رأيي، حان الوقت مُجدّداً لكي يقوم الشعب بهذا الأمر بالضبط أي أن يقولوا: "نحن سنتصرّف الآن"، والأشخاص الذين سيقودون هذا التحرُّك هم الأشخاص على الأرض، لا مفرّ من ذلك. أنا في المنفى وأصدقائي هنا لدينا وجهات نظر وسنُساعِد وسندعم ولكن الدور في هذه المسألة ينبغي أن يقوم به الأشخاص على الأرض، هم يجب أن يقولوا: "لن نسمج بأن نخضع لحُكم لا ينصفنا ولا يمنحنا حقوقنا من (إسرائيل) كشعب للحظة إضافيّة"  وإن كانت (إسرائيل) ترغب في الاستمرار في حكمنا عليها أن تمنحنا حقوقاً متساوية مع الأشخاص الآخرين الذين تحكمهم. حين تطرّقت إلى هذا الموضوع في لقاءات سابقة أثار ذلك اعتراضات وانتقادات كثيرة وما إلى ذلك ولكن بالنسبة لي يبدو الأمر طبيعياً للغاية. إن كنت تُحكَم مع آخرين غيرك لكنّك لا تتمتّع بالحقوق نفسها فما الذي تفعله أولاً؟ لن تذهب مُجدّداً إلى (الأُمم المتّحدة) للمُطالبة بقرارٍ إضافي بل تُطالب الحاكم وتقول له إنّك لن تتحمّل المزيد من ذلك وتُطالبه بحقوق متساوية وإن كان ذلك لا يروقه فليغادر أراضيك. بالتأكيد لن تُغادر (إسرائيل) الأراضي لذا ينبغي على الفلسطينيين أن يمسكوا زمام الأمور ويجب أن يُطلقوا حملة مناسبة ومخططة وذكيّة موجّهة إلى الرأي العام العالمي والمحلّي يقولون من خلالها إنّهم لن يقبلوا بذلك أكثر ويُريدون الحقوق المُنصفة 

جورج غالاواي: دكتورة، "شين فاين" من "الحزب الجمهوري الإيرلندي فاز في الانتخابات في الجمهوريّة الإيرلنديّة ولطالما كان في السُلطة في الجزء البريطاني من (إيرلندا)، بدأ ذلك خلال حياتي وحياتك مع مطالب بالحقوق المدنيّة، في الواقع وعلى الطريقة القديمة الرجُل الواحد يساوي صوتاً واحداً، لقد نسوا أمر المرأة، رجل واحد، أمرأة واحدة، صوت واحد، حقوق متساوية. عام 1968 بدأ ذلك كحِراك في شمال (إيرلندا) واليوم بات قويّاً جداً في جزيرة (إيرلندا). لفد كنتِ رائِدة في طريقة تفكيركِ بعكسي أنا لكن أظن أنّكِ مُحقّة في أنّ التركيز يجب أن يكون كما يلي: حسناً، لقد أخذتم بلادنا ولأنّ الأمور هي ما عليه في المنطقة والعالم لا يُمكننا في الواقع فعل أيّ شيء حيال ذلك ولكن لن نقبل أن تحكموننا من دون حصولنا على الحقوق نفسها التي ينالها الآخرون منكم. هناك ستة ملايين منّا وستّة ملايين منكم لذا ينبغي أن نحصل على رجل واحد وامرأة واحدة وصوت واحد وقانون واحد ينطبق على الجميع، ويجب أن أقول لصديقنا الشاب في الوسط أنّه لوَهْم أن ننتظر العرب، وانتظار الأمم المتّحدة لن يجدي نفعاً، لن يأتي أحد لمساعدتكم وحان الوقت للقيام بذلك بأنفسكم مع قيادة سياسية جديدة بالكامل، هذا هو الأمر الوحيد الذي لم تقولينه ولن أُحرجكِ بدعوتكِ إلى قوله ولكن طروحات المُسنّين والطُرق القديمة والمطالب القديمة لم ولن تنجح ألا تظنّين ذلك؟                

غادة الكرمي: بالتأكيد، ذلك لأننا نواجه مُشكلات فعليّة مع هذا الحل المطروح الذي هو في المبدأ أمرٌ لا استثناء فيه ولكن لدينا مُشكلات لأنّ القيادة قائِمة وهي السلطة الفلسطينية وهي ما هي عليه، لا هدف لها وليست قادرة على إحداث أيّ تغيير لتقوم بدورها، لذا ينبغي أن يكون الحراك الشعبي شعبياً بكلّ معنى الكلمة. لدينا (جنوب أفريقيا) كمثل رائِع يُظهِر كيف أنّ الشعب المقموع يُمكنه أن يُقرِّر أنّه لن يعيش تحت القمع والظلم وعدم المُساواة وهو يرفض ذلك وانظروا إلى ما حصل. حينما يتحدّث المرء عن ذلك بالطبع السؤال التالي الضمني في ما قلته هو، كيف سيتم القيام بذلك؟ ولكن بالنسبة لي 

جورج غالاواي: لن تكون الأمور أسوأ مما هي عليه 

غادة الكرمي: لا، وبالنسبة لي يكفي أن تنطلق هذه الفِكرة وسيبدأ الناس بدعمها أكثر فأكثر، وكلّما ازداد دعم فكرة تقوم على مبدأ زاد احتمال تطبيقها 

جورج غالاواي: "يوسف"، الكلمة الأخيرة لك 

يوسف الحلو – صحافي: بالرغم من واقع أنّ القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس "عبّاس" يقول بوضوح إنّ الحلّ المطروح مات، فهي لا تنوي حلّ السلطة الفلسطينية لأنّها لا تريد منح الشرعيّة للاحتلال الإسرائيلي، لكن ليستلم الشعب زمام الأمور. هو يحتاج إلى دعمٍ معنويٍّ وروحيّ ولم يعُد ذلك موجوداً مع تطبيع العلاقات بين الأنظمة العربيّة و(إسرائيل) لذا في رأيي الحال التي نعيشها هي حال اليأس والاستياء لأنّ الشعب مُستاء. ومن دون الدعم الفعلي من القيادة الفلسطينية للشعب سيقول الشعب، "لماذا نُضحّي بأنفسنا ونتعرّض لإطلاق النار على جبهات (غزّة) أو (الضفّة الغربيّة) فيما قيادتنا لا تهتمّ بنا وتُكمِل تعاونها مع الشعب الإسرائيلي ولا تتخذ أيّة إجراءات ميدانيّة فعليّة لتُظهِر اهتمامها بنا؟" لذا في رأيي ينبغي أن يأتي القرار من الداخل من دون أن نُعلِّق آمالنا أكثر على الأنظمة العربيّة إذ يبدو أنّ كلّ بلد يواجه مُشكلاته الخاصّة وهناك قول عربيّ مأثور يقول: "لن يُساعدك أحد إن لم تُساعِد نفسك". إذاً يجب أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا إذ لدينا قضيّة مُحقّة. على الرغم من أن الناس فقدوا الأمل كما سبق وذكرت ولكن آمل أن يرى الفلسطينيون نوراً عند نهاية هذا النفق المُظلِم

جورج غالاواي: آمل ذلك أيضاً. لسخريّة القدر في سبعينات القرن العشرين وحتّى في جزء من ثمانينات القرن العشرين كان الفلسطينيون الشعب الأكثر ديمقراطيّة ونشاطاً وتعدّديةً بين كلّ الشعوب العربيّة. في (بيروت – لبنان) حيث كنت أزور "عرفات" في سبعينات القرن العشرين كان لكلّ حزب مبنى وكان لكلّ حزب صحيفة ومجلّة ولافتات وكان هناك وجود دائِم للأفكار والأجوبة والمنافسة لأجل الإدارة والقيادة، ويبدو أنّ مُعظم هذه الأمور اختفت. والآن بدلاً من ذلك لدينا الرئيس "محمود عبّاس" باركه الله وأتمنّى له حياة مديدة ولكن بالنسبة لي فترته في قيادة الأحداث انتهت صلاحيتها منذ وقتٍ طويل. أمضيتُ وقتاً رائِعاً وآمل أنكم تبادلونني الشعور. شكراً جزيلاً للحاضرين هنا وللمُشاهدين. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" وهذا كان برنامج "كلمة حرّة"    

الحلقة انتهت

 

 

كــلمـة حُـــرّة

تقديم الأستاذ جورج غالاواي

09-03-2020

مقدّمة:

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن قضايا الشرق الأوسط وفي الأخصّ "صفقة القرن" التي أعلنها "دونالد ترامب". هلّ الصفقة فاشلة؟ هذا هو سؤالنا. مأخذي على المُجتمع السياسي في (بريطانيا) و(أوروبا) وسواهما من الدوائِر السياسية أنّهم يتعاملون مع الأمر كما لو أنه ثورة غضب مُحرِجة لقريبٍ مُسنّ في زاوية الغرفة يتظاهر الجميع أنها لم تحصل أبداً، لكن المشكلة هي أنّ المسألة في غاية الجديّة في (واشنطن) وفي (القدس) المحتلّة. إدارة "ترامب" قد تنجح وقد لا تنجح في الانتخابات العامّة في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم في (الولايات المتّحدة) ولكن إن نجحت ينوي "ترامب" المضيّ قُدماً في "صفقة القرن" هذه وسيكون "نتنياهو" قد بدأ بالفعل في تنفيذ أجزاءٍ من الصفقة التي تأتي فعلاً لمصلحة القضيّة الإسرائيلية الصهيونية، كما أنّ هذه الصفقة جديّة للغاية لأنّ كلّ واحدة من تلك الخُطط، مهما كانت تُعتبر غير مُجدية في كلّ مكانٍ آخر، تقدِّم قاعدة لانطلاق الخطة التي تليها. فاتفاقيّة (أوسلو) التي تطلّبت تضحيات ضخمة من الشعب الفلسطيني لا سيّما التخلّي عن الأراضي على نطاقٍ واسع وإنكار حقّ الفلسطينيين المشروع في بلدان الشتات في العودة إلى وطنهم على نطاق واسع، هذه الخطّة الجديدة تجعل اتّفاقيّة (أوسلو) تبدو كجنّة في المقارنة. هذه الخطّة الجديدة التي لا تنص فحسب على ضمّ "وادي (الأُردن)" ولا توضح فحسب أنّ الدولة الفلسطينية لن تكون أبداً دولة فعلياً بل مجموعة مواقع كما في (جنوب أفريقيا) ولن تحظى أبداً بعاصمتها في (القدس) بل في المقاطعات الشرقية لـ (القدس) كما تم تقديم الأمر في طريقةٍ ماكرة. هذه الخطّة تُنهي بالفعل النضال الطويل للشعب الفلسطيني من أجل حصولهم على دولة وضمان حقّ عودتهم. كثيرون محرجون أيضاً من مصدرها الفاسد لأنّها وليدة عمل صهر الرئيس الأميركي "ترامب" وهو رجل لديه أقارب وعلاقات شخصيّة مع القادة الإسرائيليين، فـ "بنيامين نتنياهو" نام مراراً في غرفة الضيوف في منزله الخاص وهذا يشير إلى قوّة العلاقة بينهما ولم يعرِض "جارد كوشنير" يوماً أيّ فكرة تتعلّق بشؤون الدولة أو اهتمام ومعرِفة في شؤون الدولة الخارجية ويتباهى أنّه قرأ 25 كتاباً، تصوّروا، عن الشرق الأوسط كتمهيد لرسم تلك الخطّة. مصدر الفساد القائم المؤلّف من شبكة فاسدة من داعمي (إسرائيل) في البيت الأبيض وفي محيط العائِلة الرئاسية هو أحد مشاكل هذه الخطّة. فقد رفضتها البلدان العربيّة كلّها رغم أنّ ثلاثة بلدان أرسلت سفراءها إلى البيت الأبيض للاطّلاع على فحوى البرنامج لكن ما من بلد عربيّ وافق على ما يُسمّى بـ "خطّة السلام" التي عمل عليها "كوشنير" ولم يعترف بها أيّ بلد مسلم، فقد رفضت منظّمة الدول الإسلاميّة الخطّة في شكلٍ كاملٍ تماماً مثلما رفضتها جامعة الدول العربيّة. ما من فلسطيني مهما كان معتدلاً قد يقبل بهذه الخطّة وبالفعل لم يقبلها أحد لأنّها تفتقر إحياء الروابط القروية وتعيد ابتكار خطّة التقسيم الإسرائيلية السابقة بهدف إضعاف "منظّمة التحرير الفلسطينية"، من الصعب أن نرى كيف أنّ أي شخص مغفّل قد يتقدّم من الجانب الفلسطيني للتفاوض في شأن هذه الخطّة التي لم تحصل على دعم كبير في (أوروبا) كما ذكرت ورغم أنّ حكومة "بوريس جونسون" البريطانية منحتها ترحيباً مبكراً حذراً كخطوة أولى. إذاً ما الذي سيحصل الآن ضمن الحلبات الفلسطينية والعربيّة والإسلامية؟ ماذا سيحصل على ساحة السياسة الدوليّة؟ هل نشهد نهاية نضال شارك معظمنا فيه لفترة طويلة من حياتهم وشارك بعضنا فيه طوال حياتهم لأننا كنّا ضحايا تأسيس دولة (إسرائيل) الصهيونية منذ البدء؟ كالعادة ينضمّ إلينا جمهور من الخبراء المميّزين وبعض الهواة المتحمّسين أمثالي ومن بينهم شخص كان حاضراً منذ البدء وخسر كلّ شيء في "النكبة" وسيكون أوّل المتكلّمين هذا المساء. الدكتورة "غادة كرمي" انضمّت إلينا، يسرّني وجودكِ معنا دكتورة. كيف تبدو خطّة  "ترامب" للسلام في الشرق الأوسط بالنسبة إليكِ؟ 

غادة الكرمي – طبيبة وأكاديميّة: أظن أنّك اختصرت الأمور في شكلٍ ممتاز لاسيّما المُشكلات الرئيسيّة في خطّة السلام هذه ولكن قد أُضيف أنه من بين الأخبار السيّئة جداً أنّ "جارِد كوشنير" خلال رسمه للخطّة قال إنّ التاريخ لا يهمّه! لكن إن كانت هناك مسألة مهمّة جداً معنيّة بهذا الوضع فهي التاريخ. ثانياً، الخطّة ستطال الشعب الفلسطيني أكثر من أيّ أحد آخر بالإضافة إلى أنّه لم يكن هناك أحد يُمثّلهم حين تمّ رسم هذه الخطّة، إذاً هذا يُعطي فكرة واضحة عن نوعيّة "صفقة القرن" المزعومة هذه. أجل بالفِعل، في صغري كنت ضحيّة قيام دولة (إسرائيل) وأنا في المنفى مذ ذاك الوقت وبالنسبة لي أحد أخطر جوانب هذه الخطّة هو القضاء على حقّ العودة وهذا أمر ندفع ثمنه كلّنا في المنفى أكثر من أيّ شخص آخر بالطبع. لكن ما يقلقني فعلاً في هذا الشأن هو أنّ هذه الصفقة هي مزحة وقد قرأتها، في الواقع قرأتها بعناية وأذكُر أنني اعتبرتها مزحة في البرهة الأولى لأنّه يستحيل على أحد أن يأخذها على محمل الجدّ كما ظننت، لكن المُشكلة في تلك الخطط الأميركيّة الصهيونيّة أنها مهما بدت مُضحكة لكن لديها تأثير، فالأمر لا يقتصر كما أشرت حضرتك على كونها قاعدة لمفاوضات السلام المزعومة. لكن، وهنا أُريد أن أُسلّط الضوء على هذه الفكرة، ما هو دور المجتمع الدولي المزعوم؟ مهما كان نوع الغضب الذي تسبّب به "ترامب" للفلسطينيين فقد جرى تخطّيه، يُظهر الناس غضباً ويُحدثون ضجّة وجَلَبة ولكن هذا لا يعني شيئاً وفي النهاية يحصل هذا الشيء. مؤخراً كما تعلم رأينا أنّ (الولايات المتّحدة) اعترفت بـ (القدس) كعاصمة لـ (إسرائيل) وسرعان ما رفضت جامعة الدول العربيّة والاتحاد الأوروبي وغيرهما هذه الفكرة، لكن ما الذي يحصل؟ لا شيء! الآن باتت (القدس) وكأنّها فعلاً عاصمة (إسرائيل) وقد حصل الأمر نفسه مع مرتفعات (الجولان) لكن ما الذي حصل؟ لا شيء! بالإضافة إلى أمثلة كثيرة عن ذلك. لذا الأمر الذي أودّ فعلاً أن أُشير إليه هو أنّه ما من قوّة تردع (إسرائيل) أو تردع (الولايات المتّحدة) وإن لم نواجه هذا الواقع سنظلّ جالسين هنا العام المقبل برفقتك الرائِعة لنتحدّث عن أفظع المُستجدّات التي ارتكبها هذان الحليفان. في رأيي نحتاج إلى طرح السؤال التالي: ما الخطب؟ لماذا تقف الفعاليّات الدوليّة مكتوفة اليدين وتسمح بهكذا تصرُّف؟ نحن لا نتحدّث عن الاحتياجات الكثيرة ولكن في النهاية ينبغي التصرُّف ولكن لا أحد يتصرّف، فلماذا هذا الشلل؟ 

جورج غالاواي: أنتم تعرفون جيّداً أنّ المسألة أصبحت سامّة للغاية ومُكهربة جدّاً إلى درجة أنّ السياسيين لا يتجرؤون على مسّها. في الماضي حين بدأت أعمل على هذه المسألة في منتصف سبعينات القرن الماضي لم تكن هناك أغلبيّة ولكن كان هناك عدد كبير من السياسيين الذين كانوا يدعمون الجانب العربي والجانب الفلسطيني من المسألة لكن الآن لم يتبقَّ أحد منهم. يسعنا القول إنّ "جيرمي كوربين" رئيس "حزب العُمّال" تعرّض للتعذيب حتّى الموت نتيجة عقودٍ من دعمه للشعب الفلسطيني والآن لدينا خلفاؤه المفترضون الذين يتفوّق بعضهم على بعض في طاعتهم لوجهة النظر الإسرائيلية. ما زال بعضهم يقول إنّه يدعم حقوق الفلسطينيين وما إلى ذلك لكن عبوديّتهم في دعمهم للأعمال الإسرائيلية ومفهوم دولة (إسرائيل) تدحض أيّة دموع تماسيح قد يذرفونها إنْ ذرفوها على الفلسطينيين. ينبغي عكس ذلك عبر الاتحاد الأوروبي مثلاً ولا يجوز أن يقتصر السؤال على (بريطانيا)، هلّ بات دعم الجانب الفلسطيني انتحاراً سياسياً؟ غالباً ما أمزح قائِلاً إنّني لو دعمت (إسرائيل) بدلاً من (فلسطين) لكنت الآن على الأرجح رئيس وزراء سابق وقد أكّد لي ذلك بعض داعمي (إسرائيل). في (الولايات المتّحدة) ربّما يختار "بيرني ساندرز" مقاربة مُختلفة إن تمّ انتخابه، وهذ مُجرّد احتمال بالتأكيد. إن صار مُرشّحاً وإن فاز قد يتّخذ وجهة نظر مُختلفة تجاه "كوشنير" و"ترامب". لذا في طريقة ما السؤال المطروح هو، كيف كنّا أقوياء في الماضي فيما الآن نحن ضعفاء ونخاف من الجانب الإسرائيلي؟ هذا سؤال كبير لكن ربما السيّد "عُثمان" الصحافي المميّز يُمكنه الإضاءة على هذه النُقطة لأنّ الدكتورة "كرمي" سألت، لماذا لا يفعل أحد أيّ شيء؟ ورأيي هو أن يقوم أحد بأي شيء هو انتحار في حدّ ذاته ويُمكنني أن أريكم ندباتي 

ماهر علمان – صحافي: بالتأكيد، أظنّ أنّ اللوبي اليهودي في هذا البلد وفي (الولايات المتّحدة) وفي قسمٍ كبيرٍ من البلدان الأوروبيّة لطالما استخدم سلاح "مُعاداة الساميّة"، أيّ شخص يدعم القضيّة الفلسطينية أو يتجرّأ وينتقد (إسرائيل) سرعان ما يتهمّ بأنّه معادٍ للساميّة وهذا الأمر أدّى إلى حال خوف في هذه البلاد. لقد تكلّمت عن "جيرمي كوربين" وإن تصفّحت صحيفة "التايمز" بالأخصّ ستجد في كلّ يومٍ مقالة خاصّة عن "مُعاداة الساميّة" في "حزب العُمّال" تتّهم "جيرمي كوربين" بمقابلة هذا الزعيم الفلسطيني أو ذاك. إذاً هذا سلاح قويّ جداً وهو يُقدِّم صورة مشوّهة. أعني الفلسطينيين والعرب في شكلٍ عام هم شعوب ساميّة ولكن في هذه المرحلة كما ذكرت دكتورة "غادة" يتعرّض القانون الدولي للدوس. كما تعلم هناك قرارات صادرة عن الأُمم المتّحدة تدعم الحقوق الفلسطينية وحقّ العودة وأنّ (القدس) الشرقيّة على الأقل يجب أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية وأنّ احتلال أراضي آخرين هو أمرٌ مرفوض، لكن "نتنياهو" والرئيس "ترامب" داسا على القانون الدولي في هذه القرارات كلّها وهذا في أيامنا هذه يُشير إلى أنّ الحق هو في القوّة أو يبدو هذا لأنّ المُجتمع الدولي صامت ولا يتصرّف لتطبيق القرارات الدوليّة التي تصبّ في مصلحة قيام دولة فلسطينيّة. في مرحلة مُعيّنة وقبل أن يتسلّم "ترامب" سدّة الرئاسة اعتبر المُجتمع الدولي كلّه أنّ الحلّ يكمُن في قيام دولتين كأمرٍ ينبغي أن يحصل ويتبلور. لكن في أيامنا هذه منطق السياسة الإسرائيلية هو "عِشْ ودَعْ غيرك يموت"، والفلسطينيون حين وقّعوا منذ زمن غير بعيد على اتفاقيّة (أوسلو) كانوا يقولون للإسرائيليين: "سنتعايش وسنعيش معاً وسنقبل بـ 22 في المئة فقط من أرضنا" وهذه كانت تضحية كبيرة جداً في الواقع، في أيّامنا هذه تريد (إسرائيل) كامل الأراضي الفلسطينية من دون أيّ نقاش. عام 1948 حينما بدأت الحرب ورثوا المُدن التي بنيناها وورثوا مزارعنا ومصانعنا الصغيرة ولم يتركوا لنا شيئاً وطردونا، وفي رأيي ما سيحصل الآن هو أنّ (إسرائيل) تحصل على رخصة للاستمرار في التطهير العرقي للفلسطينيين  

جورج غالاواي: حتّى الآن داخل مناطق الخطّ الأخضر الأماكن التي كنت أزورها وأستمتع بها مثل (المُثلّث) كما يُسمّى هو من الأجزاء التي لم تلقَ إلا ملاحظة ضئيلة في "صفقة القرن" المطروحة من "ترامب" والهدف هو طرد تلك المناطق من (إسرائيل) أيّ التخلُّص من 325 ألف فلسطيني يحملون الجنسيّة الإسرائيلية وذلك بشطبة قلم، فما رأيك في ذلك كتطهير عرقي؟ لقد بحثت في وثائق التاريخ ولم أجد أيّة عيّنة عن أمرٍ مماثل. بالتأكيد يتمّ طرد الناس ولكن نادراً ما يتمّ ذلك في طريقة قانونيّة ويُطردون من الأماكن التي يكونون فيها 

ماهر علمان: في مسألة التطهير العرقي أودّ أن أُشير إلى كتاب المؤرِّخ الإسرائيلي " "إيلان بابيه". يشرح الكتاب الجذور والخطط العلميّة لاختيارهم القُرى التي سيتمّ تدميرها، ما يقارب أربعمئة بلدة فلسطينية تمّ هدم منازلها هدماً كاملاً، ولتنفيذ ذلك قاموا باستطلاعات جويّة لتحديد مواقع تلك القرى لتدميرها. لذا تمّ الأمر عمداً ووفقاً لخُطط علميّة مدروسة جيداً. حتّى عند التوصّل إلى اتفاقيّة (أوسلو) بين الفلسطينيين والإسرائيليين قسّموا (الضفة الغربيّة) إلى المناطق "أ" و "ب" و "ج"، المنطقة "أ" التي تخضع للسيطرة الفلسطينية مباشرةً كانت من المناطق المأهولة جداً، وكان عدد سكّان المنطقة "ب" أقل، فيما عدد السكان في المنطقة "ج" أقلّ بكثير وكانت نوايا الإسرائيليين منذ البداية بناء مستوطنات فيها. إذا هذا كان شكلاً آخراً من أشكال المضيّ في عمليّة التطهير العرقي وذلك في الاستيلاء على الأراضي للحؤول دون توسّع الفلسطينيين عبر هذه الأراضي 

جورج غالاواي: "يوسف حلو" هو صحافي آخر مميّز وهو قادم من (غزّة) حيث تقابلنا للمرة الأولى، كيف هو الرأي العام الفلسطيني الآن في رأيك؟ هو بالتأكيد يرفض خطّة "ترامب" ولكن ما هو الرأي في شأن ما ينبغي القيام به؟ 

يوسف الحلو – صحافي: إن سألت أيّ فلسطيني فسيقول لك إنّ (فلسطين) ليست للبيع وسيقول لك إنّ حقوقنا الثابتة ليست للبيع، وما تمّ عرضه على الفلسطينيين لم يكن خطّة سلام بل كان خطّة إملائيّة للانتهاء من القضيّة الفلسطينية، كما سيقول أيّ فلسطيني إنّ الإدارة الأميركية لم تكن يوماً وسيط سلام. يبدو أنّه تمّ حشر الفلسطينيين في الزاوية للتخلّي عمّا تبقّى من حقوقهم ويشعر الفلسطينيون أنّه تمّ التخلّي عنهم من قِبَل المُجتمع الدولي المزعوم ومن قِبَل بعض البلدان العربيّة في منطقة الخليج، في الواقع هذه طريقة للضغط على الفلسطينيين للاستسلام. لقد كانت (إسرائيل) تعمل على مدار الساعة وتشتري الوقت ويشعُر الفلسطينيّون أنّهم مُهملون. يظنّ الغرب أو بالأحرى الدول العُظمى الغربيّة أنّه ينبغي على الفلسطينيين أن يؤمنوا ويقبلوا أنّهم ضحيّة الأحداث السيّئة التي حصلت في (أوروبا) على يد (ألمانيا) النازيّة، إذاً يبدو أنّنا الضحايا ونحن كبش المحرقة جرّاء الإهانات التي حصلت في أربعينات القرن العشرين. إذاً في شكلٍ عام رفض الفلسطينيّون خطّة السلام المزعومة لأنّها لا تُلبّي الحدّ الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني للحصول على دولة فلسطينية مُستقلّة مع شرق (القدس) تقوم على أراضٍ تمّ احتلالها عام 1967. إذاً هم لا يقبلون بدور الوساطة الذي تلعبه الإدارة الأميركيّة بل يؤمنون أننا نعيش في شريعة الغاب حيث العدالة مفقودة لذا يشعرون بالخيبة وفقدان الأمل 

جورج غالاواي: فقدان الأمل هو شعور سيّئ للغاية بالتأكيد، هل لدى أحد خطّة في (فلسطين)؟ يسعنا القول ويؤسفني ذلك أنّ قيادة فلسطينية مرّت عليها هذه الأحداث وأدّت إلى ما آلت إليه حان الوقت على الأرجح أن تتقاعد. قالوا إنّهم سيقطعون التعاون الأمني مع (إسرائيل) لكنّهم لم يفعلوا ذلك 

يوسف الحلو: تمّ التقدُّم بطلبات كثيرة لوقف التنسيق الأمني وعلى الأرجح وقف تنفيذ اتفاقيّة (أوسلو)، لكن ذلك لم يتبلور. لذا بالنسبة إلى الفلسطينيين هذه المفاوضات وهميّة ولن تصل إلى نتيجة أبداً لأنّ بعض الأشخاص يستفيدون من هذه السُلطة. إذاً لا نعرِف إن كانت هناك مواقف فعليّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة للذهاب إلى المحكمة الجنائيّة أو استخدام ورقة التنسيق الأمني فعلياً، فالجانب الإسرائيلي يعرِف أنّ القيادة الفلسطينية ضعيفة لذا يمكنهم التصرّف كما يريدون. لم تعُد المستوطنات في الضفّة الغربيّة تُعتَبَر غير قانونيّة وتتم مصادرة الأراضي الفلسطينية ليلاً ونهاراً وهناك الآلاف من الفلسطينيين في السجون الإسرائيليّة ومواردنا تتعرّض للسرقة وغازنا الطبيعي في البحر المتوسِّط يتعرّض للسرقة، لذا ينبغي بالقيادة الفلسطينية أن تتخذ المزيد من الإجراءات الميدانيّة لتُظهِر لشعبها أنّها تهتمّ فعلاً بحقوق الفلسطينيين. إذاً في ضوء الانشقاق بين "فتح" و"حماس" كان الشعب الفلسطيني يعيش على الهامش، لذا الاتّحاد هو الخطوة الأولى في اتجاه التضامن لمواجهة كلّ التحدّيات الخارجيّة والمُطالبة بحقوقنا 

جورج غالاواي: في الماضي كانت تحصل انتفاضة ردّاً على هذه الأمور. لقد حصلت بالطبع احتجاجات وتظاهرات لكنّها لم تُعتَبَر انتفاضة، صحيح؟ 

يوسف الحلو: لم تكن انتفاضة بل كانت طريقة للتعبير عن الغضب والاستياء لأنّك لو كنت ستنتفض ضدّ شعبك رأينا أنّ "الربيع العربي" لم يأتِ بنتائِج جيّدة وكان الفلسطينيون يأملون أن يأتي "الربيع العربي" بتغيير في المنطقة. بالتأكيد، العرب في العالم العربي يكنّون الاحترام للشعب الفلسطيني ونضاله ولكن القيادة الفلسطينية تحول دون أن يُعبِّروا عن حقوقهم 

جورج غالاواي: لنتطرّق إلى هذه المسألة 

يوسف الحلو: لذا هناك خيبة الأمل والاستياء 

جورج غالاواي: تصوّروا أنّ (البحرين) اعتقلت رجلاً اليوم لأنّه أحرق عَلم (إسرائيل) في بلدٍ عربيّ! سنعود إليكم بالمزيد بعد الفاصل       

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (فلسطين) و(إسرائيل) والشرق الأوسط وخطّة السلام التي طرحها "دونالد ترامب". اصطحبنا كاميرا "كلمة حرّة" إلى شوارِع (لندن) لاستطلاع آراء الناس، فلنشاهِد 

المُحاوِر: ما الذي يحقّقه "دونالد ترامب" مما نُسمّيه "صفقة القرن" فيما كان يعلم أنّ مُعظم البلدان سترفضه في نهاية الأمر؟

شاب 1: أظن أنّ "ترامب" يريد أن يحذف القضيّة الفلسطينيّة بكاملها. يريد في شكلٍ أساسي أن يمحي بالكامل فكرة قيام دولة فلسطينيّة مُستقلّة 

رجُل 1: يريد أن يمنح (إسرائيل) كلّ ما تريده 

رجل 2: يريد تسهيل توسّع (إسرائيل) إلى داخل (فلسطين) والحؤول دون التوصّل إلى حلّ قيام دولتين 

شابة 1: أجهل ما يُحاول "ترامب" تحقيقه من خلال خطّته هذه ولا أعتقد أنّه يأخذ الفلسطينيين في عين الاعتبار ولا أظنّ أنّه في موقع يسمح له بعرض الصفقات على الفلسطينيين. هذه ليست صفقة مناسبة للفلسطينيين وهذا غير منصف 

شاب 2: لستُ واثقاً من أنّه كان يعلم بأنّ الدول كلّها سترفض خطّته، أظنّ أنّه كان يأمل بأنّ بعض البلدان ستقبلها، ولكن أيضاً لديّ شعور بأنّها مؤامرة تتعلّق بالانتخابات المُقبلة في (إسرائيل) و(الولايات المتّحدة) ولهذا الأمر علاقة بخطّة السلام، ولكنني أشعُر أنّه يُحاول الحصول على المزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة 

شاب 3: بكلّ صراحة، لا أظنّ أنّه يريد تحقيق السلام، في رأيي هو يُريد تحقيق النصر لـ (إسرائيل) ولا شيء إطلاقاً لـ (فلسطين) 

المحاور: هل قد تحظى القضيّة الفلسطينية على اعتراف أفضل من خلال رفض "صفقة القرن" أو القبول بها؟

شاب 1: لستُ واثقاً من أنّ للأمر علاقة مترابطة لأن الفلسطينيين يحصلون على الدعم الدولي في أيّة حال، لذا لستُ واثقاً من أنّ للأمر أيّة علاقة. ينبغي أن يرفضوها ولكن أجهل ما سيكون ردّ الفعل! على الأرجح سيؤدي إلى توحيد الصفوف

رجُل 1: أظنّ ذلك لأنّهم إن لم يرفضوا الخطة سيظنّ الجميع أنّهم راضون بها ويجدر بهم ألا يرضوا بها لأنّها صفقة فاسدة وهذا الأمر يُغضبني

شاب 2: أظنّ ذلك إذ هناك عدد كبير من الناس في أنحاء العالم ضدّ "صفقة القرن" وكثيرون يدعمون القضيّة الفلسطينية وأظنّ أنّ كثيرين في أنحاء العالم يعتبرون "صفقة القرن" الطريق المؤدّي إلى التمييز العُنصري 

شابة 1: لكنّهم الآن لا يحصلون على الدعم الدولي، قبل الصفقة لم يكن الدعم للفلسطينيين موجوداً وبعد الصفقة لن يحصلوا على أيّ دعم وسيبقى الوضع على حاله إن رفضوا الخطّة

رجُل 2: بالتأكيد، لا شيء سيكسبونه إن وافقوا على الخطّة 

شاب 3: لست واثقاً من ذلك ولكن أظنّ أنّهم سيكسبون وعياً أكبر وأجهل إن كان هذا الوعي سيؤدّي إلى أيّ دعم ولكن ستزداد نسبة الوعي

جورج غالاواي: كما رأينا، هناك اعتراف كبير في الشارع في بلاد "وعد بلفور"، ونظراً إلى أهميّة الموضوع نتساءل كيف أنّ اللوبي الإسرائيلي والسياسة البريطانية يتمتّعان بقوّةٍ كبيرة إذا كان هذا رأي الناس في الشارع! سيّدي، الميكروفون معك فماذا تريد أن تقول؟ 

تيم الفاروق - صحافي: مرحباً أنا "تيم الفاروق" من (برلين) في (ألمانيا) وأنا صحافي أعمل لحسابيَ الخاص. كوني من (ألمانيا) من المُدهش أنّنا كألمان لا يُسمح لنا أن نقول أيّ شيء عن (إسرائيل)، نرتاد المدارِس ونتعلّم أنّ (ألمانيا) ارتكبت أمراً سيّئاً وينبغي على الجميع قبول هذه القصّة وهي حقيقية بالتأكيد. قُتل ستّة ملايين يهودي وكانت هذه جريمة ألمانيّة ضدّ البشريّة، كانت إبادة جماعيّة ولكن هذا الشعور بالذنب لدى الألمان لا يسمح لهم بالنظر أبعد لربط أنّ ما يحصل في (فلسطين) لا علاقة له بالمحرقة إطلاقاً. لديك شخص مثل "جوديث باتلر" التي كانت في (برلين) وكان يُفتَرَض بها أن تلقي كلمة في حَدثٍ داعم للفلسطينيين لكن هذا الحدث تمّ إلغاؤه لأسبابٍ لوجستيّة كما قالوا. أظنّ أن سياسية ألمانية من اليسار، من "الحزب الأخضر"، نعتت "جودي باتلر" بكونها مُعادية للساميّة وقالت إنّ الأشخاص الذين دعوها أخطأوا في دعوة امرأة معادية للسامية لتُلقي كلمة. المُشكلة هي أننا لا نتمتّع بأيّة قوّة كما ذكرتِ يا دكتورة "كرمي"، لا وجود لأيّة قوّة لحماية الفلسطينيين، لا قوّة للدفاع عنهم لأنّه لو دافع أحد عنهم سيكون كما ذكرتِ معادياً للساميّة. إذاً في رأيي المُشكلة هي كيف سنقنع الناس بأنّ مسألة ما لا علاقة لها بأُخرى

جورج غالاواي: هذا مثير للاهتمام. لنستمع إلى الشاب في الوسط 

رامي عزيزي- ناشط سياسي فلسطيني: مرحباً، إسمي "رامي عزيزي" وأنا فلسطيني من (بيت لحم). أظنّ أنّه في هذه المرحلة الأخيرة في الأيام الماضية عانى الفلسطينيّون جداً وهُم الذين دفعوا الثمن. أظن أننا نحتاج إلى استقرار في هذا الجزء من المنطقة، نحتاج إلى التحرُّك لأجل المُستقبل وفي رأيي هذا مُمكن في ثلاث خطوات بسيطة، أولاً ينبغي بالعرب أن يتّحدوا معاً، وليتحقّق ذلك يجب أن يتوقّفوا عن لوم البلدان الأُخرى على عدم قدرتها على الاتّحاد لأنهم، صحّح لي إن كنت مُخطئاً، هم أصحاب القرار في الاتّحاد أو عدم الاتّحاد ولا يعود ذلك إلى (إيران) أو (المملكة السعودية) أو (أميركا) ولا حتّى إلى الأُمم المتّحدة التي اتّخذت 192 قراراً لمصلحة الفلسطينيين وعلى الرغم من ذلك لم يتمّ تنفيذ قرار واحد منها ميدانياً. ثم الخطوة الثانية هي في اتّحاد "فتح" و"حماس" والتوقّف عن لوم بعضهما، إن اتّحدت الحركتان معاً سيتّحد الشعب وسيأتي ذلك لمصلحتنا كفلسطينيين. ثالثاً، كما قالت الدكتورة "غادة" عمِلَ "دونالد ترامب" على الجزء الأساسي من "صفقة القرن" من خلال إعلان (القدس) عاصمة لـ (إسرائيل) ومن ثمّ إعلان ضمّ هضبة (الجولان) ومن ثمّ أوقف ملايين الدولارات من المُساعدات للفلسطينيين ثمّ لاحقاً تحدّثنا عن وقف التنسيق الأمني، ولكن هلّ ممكن أن يحصل ذلك؟ هل هذا سيعني نهاية اتفاقيّة (أوسلو) ونهاية السلطة الفلسطينية وهو أمر لا يريدونه؟ وفي الختام أودّ أن أسأل

جورج غالاواي: لماذا لا؟ ما الأمر الجيِّد الذي تفعله السلطة الفلسطينية؟ 

رامي عزيزي: أجهل ما الأمر الجيِّد الذي تفعله ولكن أسأل، لماذا لا يريدون وقف المُساعدات والعلاقات؟ 

جورج غالاواي: لأنّهم لا يريدون ترك مناصبهم! لا يريد أن يُصبِح الرئيس السابق أو رئيس الوزراء السابق وما إلى هنالك لكن هذه ليست ألقاباً مهمّة إذ لا وجود للسلطة الفلسطينية الوطنيّة فهي ليست سلطة وهي ليست وطنيّة، إنها فلسطينية ولكنّها لا تعمل لخدمة الفلسطينيين وهذا هو رأيي بها كشخص عاش مع "عرفات" ودعَمَ اتفاقيّة (أوسلو). كم كنت أحمقاً! 

رامي عزيزي: أنا أظنّ مثلك تماماً، أن خمساً وعشرين سنة من المفاوضات لم توصِل إلى شيء، لقد فشلنا تماماً ولم نتمكّن من وضع حدٍّ لهذا النزاع حتّى مع الحدود عام 1967. أجل، من المؤسف أننا فشلنا 

جورج غالاواي: إسمح لي بالقول إنّك تكلّمت في شكلٍ رائِع لكنّك وصفتها بخطوات بسيطة مع أنها بعيدة كلّ البُعد عن كونها بسيطة 

رامي عزيزي: بالفعل 

جورج غالاواي: تماماً كما فشل "حزب البعث" في توحيد (العراق) و(سوريا) يبدو أنّ الفلسطينيين يعجزون عن توحيد "فتح" و"حماس". حين بدأت في هذا المجال لم تكن حركة "حماس" موجودة ولم تكن قائِمة بعد وكان للفلسطينيين عنوان واحد، قائد واحد وعنوان واحد، هذا ما قاله "عرفات" دوماً: "إن أردتم التحدّث مع الفلسطينيين فعليكم التحدّث معي لأنّ منظّمة التحرير الفلسطينية تتكلّم باسم شعبنا كلّه في الداخل والخارِج ولدينا عنوان واحد" وهو (تونس) أو المكان الذي تمّ أخذه إليه حينها. لكن أُريد أنّ أتحدّاك في الخطوة الأولى من خطواتك البسيطة؛ قبل ولادتك بوقتٍ طويل، حين بدأت العمل على هذه المسألة كنّا ضعفاء جدّاً في الدول الغربيّة وأقوياء جداً في البلدان العربيّة، كان كلّ شخص عربيّ يدعم بحراة الشعب الفلسطيني وكان كلّ داعمي "منظّمة التحرير الفلسطينية" ليملأوا هذه القاعة عام 1975، أمّا الآن فلا يتّسع لنا (هايد بارك)، لكن يبدو أنّ العُنصر العربي اختفى بالكامل في رأيي. أعلم أنّ "يوسف" قال منذ قليل إنّ الحكومات هي السبب ولكن هلّ هذا صحيح؟ هل يقتصر الأمر على الحكومات فقط؟ العرب يذبحون بعضهم البعض في أنحاء مختلفة من العالم لأجل رايات بلدانٍ أُخرى أو لأجل قذِر إسلاموي، هُم على استعداد لمحاربة بعضهم بعضاً أكثر من استعدادهم لمُحاربة (إسرائيل). أوليس هذا جزءاً أساسيّاً من المُشكلة؟ 

رامي عزيزي: في رأيي أجل، وأقول لـ "دونالد ترامب" نيابةً عنّي وعن الأشخاص الذين أُمثّلهم في رأيي في (فلسطين)، "أرجوك خذ برأينا، هذه ليست خطّة سلام بل هذه خطّة حرب. ينبغي وقف ذلك، يحتاج الأمر إلى وضع حدّ له". شكراً    

جورج غالاواي: أحسنت قولاً، لننتقل إلى الشاب الجالس هنا في الصفّ الأوّل 

جوشوا ميغان – طالب وناشط سياسي: هل يعقل أنّ الأمر لن يقتصر على ذلك؟ هل تظن أنّ الأمر سيقتصر على الاحتلال من دون التوسُّع في الأراضي؟

جورج غالاواي: فعلياً كلّ المُستوطنات غير القانونية ستُصبِح شرعيّة في الواقع وستُصبِح جزءاً من (فلسطين)، (وادي الأُردن) الذي يُشكّل ثلاثين في المئة من مساحة (الضفّة الغربيّة) سيتمّ ضمّه إلى (إسرائيل) كما أنّ تَجاوُر قطاع (غزّة) مع (الضفّة الغربيّة) سيتحوّل إلى نفق

جوشوا ميغان: إذاً ما من تجاور 

جورج غالاواي: هذا تحديد غريب جدّاً للتجاور 

جوشوا ميغان: ولكن هلّ تظنّ أنّ (إسرائيل) ستتوسّع أكثر بعد ذلك؟ 

جورج غالاواي: أظن أنّ "نتنياهو" كان مستعدّاً للمباشرة في ذلك فوراً، لكن أظنّ أيضاً أنّ شخصاً من جهاز الأمن أو الاستخبارات أو الجسم العسكري أو أيّ أحد سيواجه عواقب ذلك أقنعه بالانتظار، وربّما أيضاً الأميركيّون، وإلا لكانوا نفّذوا ذلك فوراً. تفضّل "ماهر" 

ماهر علمان – صحافي: أودّ الرجوع إلى بدايات هذه الصفقة، إلى العام 1917 أي إلى "وعد بلفور" وإلى السنوات القليلة التي تلت ذلك. "حاييم وايزمان" الذي أدّى دوراً أساسيّاً في "وعد بلفور" كان يقول في اللقاءات العلنيّة، "سنذهب إلى (فلسطين) لنعيش بسلام مع الشعب الفلسطيني"، ولكن في الاجتماعات الخاصّة والمُغلقة مع اليهود في هذا البلد كان يقول، " سنجعل (فلسطين) يهوديّة بقدر ما هي (إنكلترا) إنكليزيّة". في عبارةٍ أُخرى، منذ البدء لم تبغِ الحركة الصهيونية موطناً لليهود في (فلسطين) فحسب بل أرادت دولة على كامل الأراضي الفلسطينيّة. إن عدت أبعد في التاريخ، إلى مُلهم الصهيونية "ثيودور هرتزل" الذي قال في دفتر يوميّاته السرّي، "سنذهب إلى (فلسطين)، وقبل أن نطرد الشعب الأصلي الفلسطيني سنجعله يقتلع الحجارة ويُفتت الصخور لإعداد الأرض لنا". إذاً انطلاقاً من ذلك أرادت الحركة الصهيونية كامل (فلسطين) وأرادت الأرض ولكن من دون سكّانها الأصليين، أي الفلسطينيين. الآن في "صفقة القرن" المزعومة هذه، الكاتب الفعلي لهذه الصفقة هو "نتنياهو". قد يكون "جارِد كوشنير" وضع بعض اللمسات عليها ولكن الواقع هو أنّ هذه الخطّة هي بمثابة لائِحة أمنيات وضعها "نتنياهو" وما فعله "ترامب" هو أنّه أخذ تلك اللائِحة ووضعها على ورقة بيضاء رسميّة من البيت الأبيض وأعلن أمام العالم أنّ هذه هي "صفقة القرن" التي أعدّها وهذا كلّ ما في الأمر بكلّ صدق. إنّها خطّة تُرغِم كلّ شخص حسّاس يتمتّع بحريّة التفكير ويؤمن بالعدالة أن يرفضها فوراً ومن دون تردّد، إنّها خطّة مُصممة لإرغام الفلسطينيين على رفضها 

جورج غالاواي: دكتورة "غادة"، في موضوع العودة إلى المبادئ الأولى، (إسرائيل) ليست لا أكثر ولا أقلّ من مشروع استعماري أوروبي، تماماً مثل جمهوريّة (جنوب أفريقيا) البيضاء و(روديسيا) البيضاء وأيّ جزء آخر من بلدان "الكومونويلث". أي أنّه مشروع كان ليقوم في أيّ مكانٍ آخر تمنحهم إياه الإمبراطوريّة البريطانيّة وكنّا لنسمع عن منظّمة تحرير مُختلفة مثل "منظّمة التحرير الأرجنتينية" لو نجحوا في إقامة هذا المشروع في (الأرجنتين) أو منظّمة تحرير (أوغندا) أو (السي شيل). كانوا مستعدّين لإقامة دولتهم في أيّ مكانٍ تحدّده لهم الإمبراطوريّة، والجملة التي قالها "وايزمان" والتي ذكرها صديقنا "ماهر" منذ قليل يُمكننا مقارنتها بحال مُشابهة وهي قيام دولة صغيرة في الشرق الأوسط تماماً كما في (إيرلندا) الشماليّة، هذه ستكون مركزاً للاستعمار الأوروبي الأبيض، إذاً هذا هو المبدأ الأوّل. أمّا المبدأ الثاني فهو أنّ لإدارة هذه الدولة على أرض شعبٍ آخر، إن لم تقتل أو تطرُد الشعب كلّه، ينبغي أن تُطبِّق سياسة التمييز العُنصري. أعني لا يُمكنني منحك حقّ تصويت مماثلاً لحقّي لأنّك ستختار إلغائي. لا يُمكنني أن أمنحك الحقوق التي أتمتّع بها لأنّك ستستخدمها لتُضعِف مشروعي الاستعماري. إذاً هذا مشروع استعماري فعلي يقوم على نظام التمييز العنصري ولا خيار آخر أمامه، هذا ما ينبغي تسميته بالفعل أليس كذلك؟ المُشكلة الأساسيّة مع (أوسلو) هي أنّنا تخلّينا عن ذلك وقلنا إنّه يحقّ لهم الوجود هناك ولكن يُمكنهم الحصول على 78 في المئة من ذلك. لقد حان الوقت لنتكلّم كما كنتم تتكلمون عن دولة عربيّة فلسطينية وإسرائيليّة واحدة حيث يعيش اليهود والمسلمون والمسيحيون كمواطنين متساوين من دون تفوُّق أحد على الآخر 

غادة الكرمي – طبيبة وأكاديميّة: بالتأكيد، وأنت مُحقّ تماماً بأنّ جوهر هذه المُشكلة يكمُن في طريقة النظر إليها وفي طريقة التعامل معها. الناس لم يفهموا كما أوضحت للتوّ أنّها دولة استعماريّة كلاسيكيّة من نواحٍ كثيرة، وتقوم الدولة الاستعمارية بتنفيذ حقوقها المُجحفة على الشعب الأصلي وهذا ما تفعله (إسرائيل) اليوم، يسرّني جداً أننا وصلنا إلى هذه النُقطة. أشعر أنّ علينا أولاً أن نفهم أننا هنا، إذاً لا جدوى من الندم أو التساؤل في شأن ما كان ليحصل فنحن هنا الآن، وما هو تحديد كلمة هنا؟ هنا هو واقع جغرافي وديموغرافي ينبغي أن ينال تركيز الناس. (إسرائيل) اليوم هي دولة واحدة ولا وجود لـ (فلسطين) التي نعرِفها، هناك المساحة بين النهر والبحر وهي مساحة واحدة تحكمها سلطة واحدة وهي (إسرائيل). ما هو هذا إذا لم يكن دولة واحدة؟ هذه هي الدولة الواحدة ولكن المُشكلة هي أنّها دولة تمييز عُنصري، والمُشكلة هي أنّ نصف شعبها تقريباً يملك الجنسيّة ويتمتّع بالحقوق بينما النصف الآخر لا يملك جنسيّة ولا يتمتّع بالحقوق. من المُدهش بالنسبة لي أنّ (إسرائيل) نجت بفعلتها وحكمت هذا الشعب من دون أن تمنحه أيّ حقّ منذ لحظة وصولها. الآن حان الوقت ليستلم الفلسطينيّون بأنفسهم زمام الأمور، أظن أنّ الوقت قد حان للتوقف عن الشعور بالندم وعن طرح الاحتمالات في شأن اتّحاد العرب. لا بديل عن استلام الفلسطينيين زمام الأمور ليقرّروا مصيرهم وقد فعلوا ذلك سابقاً حين أسّسوا "منظّمة التحرير الفلسطينيّة"، كان ذلك إنجازاً عظيماً وبرهاناً وإشارة إلى ما يحصل حين يقول الشعب، "نحن سنتصرّف أو نحن سنقوم بالأمر ولن ننتظر الإذن من أحد". في رأيي، حان الوقت مُجدّداً لكي يقوم الشعب بهذا الأمر بالضبط أي أن يقولوا: "نحن سنتصرّف الآن"، والأشخاص الذين سيقودون هذا التحرُّك هم الأشخاص على الأرض، لا مفرّ من ذلك. أنا في المنفى وأصدقائي هنا لدينا وجهات نظر وسنُساعِد وسندعم ولكن الدور في هذه المسألة ينبغي أن يقوم به الأشخاص على الأرض، هم يجب أن يقولوا: "لن نسمج بأن نخضع لحُكم لا ينصفنا ولا يمنحنا حقوقنا من (إسرائيل) كشعب للحظة إضافيّة"  وإن كانت (إسرائيل) ترغب في الاستمرار في حكمنا عليها أن تمنحنا حقوقاً متساوية مع الأشخاص الآخرين الذين تحكمهم. حين تطرّقت إلى هذا الموضوع في لقاءات سابقة أثار ذلك اعتراضات وانتقادات كثيرة وما إلى ذلك ولكن بالنسبة لي يبدو الأمر طبيعياً للغاية. إن كنت تُحكَم مع آخرين غيرك لكنّك لا تتمتّع بالحقوق نفسها فما الذي تفعله أولاً؟ لن تذهب مُجدّداً إلى (الأُمم المتّحدة) للمُطالبة بقرارٍ إضافي بل تُطالب الحاكم وتقول له إنّك لن تتحمّل المزيد من ذلك وتُطالبه بحقوق متساوية وإن كان ذلك لا يروقه فليغادر أراضيك. بالتأكيد لن تُغادر (إسرائيل) الأراضي لذا ينبغي على الفلسطينيين أن يمسكوا زمام الأمور ويجب أن يُطلقوا حملة مناسبة ومخططة وذكيّة موجّهة إلى الرأي العام العالمي والمحلّي يقولون من خلالها إنّهم لن يقبلوا بذلك أكثر ويُريدون الحقوق المُنصفة 

جورج غالاواي: دكتورة، "شين فاين" من "الحزب الجمهوري الإيرلندي فاز في الانتخابات في الجمهوريّة الإيرلنديّة ولطالما كان في السُلطة في الجزء البريطاني من (إيرلندا)، بدأ ذلك خلال حياتي وحياتك مع مطالب بالحقوق المدنيّة، في الواقع وعلى الطريقة القديمة الرجُل الواحد يساوي صوتاً واحداً، لقد نسوا أمر المرأة، رجل واحد، أمرأة واحدة، صوت واحد، حقوق متساوية. عام 1968 بدأ ذلك كحِراك في شمال (إيرلندا) واليوم بات قويّاً جداً في جزيرة (إيرلندا). لفد كنتِ رائِدة في طريقة تفكيركِ بعكسي أنا لكن أظن أنّكِ مُحقّة في أنّ التركيز يجب أن يكون كما يلي: حسناً، لقد أخذتم بلادنا ولأنّ الأمور هي ما عليه في المنطقة والعالم لا يُمكننا في الواقع فعل أيّ شيء حيال ذلك ولكن لن نقبل أن تحكموننا من دون حصولنا على الحقوق نفسها التي ينالها الآخرون منكم. هناك ستة ملايين منّا وستّة ملايين منكم لذا ينبغي أن نحصل على رجل واحد وامرأة واحدة وصوت واحد وقانون واحد ينطبق على الجميع، ويجب أن أقول لصديقنا الشاب في الوسط أنّه لوَهْم أن ننتظر العرب، وانتظار الأمم المتّحدة لن يجدي نفعاً، لن يأتي أحد لمساعدتكم وحان الوقت للقيام بذلك بأنفسكم مع قيادة سياسية جديدة بالكامل، هذا هو الأمر الوحيد الذي لم تقولينه ولن أُحرجكِ بدعوتكِ إلى قوله ولكن طروحات المُسنّين والطُرق القديمة والمطالب القديمة لم ولن تنجح ألا تظنّين ذلك؟                

غادة الكرمي: بالتأكيد، ذلك لأننا نواجه مُشكلات فعليّة مع هذا الحل المطروح الذي هو في المبدأ أمرٌ لا استثناء فيه ولكن لدينا مُشكلات لأنّ القيادة قائِمة وهي السلطة الفلسطينية وهي ما هي عليه، لا هدف لها وليست قادرة على إحداث أيّ تغيير لتقوم بدورها، لذا ينبغي أن يكون الحراك الشعبي شعبياً بكلّ معنى الكلمة. لدينا (جنوب أفريقيا) كمثل رائِع يُظهِر كيف أنّ الشعب المقموع يُمكنه أن يُقرِّر أنّه لن يعيش تحت القمع والظلم وعدم المُساواة وهو يرفض ذلك وانظروا إلى ما حصل. حينما يتحدّث المرء عن ذلك بالطبع السؤال التالي الضمني في ما قلته هو، كيف سيتم القيام بذلك؟ ولكن بالنسبة لي 

جورج غالاواي: لن تكون الأمور أسوأ مما هي عليه 

غادة الكرمي: لا، وبالنسبة لي يكفي أن تنطلق هذه الفِكرة وسيبدأ الناس بدعمها أكثر فأكثر، وكلّما ازداد دعم فكرة تقوم على مبدأ زاد احتمال تطبيقها 

جورج غالاواي: "يوسف"، الكلمة الأخيرة لك 

يوسف الحلو – صحافي: بالرغم من واقع أنّ القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس "عبّاس" يقول بوضوح إنّ الحلّ المطروح مات، فهي لا تنوي حلّ السلطة الفلسطينية لأنّها لا تريد منح الشرعيّة للاحتلال الإسرائيلي، لكن ليستلم الشعب زمام الأمور. هو يحتاج إلى دعمٍ معنويٍّ وروحيّ ولم يعُد ذلك موجوداً مع تطبيع العلاقات بين الأنظمة العربيّة و(إسرائيل) لذا في رأيي الحال التي نعيشها هي حال اليأس والاستياء لأنّ الشعب مُستاء. ومن دون الدعم الفعلي من القيادة الفلسطينية للشعب سيقول الشعب، "لماذا نُضحّي بأنفسنا ونتعرّض لإطلاق النار على جبهات (غزّة) أو (الضفّة الغربيّة) فيما قيادتنا لا تهتمّ بنا وتُكمِل تعاونها مع الشعب الإسرائيلي ولا تتخذ أيّة إجراءات ميدانيّة فعليّة لتُظهِر اهتمامها بنا؟" لذا في رأيي ينبغي أن يأتي القرار من الداخل من دون أن نُعلِّق آمالنا أكثر على الأنظمة العربيّة إذ يبدو أنّ كلّ بلد يواجه مُشكلاته الخاصّة وهناك قول عربيّ مأثور يقول: "لن يُساعدك أحد إن لم تُساعِد نفسك". إذاً يجب أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا إذ لدينا قضيّة مُحقّة. على الرغم من أن الناس فقدوا الأمل كما سبق وذكرت ولكن آمل أن يرى الفلسطينيون نوراً عند نهاية هذا النفق المُظلِم

جورج غالاواي: آمل ذلك أيضاً. لسخريّة القدر في سبعينات القرن العشرين وحتّى في جزء من ثمانينات القرن العشرين كان الفلسطينيون الشعب الأكثر ديمقراطيّة ونشاطاً وتعدّديةً بين كلّ الشعوب العربيّة. في (بيروت – لبنان) حيث كنت أزور "عرفات" في سبعينات القرن العشرين كان لكلّ حزب مبنى وكان لكلّ حزب صحيفة ومجلّة ولافتات وكان هناك وجود دائِم للأفكار والأجوبة والمنافسة لأجل الإدارة والقيادة، ويبدو أنّ مُعظم هذه الأمور اختفت. والآن بدلاً من ذلك لدينا الرئيس "محمود عبّاس" باركه الله وأتمنّى له حياة مديدة ولكن بالنسبة لي فترته في قيادة الأحداث انتهت صلاحيتها منذ وقتٍ طويل. أمضيتُ وقتاً رائِعاً وآمل أنكم تبادلونني الشعور. شكراً جزيلاً للحاضرين هنا وللمُشاهدين. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" وهذا كان برنامج "كلمة حرّة"    

 

 

 

 

البرنامج

إعداد
جورج غالاوي
تقديم
جورج غالاوي
المنتج
سعاد حمود
الايميل