الممثل العراقي علي جابر

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. منذ صَعد قطار التمثيل وهو يواصل رحلته بنجاح، لم ينحرِف يوماً عن سكّة المثابرة والاجتهاد مع أنّ الله حباه بالموهبة والبراعة منذ كان طفلاً على مقاعِد المدرسة. الفتى الذي حلم يوماً بأن يُصبح سائِقَ قطار صار يقود مُشاهديه إلى محطّاتٍ من الضحِك العارِم وبات نجماً جماهيرياً محبوباً أضحكَ العراقيين في عزّ الدم والدموع. إبن المسرح هو، تتلمذ على يد روّاده الكبار، وقف على خشبته وتنشّق عطر البروفاتِ والعروض لكنّ التلفزيون أخذه إلى عالم الشهرة والنجوميّة الحقّة في زمنٍ كالِحٍ نكاد نرى فيه نجوم الظهر. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعَد باستضافة الممثل والنجم العراقي المتألِّق الأُستاذ "علي جابر"، أهلاً وسهلاً شرّفت "بيت القصيد" 

علي جابر: لي الشرف طبعاً وأشكرك على هذه المُقدّمة، أنا محظوظ أن أكون ضمن هذه الكوكبة الراقية من المُبدعين العرب وفي حضرة "بيت القصيد" مع الأُستاذ الإعلامي والشاعر "زاهي وهبي" 

زاهي وهبي: نحن سعداء بوجودك 

علي جابر: لي الشرف

زاهي وهبي: وهذا من حظّنا أيضاً وحظّ البرنامج. سؤالي الأول، هل تقول أحياناً "ليتني ذهبت إلى العمل في القطارات"؟ أعلم أنّك أردت أن تُقدِّم على "معهد السكك" وأن تعمل في القطارات ولكن أحد أصدقائك قال لك "لا يصحّ هذا!" لأنه يعرف أنك كنت تُمثِّل في المدرسة

علي جابر: في المدرسة وفي الفِرق الجماهيرية. قال لي، " شخص مثلك عنده كاريزما وعنده حضور وعنده استرخاء وفنّان يستحق أن يكون في هذا الاتجاه؟"

زاهي وهبي: لماذا أردت أن تشتغل في القطارات والسكك؟ 

علي جابر: لا هدف عندي تجاه القطارات والسكك، كان هدفي أن أستلِم راتباً وأعتمد على نفسي رغم أنّ والدي كان مرتاحاً 

زاهي وهبي: مرتاح، ميسور 

علي جابر: ماشي حاله ويُعطيني مبالغ، أوكي. فمَن يعتمد على نفسه يكسر المألوف 

زاهي وهبي: اليوم بعد هذه الرِحلة الطويلة في قطار الفنّ والإبداع كيف تتطلّع إلى ذاك الطفل والفتى الذي كنته يوماً، ماذا تقول له؟ 

علي جابر: هو يبقى حالماً ويبقى مجتهداً، وحتّى لو قبلت كسائِق قطار لكنت رجعت إلى هذا الاتجاه لأنّ هذا هو وجودي، هذه هي كينونتي، هذه هي المحبّة التي منحني الله إياها من خلال الناس والمُشاهدين التي لا يُمكن أن تُعوَّض في أيّة مهنة أُخرى

زاهي وهبي: نعم، إلى جانب الموهبة وإلى جانب الدراسة الأكاديميّة في (بغداد) هلّ يُمكننا أن نعتبرك ممثلاً بالفِطرة، في السليقة؟ يعني وُلِدت معك هذه المسألة؟ 

علي جابر: نعم. أُستاذ "زاهي" دائِماً الموهبة فطرة. أعني أنا كنت أحاكي أساتذتي، أحاكي الجمال، أحاكي الأُستاذ الأنيق الذي يكون عطره طيباً وابتسامته حلوة، كنت أحاكيهم، أُحاكي الشخصيّات الحلوة 

زاهي وهبي: أنت منحازٌ للجمال

علي جابر: أجل منحاز منذ نعومة أظافري، منذ الإبتدائيّة. كنت حتّى أختار أصدقائي في المرحلة الإبتدائيّة، أختار الأنيق، أختار المُهذّب، أختار الطموح والذي عنده شخصيّة مبكّرة 

زاهي وهبي: ما الذي أعطاه التمثيل لك؟ ما الذي منحك إياه التمثيل والوقوف أولاً على خشبة المسرح ثمّ لاحقاً أمام كاميرا التلفزيون؟  

علي جابر: طبعاً محبّة الناس هي شيء كبير أعطاه لي التمثيل، أعطاني الثقة بالنفس وأعطاني أن أكون قائداً ومُعبّراً وأحمل هموم الناس إذا صحّ التعبير، أسأل دائماً عن هموم الناس 

زاهي وهبي: يستمتع المتفرِّج أو المُشاهِد في المشاهدة إذا كان الممثل بارِعاً سواء في المسرح أو عبر الشاشات، لكن الممثل نفسه عندما يؤدّي دوره أو الشخصيّة التي يؤدّيها في براعة ما الإحساس الذي يعيشه أثناء اللحظة نفسها؟

علي جابر: الممثل أثناء اللحظة نفسها دائماً لا يرضى عن نفسه، دائِماً يجد أعذاراً في أن أداءه لم يكن جيداً ولم يكن موفقاً رغم أنّه متأكِّد من أدواته ومتأكّد من أنّه أبدع ووصل إلى مرحلة معيّنة، لكنّ هذا الطموح عنده يبحث عمّا هو أبعَد. أنا أحياناً أشاهد نفسي على التلفزيون واقول لا، هذا الدور كان من اللازم أن أؤدّيه في غير طريقة، أو لا أحب نفسي فيه. أحياناً أُلاحظ الآخرين كيف يُشاهدون "علي جابر" وأفرح لفرحهم، لكن عندي طاقة تجعلني أقول إنّه من اللازم أن أؤدّي أكثر

زاهي وهبي: دعنا نُشاهدك في "قطع وصل" في جزئه الأول برفقة زميلتنا "سحر حامد" ونرى كيف ستجد نفسك أيضاً وكيف ستقول: "ليتني قلت خلاف ذلك"، تفضّل 

قطع وصل - علي جابر:

- لا تنسى أن تلقى أخاك ولو في وجهٍ طليق، الوجه الطليق أقرب وصولاً للناس، ما يُحيط بك من ظروف ومن مشاكل عليك أن تتغلّب عليها. أنا أصف الضحك كأنّك في بحرٍ مُتلاطم وعليك ألا تستسلم وأن تواصل وتذهب في اتجاه هدفك 

- الحظ لا يأتي من أن فقط الحظ يعتمد على الحظّ بل يعتمد على أنّه اجتهادي. أنا محظوظ لأنّ أساتذة كباراً درّسوني في المعهد وفي الكليّة وفي المدرسة وأيضاً تربية عائلتي، رغم مساهمتهم الكبيرة لكنّه عمل اجتهادي، بمعني من غير الممكن أن تعتمد فقط على الحظّ الموجود في الدنيا أو الحظّ الموجود الذي وهبه الله لي

- الكثير من الصعوبات مرّت في الحياة لكن إن عددنا ثلاثاً ليست سهلة، مثلاً أن تكون إسماً مؤثراً عنده بصمة عند جمهورك، هذه صعبة جداً خصوصاً في مجال الكوميديا. الكوميديا سهلة في الوصول إلى الجمهور لكنّها صعبة في إيصالها، هذه الصعوبة الأولى. الصعوبة الثانية في أن تبني بيتاً، مسألة في غاية الصعوبة والحمد لله أنا تخطّيتها. الصعوبة الثالثة والأساسية هي عندما تكتشف أن هدفك كبير وتريد أن تصل إليه، لا أزال في هذه الصعوبة ولا أزال أسعى لتجاوز هذه الصعوبة 

- الكاميرا سلاح، إمّا أن تصِل عبرها إلى الجمهور أو أن يغادرك عبرها الجمهور، وأنا أسعى في كلّ وقوف أمام الكاميرا أن أكون قريباً بحيث ربما شخص لا يحب "علي جابر" لكن من خلال هذا الربورتاج أو هذه المقابلة أحبّ "علي جابر"، ففيها صعوبة بالغة 

زاهي وهبي: سنعود إلى الكثير من النقاط التي أشرت حضرتك إليها، ولكن أولاً هلّ أنت راضٍ عن نفسك؟ 

علي جابر: تجدني مشدوداً ومتوتّراً

زاهي وهبي: لا لا على العكس مرتاحاً ثمّ "سحر" على سلامتها، من يُجالس "سحر" يتحدّث براحة 

علي جابر: ما شاء الله عليها "سحر"، تحيّاتي لها وتحيّاتي لـ "موسى" ولـ "علي"، الله يحفظكم إن شاء الله                      

زاهي وهبي: الله يخلّيك. الشخصيّة العراقيّة مرتبطة في أذهاننا بالشجَن، بالحزن، ربما منذ زمن "غلغامش" وصولاً إلى يومنا هذا مروراً بواقعة (كربلاء) وكلّ ما مرّ على (العراق)، لكن حضرتك مبتسم دائِماً، ضحوك، من أين لك هذا؟ 

علي جابر: هذا من فضل ربّي

زاهي وهبي: إن شاء الله دائِماً. هذا الانطباع حقيقي عن الشخصيّة العراقيّة، في أنها شخصيّة تميل إلى الحزن والشجن، أم في هذا الانطباع مُبالغ فيه وصورة نمطيّة ربما؟ 

علي جابر: دائماً هناك شجن وحُزن، والحياة فيها هذا الجانب والجانب النقيض. عندما يكون جانباً آخراً يضغط عليك ممكن أن تُفرِّغ شحناتك السلبيّة من خلال الابتسام ومن خلال التواصل مع الناس. الناس يقولون لي " ابتسامتك Logo"، وأنا أحبها وأسعى إليها دائِماً، حتّى أحياناً مع المعجبين يقول لي أحدهم، "أحبّ ابتسامتك، أحب هذا الوجه"، فلا أرغب أن أغادره وأحرص عليه حتّى لو عندي ظروفي الخاصة بي 

زاهي وهبي: ربما تكون حزيناً من الداخل لكن كون الفنان إنساناً مشهوراً ومعروفاً من اللازم أن يرسُم ابتسامة 

علي جابر: وهو مُراقب في كلّ حركاته، لكن بالضبط أقول إنّ الابتسامة هي أقرب شيء للوصول إلى الآخرين

زاهي وهبي: نعم. في العودة إلى حديثك عن المسرح والتلفزيون، إبن المسرح حضرتك في الأساس. هلّ هجرته إلى التلفزيون؟ هلّ أخذكَ التلفزيون من المسرح نهائياً؟ 

علي جابر: لا. في الحقيقة يُعرَض عليّ أكثر من مسرح لكن ما مِن أحد يستفزّني الآن. في إحدى المرّات طرحَ عليّ الأُستاذ "جواد الأسدي" تحديداً 

زاهي وهبي: نعم، صديقنا المُشترك 

علي جابر: أُستاذ كبير، وفرحت في أن أشتغل تحت يد أُستاذ "جواد الأسدي"، وأتمنّى أن يكتمل هذا المشروع وأن أكون 

زاهي وهبي: الأُستاذ "جواد" أصبح حالياً في (بغداد)، عاد إلى (بغداد) 

علي جابر: بالضبط 

زاهي وهبي: ونتمنّى أن تكونا في عملٍ مُشترك

علي جابر: أنا أكثر شوقاً 

زاهي وهبي: هلّ تحِنّ؟ أعني عندك حنين إلى خشبة المسرح؟ 

علي جابر: طبعاً أُستاذ "زاهي". المسرح مشغَل، المسرح يحرِّك لك عضلاتك، المسرح يُحرِّك لك أدواتك، يُحرِّك خيالك مع أُستاذ "كبير، مع فنّانين كبار. أنت الآن عندما تكون في ورشة عمل تستلم من الزميل أو الزميلة

زاهي وهبي: خصوصاً في المعهد أساتذتكم كانوا من المسرحيين الكبار ومن الفنّانين المرموقين، والمسرح العراقي قدّمَ تجارب هامّة، صحّ؟ 

علي جابر: تماماً 

زاهي وهبي: ولكن يبدو أنّه تراجع في الآونة الأخيرة، أم انطباعي في غير محلّه؟       

علي جابر: لا لا، التحدّي الآن عندما يذهب المسرح العراقي إلى كلّ المهرجانات 

زاهي وهبي: ينال الجوائِز

علي جابر: يُحضِر جوائِز. مثلاً في مهرجان (قرطاج) الأخير وفي مهرجان (أربيل) الدولي، مهرجانات عديدة في (تونس) وفي المغرب العربي وفي (مصر) ينالون جوائِز مهمّة سواء على مُستوى الإخراج أو التمثيل أو التأليف أو السينوغرافيا 

زاهي وهبي: نعم، نتيجة ماذا هذه البراعة عند العراقيين، هذه البراعة المسرحيّة إذا جاز التعبير، هل بسبب الثقافة؟ 

علي جابر: صحيح

زاهي وهبي: تعلم المقولة التاريخية أنّ (القاهرة) تكتب و(بيروت) تطبع و(بغداد) تقرأ، وأنا زرت (شارع المتنبّي)، يعني حتّى في هذه الظروف وجدته مهرجاناً للكتُب والقراءة، معرض الكتاب شيء هائِل 

علي جابر: ليس عندنا معرض كتاب واحد بل كل جمعة عندنا معرض كتاب، عندنا أناس يقرأون عندنا أناس يتذوّقون عندنا أناس توارثوا هذا الإبداع في الفنّ المسرحي والمسرح العراقي

زاهي وهبي: كيف هي علاقتك بالكتاب والقراءة أُستاذ "علي"؟ 

علي جابر: أقرأ لأنّ الفنان من دون قراءة يُمكن أن ينتهي، يضمحلّ. الكتاب يعطيك معاني ويُعطيك صُوَراً وبالتالي نحن كفنانين نشتغل على الخيال، والخيال في حاجة إلى قراءة 

زاهي وهبي: هذا ما نُحاول أن نوصله دائِماً إلى فنّانينا الشباب ونجومنا الذين نُحبّهم في كلّ الوطن العربي، أنه لا يُمكن للفنان أن يستمرّ ويلمع ويتألّق من دون ثقافة 

علي جابر: من اللازم أن يُحدِّث نفسه في القراءة، من اللازم التحديث والـ Update يصير في القراءة 

زاهي وهبي: ما نوع قراءاتك الأثيرة إلى نفسك، المفضّلة؟ 

علي جابر: أنا أُحبّ الرواية وأكملت رواية لـ "أحمد السعداوي" إسمها "فرانكنشتاين في بغداد" والآن عندي مُذكّراته التي أهداني إياها أيضاً بتوقيعه وأنا سعيد جداً بها 

زاهي وهبي: نُحيّي الأُستاذ "أحمد" 

علي جابر: نهديه تحياتنا 

زاهي وهبي: وأنا أنصحك أيضاً بـ "سنان أنطون" من (العراق) الذي أعرِف أنّ حلقته في "بيت القصيد" 

علي جابر: نعم شاهدتها وتحية وتقدير للأُستاذ "سنان" أيضاً. عندنا روائيون كبار

زاهي وهبي: كيف أنت مع الشِعر؟ خصوصاً أنّ (العراق) بلد الشُعراء ومنبت الشِعر

علي جابر: أولاً أُستاذ "زاهي" تعرِف حضرتك أنّ الفنان في حاجة إلى خيال، في حاجة إلى صوَر وأنا أقرأ الشِعر وأحفظ الشعر، لكن في حضرة الشاعر "زاهي وهبي" 

زاهي وهبي: لا العفو، الله يخلّيك. هل طغى الجانب الكوميدي على شخصيّة الممثل فيك؟ بمعنى هذا الجانب هل ظلم جوانب أُخرى؟ بمعنى أنّ الممثل لا يُمكن أن يكون فقط في اتجاه واحد 

علي جابر: أبلغوني أنهم وضعوني في منطقة الكوميديا رغم أنني 

زاهي وهبي: أنت شاركت في أعمال غير كوميدية ولكن دائِماً الأضواء 

علي جابر: في الكوميديا، أحبّني الجمهور في الكوميديا لكن عندما يشاهدني الجمهور يحبّني في كلّ شيء، في العمل الجاد لأنني اشتغلت أدوار الوزير والفلاح والحارس واللص والمُجرِم، في كلّ تلك الأدوار تركت أثراً وبصمة، فأنا دائِماً أتوجّه إلى المُخرجين وأقول لهم: شاهدوني في الأعمال الجادّة، أنا لم أبدأ بعد ولم أحقّق ذاتي في الأعمال بعد 

زاهي وهبي: تشعُر أنّه لا يزال في داخلك مكنونات ممثل لم تُكتشف بعد؟ 

علي جابر: ما زلت في الخطوة الأولى

زاهي وهبي: بعد كلّ هذه التجربة وكلّ الأعمال 

علي جابر: والله يا أُستاذ "زاهي" أن أشتغل في عمل جاد مسؤوليّة، العمل الكوميدي يخلق لك توتّراً 

زاهي وهبي: منذ أمس وأنت تقول لي إنّ اللقاء، حوارنا الآن يُشغِل لك بالك وتتوتّر

علي جابر: طبعاً، دائِماً التوتُّر يجعل منك عند الجمهور

زاهي وهبي: نعم، تشعر بالمسؤوليّة تجاههم 

علي جابر: مسؤوليّة دائِماً، دائِماً 

زاهي وهبي: كيف يُمكن أن نواجه مسألة التنميط، يعني المنتجين والمُخرجين عندهم نوع من الاستسهال في وضع الممثل في إطار واحد، إذا نجح في اتجاه معيّن يعتبرونه هكذا مضمون وهو حصان رابح 

علي جابر: صحيح، يحضّرونه بينما أنا أرى أنّ طاقة "علي جابر" قادرة على التلوين وعلى أداء أكثر من شخصيّة، وأنا أُفضّل أنّه إن رأيتني اليوم في هذا الدور في المرة الثانية تشاهدني في دور آخر، وهذا التلوين يبني كلّ شيء أكيد 

زاهي وهبي: قبل أن نتحدّث عن كيف تبني شخصيّاتك والأدوار التي تُقدِّمها حضرتك، في العام 2011 مجلّة "عيون" العراقية إن لم أكن مُخطئاً، في استطلاع أجرته تمّ اختيارك كأفضل ممثل كوميدي

علي جابر: نعم

زاهي وهبي: ماذا يعني لك عندما يختارك الجمهور والقرّاء والمتابعون، ماذا يعني لك هذا كفنّان وكممثل؟ 

علي جابر: المسؤوليّة كبيرة في أن تكون عند حُسن ظنّ الجمهور وأن تتواصل مع هذه المحبّة وهذه الثقة، ثقة غير طبيعية أن تكون أنت أفضل ممثل رغم أنّ هناك أفضل منّي، لكن هذه المسؤولية التي حصلت يجب أن أستمر بها وأزيد لها حضوراً

زاهي وهبي: هناك مقولة شائعة أشرت حضرتك إلى جانب منها عندما تحدّثت مع "سحر" في "قطع وصل"، وهي أنه يقال أنّ إضحاك الجمهور أصعب بكثير من إبكائهم أو من جعلهم يبكون. هل تشعر بهذا الأمر؟ 

علي جابر: طبعاً جداً، الشخصيّة الكوميدية تسبّب لي ضغطاً وتوتُّراً بينما الشخصيّة الجادّة، يمكن أن أشتغل الآن عملاً جدياً ومن الممكن أن أُبكي الجمهور، هذا أسهل لي من أن أُضحِكهم 

زاهي وهبي: خصوصاً أنّه ربما في بلادنا، الشخصيّة الشرقية شخصية عاطفية ومن السهل أن تدمع أعيننا وأن نتأثّر لمشهد حزن 

علي جابر: طبعاً لما يحيط بنا من مآس 

زاهي وهبي: أُستاذ "علي جابر" اليوم في هذا الزمن وما نعيشه في (العراق) وفي (سوريا) وفي (لبنان) وفي بلدان عربيّة أُخرى مثل (اليمن) و(ليبيا)، كم الضحكة ضروريّة؟ في الحديث الشريف "الكلمة الطيّبة صدقة"، كم الضحكة أيضاً صدقة؟ كم نحتاج نفسيّاً كبشر أن نضحك؟ 

علي جابر: لذلك الجمهور دائِماً يترحّم لك ودائِماً يدعو لك بالصحّة والعافية لأنّك أفرغته من الشحنات السلبيّة. أنت قدّمت له كوميديا نظيفة، كوميديا ليس فيها إسفاف، كوميديا ذات قصدٍ ومضمون، لذلك الجمهور أحياناً ماذا يقول لي؟ يقول لي: "عندما نشاهدك على شاشة التلفاز نترك طفلنا يُشاهدك من دون مراقبة وكذلك ابنتنا، هذا يعني أنّك أنت عائِلي، أنت صديق ومن المناسب لك كثيراً أن تكون تشبه خالي أو تشبه أخي الموجود في فلان مكان" 

زاهي وهبي: أو نشعر بأنك فرد من عائِلتنا ومن الأُسرة 

علي جابر: لكن لا يوجد شبه فعلي بل شبه في المحبّة 

زاهي وهبي: لا تلجأ في الأدوار، هذا أنا لاحظته سواء في المقتطفات التي شاهدتها من أعمالك أو في حواراتك التي أجرتها معك الصحافة، لا تلجأ إلى الابتذال أو التهريج أو حتّى التقليد. بمعنى كما تعلم في مجتمعنا العربي أحياناً يقلّدون حالات تكون خاصّة، وربنا خلق الإنسان في هذا الوضع الخاصّ، ويحوّلونها إلى نكتة 

علي جابر: من اللازم أن نذهب في اتجاه الكوميديا الإنسانيّة، الكوميديا ذات القصيد وذات المضمون، كوميديا الموقف، كوميديا الأداء ولا آتي اليوم مع زميلي المقابل وننكِّت على أنف أو على أُذن كبيرة أو على عاهة، مستحيل. هذا خلق الله وبالتالي أنت اذهب في اتجاه الدور الذي يوصلك. مثِّل صحاً كي تصنع موقفاً صحيحاً 

زاهي وهبي: كيف تبني حضرتك شخصياتك، النماذج التي تُقدِّمها؟ 

علي جابر: عبر المُشاهدات 

زاهي وهبي: من الحياة، من الناس؟ 

علي جابر: من الحياة 

زاهي وهبي: لأنّك تقول إنّك لا تُعطي الشخصيّة أكثر من حجمها، بمعنى لا تُبالِغ ولا

علي جابر: أتركها ضعيفة. أنا أؤدّي شخصية في مسلسل " سليمة باشا" رأيتها في الحياة، إنسان فلاح لكنه ليس فلاحاً 

زاهي وهبي: نعم، العمل الذي تناول حياة المطربة "سليمة مراد" 

علي جابر: نعم 

زاهي وهبي: وكانت "آلاء حسين" أيضاً 

علي جابر: "آلاء حسين" النجمة، تحية وتقدير لحضرتها زميلتي العزيزة. فأنا شاهدت هذه الشخصيّة بحيث أنني الآن عندما أنسى أستعرضها وأقول لهم "شوفوا هذا المشهد"، يقولون لي هذا فلان واحد وتجد أنّه هو نفسه، أنا أحضرت الشخصية وتركتها، هو ليس فلاحاً بل موجوداً في الحياة لكن أنا نقلتها، عشت الشخصيّة وأظهرتها في المسلسل

زاهي وهبي: ما هو الميزان الذي تعتمده كيلا تشطح في المبالغة ولا تترك الشخصيّة ضعيفة أو هشّة وركيكة؟ 

علي جابر: السهل المُمتنع أُستاذ "زاهي" هو الأقرب للجمهور، هو قريب منك وتراه. أنت بالضبط مثل نحّات أمام كومة من الصخر، رويداً رويداً ينحت شخصية. عندما يزيل الزوائد من الشخصية تظهر بالتالي جميلة وقريبة للناس ومحبوبة 

زاهي وهبي: اليوم في موجات السهولة، موجات السطحية، موجات عاتية، كيف يُمكن للفنّان الإنسان أن تظلّ عنده الصلابة والحصانة كي لا ينجرِف؟ لأنّ الشائع اليوم، وأنا أشاهد الكثير من الأعمال المسرحية تحت شعار الكوميديا، طبعاً هناك نماذج على الرأس راقية جداً ولكن أيضاً هناك إسفاف لا حدّ له 

علي جابر: الاستسهال بالعمل الكوميدي كارثة 

زاهي وهبي: والمشكلة أنّ هذا وصل إلى الشاشات ولم يقتصر على العُلب المُغلقة، أي العلب الليلية                

علي جابر: أنت أمام عمل، أنت ممثل تقود فكراً وتقود ذائِقةً وتقود جمالاً ومن اللازم أن تُحضّر للعمل، من اللازم أن تقرأ له ومن اللازم أن تقرأ صحّ. أمّا الاستسهال فلا يتركك تمتهن، لا يتركك تبني للوصول إلى قمّة وتطمح إلى قمّة أعلى. عندما تكون سهلاً وبسيطاً تكون بالتالي

زاهي وهبي: لو أتاك دور فيه الكثير من المال والانتشار في محطّة قد تكون منتشرة جداً وأموال كثيرة على الدور 

علي جابر: لا آخذه 

زاهي وهبي: أنت الآن تُمثِّل بعد كلّ هذا الكلام 

علي جابر: أكيد طبعاً، إن عُرِض عليّ أكثر من عمل على المسرح وفي مبالغ مثيرة لكن إذا أردت، لكي أستمر وأتواصل مع جمهوري من اللازم أن أتأنّى ومن اللازم أن يكون عندي نار هادئة ومن اللازم أن يكون عندي قياسات في الأداء  

زاهي وهبي: لكن إذا أخذت هذا الدور من الضروري أن أراك، أُساعدك في الكتابة. أُستاذ "علي" هل ترتجل عندما تؤدّي شخصيّة سواء على المسرح أو في التلفزيون، هلّ ترتجل وتُضيف من عندك أم تلتزم بالنص والإخراج؟ 

علي جابر: الممثل الكوميدي من اللازم أن يرتجل، في لحظة تكوين الشخصيّة المؤلِّف غافله هذا الارتجال ومن غير الممكن أن يصل إليه. نحن أحياناً نصل إلى مرحلة الكوميديا الإيطالية التي تعتمد على الارتجال ونجومها من أغلى نجوم الكوميديا لأنّ عندك ملَكَة أنّك دخلت في الشخصيّة وتُحضر لها وبالتالي أحياناً المُخرِج يقول لك: "هذا هو النص لكننا لا نريده، تعال اقرأ وألِّف لي"، مع الأساتذة الكبار الذين عندهم السيطرة لأن المخرج يعرف ما 

زاهي وهبي: خصوصاً أنّ هذا النوع من الكوميديا مصدره الأساس الشارع والساحات. هلّ تواجهك عبارة أو طلب، وربما هذا يواجه الكثيرين من فنّاني الكوميديا، "أضحِكنا" مثلاً، قلّ لنا نكتة 

علي جابر: هذه تقال في السيطرات دائماً 

زاهي وهبي: نعم، على الحواجز العسكرية 

علي جابر: أجل الحواجز العسكرية، يحبونني ويطلبون منّي نكتة فأقول لهم، "أنا لا أقود نكتة، أنا أقود موقفاً. هل تمثّل معي؟ أنزل وأمثِّل معك لكن أن أقود نكتة، هذا لا أجيده" 

زاهي وهبي: على كلّ حال دعنا نُشاهدك في مقتطفات من أعمالك التمثيلية ونتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد" مع النجم العراقي الأُستاذ "علي جابر"

 

المحور الثاني

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا شاهدنا مُقتطفات من أعمال الممثل العراقي القدير الأُستاذ "علي جابر "، أُكرّر ترحيبي بحضرتك. في الحديث عن الأعمال الكوميدية هلّ يُمكن اعتبار "عزّوز وتمارا"، هذا العمل الذي قدّمته حضرتك والنجمة "آلاء حسين" التي نُمسِّيها بالخير هو الأكثر انتشاراً وشُهرةً؟ 

علي جابر: بالضبط، البصمة الأولى أنّ "علي جابر" يمكن أن تعتمد عليه في دور البطولة. طبعاً هذا كان رهان الأًستاذ "أُسامة الشرقي" الذي أوجِّه له التحيّة والتقدير في أول عمل إخراج له، لأنه قبلاً كان يشتغل مع أخيه "أوس الشرقي"، يعني دائِماً الأُستاذ "أوس" هو المُخرِج وهو المساعد. أول عمل لأُستاذ "أُسامة الشرقي" في الإخراج 

زاهي وهبي: وراهن على 

علي جابر: وراهن على "علي جابر" في قدراته بحيث حينما راح إلى المحطة قالت له المحطّة لا، "علي جابر" مساند وأن نقصهم واحد يأتون به، فقال لهم لا، أنا أُراهن أنّ "علي جابر" هو البطل 

زاهي وهبي: نعم، لا أريد مسانداً بل أُريد البطل الأساسي 

علي جابر: والحمد لله توفّقت به وكنت ضمن فريقه. أنا لم أتفاجأ بالبطولة، أنا عندي قابلية وعندي طاقة 

زاهي وهبي: أجل لكن تحتاج إلى فريق وإلى مُخرِج وكاتب للنص واللحظات المؤاتية. ما هي العوامل الأساسيّة لنجاح "عزّوز وتمارا"؟ 

علي جابر: التحضير الصحيح، التهيئة الصحيحة، القراءات، المشغل، ودائِماً "أسامة الشرقي" أُمسّيه بالخير يُهيّئ للعمل لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر وبالتالي عندما يبدأ في التصوير يُصوِّر في خمسة عشر يوماً أو في شهر لكن 

زاهي وهبي: يكون محضِّراً في شكلٍ جيد 

علي جابر: يحضِّر في شكلٍ جيّد جداً، يُحاسب على كلّ شيء، يُحاسب حتّى في المُفردات. إذا ممثل أضاف مفردة يقول له، "هذه تؤثِّر على الخطّ العام أو الثيمة الأساسية، قلا تقول هذه الكلمة"، يعني هو ينتبه ويُركِّز لذلك أقول إنّ القراءة ضروريّة جداً، ومن اللازم أن تجعل إلى جانب البطل في التمثيل الماكياج بطل والإضاءة بطل والمُصوِّر بطل والتأليف بطل والإكسسوار بطل وكلّ شيء بطل، حتّى اللون بطل 

زاهي وهبي: نعم، كلّ العناصر لها قيمة ولها أهميّة 

علي جابر: محسوبة

زاهي وهبي: إلى أيّ حدّ هناك نوع من الكيمياء بينك وبين "آلاء حسين"، بمعنى عندما تعملون معاً هذا عامل مساعد؟ وكم يُمكننا أن نعتبركما ثنائياً لأنّكما شاركتما في أكثر من عمل؟

علي جابر: الستّ "آلاء" تشتغل في شكلٍ كوميدي وأنا أشتغل في شكلٍ كوميدي وتوجد كيمياء بيننا، وفي المناسبة هذه الكيمياء موجودة عندي دائِماً مع كلّ زميلاتي ومع كلّ زملائي. الأساس أن تملأ قلبك بالمحبة، هذا هو الأساس في كلّ عمل، في كلّ مجموعة عمل وفي كلّ نجاح 

زاهي وهبي: ألا يُشغل بالك ما نُسمّيه في عالم صنّاع الدراما سرقة الكاميرا؟ بمعنى هناك ممثل أثناء أدائه للدور يكون همّه الأساسي 

علي جابر: أن يتغلّب على زميله 

زاهي وهبي: على زميله نعم

علي جابر: لا، أنا همّي أن أُمثِّل صح وبالتالي كلانا في النموذج وكلانا في الأداء. عندما تكون مسانداً في المشهد وعندما تكون بطلاً في المشهد كلاهما نجاح، لذلك أحياناً توجد مفردات نكون ملزمين بقولها، نقول للمخرج هذه المفردات ليست لي، لكنّه رآني في النموذج الكامل. بمعنى: لا تسرق، مثِّل صح واجتهد صحّ واترك مجالاً للمحبة بينكم، هذا هو الذي يوصل إلى النجاح. لكن هناك منهم مَن يسرق الكاميرا ومَن يأخذ لا أدري ماذا ويقوم بحركات، هذه لا تفيد، ما يفيد هو أن تُمثِّل صح 

زاهي وهبي: أتعلم؟ حتّى هذه الحركات اليوم في زمننا الراهن لم تعُد تمرّ على المُشاهِد، يعني صار عند المُشاهِد المعرِفة والفطنة والذكاء لكي ينتبه إلى الممثل الذي يقوم بحركات وقصص 

علي جابر: أُستاذ "زاهي" أنا عندي شهادة من "كاظم الساهر" الفنّان الكبير

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير

علي جابر: نمسّيه بالخير 

زاهي وهبي: للأسف الشائعات تظلّ، يعني مؤخراً منذ يومين صدرت شائعة سيّئة 

علي جابر: أنا لا أعرِف عنها لكن أحكي لك الموقف 

زاهي وهبي: أطال الله في عُمره 

علي جابر: سلامته إن شاء الله "أبو وسام". كنّا نشتغل "كاريكاتور" وهو برنامج كانت تقدّمه قناة "الشرقيّة" وكان انتقادياً، في كلّ أُسبوع ننتقد. كان هناك ممثلون كبار في المجموعة مثل "ماجد ياسين" و"زهير محمد رشيد" و"وليد حسن" الله يرحمه و" بُشرى إسماعيل" و"سعد خليفة" وأنا، كانوا هم البطولة والأساس في الكثير من الحلقات، لكن "كاظم" كان يُركِّز على "علي جابر" وهو أوصل لي هذا من خلال لقائي به بعد أن التقينا في (بيروت) وقال لي: أرى كيف تُمثِّل صح ولا تعير انتباهاً إلى سرقة الكاميرا أو أن تصعد على البطل، لا، أنت تمثل صح" 

زاهي وهبي: خبرة وتجربة الأُستاذ "كاظم" ونظرته 

علي جابر: نعم، نظرته الفنيّة ونظرته الجماليّة 

زاهي وهبي: وهذا ما نلاحظه في البرامج التي يكون فيها في اللجان التحكيمية، نظرته مختلفة عن الجميع مع الاحترام للجميع. مَن يعجبك من ممثلات وممثلي (العراق)؟ لو تعدّد لي أسماء 

علي جابر: أستاذة كبار حقيقةً 

زاهي وهبي: مثلاً 

علي جابر: عندنا "هند كامل" "هديل كامل" "آسيا كمال" "علاء حسين" "شذى سالم" "سهى سالم" "علاء نجم"، يعني الكثير من الممثلات على مستوى، "عواطف نعيم" 

زاهي وهبي: ومن الأجيال الجديدة؟ هل تولَد أجيال جديدة رغم ظروف (العراق) المعروفة؟ 

علي جابر: الأسماء لا تحضرني لكن هناك مثلاً من الأجيال الجديدة "زهور" 

زاهي وهبي: "آلاء" وحضرتك أنا أعتبركما من الأجيال الجديدة 

علي جابر: نحن من الأجيال الجديدة أيضاً إن شاء الله. يعني "زهور" جيّدة والكثير من الممثلات الموجودات حقيقةً. هناك إسم لا يحضرني يظهر مع مجموعة من أصدقائي في "ولاية بطّيخ"، ممثلة حلوة لكن إسمها أحياناً لا يحضرني

زاهي وهبي: ومن الشباب؟ من أسماء الرجال؟  

علي جابر: "أمّوري"، شغله حلو و"غسان إسماعيل" يشتغل حلو من الشباب، "أثير" يشتغل حلو، يعني هناك مجموعة كبيرة 

زاهي وهبي: سنعود ونتحدّث على كلّ حال عن المشهد الدرامي والتلفزيوني في (العراق). لماذا أنا لي مصلحة أيضاً في أن تكون من الجيل الجديد؟ لأننا من مواليد السنة نفسها 

علي جابر: الحمد لله 

زاهي وهبي: نصير من الجيل الجديد معك وعلى جريرتك

علي جابر: يعني ماذا عام 1974؟ كأنه بالأمس 

زاهي وهبي: أُستاذي، مرّة أُخرى نذهب إلى شارِع (الحمرا) في (بيروت) برفقة "سحر حامد" و"قطع وصل" 

قطع وصل - علي جابر: 

- أُدين بحياتي لكلّ من استفزّني في العمل. الاستفزاز في العمل هو الفُرصة الحقيقيّة لوجودك، لتميّزك، لتأثيرك

- الكثير من الأساتذة يستفزّوك لأن تكون، هذه الفرصة عليك أن تنتزعها. لا توجد فُرَص تُقدّم بسهولة. "محمود درويش" يقول: هناك من وجدَ نفسه وهناك من فقد نفسه، فأنا وجدت نفسي في الحبّ. فقط الحب الذي أخاف أن أخسره هو حبّ العُمر، حبّ الجمهور، حبّ الله 

- طبعاً الدور الذي أرفضه مباشرةً ولا أُفكِّر به ولا هم يُفكّرون به هو الدور الذي بلا هدف ولا ثيمة ولا رسالة ولا معنى، أرفضه مباشرةً 

-  النصيحة التي أُعطيها لـ "علي جابر" كمبتدئ، أقول له المشاهدة، أقول له القراءة، أقول له استمع إلى نصائِح الآخرين والأساتذة الذين سبقوك في العمل. النار الهادئة هي التي تُنضِج الأشياء، لا تستعجل للوصول إلى الأهداف الكبيرة 

زاهي وهبي: عندما تجيب إجابة فيها القليل من الاحتيال تكشفك ضحكتك وابتسامتك. يبدو أنّك تُمثِّل في الأدوار في شكلٍ بارع لكن عندما تريد أن تُعبِّر عن نفسك لا تجيد وضع الأقنعة، صحيح؟

علي جابر: تماماً. حتّى أحياناً في أداء المشهد نُعيد أكثر من مرّة لأننا لا نكون نضحك ولا نكون نستمتع وبالتالي هذا يتم نقله للجمهور من خلال محبّتك لـلـ Cast والعمل والشغل

زاهي وهبي: عندي سؤال دائِماً أطرحه على ضيوفي العراقيين وهو أنّ الشِعر العراقي خرج خارِج أسوار حدود العراق، وشعراء (العراق) تركوا بصمة في مراحل مفصليّة مهمّة من دون ذِكر أسماء الآن لأننا سنبدأ في عدّ عشرات الأسماء. المسرح العراقي أيضاً خرَج خارِج حدود (العراق) سواء من خلال المهرجانات أو من خلال إقامة فنّانين عراقيين في (دمشق) في (بيروت) في (الشارقة) وفي أماكن عربيّة كثيرة، لكن الدراما العراقيّة بقيَت 

علي جابر: حبيسة المحليّة 

زاهي وهبي: صحيح، ما السبب؟ هل هذا مسؤولية صنّاع الدراما العراقيّة أم مسؤوليّة المُتلقّي خارِج الحدود؟ 

علي جابر: المتلقّي لا ذنب له، نحن علينا أن نُقدِّم دراما مصروف عليها، كلّما صرفت على عمل، بمعنى من غير المعقول أن تُقدِّم عملاً مصروف عليه ثلاثة ملايين دولار لينافس عملاً مصروف عليه 250 مليون دولار، غير معقول. يعني من اللازم أن تذهب الأموال التي كُرِّست للعمل إلى الشاشة وليس أن تذهب إلى جيوب القائِمين على العمل

زاهي وهبي: نعم، يعني الفساد وصل حتّى إلى قطاع صناعة الدراما. الحراك العراقي الذي هو ضدّ الفساد وضدّ كلّ هذه المسائل ومُطالبة العراقيين بالمُساواة والعدالة ولُقمة العيش، حضرتك شاركت ونزلت إلى "ميدان التحرير"؟ 

علي جابر: شاركت ونزلت نعم. هذه حقوقي وهذه مطالبي. أنا أبحث عن وطن والمتظاهر يبحث عن وطن لأنّ الغُربة ليست في أن تُغادر وطنك، الغُربة أن يغادرك وطنك، يغادرك في أنّه هذا ليس شارعك وهذا ليس بيتك وهذا ليس نظامك الاقتصادي ونظامك الاجتماعي ونظامك الأمني، ليس هذا. لذلك خرجت الجماهير وخرج الشباب وكان بينهم موظفون وميسورون شاركوا لأنّهم في حاجة إلى وطن آمن لمستقبل الأجيال

زاهي وهبي: أُستاذ "علي" هناك مُحاولات لاستغلال هذا الحراك من دول كُبرى سواء في (العراق) أو في (لبنان) أو في أيّ مكان. تحقيق مطالب الناس 

علي جابر: تُحصِّن البلد وتحصن الناس

زاهي وهبي: ألا تُحصِّن وتمنع استغلال 

علي جابر: تحصّن البلد وتُحصّن الشباب من أيّ تدخُّل خارجي وهذا من حقّ أيّة دولة عندها مصالح أُخرى في دولة أُخرى، لكن عليك كدولة أن تُحصِّن بلادك من خلال تحقيق رفاهية وتحقيق حياة حرّة وكريمة لمواطنيك 

زاهي وهبي: إلى أيّ حدّ في السنوات الأخيرة، والحمد لله بعد أن تمّت هزيمة "داعش" وبعد أن توقّفت السيارات المُفخخة

علي جابر: الحمد لله 

زاهي وهبي: إلى أيّ حدّ عادت دورة الحياة الثقافيّة والفنيّة في (بغداد)؟ 

علي جابر: لم تتوقّف الحياة الثقافيّة والفنيّة 

زاهي وهبي: حتّى في أثناء المعارك 

علي جابر: حتّى في أثناء المعارك، يعني الله يُسلِّم (بيروت) و(بغداد) والدول العربيّة، كنّا نعاني في (بغداد) من ثلاثين إلى أربعين سيارة مُفخخة 

زاهي وهبي: في اليوم أحياناً

علي جابر: في اليوم، وكان أيضاً شبابنا وأساتذتنا يُشارِكون في مهرجانات ويوجدون مهرجاناتٍ للفرح وللأداء والإبداع 

زاهي وهبي: إذا كان صنّاع المشهد الإبداعي في (العراق) مُقصّرين، لكن في الوقت نفسه ألا ينبغي لنا كإعلام خارِج (العراق) أن نُسلِّط الضوء على الجوانب المُضيئة في اليوميّات العراقيّة؟ أنا أشعُر أنّ الإعلام العربي لا يُسلّط الضوء إلا على الأحداث الأمنيّة، إلا على المشاكل ويتجاهل الجوانب الأُخرى

علي جابر: هذه حقيقة أُستاذ، الجانب السياسي والجانب الأمني أخذا من (العراق) وأوصلا (العراق) إلى أبعد نُقطة، لكن الجانب الثقافي الجانب المُضيء في الحياة الاجتماعيّة العراقية موجود. الآن أيضاً افتتاح قناة MBC (العراق) في (بغداد) التي تُسلِّط الضوء على الأعمال العراقيّة، تُسلِّط الضوء على المُبدِع العراقي، على الممثل، على الشاعر، على المُطرب أيضاً. يعني هذه إضاءة كبيرة

زاهي وهبي: حضرتك حالياً مدير MBC (العراق) 

علي جابر: مكتب (بغداد) 

زاهي وهبي: مكتب (بغداد). أنت تعلم الجدل الذي رافق ولادة MBC (العراق) والخشية من أن يكون لهذا توجه سياسي أو غايات سياسيّة 

علي جابر: أبداً، أنا جزء من مشروع كبير إسمه MBC (العراق) كلّفني يه صديقي الأُستاذ "أُسامة الشرقي" والأُستاذ المُشرِف العام "أوسي الشرقي" وأنا أشكرهما لهذه الفُرصة ونحن مشروع كبير، مشروع تجاري ولا يوجد أيّ هدف سياسي من خلال MBC (العراق) 

زاهي وهبي: نعم، هي تخلو من البرامج السياسيّة ونشرات الأخبار 

علي جابر: هي ثقافيّة كوميديّة اجتماعيّة ترفيهيّة ثقافيّة 

زاهي وهبي: حسناً، هلّ من ضمن مشاريعك تغطية نشاطات الثقافة والإبداع بمعنى أمسيات الشِعر والموسيقى ومعارِض الرسم وكلّ هذه؟ أنا وجدت حيويّة في هذا المجال عندما زرت (بغداد) 

علي جابر: طبعاً. على كلّ حال نحن من خلال الحديث عن (بغداد) عندنا برنامج مباشر، عندما فازوا الأصدقاء في مهرجان (قرطاج) استضفناهم، الأُستاذ "علي عبد النبي" نال جائِزة أفضل نص واستضفناه، الأخ "يحيى إبراهيم" نال في مهرجان (أربيل) أفضل عمل متكامل واستضفناه، يعني بالضبط نريد أن نُسلِّط الضوء على المُنجز العراقي وعلى العمل العراقي 

زاهي وهبي: نعم. مؤخراً هناك سيّدة عراقية كانت بين أهم المعماريين في العالم، إذا لم أكن مخطئاً إسمها "ريّا العاني"

علي جابر: "ريّا العاني" قبل أُسبوع أو عشرة أيّام، نعم 

زاهي وهبي: نقول لها ونقول لـ (العراق) مبروك 

علي جابر: نتمنّى أن تكون موجودة لنستضيفها

زاهي وهبي: ونحن أيضاً نتمنّى أن تكون موجودة، نحن سنسبقكم إن شاء الله 

علي جابر: أنتم سبّاقون، والله سبّاقون 

زاهي وهبي: لا العفو 

علي جابر: حقيقةً أنا أُتابع "بيت القصيد" الذي يُسلِّط الضوء على المُنجز العراقي والمُبدِع العراقي، هذه يرفع لها القبّعة

زاهي وهبي: شكراً، هذا ما نحاوله تجاه كلّ المُبدعين العرب، نُحاول أن نذهب إلى حيث نستطيع أن نذهب. أيضاً أُستاذي حضرتك، بما أننا نتحدّث عن الـ MBC، لك تجربة في تقديم البرامج 

علي جابر: نعم 

زاهي وهبي: كيف وجدت هذه التجربة؟ وما الذي أضافته لحضرتك كممثل؟ 

علي جابر: هي أيضاً تجعل من الممثل يُجرِّب في أكثر من مجال. أنت تمتلك الثقافة وتمتلك الرؤية وتمتلك البحث عن المقابل وبالتالي تقود حديثاً، ونجحت في شهادة الأساتذة الذين كنت أستضيفهم وفي شهادة الجمهور في أنّه ممكن أن أكون مُقدِّماً لكن لا يُمكن أن أتخلّى عن التمثيل 

زاهي وهبي: رهبة الكاميرا أو سطوة الكاميرا دعني أقول، أثناء تأديتك شخصيّة معينة تكون السطوة أكثر أم عندما تُقدِّم برنامجاً وتستضيف شخصية؟ 

علي جابر: التقديم أصعب. لماذا؟ الأداء أنت تستعد له وتأخذ فترات من القراءات ومن الاستعداد، والتقديم أحياناً أنت تعتمد على الضيف المُقابل وكيف تحدّثه وتُحاوره وكيف تخرُج بنتيجة يفهمها الجمهور ويستمتع بها لأنّه أمام شاشة لمدّة ساعة ومن اللازم أن تُقدِم شيئاً 

زاهي وهبي: نعم. إذا كان الضيف مُحبِطاً هل ينعكس عليك هذا الأمر؟ بمعنى أحياناً بعض الضيوف لا يجيدون التعبير عن أنفسهم ويكونون مبدعين كباراً، ولكن عندما يجلسون في مقابل الكاميرا تجدهم 

علي جابر: يتحجّمون أجل. أنا أُحيل هذا السؤال لك، أنت قابلت الكثير من النجوم وقابلت الكثير من الضيوف وتحسّ هذا الإحساس، أحياناً تكون الحلقة كلها سهلة وأحياناً أُخرى يكون من الصعب أن تصعد بإيقاعها 

زاهي وهبي: صحيح، تحاول وتحاول وتبذل جهداً ولكن في النهاية 

علي جابر: ربما الضيف مبدعاً في مجاله لكن أمام الكاميرا 

زاهي وهبي: واجهتني هذه الحال بصراحة، تجد روائياُ عظيماً ولكنّه لا يُجيد الكلام أو ممثلاً بارعاً

علي جابر: يكتب 

زاهي وهبي: أجل يكتب أو يؤدّي دوراً لكنه لا يجيد الكلام. البرامج الحواريّة تحتاج إلى كثيري الكلام "حكوجيّة" كما نقول في اللبناني، شخص "كلامنجي" يجيد التعبير عن نفسه ويجيد الكلام

علي جابر: بالضبط 

زاهي وهبي: حضرتك إبن مدينة (الديوانيّة) وأتيت إلى (بغداد) ودرست ونجحت وتقيم في (بغداد) 

علي جابر: نعم، الحمد لله 

زاهي وهبي: قبل أن أسأل عن (الديوانيّة)، (بغداد) ماذا تعني لك؟ ماذا تُمثِّل لك (بغداد)؟ 

علي جابر: (بغداد) الضوء، (بغداد) العشق، (بغداد) صارت وجوداً بالنسبة لنا، (بغداد) عندما كنت أدخل إليها، عندما آتي من الديوانيّة وأرى (بغداد) أرى أجمل مُدن العالم، أجمل عواصم العالم لأنّ (بغداد) في ذاكرتي منذ السبعينات عندما كنت آتي إلى (بغداد) وأرى أضواءها وأرى شوارعها الجميلة وأرى حدائِقها وأرى البغدادي وأرى ملابس البغدادي وأسمع طريقة كلامه ولهجته، أنا أعشق (بغداد)

زاهي وهبي: أُكرّر ما قلته دائِماً، "(بغداد) بين النهرين كتبها الله قصيدة" 

علي جابر: الله أُستاذ "زاهي" 

زاهي وهبي: قصيدة العواصم العربيّة. (بغداد) على (دجلة) و(الديوانية) على (الفرات)، ماذا يبقى في ذاكرتك وفي وجدانك، ماذا تحمل معك من (الديوانيّة)؟ في المعنى طبعاً الروحي والفكري والثقافي 

علي جابر: (الديوانيّة) هي التي جعلتني أتنفّس الموهبة من خلال "فرقة النشاط الفنّي"، أساتذة كبار كانوا طلاباً في "معهد الفنون الجميلة" وأساتذتي في (الديوانيّة) هم الذين جعلوني أتذوّق هذا الفنّ، جعلوني أبني شخصيّتي في هذا الفنّ وصعدت على مسارحها، والله يرحم الميّتين، "هادي الحسون" "محسن هادي" الكثير من الأساتذة في (الديوانيّة)، "رحيم ماجد"، يعني كلّ ذاكرتي في (الديوانية) 

زاهي وهبي: عندما كنت طفلاً أو مراهقاً في (الديوانيّة) كان عندك نماذج لممثلين تنظُر إليهم بدهشة؟ 

علي جابر: بدهشة وتقليد، أُقلِّدهم، أُقلِّد مشيتهم وأُقلِّد تسريحتهم وأُقلِّد لبسهم 

زاهي وهبي: عراقيون أو من نجوم السينما والتلفزيون في العالم العربي؟ 

علي جابر: أنا أتحدّث عن (الديوانية)

زاهي وهبي: في (الديوانيّة) نفسها، من أبناء (الديوانيّة) 

علي جابر: من أبناء (الديوانية). لكن أنا كنت أيضاً أطمح أن أرى كلّ أساتذتنا في التمثيل وأحدّثهم، مثلاً نجوم كبار عندنا في التلفزيون العراقي 

زاهي وهبي: علاقتك مميّزة بـ (بيروت)، عندك صداقة مع هذه المدينة. كيف تجدها؟ ماذا تعني لك؟ 

علي جابر: جميلة العواصم، في (بيروت) حنين، تدخل إلى أيّ شارع بسيط وتحسّ بوجود علاقة وجدانيّة

زاهي وهبي: رغم كلّ ما أصابها؟ ضمن كلّ مأ أصابها وما عاشته؟ 

علي جابر: لا تزال (بيروت) جميلة، لا تزال (بيروت) جميلة. (بيروت) أنتم تتحدّثون عنها أفضل منّي 

زاهي وهبي: أنا يهمّني رأيك 

علي جابر: أنا عشت في (بيروت)، الجبل والبحر، وعندما أدخل إلى (بيروت) تختفي طاقتي السلبيّة 

زاهي وهبي: نعم. هل اشتغلت في (دمشق) فترة من الفترات؟ 

علي جابر: احتضنتنا (دمشق) في فترة من الفترات المُظلمة. عندما حدثت الحرب الطائِفية في (العراق) 

زاهي وهبي: نعم، الحرب الطائِفية 

علي جابر: جئنا إلى (دمشق) وأحسسنا أننا في (العراق)، وكان كلّ الشعب السوري مُحبّاًَ لنا وفتح لنا كلّ المجالات كي نتواصل مع جمهورنا في البلد 

زاهي وهبي: الآن بعد كلّ هذه التجربة، بعد كلّ العطاءات، ما هو جديدك أُستاذ "علي" قبل أن نختم. هلّ من جديد في رمضان المقبل مثلاً؟

علي جابر: إن شاء الله 

زاهي وهبي: ما هو؟ 

علي جابر: إن شاء الله أنا مع الـ MBC (عراق) عندي "حامض حلو" الجزء الثاني، بعد أن قدّمت في رمضان السابق الجزء الأول، مع زملائي الأُستاذ "أسامة الشرقي" و"آلاء" و"إحسان" و"علي قاسم" 

زاهي وهبي: نحييهم جميعاً، شرّفت "بيت القصيد" ونُحمّلك أحرّ التحيّات للعراقيين والمبدعين العراقيين وللشعب العراقي من الجنوب إلى الشمال مروراً بالوسط

علي جابر: الله يبارك فيك أُستاذ "زاهي" 

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً 

علي جابر: لي الشرف. شكراً لكم والشكر لحضراتكم 

زاهي وهبي: "حللت أهلاً وسهلاً"

علي جابر: أنا محظوظ الآن في أن أكون في "بيت القصيد" 

زاهي وهبي: هذا من حظّنا. شكراً أُستاذ "علي جابر"، شكراً لفريق العمل، والشكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله 

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل