المثقف والهوية والعروبة والكيانيات

أسباب غياب النهضة عن لبنان والمشرق... هل البنية المجتمعية عاصية على النهوض، وما هي الأعطاب الاجتماعية المتحكمة؟ ما العلاقة بين المثقف والهوية والعروبة والكيانيات وكيف يمكن الوصول إلى عروبة مجتمعية؟

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، أيّ خللٍ بنيوي طال المجتمع اللبناني بخاصّة والمشرق عموماً خلال الأعوام المئة الماضية حتى بدا كأنه يسير"خليفانياً"، فبعد الأفكار النيّرة التي طُرحت في مطالع النهضة العربية، ولا شكّ في أن بيروت بؤرتها والتي سعت إلى تشكيل هويّة ووحدة اجتماعية ونادت بأن الدين لله والوطن للجميع وصلنا إلى هويّات مُتشقّقة واجتماعٍ مقسّمٍ ومُتنافِر وانتماءات طائفية خصخصت الدين والإيمان. لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه والأساس هو المجتمع، فلا دولة تُبنى في مجتمعات مُهشّمة ومُحترَبة وغائمة الهويّة، وهل من آمال بتغيير الحال؟ هذا ما سنناقشه مع الدكتور فؤاد خليل أستاذ علم اجتماع المعرفة في الجامعة اللبنانية سابقاً وحالياً يُشرف على رسائل الدكتوراه، له 16 مؤلّفاً عن الثورة العربية والنسق التاريخي والعروبة والفكر النهضوي العربي والانكسار البنيوي وغيرها، تقريرٌ عن الفكر النهضوي العربي ثم نحاوره.

تقرير:

إنطلاقاً من منتصف القرن التاسع عشر وتأسيساً على صدمة حملة نابليون على مصر أواخر القرن الثامن عشر والتأثّر بعصر الأنوار، ظهر كتّابٌ ومفكّرون كُثُر في الشام ومصر مارسوا دوراً نهضوياً كرفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني والكواكبي وعبده والأفغاني واليازجي وغيرهم، في محاولةٍ لإحداث قطيعةٍ معرفيّة مع ما سبق وضخّ مفاهيم جديدة كالحريّة والحداثة والإشتراكية والدولة والتنمية وحقوق الإنسان والتقدّم والقوميّة، وهذا ما سُمّي الفكر النهضوي العربي.   

رفضت النخب السبات الطويل الذي فرضه الاحتلال العثماني وكان لسفر الرعيل الأول من المفكّرين والمثقّفين إلى الغرب واطّلاعهم على مناهجه والعلوم الحديثة والمدنيّة المعاصرة بآفاقها الفكرية دورٌ في تفكيك فكر القرون الوسطى الذي كان سائداً ومحاولة لدكّ المنظومة التقليدية وطروحاتها وإدخال ما اكتسبوه في نسيج الفكر العربي، ما جعل العديد من النقّاد يعتبرون الأمر نوعاً من التغرّب.

لم تخلُ النهضة من انبهار الطهطاوي وتوفيقيّة محمّد عبده والاتجاه الوطني التعريبي للبستاني أو من موقفٍ جذري ضد العثماني أو قبولٍ مشروطٍ به، لكنّه حمل بين دفّتيه تجديد النزوع العقلي والدعوة إلى الحرية ورفض الاستبداد والاتجاه نحو التنوير والتنمية والتقدّم رغم الاختلاف على شكل الدولة والعلاقة مع الغرب.

تأثّر الفكر النهضوي العربي بعد عشرينيّات القرن العشرين ما عدا بعض التماعاتٍ هنا وهناك، لكنّ الرهان لا يزال على العقل للنهوض مجدّداً.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أهلاً بك دكتور خليل ضيفاً عزيزاً في البرنامج، قبل إعلان لبنان الكبير عام 1920 سيّدي كان هذا اللبنان يغلي بأفكار التنوير، النهضة، الثورة، مقاتلة الاستعمار التركي، ثم فجأةً غابت هذه الأفكار بعد إعلان لبنان الكبير، لماذا؟ 

فؤاد خليل: ابتداء القول يُسعدني أن أشكرك وأشكر الميادين على استضافتي من أجل البحث في هذه القضايا لأننا على ما أعتقد مهجوسون بأفكار التقدّم والنهوض.

غسان الشامي: حللتَ أهلاً.

فؤاد خليل: شكراً. ما تقصده بأن لبنان كان يغلي تقصد المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث طُرحت أفكار الوطنية والتقدّم والتنوير من قِبَل مفكّرين كبار كالبساتنة وإبراهيم اليازجي وناصيف اليازجي، ومن ثمّ تحدّث أيضاً على الصعيد الأدبي لاحقاً جبران خليل جبران وما إلى ذلك من أفكارٍ تنويرية ونهضوية.  

غسان الشامي: والشميّل والشدياق. 

فؤاد خليل: على صعيد مصر هناك رفاعة الطهطاوي، محمّد عبده، جمال الدين الأفغاني، كثيرون في مصر تحدّثوا أيضاً بأفكار النهضة والتقدّم. أما لماذا تراجعت هذه الأفكارفي لبنان لأنه بدءاً من ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين طغى على الساحة الفكرية في لبنان الفكر الكياني، المقصود بالفكر الكياني الذي ينظر إلى لبنان ككيانٍ متجوهر قائم بذاته، بمعنى آخر أن لبنان منفصلٌ عن محيطه الأشمل وهذا ما تعارض مع كل الطروحات التنويرية للمفكّرين في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.إذاً الذي جبّ هذه الأفكار وجعلها تتراجع إلى حدّ بعيد هو سيطرة الفكر الكياني والنخبة الكيانية التي تحدّثت عن لبنان القومي المسيحي سواء كان قومياً مسيحياً كيانياً طائفياً أم قومياً علمانياً على طريقة يوسف السودا وما إلى ذلك. هذه الأفكار تراجعت وحلّت محلّها أفكار الطوائف والكيانية والتي استمرّت إلى نهاية الحرب الأهلية في لبنان.   

غسان الشامي: ولكن هذا الفكرالنهضوي بتشعّباته المختلفة وذكرت بعض الأسماء لديه كمٌّ هائل من الكتب وتراكم المعرفة والأفكار التي طُرحت إن كان في بيروت أو القاهرة أو حلب، فجأةً إما أصبح جهيضاً أو انكسر، هل فقط عامل الكيانية هو الذي كسر هذا الفكر في مجتمعاتنا دكتور خليل؟

فؤاد خليل: أنا قرأت ملياً التجربة المصرية على سبيل المثال، الطهطاوي وعبده والأفغاني وغيرهم الكثير أرى أن طروحاتهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين جرى قطعها أو جبّها كما يقولون عادةً في الثقافة القديمة من قِبَل إسلامٍ سياسي نشأ في الساحة المصرية وسيطر على هذه الساحة، أقصد هنا حركة الإخوان المسلمين، هذه الحركة جبّت تلك الأفكار النهضوية التي طُرحت.

غسان الشامي: جبّت ليس بمعنى هضمت. 

فؤاد خليل: كلا بمعنى أنها قطعت معها أو أنها جعلتها تنحصر في دائرة نخبوية، في حين أن الفكر الإسلامي السياسي ممثّلاً بحركة الإخوان المسلمين استطاع أن يتجمهر وأن يتحوّل إلى حركة شعبية واسعة ممّا جعل الفكر النهضوي العربي ممثّلاً بالنخب التي ذكرتُ يتراجع إلى حدّ بعيد وتطغى على ساحته أفكار الإسلام السياسي، فضلاً عن ضعف الدولة التي نشأت بين الحربين الأولى والثانية في مصر التي لم تحتضن المشروع النهوضي الحقيقي الذي طُرح على الساحة المصرية، وبالتالي على الساحة العربية عامّةً. 

غسان الشامي: هل بنية مجتمعاتنا مقفلة إذاً بطريقة أو بأخرى إذا أخذنا الواقع اللبناني ومن ثم المصري، هل هذه البنى المجتمعيّة تبدو مقفلة على التطوّر دكتور خليل؟

فؤاد خليل: من منظورٍ سوسيولوجي ليس هناك من انسدادٍ تاريخي أو انسدادٍ في آفاق التغيير والتطوّر، كل مجتمع قابل لأن يتطوّر إنما هناك مجتمعات تستطيع أن تتطوّر بانسيابيّة أفضل من مجتمعات أخرى نتيجة ظروف هذه المجتمعات. ما نعانيه في الحقيقة هو من عوائق بنيويّة، في رأس هذه العوائق البنيوية أمام التغيّر هو الانتظامات الفئوية التي تسيطر على مجتمعاتنا وأقصد بالانتظامات الفئوية الانتظام الطائفي، الانتظام القبلي، الانتظام العشائري، الانتظام الإثني إلى ما هنالك. هذه الانتظامات الفئوية التي ذكرتُ استطاعت أن تهشّم وتهمّش المشترك البنيوي الذي تتأسّس عليه الرابطة الجامعة بما هي المنصّة الأساسية لكل عمليّة نهوض.

غسان الشامي: إذاً هذا يدعونا لأن نسألك وأنت أستاذ في علم الاجتماع، ما هي بنية المجتمع الآن؟ لنأخذ المجتمع اللبناني نموذجاً، مئة عام، إجهاض التنوير، الذهاب إلى كيانيّة مفرطة كما قلت ومن ثم إلى احترابٍ داخلي، الحرب الأهلية ومن ثم إلى شيءٍ لا أحد يعرف كنهه بعد الطائف إنما هو مزيج من "الشوربة السياسية" إذا جاز التعبير. هل استطعتم الوصول إلى التوصيف لبنية المجتمع؟ 

فؤاد خليل: نعم، ينبغي أن لا نتحدّث بلغةٍ أو أن ننزلق إلى لغةٍ طائفية دونما وعي منا، ليس كل شيء في لبنان مطيّف، هناك انقسامات غير طائفية في لبنان، هناك انقسامات اقتصادية تؤسّس لولاءات وانتماءات طبقيّة، هناك انقسامات متعدّدة لكن ما نعيشه حالياً في لبنان هو أنها تركيبة على ما أعتقد انتقالية يتداخل فيها الحديث مع التقليدي، في لحظةٍ من اللحظات يتقدّم الحديث على التقليدي وفي لحظةٍ أخرى يتقدّم التقليدي على الحديث. لنأخذ على سبيل المثال الحركة الوطنية اللبنانية بين 1969 و1975، كان التناقض والصراع في تلك الفترة صراعاً قائماً على قواعد سياسية ذات نزوع طبقي، كان هناك يسارٌ ويمين، في العام 1982 انتظم الصراع على قواعد طائفية. إذاً في تلك اللحظة غلبت الانتماءات الطائفية الانتماءات الاجتماعية الطبقية لماذا؟ لأننا في لبنان وفي بلادنا العربية بشكل عام عندما يصل التناقض المجتمعي إلى مرحلة التفجّر يتّخذ شكلاً من إثنين إما فتنة وإما حرباً أهلية، وهذا ما ينطبق عليه الحال سواء كان على صعيد تاريخنا أو على صعيد حاضرنا مع كل أسف. 

غسان الشامي: هذا يعيدني أيضاً إلى سؤال، نحن مجتمعات مقفلة، هل لا يمكن في هذه البلاد أن يكون الصراع مجرّد صراعٍ فكري؟ كلّما اختلفنا نذهب إلى احتراب، هذه أصبحت بنية ثقافية مهشّمة.

فؤاد خليل: الصراع الفكري له أدواته السياسية في النهاية، يتأسس على أدوات، الصراع الفكري له مجاله وله حقله لكن هذا الحقل يرتبط بشكلٍ وثيق على قاعدة ما يقوله بيير بورديو عن ترابط الحقول مع بعضها البعض، يرتبط بشكل وثيق مع الحقل السياسي أي له أدوات سياسية، مثلاً الفكر الكياني في لبنان الذي نشأ في الثلاثينيات والأربعينيات وبالتحديد فكر ميشال شيحا كان له أدوات سياسية تجسّدت في بناء النظام الطائفي في لبنان، والأفكار الوطنية الأخرى تجسّدت في تشكيلة معروفة إسمها الحركة الوطنية اللبنانية. إذاً الحقل الفكري ليس معزولاً، ليس متعالياً عن الحقل السياسي، هو يكثّف بطريقة أو بأخرى الحقل السياسي مستنداً إلى أدوات يستنبطها أو تُبنى في هذا الحقل السياسي.

غسان الشامي: هنا هذا يدفعنا لأن نسألك إضافةً إلى الكيانية منذ 1920 حتى اليوم عن الأعطاب الاجتماعية لأننا خرجنا بمجتمعاتٍ معيّنة وليس مجتمعاً واحداً، هذا واضح، وعن أسباب هذا التراجع برأيك من كلّيّانيّة وطنية جامعة بهاجسٍ واحد تحرّري تنويري إلى تفتيت في الرؤى الاجتماعية والسياسية.

فؤاد خليل: عندما نتحدّث عن كلّيّة أوعن هويّة كلّيّة ينبغي أن يتبادر إلى ذهننا أننا نقصد بعروبةٍ مختلفة عمّا ساد لدى الأنظمة العربية سواء كانت الجمهورية أو المَلكية منها لأن النهضة الحقيقية لا تتأسّس إلا إذا حُسمت مسألة الهويّة، ولا تُحسم مسألة الهويّة خاصة الهويات المفردة، ينبغي أن تُطمس هذه الهويات أو أن تتراجع، لا يمكن لها أن تتراجع إلا إذا بُنيت هويّة جامعة تنبني على المشترك المجتمعي، ومعروفٌ ماذا أقصد بالمشترك المجتمعي أي الثقافة، اللغة، الثقافة العربية، اللغة العربية، التاريخ العربي. 

غسان الشامي: أنت لك كتابٌ في هذا سنأتي إليه، سنحاول رجرجته معك.

فؤاد خليل: الأعطاب البنيوية هي أعطابٌ مرتبطة بطبيعة النظام السياسي وطبيعة النظام الاقتصادي والإيديولوجي والتربوي، العطب البنيوي هو عطب (كلّيلأننا) عندما ننظر إلى الظاهرة ينبغي أن ننظر إليها بصفتها الكلّيّة ممّا يدفعنا إلى اعتبار أننا لا نستطيع أن نفسّر الظاهرة بعاملٍ واحد بل بتجادل العوامل وبخاصّة منها السياسي والاقتصادي والإيديولوجي.

غسان الشامي: هل يمكننا إذاً أن نوثّق هذا التراجع وصولاً إلى ما وصلنا إليه إلى مراحل أو تحقيبه إلى حُقب؟ بمعنى لِنقُل فترة الانتداب ماذا حصل خلالها وما بعدها، هل هناك أحقاب أو مراحل في التراجعات التي حصلت؟

فؤاد خليل: في لبنان حصل فكرٌ تنويري كما أسلفنا القول في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر، جرى التراجع عن هذا الفكر في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات حتى نهاية الحرب الأهلية في لبنان أي في العام 1989، لماذا جرى التراجع؟ كما أشرتُ وقلتُ قبل قليل بسبب طغيان الفكر الكياني الطائفي، الفكر الطائفي يعتمد على آليّات منها أبلسة الخصم، منها تأصيل الاختلاف بينه وبين الآخر، منها تبخيس النقد، منها المطابقة بين وجهة النظر والحقيقة، بمعنى آخر أن الطائف عندما يقدّم وجهة نظر يعتبرها حقيقة لا رادّ لها وبالتالي لا يمكن أن تناقَش، لديه الحسم المعرفي. هذه الآليات التي يستخدمها الفكر الطائفي عادةً تؤدي إلى المحافظة على الواقع المجتمعي، والمحافظة على الواقع المجتمعي هي التي تكرّس في نهاية الأمر أسباب الأزمة الكامنة منها سواء كان على الصعيد البنيوي أو على صعيد المظاهر المتنوّعة لها.

غسان الشامي: أنت لك مجموعة من الأبحاث ورسالة دكتوراه حول العشيرة وإلى ما هنالك.

فؤاد خليل: دبلوم العشيرة ودكتوراه عن الإسلام.

غسان الشامي: أيّ منطقٍ فكري سياسي اجتماعي يحكم لبنان الآن؟

فؤاد خليل: المنطق الغالب في لبنان اليوم هو المنطق الطائفي، هذا لا يعني أنه ليس هناك من أشكالٍ أخرى لمنطقٍ آخر ولكن المنطق الغالب المهيمن هو الإيديولوجيا الطائفية، وبالتالي هذه الإيديولوجيا الطائفية كما أشرتُ تفرض نفسها على الساحة الفكرية وتتوسّل أدواتٍ سياسية تعمّق أزمة النظام. إيديولوجيا الطائفية التي تحملها بعض الأحزاب الطائفية في لبنان ألا تبني في نهاية الأمر، ألا تنزع للدقّة إلى نوعٍ من الخلاف الدائم والتنابذ الدائم بين الأفرقاء؟ هناك تنابذ بين الأفرقاء لأنه عندما تدخل الطائفية السلطوية على الدولة وتطالب بحصّتها من الدولة، وكل طائفة سلطوية تفعل الشيء نفسه تتحوّل الطائفية السلطوية إلى كيانٍ دولتي فئوي. إذا كانت كل طائفية سلطوية تتحوّل إلى كيان دولتي فئوي معنى ذلك أن الدولة تتحوّل كمجال عام بعد أن انتُهبت من الطائفيات السلطوية إلى اتحادٍ فدرالي للطوائف، وذاك هو عمق الأزمة في لبنان. 

غسان الشامي: بين الرغائبيّة والزبائنيّة والعائلية والعشائرية والطائفية التي وصّفتها الآن في قلب الدولة، دول في قلب الدولة، الطائفية الدولتية. 

فؤاد خليل: كيان دولتي.

غسان الشامي: نعم، التي اجتاحت لبنان، هل من أفق لتنويرٍ جديد بعد هذه المئة عام؟

فؤاد خليل: أيّ باحثٍ عادةً إذا كان باحثاً يتوسّل، ينشد، يستهدف نهوض أمّته لا بدّ من أن يبتدع أو أن يحاول أن يقدّم مشروعاً للنهوض. لا سبيل لنهوضٍ في بلادنا إلا من خلال مشروعين: مشروع بناء هويّة جامعة أعني بها العروبة لأن العروبة تتأسّس على الوطنية والوطنية تتأسّس على العروبة، هذا أول مشروع، المشروع الثاني هو بناء دولة مواطنة بمعنى دولة يسود فيها القانون ويلتزم فيها المواطنون أمام الدولة أو أمام القانون كلُّ فرد منها كمعطىً سوسيولوجي وحقوقي مفرد أمام القانون، هذان هما المشروعان اللذان يمكنهما أن يقدّما لنا مدخلاً إلى النهوض والتقدّم لهذه الأمّة.

غسان الشامي: قبل أن أطرح آراءً لمَن يختلف معك في هذا الطرح في الجزء الثاني أتمنى أن تلخّص لنا سمات التنوير المطلوبة بأقلّ وقت.

فؤاد خليل: أولاً العقلانية، هي أن نحتكم إلى العقل، التقدّم، العلم، المواطنة، هذه السمات الفعلية للتنوير التي نحتاجها، ومن دون هذه السمات سوف نبقى قبائل وشعوباً لا نتعارف إلا على السكّين. 

غسان الشامي: شكراً، سنُكمل هذا الحديث بعد الفاصل. أعزائي انتظرونا في حوارٍ مع الدكتور فؤاد خليل لمَن يحبّ.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّةً لكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور فؤاد خليل سأبدأ معك هذا المحور قبل أن ننتقل إلى العروبة حول كتابٍ لك أسألك منه كيف تعامل المثقّف مع الهويّة؟ أنت ذكرت الهويّة في المحور السابق. 

فؤاد خليل: إحدى معضلات لبنان كانت على الأقل في المنتصف الأول للقرن العشرين هو الصراع على الهويّة بين ثلاثة اتجاهات نشأت في الثلاثينيّات والأربعينيات: اتجاه كياني، اتجاه وحدوي واتجاه أممي، هذه الاتجاهات تصارعت حول مسألة الهويّة ولم تتّفق على هويّة جامعة للبنان، الكياني يريد هويّة ضيّقة، هويّة قومية مسيحية، الوحدوي يريد اتحاداً.  

غسان الشامي: وأيضاً كان هناك مسلمون يريدون هويّة ضيّقة.

فؤاد خليل: صحيح، والوحدوي كان يريد وحدةً مع سوريا أو مع العرب، إما وحدة عربية وإما وحدة إسلامية. اليساري علّق موقفه من قضية الهويّة باعتبار أن القومية هي نتاج رأسمالي ينبغي أن تُتجاوز في المرحلة الإشتراكية، لذلك لم يتحدّث عن الهويّة ما خلا بندلي الجوزي الذي تحدّث عن الحركات الفكرية في الإسلام من سنة 1930 إلى أن جاء حسين مروّة وكتب كتابه الشهير"النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية". إذاً هذه الاتجاهات تصارعت في الثلاثينيات والأربعينيات وبقي لبنان عرضة للتمزّق الهوياتي لم تنجزها أو لم يحسمها الوجه العربي للبنان في ميثاق 1943 إلى أن جاء اتفاق الطائف وحسم هويّة لبنان والانتماء العربي للبنان، رغم أنه على ما أرى أن ثمّة خشية عند البعض أن يتحدّث عن عروبة حضارية ويقصد فيها العروبة التي تنادي بالتطبيع والسلام، العروبة الحضارية. 

غسان الشامي: العروبة الحضارية لا تنادي بالتطبيع والسلام.

فؤاد خليل: عند بعض الذين يطرحونها في لبنان وهم معروفون.

غسان الشامي: عروبة ليبرالية.

فؤاد خليل: سنتحدّث عن العروبة، أنا أتحدّث عن العروبة بطريقة أخرى. إذاً المثقّف هو بحسب تعريفي للمثقّف بعد أن عرضت الصراع الهوياتي بين هذه الاتجاهات الثلاث أن المثقّف هو المفكّر الواعي بقضية الهوية وبأهمية دوره في طبيعة تحديد المشترك الذي تتأسّس عليه الهويّة الجامعة. ماذا أقصد بالمشترك هنا؟ هو هذا الكلّ البنيوي الذي يشكّل الأساس المادي لبناء هوية جامعة تحسم هذا التمزّق الهويّاتي الذي عاشه لبنان.

غسان الشامي: دكتور غالباً ما يربطون الثقافة بالنخبوية أو المثقّف بالنخبة، هل أصبح أغلب المثقّفين طيلة هذه الفترة الطويلة من عمر لبنان هم مجرّد موظفين لدى ساسة أو لدى إقطاعيين أو لدى رجال دين، هل انكفأ المثقّف؟ 

فؤاد خليل: بعد الطائف كتبتُ أن ثمّة نموذجاً للمثقّفين أسميته المترحّل الذي انتقل وبخاصّة من الفكر اليساري.

غسان الشامي: مثل قبائل الرحّل.

فؤاد خليل: نعم المترحّل وقصدتُ بالمترحّل أنه مثقّف بدوي، ولا أقصد هنا الإساءة للبدو، بدوي بالمعنى المجازي للكلمة أي أنه يترحّل نتيجة نمط حياته. 

غسان الشامي: أي لا مسكن له.

فؤاد خليل: نعم نتيجة نمط حياته، المُترحّل الذي انتقل من الفكر اليساري ومن الفكر القومي إلى حمى الطائفة فابتنى مضرباً له في هذا الحمى، وراح يمجّد الطوائف ويتطهّرمن تاريخه وكأنّ تاريخه كان عبئاً عليه، هذا من جهة، من جهة ثانية من أجل أن يقدّم أوراق اعتماده إلى زعيم الطائفة الذي ارتحل إليه. 

غسان الشامي: والذي يُكرمه.

فؤاد خليل: في العطايا والإحسان.

غسان الشامي: هذا يدفعني إلى سؤالك إذاً، لماذا خرجنا بهويّات متعدّدة ولم نتّفق على هويّة مشتركة الذي هو توليفة كتابك؟ 

فؤاد خليل: أنا أعزو الأمر إلى طبيعة الانتظام المجتمعي في بلادنا، الانتظامات المجتمعية في بلادنا هي انتظامات ذات هويات مفردة وضيّقة. إذا تحدّثنا عن لبنان الدولة الطائفية عمّقت هذه الانتظامات، القبليّة والعشائرية يُعاد إنتاجها من خلال آليات الطوائف في لبنان. إذاً الدولة عمّقت هذا التمزّق الهوياتي في لبنان، هذا من جهة، من جهة ثانية ليس هناك كما قلت وأكرّر من إمكانية للخلاص من المأزق الهويّاتي إلا ببناء هويّة جامعة، كل بلدان العالم التي تقدّمت حسمت هوياتها وحسمت مسألة أخرى معها بأنها بنت أنظمة تأسّست على المواطنة والدساتير والقوانين التي تتعامل مع المواطنين كأفراد لهم حقوق وواجبات متساوية تماماً.  

غسان الشامي: هل انطمست في المحصّلة الهويّة الوطنية بالكيانيات أو غابت في الهويات الكبرى؟

فؤاد خليل: تقصد بالهويات الكبرى أي المعولمة؟

غسان الشامي: المعولمة وحتى سآتي إلى العروبة لأن البعض يرى في العروبة هويّة كبرى.

فؤاد خليل: الهويّة الوطنية جرى إخفاؤها، جرى طمسها، جرى تهشيمها، جرى تهميشها، لا شك في ذلك لأن المشترك بحاجة إلى بناء، يجب أن يُبنى بالسياسة، أن يُبنى بالاقتصاد، بالتربية، بالإيديولوجيا إلى آخره، كل شيء ينبغي أن يُبنى، إذا صُنعت سيارة في لبنان أو في مصر فهذه السيارة هي بناء للمشترك أي تعبير عن بناء المشترك البنيوي بين الأقطار العربية. إذاً الهويّة الجامعة ينبغي أن تتأسّس كما قلت على هذا المشترك لكي تتراجع الهويات الضيّقة والمفردة، ولا يمكن أن نتسلّح بهويّة جامعة إلا إذا بنينا هذه الهويّة من قبل دولة المواطنة في بلادنا.

غسان الشامي: إذا ذهبنا إلى الهويات الضيّقة والطائفية والدينية هل هي قوية لهذه الدرجة حتى أنه لم نتمكّن من إزاحتها لمصلحة هويات وطنية جامعة مؤسّسة على المشترك، ما سبب قوّتها؟ 

فؤاد خليل: إن السبب الحقيقي لقوّتها أن السلطة السياسية في بلادنا تكرّس آليات عمل لترسيخ هذه الانتماءات، مثلاً في لبنان النظام السياسي ألا يكرّس الطائفية في المجتمع بما هي ولاء عصبي للطائفة بأشكال متنوّعة تُصوّرها ذات لحمة عامة؟ أليس الأمر كذلك؟

غسان الشامي: نعم.

فؤاد خليل: إذاً في ظل وجود نظام سياسي يكرّس أو يرسّخ هذه الانتماءات فهذه الانتماءات سوف تبقى مزدهرة ومنتعشة أما إذا حصل هناك نظام سياسي، مواطنة قام بعمليّة تفريد للناس، فردنة الناس وبالتالي عامل هؤلاء الناس على قاعدة القانون والدستور، إنهم متساوون أمام القانون والدستور. ألا ترى معي بأن الانتماءات الفئوية والضيّقة سوف تتراجع إلى حدّ بعيد في حال كان هناك نظام يتعامل بالمقوّمات التي ذكرت، سوف تتراجع الانتماءات الفئوية والضيّقة إلى حدّ بعيد وسوف يتأسّس نزوع تاريخي لبناء هوية جامعة.  

غسان الشامي: إذاً لا مصلحة للهويات الضيّقة ولا للحظة إلا أن تمتصّ حيويّة المجتمع وتأخذ مكاسبها والمجتمع ككل فليذهب إلى حيث ألقت رحلها.

فؤاد خليل: العقبة البنيوية، الكأداء أمام تطوّرنا، أمام تأسيس مجال مجتمعي موحّد يتساوق مع الدولة ككيان دستوري وحقوقي، المعضلة الأساس هي في وجود هذه الانتماءات.   

غسان الشامي: اشتغلتَ مؤخراّ على الأمّة، مفهوم الهويّة يذهب بنا إلى الأمّة، ما هي ركائز الأمّة وهذا ما تكتبه حديثاً.  

فؤاد خليل: إذا شئتُ أن أتحدّث عن الأمّة العربية فهي لها مقوّمات: اللغة العربية، الثقافة العربية، التاريخ العربي، التضامن الأقوامي، هذه العناصر شكّلت من الأمّة العربية كلّيّة مجتمعية معطاة تاريخياً، أقصد بذلك أن الأمّة العربية لا تُختزل بالقومية العربية، سمّت قوميات أخرى كالبربر والأمازيغ، تندرج هاتان القوميّتان في نطاق بنية الأمّة العربية. 

غسان الشامي: هناك الأرمن والشركس. 

فؤاد خليل: كلّهم لأن كل هذه المكوّنات، الأرمن والشركس والآشوريين والمسيحيين العرب بكل انتماءاتهم المذهبية، كل هؤلاء شاركوا في صناعة المشترك، المشترك الذي تشاركوا في صنعه يشكّل الأساس المادي لبناء هويّةٍ جامعة، هذه الهويّة الجامعة لن تكون سوى العروبة.

غسان الشامي: الآن نحن أمام عروبة، قومية عربية، تذهب هنا إلى المنطوق الإيديولوجي والأمّة العربية، بمعنى كيف لا يمكن أن تكون الأمّة العربية هي القومية العربية؟   

فؤاد خليل: أنا قلت أننا لا يمكن أن نختزل الأمّة العربية بالقومية العربية، القومية العربية في إطار بنية الأمّة هي القومية الأكبر، لا شك في ذلك لكنها لا تختزل الأمّة لأن القوميات والإثنيات الأخرى شاركت في صناعة الرابطة الجامعة لهذه الأمّة.   

غسان الشامي: هذا يقتضي الاعتراف بكل الحقوق الثقافية.  

فؤاد خليل: يقتضي الاعتراف بأن العروبة كما قاربتُها عندما تتأسّس على المشترك الذي صنعته جميع المكوّنات، عندما لا تباعد ديناً ولا تقارب آخراً، بمعنى آخر أنها تكون متساوقة مع العلمانية. عندما تأتلف كل المكوّنات تكون متساوقة مع الديمقراطية، عندما لا تنحصر بعرقٍ أو بجنس تكون متساوقة مع الإنسانية، هذه هي العروبة المجتمعية التي كتبت عنها في كتابي.

غسان الشامي: شكراً، ولكن أيضاً دكتور خليل شكّلت العروبة عامل جمعٍ أحياناً وعامل تفرقةٍ أحياناً أخرى، أين تجمع العروبة وأين تفرّق؟ 

فؤاد خليل: عندما نتحدّث عن العروبة ينبغي أن نتخلّى نهائياً وجذرياً عن التطبيقات أو عن العروبة الرسمية بشكليها: العروبة التي مارستها أنطمة المواجهة والعروبة التي مارستها أنطمة الموادعة، عروبة المواجهة انقلبت على العروبة بعد أن هُزمت في المعركة، وعروبة الموادعة انقلبت على العروبة من دون أن تخوض معركة المواجهة، فبالتالي هنا أخفقت العروبة، العروبة الرسمية أخفقت، دعت إلى الوحدة السياسية فأنتجت التجزئة، دعت إلى الإشتراكية فأنتجت الرأسمالية، دعت إلى وحدة المجال المجتمعي فأنتجت كل الانتماءات الإثنية والطائفية والقبلية والعشائرية. هنا أخفقت العروبة الرسمية بكل صيغها التي شهدناها على امتداد تجربة العالم العربي، أما العروبة التي أقصدها فهي العروبة المجتمعية الثقافية.     

غسان الشامي: سنأتي إلى توصيف العروبة المجتمعية الثقافية، أنت تكلّمت عن العروبة الرسمية وإخفاقاتها ولكن هذه ما تزال العروبة السائدة بطريقة أو بأخرى لا بل الآن ما يسود هو عروبة الموادعة التي لم تقاتل ولن تقاتل وهي مجرّد فلكلور لغوي لا أكثر ولا أقل، هل نحن محكومون بحدّين إما موادعة أو مواجهة؟ 

فؤاد خليل: بالتأكيد لا، فشلت التجربتان سواء في عروبة الموادعة أو في عروبة المواجهة أليس كذلك؟  

غسان الشامي: ولكن عروبة عبد الناصر كانت عروبة مواجهة. 

فؤاد خليل: استثنيت في كتابي عروبة عبد الناصر لأنه بنى مشروعاً أكثرياً، أكثرية سياسية، الأكثرية السياسية استطاعت أن تفرز العالم العربي إلى قسمين: قسم ضد عبد الناصر يتأّلّف من كل مكوّنات الأمة، وقسم آخر مع عبد الناصر يتألّف من كل مكوّنات الأمّة، إزاء هذا المشروع الأكثري الذي بناه عبد الناصر تراجعت في فترة الخمسينيات والستينيات قضايا الأقليات والإثنيات إلى حدّ بعيد، لم نعد نشهد الكلام عن الأقليات والإثنيات والمذاهب والطوائف وما إلى ذلك، لم نعد نتحدّث عن الأقليات في تلك الفترة. إذاً ما أتحدّث عنه هو عن عروبة المواجهة التي لم تستطع أن تُنتج مشروعاً أكثرياً، هُزمت وانقلبت العروبة إلى نقائضها كما انقلبت عروبة الموادعة إلى نقائضها.

غسان الشامي: نعم ولكن الكثيرين ممّن ذهبوا إلى العروبة التي جاء بها الرئيس عبد الناصر هم من المسلمين من دون التعبير الطائفي. 

فؤاد خليل: تقصد من السنّة؟  

غسان الشامي: نعم. ما ارتباط العروبة بالإسلام؟ كيف تمّ هذا؟ 

فؤاد خليل: عبد الناصر جعل السنّة جماعة مركزية للأمّة، أخرجهم من التطييف، أخرجهم من التمذهب، أما حين انتقل مركز القيادة إلى مكانٍ آخر في العالم العربي جرى تطييف هذه الجماعة المركزية ومذهبتها ما أدى إلى تراجع دورها على صعيد الصراع في منطقة الشرق الأوسط.   

غسان الشامي: ما ارتباط العروبة بالإسلام؟

فؤاد خليل: إن محاولات الكثيرين ممّن كتبوا حول ثنائية العروبة والإسلام وتكلّموا عن اتحادٍ بين العروبة والإسلام، تكلّموا عن تزامل بين العروبة والإسلام، تكّلموا عن دمجٍ بين العروبة والإسلام إلى آخره، هذا أدى إلى تمزّق في الهويات العربية لأن الإسلام برأيي هو مكوّن مركزي من مكوّنات العروبة، العروبة هي كلٌّ يتأسّس على الكل، الإسلام هو جزء، هو مكوّن منها مثلما أن المسيحية مكوّن آخر منها، فبالتالي عندما يصادر الجزء الكل تتمزق الهويّة، لذلك حتى نستطيع أن نبني هويّة متساوقة ومزدهرة وتأتلف كل مكوّنات هذه الأمة من قومياتها إلى إثنياتها، إلى مذاهبها، إلى طوائفها، إلى عشائرها، إلى قبائلها لا بدّ من أن نفصل العروبة عن الإسلام.

غسان الشامي: كلامك يدعو إلى سؤال، هل يمكن أن تكون هناك فكرة قومية وفي نفس الآن تتّكئ على الدين؟  

فؤاد خليل: هناك مفهومان للعلاقة مع الدين، إما أن نتعامل مع الدين كمفهومٍ كوني، العقيدة والإيمان بالرسل وبالملائكة والمعاد وما إلى ذلك، نتعامل معه كبُعدٍ كوني وهذا يتعدّى حدود التجربة التاريخية ويصلح لكل مكان وزمان، أما الفكر الديني الذي أنتج الدين بكيفيات تاريخية مختلفة فهذا له ظروفه ويبنغي أن يُتجاوز هذا الفكر الديني لأنه فكرٌ أنتجه رجالٌ في زمنٍ مضى.

غسان الشامي: سؤالي الأخير، بقي معي القليل من الوقت، أريد أن أسألك عن العروبة المجتمعية، خلاصة كتابك.        

فؤاد خليل: سوف أختصر لك العروبة المجتمعية بنصًّ ذي طابع أدبي لكنه معبّر تعبيراً عميقاً.

غسان الشامي: تفضّل.

فؤاد خليل: العروبة المجتمعية هي بيت الأمّة ودارها، فمَن يهجر داره إلى ديار الآخرين لن يجد بيتاً يعرفه أو يأويه حتى ولو أقام في منازلهم الوثيرة، أما مَن ينزح من بيته إلى مضربٍ له أو خيمة فلسوف يخسر داره بالتأكيد ولن يجد إلا سكناً يستعدي به على أهله، حينذاك تراه يغذّ السير على الطريق الواصلة إلى بلاد الأجنبي طلباً لنصرة أهلها على أهلٍ شرب معهم منذ نعومة أظفاره الماء من بئرٍ واحدة. 

غشان الشامي: وأنا لك من الشاكرين، أعزائي مهما حصل لا بدّ من البحث والعمل لإرساء نهضةٍ جديدةٍ في مجتمعاتنا تكشح هذا السواد وتوقف هذا التآكل، لا بدّ وإلا لا مكان لنا تحت الشمس. شكري العميم للدكتور فؤاد خليل على حضوره في أجراس المشرق، لزملائي في البرنامج وقناة الميادين على جهودهم، كلّ المودّة لمَن يتابعنا ويراسلنا، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.