الهجرة والتأرجح بين الوطن الأم والوطن الجديد

الهجرة نقمة أم نعمة، خلاصٌ أو هروب؟ أسبابها وأنواعها، وتموقعها الثقافيّ والعرقيّ بين الاندماج والفيتو، ودور الحروب والعنف في إطلاقها. الهجرة والدين والتأرجح في العلاقة بين الوطن الأم والوطن الجديد...

 

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، لا يمكن لأهل بلاد الشام واللبنانيين بخاصّةٍ تحديد زمانٍ دقيقٍ للهجرة لأنها من قبل الذهاب إلى قرطاجة موجودة فعلياً وفي الأدبيّات والمرويّات وفي رحلات التجارة، لكن الهجرة من جبل لبنان بعد أحداث عام 1860 شكّلت منعطفاً واستجرّت أقدام الكثيرين خلال أواخر الاحتلال العثماني والحرب العالمية الأولى وسفر برلك، فذهب اللبنانيون إلى أميركا الجنوبية والشمالية وتتالى ترحالهم في القارات وباتوا بالنسبة إلى تعدادهم أكبر شعبٍ مهاجر وبخاصّةٍ إذا عدنا إلى ذوي الأصول اللبنانية منهم. الهجرة وأسبابها ودوافعها وسياقاتها التاريخية والكوارث والعنف والاضطهاد وما أدّت إليه ومستقبلها وتأثيراتها في البلدان المهجورة والمهاجَر إليها، هذا ما سنناقشه مع الدكتور بول طبر أستاذ علم الاجتماع وعلم البشريات في الجامعة اللبنانية الأميركية ومدير معهد دراسات الهجرة فيها والباحث في جامعة غرب سيدني، وله كتاباتٌ وأبحاثٌ عديدة في الهجرة، الحوار بعد تقريرٍعنها.

تقرير: 

الهجرة هي الانتقال من البلد الأمّ للاستقرار في بلدٍ آخر، وتحصل بشكل فردي أو جماعي بسبب الأوضاع الاقتصادية والحروب، وبالتحديد للبحث عن عملٍ أفضل، وهذا هو الهدف والسبب الرئيسي للهجرة أو للهروب من الدول التي تعاني من الحروب أو للجوء السياسي أو الإنساني عند المعاناة من اضطهاد فكري أو ديني أو اجتماعي أو للهروب من الكوارث الطبيعية كالأمراض والمجاعات والزلازل والبراكين.

والهجرة أنواعٌ منها الداخلية وهي هجرة السكان من منطقة إلى أخرى في وطنهم، والخارجية إلى وطنٍ آخر ودولةٍ أخرى،والسّرّية هي الهروب السري من دولةٍ إلى أخرى من دون وثائق ثبوتية أو أوراقٍ رسمية وهذه ذات نتائج سلبية على المهاجرين.

أما نتائج الهجرة فتندرج بين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ففي السياسة تؤثّر على الدول المستقبلة للمهاجرين ويمكن أن تُسهم في تغيير الواقع السياسي، وفي الاقتصاد الذي يتأثّر بشكل ملحوظ مع زيادة أعداد المهاجرين من جرّاء ارتفاع نسبة الطلب على المواد الأساسية ولا سيّما إذا كان البلد نامياً، وفي الاجتماع تظهر بعض المشاكل في اندماج المهاجرين وتغييرٌ في العادات والتقاليد.

قال تقريرٌ للأمم المتحدة إن عدد المهاجرين في العالم بلغ عام 1919 272 مليوناً بزيادة تُقدّر ب 51 مليوناً عن 2010، ويمثّل الهاجرون حالياً نسبة 3.5% من سكان العالم.

غسان الشامي: تحيّة لكم من أجراس المشرق، أحيّيك دكتور بول، أهلاً وسهلاً بك ضيفاً عزيزاً سيّدي.

بول طبر: شكراً.

غسان الشامي: أهلاً، هل من تاريخ محدّد للهجرات؟

بول طبر:إذا حدّدنا الهجرة بانتقال الشعوب أو الأفراد والجماعات من منطقةٍ إلى أخرى بهذا العنوان العريض والتحديد العريض فالهجرة بدأت مع بداية المجتمعات البشرية، وإنما نحن نتحدّث عن الهجرة الآن في القرن الواحد والعشرين، وبالتالي لها دلالة محدّدة وأعتقد أن دلالتها مستمدّة أساساً من كوننا مقسّمين الآن إلى دول وإلى أمم لديها سيادة وحدود، فبهذا المعنى يكون للهجرة مغزىً آخر. 

غسان الشامي: ما هو؟

بول طبر: بمعنى أنها تخضع لشروط وإرادة واقتصاديات ودول وقوانين تنتمي إلى البلاد المرسِلة والبلاد المستقبِلة للإنسان الذي ينتقل، أي أن المسألة لم تعد كما كانت أيام الإمبراطورية الرومانية التي كانت لا تتحدّد بجغرافية محدّدة، كانت تتوسّع وفق مقدرتها على التوسّع وتنكمش إذا ضعُفت.

غسان الشامي: نصف العالم القديم.

بول طبر: بالضبط، ولم يكن يهمّها الشعوب التي تنضوي تحت سيطرتها أن كون لها هويّة قومية واحدة، ثقافة واحدة، لغة واحدة، كان هناك إثنيات وعشائر وقبائل إلى آخره، بالتالي الآن نحن نعيش في عالمٍ يتكوّن من دول أمم تنضبط ضمن هذه المنظومة السياسية ما يسمّى بالهجرة للبشر.  

غسان الشامي: كما قلت في المقدّمة، ما يلفت مثلاً أنه يقول الفينيقيين في تونس، هل هذه هجرة أم احتلال؟ هل هي هجرة بدافع اقتصادي؟ كيف تُصنَّف هذه الترحالات في العالم القديم؟ 

بول طبر: أعتقد أنها كانت ترحالات مدفوعة بعامليْن أساسييْن: أولاً الطفرة البشرية كانت تستدعي السعي الدائم إلى أماكن يستطيع الناس العيش فيها وبالتالي نظراً للضيقة الاقتصادية التي كانوا يعانون منها في المناطق التي وُلِدوا فيها، وثانياً كانت محكومة بأهداف سلطوية سياسية لها علاقة بالتوسّع وبالغزو. 

غسان الشامي: حسب عقليّة العالم القديم.

بول طبر: نتكلّم بالعودة إلى مرجعيّة الزمن والمنظومة الثقافية والاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت، فبالتالي لا نستطيع القول إنه إذا كان الفينيقيون قد تركوا واستعمروا بلغة العصر قرطاجة أنها هجرة أو استعمار، أعتقد أنها تخضع إلى ثقافة سياسية وظروف اجتماعية وتاريخية تستدعي مفردات من نوعٍ مختلف. 

غسان الشامي: مثل ماذا؟ لنبتدع مفردة مثلاً.

بول طبر: أنا أسمّيها توسّعاً غير محكوم باعتبارات سيادية وإنما محكوم فقط بالسعي نحو العيش والرزق ومحكوم بالسعي نحو السيطرة والامتداد والتمدّد أكثر من أي شيء آخر.

غسان الشامي: الهجرة المُكثّفة التي حصلت في بلادنا من منتصف القرن التاسع عشر وصولاً إلى 1918 ما أسبابها؟ وماذا حملت معها للبلدان الأصلية وللشعوب المهاجرة دكتور طبر؟ 

بول طبر: أولاً حين أتحدّث عن الهجرة من لبنان أو من المشرق خصوصاً في لبنان أحبّ أن أفكّك الأسطورة المحيطة بهجرة اللبناني أو الفرد الذي كان يعيش في ما هو معرّف الآن على أنه الكيان اللبناني أو الوطن اللبناني لماذا كان يهاجر. الأسطورة أو الإيديولوجيا السياسية لهذا الحدث دائماً ينسب القصة لما له علاقة بالتكوين أو جوهر تكوين الإنسان اللبناني، طبعاً ليس هناك جواهر عند البشر، هناك بشر يتكوّنون تاريخياً حسب الظروف وحسب الأمكنة إلى آخره، فبالتأكيد إن الهجرة لا تعود إلى كون اللبناني كما تقول الأسطورة أنه يحبّ المغامرة، بالعكس يجب أن ننظر إلى الهجرة بظروفها وبسياقها في القرن التاسع عشر وخصوصاً بعد منتصفه، وعلى عكس ما يُروَّج له أن الحرب الأهلية عام 1940 و 1960 هي السبب وراء الهجرة، هذا غير صحيح تاريخياً وقد تأكّد ذلك في دراسات تاريخية على رأسها كتاب لأكرم خاطر الذي يدرّس في أميركا وهو متخصّص في هذا المجال، يُبرهن بالأرقام والمعطيات أن الهجرة اللبنانية بدأت حوالى العام 1870 والثمانينيات من القرن التاسع عشر، وكانت تعود إلى ضرب قطاع الحرير الذي كان في الثمانينيات من القرن التاسع عشر بدأ يعاني من أزمة الحرير الاصطناعي والمنافسة التي كان يعاني منها هذا القطاع، فبالتالي كانت طموحات الناس هي نحو الارتقاء الاجتماعي خصوصاً في أوساط المسيحيين وهذا له علاقة بالتاريخ اللبناني، لماذا لم يكن عند الدروز بنفس المستوى؟ سنتكلّم في هذا لاحقاً، إذاً خصوصاً في الأوساط المسيحية هذا التوقّع بالارتقاء الاجتماعي والحراك والالتحاق بعَجَلة الحداثة الاقتصادية الرأسمالية التي كانت وافدة إلى جبل لبنان، فجأةً اصطدمت بهذه الأزمة، بالدورة الاقتصادية التي كانوا يعيشونها فكان لا بدّ من السعي من قِبَل مَن يريدون أن يحقّقوا هذا الارتقاء إلى الخارج وإلى البلدان التي تنتمي إلى الخارج وإلى المنظومة الحديثة وقتئذٍ إن كان أميركا أو أميركا الجنوبية أو أوروبا بشكل أو بآخر. 

غسان الشامي: نستطيع أن نقول إذاً سبب اقتصادي.

بول طبر: بالأساس في القرن التاسع عشر كان السبب اقتصادياً.

غسان الشامي: إذاً مَن يقول إن 45% من أسباب الهجرات وتحديداً هذه الهجرة اقتصادية، هل هذا الكلام سليم أم أن النسبة أكبر؟

بول طبر: برأيي أنها أكبر خصوصاً إذا كنا نتحدّث عن أواخر القرن التاسع عشر أما حين ننتقل إلى بدايات القرن العشرين فلا شك أن ظروف الحرب الأهلية وما استجرّته من سياسات عثمانية كانت تعسّفية وقمعيّة لعبت دوراً على الرغم من محاصرة لبنان من قِبَل الحلفاء ومن قِبَل السلطات العثمانية لسفر برلك والتجنيد الإجباري إلى آخره، إذاً كان هناك تخفيف لمستوى الهجرة ولكن هذا كان من العوامل في بدايات القرن العشرين الذي بقي يحفر في ذاكرة اللبناني أنه ربما تعود أو أن الترك هو الأفضل، هذه لعبت دوراً أيضاً ولكن لا شك أن السبب العميق على المستوى الدولي والمنظومة الدولية هو التفاوت في تطوّر البلدان، أوروبا من جهة، أميركا، أميركا الجنوبية، والتخلّف في اللحاق بهذا التطوّر لبنانياً، هذا يؤدّي دائماً إلى قيام عنصر جذبٍ من البلدان المتطوّرة اقتصادياً والداخلة في الدورة الاقتصادية الرأسمالية للشعوب التي لم تدخل بنفس الدرجة وبنفس الإيقاع، ونحن حتى الآن عند هذا المستوى من التفسير نعاني من هذا التفاوت بين بلدان ما يسمّى الجنوب وبلدان الشمال، وحتى ضمن الشمال والجنوب هناك تفاوتات تؤدّي إلى هجرات من الأقل إلى الأكثر نشاطاً في الدورة الاقتصادية.  

غسان الشامي: كلامك دكتور طبر مفهوم إذا قارنّا الهجرة المعاصرة إلى الدول الأكثر تقدّماً، إلى أستراليا أو أوروبا أو حتى القديمة لم تكن أميركا الجنوبية أكثر تقدّماً من بلادنا، والناس ذهبوا إلى الغابات وحملوا "الشنطة"، كانوا تجار "شنطة"، هنا أسألك في هذه الفترة خلال أواخر الحكم العثماني وبشكل عام ما أثر الخوف في الهجرة؟ 

بول طبر: أعتقد أنه ما قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها التي انخفضت فيها نسبة الهجرة لعب الخوف دوراً، القمع السياسي لعب دوراً في الموضوع ولكن سرعان ما تبدّدت كفترة لها خصوصيّتها بدفع الناس للهجرة. في تقديري إننا إذا نظرنا إلى الهجرة كموجات كبيرة تركت جبل لبنان نلاحظ أنه في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى تقريباً سافر ثلث سكان جبل لبنان وعاد ثلثهم ما قبل الحرب العالمية الأولى، فبالتالي هذا لا يُفسَّر كحجم وككمية من المهاجرين، كموجة أولى من المهاجرين لا يُفسَّر فقط بهذه الفترة الوجيزة التي شهدها جبل لبنان من التعسّف العثماني، هذا يُفسَّر أساساً بعمق الأزمة الاقتصادية التي كان يشهدها اقتصاد جبل لبنان وفي البلدان الجاذبة اقتصادياً. بالمناسبة أميركا اللاتينية في تلك الفترة، البرازيل والأرجنتين كانت نشطة اقتصادياً وكان هناك فرص اقتصادية غير متاحة في أماكن أخرى، إضافة إلى ذلك كان الناس يظنّون أنفسهم ذاهبون إلى أميركا، لم يكن في مخيّلتهم الاجتماعية هذا الفرق بين الشمال والجنوب، ونسبياً كانت هناك محاولة خصوصاً في المجتمع المسيحي الكاثوليكي لتفادي أميركا الشمالية لأنها بلدان البروتستانت، ونحن نذهب نحو الكاثوليك لأنهم أفضل وينسجمون معنا أكثر، هذه أيضاً لعبت دوراً. لقد تحدّثتُ عن العامل الاقتصادي البنيوي ولكن بين البنيوي والقرار الشخصي هناك الكثير من العوامل الوسطية أو التوسّطية تؤدّي  إلى أن تكون وجهة الهجرة هذا البلد أو ذاك، قد يكون لديك أحدٌ في أميركا اللاتينية مثلاً وليس لديك أحد في أميركا الشمالية، قد تكون الشركات التي كانت تقلّ الناس من مرفأ بيروت وتستخدم أساليب الغش والفساد ويوصلونهم إلى غير المكان المحدّد.  

غسان الشامي: عملاء بروكرز. 

بول طبر: عملاء ووسائط، في بعض الأحيان كانوا يتركونهم في مرسيليا، أعرف عائلة من الشمال - زغرتا تملك فندقاً في مرسيليا كان هدفها الذهاب إلى أميركا وانتهت بها الحال في مرسيليا وهكذا دواليك، إذاً هناك الكثير من العوامل ولكن نحن نتحدّث بالجملة، هناك دوافع وسطية من حيث الحجم ودوافع بنيوية. البنية في تقديري هي التفاوت الاقتصادي بين وتائر التطوّر والحداثة ومستوياتها، والوسطية تعود إلى عوامل عائلية وكيف تجرّ بعضها البعض وإلى عوامل قروية حيث تجد أبناء القرية الواحدة في بلدٍ ما أكثر من بلدٍ آخر أو في منطقة دون أخرى وهكذا.

غسان الشامي: أحدهم يُخبر الآخر. إذا أخذنا الاقتصاد، الفقر، السياسات والأمن، بعض التطهير أو العنف الديني حتى الحرب العالمية في الثلاثينيات، لنفترض من الحرب العالمية الثانية حتى اللحظة ما هي أسباب الهجرة؟ 

بول طبر: هنا أيضاً تتعدّد الأسباب، نستطيع القول إنه بين الحربين العالميتين الأولى والثانية انتعشت الهجرة من لبنان بعد 1920 في لبنان الكبير وكان أكثرها من جبل لبنان ومن الوسط المسيحي، لذلك نجد نسبة عالية من المسيحيين اللبنانيين بالتعريف المعاصر أو ما بعد 1920 موجودين في الخارج. طبعاً هذه الصورة اختلفت مع مرور الزمن ولكن بعد الحرب العالمية الثانية نستطيع أن نشير إلى موجة ثانية أساسية بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبين نكسة حزيران 1967، هذه الفترة شهدت موجة كبيرة من الهجرات تعود إلى عوامل اقتصادية، حدثت حرب أهلية أو فتنة وفق الأدبيات السياسية اللبنانية سنة 1958 لعبت أيضاً دوراً بالتعجيل في وتيرة الهجرة ولكن بقي العامل الاقتصادي حيث كان لبنان يشهد نوعاً من التطور الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات وصولاً إلى العام 1967 أو 1970، وليس بالضرورة أن يكون دافع الشخص للهجرة هو الفقر، الذين يهاجرون هم من الطبقات التي توعَد بالارتقاء الاجتماعي وتتكوّن لديها توقّعات بالتحوّل نحو الأفضل ولا تجد الفرص الكافية، فهذا بحدّ ذاته يدفع الناس للهجرة. ثانياً الناس الذين يهاجرون هم الذين يمتلكون بعض الموارد التي تمكّنهم من الهجرة، بعض الإمكانيات المادية أو الرأسمال الاجتماعي الذي يدفعهم للهجرة والذي لا يكون متوافراً عادةً عند الطبقات الفقيرة، فكانت الطبقات الدنيا هي التي تهاجر للأسباب التي ذكرتها. سنة 1967 جاءت بنكسة اقتصادية، بعدها أتت الطفرة النفطية التي دفعت أكثر للهجرة نحو دول الخليج التي كانت موجودة خصوصاً في أوساط الطوائف الإسلامية التي كانت لا ترغب حينذاك بالسفر إلى الغرب عموماً وكانت تفضّل دول الخليج، والذي شجّع أكثر على الهجرة إلى دول الخليج هي الفورة النفطية. في العام 1975 حصلت الحرب الأهلية وجميعنا نعرف أنه خلال هذه الحرب من 1975 إلى 1989 حدثت موجة هجرة ثالثة أساسية وطالت أعداداً هائلة من اللبنانيين من كل الطوائف. 

غسان الشامي: نسأل الله أن ينجّينا من الآتي. 

بول طبر: نعم، بالتالي على صعيد التكوين الديمغرافي الطائفي للمهاجرين اللبنانيين خارجاً صارت النسبة في أستراليا على الأقل بين 45 للطوائف المسلمة و55 للطوائف المسيحية، هذا فعلاً بسبب الحرب الأهلية والهجرة التي طالت أبناء كل الطوائف.

غسان الشامي: دكتور طبر المراقب لواقع المهاجرين يرى بأنه إما يتراوح بين الوجود ضمن كانتون أو ذوبان، لماذا؟ 

بول طبر: أولاً يجب أن نأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار والإجابة عليه من وجهة نظر تاريخية، دعنا نقول أنه بعد الحرب العالمية الثانية التي تشكّل نقطة تحوّل في مسار الهجرة اللبنانية أو المشرقية، كانت الإيديولوجيا الطاغية سياسياً في البلدان المستقبِلة للمهاجرين هي إيديولوجيا تدعو إلى الاندماج الكامل في المجتمع الذي تهاجر إليه، كان متوقَعاً على المستوى الشعبي، كان متوقّعاً حتى من المجتمعات ومن السلطة للدولة التي تستقبل المهاجر أن يندمج بأسرع وقتٍ ممكن في الثقافة الطاغية والسائدة وفي المجتمع كاملاً، وهذا يعود إلى مفهوم القوميّة والمفهوم الوطني للهوية الوطنية لهذه البلدان التي كانت تعتبر أن الأمّة يجب أن تكون ذات هويّة ثقافية منسجمة غير متنوّعة، غير متعدّدة من أجل أن تكون ركناً أساسياً لدولة قوية موحّدة. هذه الإيديولوجيا الإندماجية كانت طاغية وظلّت كذلك حتى الستينيات في بلدان الغرب ونتحدّث هنا عن أميركا وأميركا الشمالية، كندا، أستراليا وحتى في أوروبا. هذا الأمر أحدث تغييراً في الستينيات خصوصاً في أميركا مع صعود حركة السود ضد العنصرية وصعود الحركة النسائية كشف في المجتمعات التي تدّعي الإندماج الثقافي السياسي أنها منقسمة على مستوى "الجندر" بين المرأة والرجل وعلى مستوى العرق إذا صحّ التعبير بين الأسود والأبيض، وبالتالي أسطورة المجتمع المنسجم ثقافياً هي أسطورة غير صحيحة، ترافق ذلك مع الصوت وشجّع المهاجر على الكشف عن كوامنه التي لها علاقة بهويّته الثقافية، وصحيح أننا جماعات تحترم البلد المضيف وإنما لنا كياننا وهويّتنا الثقافية التي نريد الدفاع عنها وأن لا يتمّ التمييز في حقّنا على أساس انتمائنا الإثني المختلف.     

غسان الشامي: هل تسمح لنا أن نُكمل بعد الفاصل.

بول طبر: تفضّل.

غسان الشامي: أعزائي سنذهب إلى فاصل ثم نعود لنتابع الحوار مع الدكتور بول طبر، موضوعنا الهجرة.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحيةً لكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور بول طبر في استكمالٍ لما كنتَ تقوله في المحور الأول هل يمكن أن نحدّد أدوار المهاجرين في البلاد الجديدة؟  

بول طبر: أريد أن أكمل فكرة...  

غسان الشامي: كيف استطاعوا أخذ بعض الحقوق الثقافية.

بول طبر: بالضبط، وهذا بدأ يظهر على مستوى السياسات العامة وعلى مستوى المجتمع في السبعينيات، نحن نعرف أنه في بداية السبعينيات كانت أستراليا وكندا الدولتين الرائدتين بطرح سياسة التعدّدية الثقافية، أعادتا تعريف هويّتهما الوطنية بأنها هوية تتألّف من ثقافات متعدّدة ومتنوّعة، هذا أعطى المجال والفسحة للجاليات ومن ضمنها اللبنانية والعربية أن تحافظ وتعلن عن اعتزازها بهويّتها الإثنية ضمن هذا التعريف الجديد للأمّة في المجتمع الغربي أنها أمّة غير منسجمة ثقافياً بل على العكس يجب أن تفتخر بأن تكون متعدّدة ومتنوّعة. هذا الأمر استمر في السبعينيات والثمانينيات وبدأ في التسعينيات يُحدث ردّة فعل ولم يطل فقط أستراليا وكندا وإنما أيضاً أميركا وأوروبا وإنكلترا التي لحقت بهذين النموذجين أولاً بالتعددية وبعدها بدأوا يرتدّون عليها.

غسان الشامي: ما أسباب هذا الارتداد دكتور؟الصعود الإسلامي مثلاً أو الإيديولوجيات العنفيّة؟ 

بول طبر:أعتقد أن له عدّة عوامل ولا يمكن حصرها بعامل أو إثنين، هناك عوامل لها علاقة بالمجتمعات نفسها التي بدأت إعادة هيكلة.

غسان الشامي: لنوضح للمشاهدين هناك عودة يمينية، هذه رؤية يمينية، هذه الإيديولوجيات اليمينية دائماً تتوجّس من الآخر القادم من الخارج، هذا ما تقصده.

بول طبر: نعم، أنا أقصد حتى يمينية مُتطرّفة وعنصرية، هذه العودة فعلاً لها عوامل ذات علاقة بالمجتمعات ذاتها التي تحصل فيها ولها أسباب ذات علاقة بالصراع الدولي بين الدول الطاغية اقتصادياً وسياسياً والتي نسمّيها في الكلاسيكيات السياسية دولاً إمبريالية وبين الدول المستعمَرة أو التي تخضع للإمبريالية بشكلٍ أو بآخر. في ما يتعلّق أولاً بالمجتمعات ذاتها بتقديري في الثمانينيات بدأت هذه المجتمعات تعاني دورياً من أزمات اقتصادية ناتجة عن إعادة هيكلة اقتصادياتها بما يرحّل الصناعات إلى البلدان التي تضمّ أيادٍ عاملة رخيصة والتركيز على القطاعات الخدماتية والمالية والتكنولوجية والاقتصاد المعرفي، وهذا الأمر خفّض من فرص العمل وخلق أزمات ليس فقط وسط المهاجرين الذين كانوا مطلوبين ومسكوتاً عنهم ومرحّباً بهم في السياسة وفي الاقتصاد وفي الثقافة وإنما أيضاً خلق مشاكل في أوساط الطبقة العاملة والطبقة الوسطى للبلدان المستقبلة المهاجرين، هذا الأمر بدل أن يتمّ الكلام عنه بأن له أسباب اقتصادية واجتماعية بدأ الكلام بسهولة بأن المهاجر جاء ليأخذ فُرَص العمل.

غسان الشامي: وبدأ الكلام العنصري.

بول طبر: صحيح، واستسهالاً لكسب المعارك الانتخابية يتمّ تداول الكلام الشعبوي الذي يجعلك تربح بسهولة المعركة سياسياً في الانتخابات، وهذا ترافق أيضاً عالمياً وهذا التطّور العالمي، سقوط الاتحاد السوفياتي والصراع بين الشيوعية والرأسمالية انعكس محلياً داخياً بتراجع اليسار الديمقراطي، الأحزاب اليسارية الديمقراطية التي بدأت تلاحق اليمين المتطرّف بأجنداته.

غسان الشامي: وبخطابه الشعبوي في نفس الوقت.

بول طبر: بالضبط، صارت هناك أزمة مزدوجة عند اليمين الذي عاد بسهولة إلى الخطاب العنصري وعند اليسار. على الصعيد العالمي بتقديري تجسّد هذا الأمر بالحملة في ما يتعلّق بالمشرق العربي ضد الإسلام منذ بداية..

غسان الشامي: فوكوياما وهندكتون.  

بول طبر: كلا أتحدّث عن مشاكلنا الاقتصادية والسياسية، حرب الخليج الأولى من أيام غزو العراق وبعدها أحداث 11 سبتمبر.  

غسان الشامي: كلا أتكلّم عن التنظير الفكري لصراع الحضارات.

بول طبر: لا شك،وبدأ الحديث عن أن المستقبل هو صراع بين الغرب الحضاري والشرق الإسلامي المتخلّف بين مزدوجين.

غسان الشامي: دكتور دعنا نستفيد من الوقت لبعض الأمور التفصيلية للمهاجرين وانا أعلم اهتمامك بهذا الموضوع، في البلد الأمّ دائماً لا يرون سوى المهاجر الناجح والمهاجر الثري ولكن ينسون أن الذين باتوا أثرياء أغلبهم بدأوا تجاراً يتعبون ويحملون شنطتهم ولكنهم لا يرون ملايين الذين بقوا فقراء في تلك البلاد، على ماذا ترتكز النظرة إلى الهجرة؟ 

بول طبر: هذا الكلام ينضوي ويندرج ضمن الأسطورة التي خلقها النظام عادةً عن المهاجر اللبناني المغامر الناجح الذي لا يخاف ولا يهاب أي شيء.

غسان الشامي: أسطرة الهجرة.

بول طبر: نعم، ومن ضمنها أن تركّز على الناجحين فقط، في المؤتمرات الأخيرة التي نظّمتها الدولة ووزراء الخارجية كانت تتمحور حول الناجحين والبارزين إلى آخره. طبعاً لا شك أن هذا لا ينفي وجود أقليّة من المهاجرين الناجحين ولكن هناك أعداد هائلة تنتمي إلى الطبقات الوسطى وهي ناجحة ولكنها مثل باقي الشعوب، هناك طبقات وسطى وتجّار وطبقات عمالية كادحة لا تزال وهي تستأهل الالتفاتة وتستأهل التكريم والتواصل من قِبَل السلطة في لبنان التي كانت بالأساس مسؤولة تاريخياً بشكل أو بآخر عن هذه الموجات من الهجرة. إذاً عدم الأسطرة للهجرة تقتضي أن ننظر إلى المهاجرين بمختلف طبقاتهم وفئاتهم الاجتماعية ونجاحاتهم وفشلهم ومحنهم إلى آخره، بالمقابل هذا المسعى الحاصل من قِبَل السلطة في لبنان أو من قِبَل الدولة اللبنانية وأجهزتها تجاه المهاجر لا يأخذ بعين الاعتبار اللهف ومحاولة المهاجر اللبناني أو المشرقي بأن يبقى على تواصل مع وطنه الأم بكل فئاته، فهي تتجاهل هذا التواصل أو هذا السعي أو هذا اللهف نحو ديمومة الاتصال بالوطن الأمّ بمختلف أشكاله وتركّز فقط على الأوجه البارزة الناجحة في هذه العملية. أقول باختصار شديد أنه حين نتحدّث عن الهجرة دائماً يجري الكلام عن الباقين في الوطن الأمّ وعن الذين غادروا إلى الأوطان الخارجية، لا يتمّ الحديث عن تشكّل حقيقة اجتماعية سياسية ثقافية وحتى اقتصادية ليس فقط في الوطن الذي يتواجد فيه المهاجر وليس في الوطن الأصلي الذي تمّت الهجرة منه وإنما بين بين، أي أن هذا التواصل بين المغترب وبين الوطن الأمّ هو أيضاً موضوع ينبغي الالتفات إليه.

غسان الشامي: سنلتفت إليه بسؤالي لك عن الهوية الأصلية، نسبة الذوبان للهوية، نسبة الأخذ بعادات وتقاليد البلد المضيف، ما بقي منها هل اقتصر لدى الكثيرين، العلاقة بلبنان والمشرق على بعض العادات والتقاليد، على الفلكلور، على التبّولة، الكبّة النيّة، عندما بحثتَ على ماذا يرتكز إنتماء المواطن الذي هاجر ونحن أمام أجيال بارتباطه بوطنه الأمّ؟

بول طبر: أولاً يجب الإقرار بأن المهاجر حين يترك لبنان يحمل معه إرثاً ثقافياً له علاقة بالهوية وبالعادات إلى آخره، وإنما هذه الهوية وهذه العادات بمُجرّد أن تنتقل إلى مجتمع وإلى سياق تاريخي مختلف ودولة مختلفة تبدأ بالتحوّل. 

غسان الشامي: بالتحوّل أو بالتحلّل؟

بول طبر: أفضّل أن أسمّيها تحوّلاً لأن الكثير من الإرث والموروث يبقى معنا وهذا لا يقتصر على الأكل فقط، المطبخ اللبناني الذي تتمّ الإشارة إليه دائماً هو أكثر من مجرّد مطبخ، تبّولة وحمّص وكبّة نيّة، هو له رمزية لها علاقة بالهوية، الهوية عند المهاجر في المجتمع المضيف أو المجتمع المستقبل له تصبح مهمة جداً وتتّخذ هذه الرموز التي لها علاقة بالمطبخ وبالدبكة وبالأغاني وبالزجل تتّخذ رموزاً ومعانٍ رمزية أكثر بكثير مما هي عليه لأن المهاجر بصراعه من أجل الاعتراف به ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وبجهاده من أجل هذا الاعتراف وهذا الارتقاء يواجه الكثير من الحملات العنصرية بأشكال ولبوس مختلفة، ولذلك تتولّد لديه نزعة لبنانية  للانطواء كآلية للدفاع عن الذات، هذه الهوية اللبنانية تصبح في أستراليا هوية لبنانية أسترالية، هوية متشكّلة في ظروف مواجهة العنصرية ومواجهة المشاكل وعدم الاعتراف بكيانه أكثر مما هي متشكّلة بسبب التاريخ الذي جاء منه أي التاريخ اللبناني والظروف التي تركها وراءه في لبنان، من هنا أقول إنها متحوّلة، اللبناني الأسترالي لا يشبه اللبناني اللبناني واللبناني الأميركي ربما يكون أقرب إلى اللبناني الأسترالي منه إلى اللبناني اللبناني.

غسان الشامي: بهذا أريد أن أشير إلى أمر وأسألك فيه، دائماً ألتفت إلى المهاجر الأرمني وأنت تعرف أن الشتات الأرمني واسع وكبير جداً وقوي، ولكن الأرمن أنّى حلّوا يحافظون أوّل الأمر على لغتهم وأيضاً يحافظون على تراثهم وأكلهم وينقلون معهم كل الأنتروبولوجيا الثقافية التي يمتلكونها بينما أولاد المشرق ولبنان منهم تسأل يقول لك إبني لا يعرف العربيّة، ما معنى أن تكون هناك هوية من دون أن تكون هناك لغة دكتور طبر؟ 

بول طبر: في الحقيقة ما تقوله صحيح وإنما أنا أقول من تحويلات الهوية للبنانيين هو التحويل الذي يجعل من اللغة غير أساسية لتحديد الهوية اللبنانية، بينما عند الأرمني لأن لديه قضية إسمها الكيان السياسي الذي كان متنازعاً عليه دائماً يجعل من التركيز على تعلّم اللغة كلغة أرمنية أكثر أهمية للمهاجر الأرمني منه إلى المهاجر اللبناني. بالمناسبة هناك دورٌ كبير للمؤسّسات الدينية بتعليم اللغة العربية. 

غسان الشامي: سأسألك عن وضع المؤسّسات الدينية لكن قبل ذلك مررتَ على أن هناك محاولات لربط المهاجرين بوطنهم، محاولات دولتية من الدولة أو بعض الناس ولكن يأخذونها من منطلق شعبوي وأحياناً انتخابي، هل ينجح هذا النوع من المحاولات بربط المهاجر بوطنه؟ 

بول طبر: هكذا محاولات لا تنجح ولكن مبدأ أن تكون الدولة والمجتمع المدني للوطن الأمّ يهتمّ بالمهاجر في الأوطان المستقبلة للمهاجرين فهذا المبدأ مهم جداً ويجب أن نحافظ عليه بتقديري وهو مفتوح على احتمالات إيجابية أكبر، إذا تمّت الاستفادة والوعي المغاير لكيفية التواصل مع المهاجرين بكل فئاتهم ومعاناتهم وتلعب الدولة دوراً بالتعاون مع دولة البلد المستقبل للمهاجر على حلّ بعض المشاكل وهي كثيرة في البلدان المستقبلة للمهاجرين، وإذا لعبت دوراً بخلق برامج للتواصل أكثر فعاليةً وصولاً إلى التمثيل السياسي للمهاجرين في البرلمان اللبناني بالحصول على كوتا كما هي الحال في القانون الأخير الذي تمّ الاتفاق عليه في لبنان بإعطاء المهاجرين ستة مقاعد في البرلمان اللبناني، وربما وزير للخارجية أو وزارة للمغتربين منفصلة قد تتمخّض عن هذا الأمر، بتقديري هذا الأمر يؤدي إلى علاقة أكثر فائدة أولاً للمهاجر في الوطن المقيم فيه وثانياً للبلد اللبناني الذي يُرسل المهاجرين. 

غسان الشامي: دكتور طبر بالعودة إلى الكنيسة، الكنائس المسيحية لحقت بالمهاجرين إلى بلدانهم منذ بدايات الهجرة، هناك مطرانية شمال أميركا، المطرانيات في أميركا الجنوبية، في أستراليا، لحقوا بالآشوريين إلى أميركا، إلى أستراليا، بطريرك السريان إلى السويد وإلى باقي دول الاستقبال، الموارنة أيضاً، الجميع لحقوا بهم وأيضاً في ما بعد الإدارات الإسلامية لحقت بالمهاجرين ولم يتركوهم لا هنا ولا هناك، بهذا المعنى ماذا تقدّم الإدارات الدينية للمهاجرين؟ أشرتَ أن لديهم مدارس. 

بول طبر: نعم، أولاً أقول جزاهم الله خيراً المؤسّسات الدينية أنها قامت بما لم تقم به الدولة تجاه المهاجرين من حيث تسهيل عملية الاستقرار في الأوطان التي ذهبوا إليها ومن حيث تعليم اللغة العربية، أعطيك مثالاً في أستراليا المؤسّسات الدينية خصوصاً المارونية نظراً إلى الزمن الطويل لوجودها في أستراليا لديها مؤسّسات تربوية، استشفائية، أماكن للعناية بالعَجَزة، دور للأطفال متطوّرة جداً، تلحق بها بصورة سريعة جداً الطائفة السنّيّة والطائفة الشيعية والطائفة الدرزية من دون أدنى شك، المؤسّسات من هذه الناحية تؤدّي الدور الذي كان يُفترض بالدولة اللبنانية تأديته.

غسان الشامي: لم نتغيّر طوائفياً أيضاً في المغترب.

بول طبر: طبعاً، بالتعريف السياسي هي سياسة طوائف في لبنان وتمثيل طائفي فلا نستغرب هذا الدور البارز لها.

غسان الشامي: لديّ عدّة أسئلة ولكن سأذهب إلى سؤالٍ وأرجو أن تجيب عليه بأقل وقت ممكن سيّدي، الهجرة التي نراها الآن تحديداً مثلاً على الحدود مع اليونان، هذا الدفع العنفي لمهاجرين ووقوف أوروبا في محاولة صدّ، هل لأنّ أوروبا تخاف على هويّتها فقط أم أن الموضوع سياسي أو فيه شيء من الإرهاب؟   

بول طبر: أولاً سأبدأ إجابتي على هذا السؤال بالقول إن هناك نوعاً من المفارقة، هذه الدول نفسها التي هي إلى حدّ كبير لم تساهم بحلّ مشاكل الدول التي تعاني من مشاكل اللاجئين هي نفسها تمنع دخول المهاجرين إليها، أوروبا كدول ومؤسّسات وليس كشعوب ولا أميركا كان لديهم دورٌ مسهّل لإطفاء الصراعات في المشرق العربي، وفي الوقت نفسه نجدهم أكثر عنصريةً وأقل إنسانية في التعاطي مع المهاجرين. الكلام عن أنهم خائفون على هويّتهم هو برأيي كلام إيديولوجي سياسي لا مغزى له، أغلبيّة المهاجرين ليسوا عنفيين أو إرهابيين، تبيّن الدراسات بالمناسبة لما يسمّى بالإرهاب الديني أو الإرهابيين الذين شاركوا في الحرب في سوريا أن أغلبهم جاؤوا من أوروبا ومن فرنسا على سبيل المثال كانوا من جيلٍ ثانٍ، وهذا الجيل الثاني له أسبابه، أما المهاجرين الحاليين الذين يخافون منهم هم 99% عائلات تنشد الستر والعيش والاندماج، هذا برأيي أسطورة سياسية تخدم اليمين الصاعد الذي يطمح للوصول إلى السلطة.   

غسان الشامي: شكراً سيّدي. صحيحٌ أن عدداً وافراً ممّن هاجر بدأ تاجر شنطةٍ وبات غنياً لكن الكثيرين لم يحالفهم الحظّ في الغنى وذابوا في تلك البلدان، وها نحن أمام أجيالٍ جديدة وترحالاتٍ جديدة يدفعها الاقتصاد والإرهاب والعنف لتضبّ الشنطة وتذهب إلى عالمٍ غير مستقر أيضاً. شكري الجزيل للدكتور بول طبر على حضوره في أجراس المشرق، لزملائي في البرنامج والميادين على جهودكم أنتم الذين فعلاً تدفعون بهذا البرنامج قدماً، أيامكم استقرار وأمان، وسلامٌ عليكم وسلامٌ لكم، شكراً. 

بول طبر: شكراً.