نفحات ربانية

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم، وتقبّل الله أعمالكم وقيامكم. 

أيامٌ تتصرّم وشهور تتكوّر، وسنون تنقضي وعمر يفنى، يا أيها الإنسان إنك كادحٌ الى ربّك كدحاً فملاقيه، فهل فعلاً أعددنا للقاء أم أننا سنُقبل عليه بدون مؤونةٍ وتلك لعمر الحسرة الكبرى؟ أكبر لذّةٍ حبّ الله، وأعظم الأنس الإستئناس بالله، هو معك في عشر ثانيةٍ لو ابتعد عنك لحظةً لكنتَ ميّتاً، هو أوجدك أوّل مرّة ويفيض عليك بالوجود في كل ثانيةٍ لتستمرّ موجوداً فلا تترك الحمد وسجود الشكر.

هو الذي يسمع الأنين، فيأخذنا إليه الحنين، في حضرته القلب يلين، اسجد واقترب لتستكين، وارمِ كلّ همٍ وكُن من المتوكّلين، أنت في حضرةِ ربّ العالمين.

هذا شهر شعبان رحل أو بُعيد حين، لنستقبل شهر رمضان مدرسة الروح والإشراق، أخرج الإمام أحمد النسائي من حديث أسامة ابن زيد، قال لم يكن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت يا رسول الله لم أرَك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان، قال ذاك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمال الى ربّ العالمين فأحبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم. 

وإذا قصّرنا وعصينا وابتعدنا عن الحقّ جلّ جلاله في شهر شعبان، فهل سنكرر الغفلة والسهو والبُعد عنه في شهر رمضان، حيث خطب الرسول قائلا: "أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهرٌ دُعيتم فيه الى ضيافة الله وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفساكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربّكم بنيّاتٍ صادقة وقلوبٍ طاهرة أن يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشقيّ مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النظر إليه أبصاركم وعمّا لا يحلّ الإستماع إليه أسماعكم، وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنّن على أيتامكم، وتوبوا الى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم فإنها أفضل الساعات ينظر الله عزّ وجلّ فيها بالرحمة الى عباده، يُجيبهم إذا ناجوه ويلبّيهم إذا نادوه، ويُعطيهم إذا سالوه، ويستجيب لهم إذا عدوه."

 

       نفحات ربّانية عنوان برنامج أ ل م ويشاركنا في النقاش من سوريا الحبيبة مفتي عام الجمهورية العربية السورية فضيلة الشيخ الدكتور العلّامة أحمد بدرالدين حسون، مشاهدينا كلّ عامٍ وأنتم بخير وتقبّل الله أعمالكم وقيامكم. وبمناسبة حلول شهر رمضان ندعو الله تعالى أن يرفع هذا البلاء عن المسلمين جميعاً.

 

       سماحة المفتي حيّاك الله وبيّاك، في البداية هي لوعةٌ.

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: السلام عليكم ورحمة الله.

 

 

يحيى أبو زكريا: كنّا دائماً نلتقي مع جنابكم في دمشق الفيحاء وحال الوباء دون أن نأتيكم بسبب إغلاق الحدود، لكنّ حدود القلوب مفتوحة الى عنان السماء، فماذا عن النفحات في هذه الأشهر المباركة سماحة المفتي العزيز؟

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: بسم الله الرحمن الرحيم، حمداً لك ربّي كثيرا، وصلاةً وسلاماً على مَن أرسلته لنا هادياً وبشيرا وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيرا، وسلام الله وصلاته على أنبياء الله الذين حملوا لنا رسالات السماء نوراً وضياء، ورضوان الله على آله الأطهار الذين كانوا سفينة النجاة لمَن أحبّهم، ورضوان الله عن الصحابة الأجلّاء الذين كانوا كنجوم السماء بأيّهم اقتديتم اهتديتم.

أيّها الأخ الكريم، إخوتي الذين تستمعون إلينا اليون ونحن في رياض شهر رمضان المبارك، وقد ودّعنا أياماً طيّبةً طاهرة، واستقبلنا هذه الساعات المباركة من هذا الشهر الفضيل. في ما قدّمه أخي فضيلة أستاذنا الحبيب في مقدّمته الرائعة عن الزمان وعن سرّ الزمان والمكان، فالله تعالى خلق هذا الكون بأجمعه، بميزان، له رسالة وله هدف، أفحسبتم أننا خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا تُرجَعون؟ لا أيّها الأحبّة ففي كلّ سنةٍ سرٌّ من الأسرار، وفي كلّ شهرٍ نورٌ من الأنوار، وفي كلّ جمعةٍ رسالةٌ من رسالات السماء، وفي كلّ يومٍ تجلٍّ من الله على العباد، بل في ساعات الليل والنهار لحظاتٌ إذا استطاع الإنسان أن يعرف أسرارها وطرق الباب في لحظاتها تجلّى عليه ربّه بالعطاء والنور والإمداد.

لذلك قد يكون حديثنا اليوم حديث الروح، وحديث الروح أيها الأحبّة هو الذي يحيي العقول والأجسام والأجساد، ويهذّب النفوس والأخلاق، ونحن في إعلامنا العالمي فقدنا في كثير من الأحيان حديث الروح، فهناك حديث الإقتصاد، وهناك حديث السياسة، وهناك حديث المال، وهناك حديث النفوس، وهناك حديث الأحزاب، وهناك حديث الطوائف والمذاهب والفتن، وتركنا حديث الروح التي قال الله عنها "ويسألونك عن الروح"، وما سجدت الملائكة لجدّنا آدم إلّا بعد أن سكنت الروح بين جنبيه، "فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

نعم، كان السجود بعد أن سكنت فينا الروح، فما حديثنا لروح في هذا الزمان الذي جفّت فيه كلمة الدعاء عن عالم الروح، وصاروا دائماً في عالم الأمر والنهي والقتل والعذاب والجنّة والنعيم، دعونا نعود الى الروح مرّةً وهي الخالدة الباقية، فالجسد سموت والروح لن تموت. قال الله تعالى "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي وأمر ربّي لا يموت وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". 

لذلك تعالوا ليكون حديثنا اليوم في أ ل م، وأ ل م حديث روح، فإن أردتَ أن تشرحها ألفاظاً ضيّعتك الألفاظ، وإن أردتَ أن تشرحها نوراً وضياءً أوصلتكَ الى عالم الروح، فحديث الروح للأرواح يسري وتدركه القلوب بلا عناءِ، هتفت به فطار بلا جناحٍ وشقّ أنينه صدر الفضاءِ، ومعدننا ترابيٌ ولكن جرت في لفظنا لغة السماءِ. لذلك إذا أردنا أن نتحدث عن الزمان وتجلّيات الروح فيه، في رجب وشعبان ورمضان فإنّ لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فمن الأشخاص خواصه الرسل والأنبياء، ومن الأزمنة هناك خواصٌ في كل ليلة عند السحر، وهناك خواصٌ في كلّ يومٍ عند سماع نداء المؤذّن وهو يناديك حيّ على الفلاح، وهناك خواصٌ في الأمكنة، في مكّة، في القدس، في المدينة، هنالك أماكن أمرنا الله أن نزورها لنقرأ فيها حديث الروح، "واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى".

أمّا زمن شعبان ورمضان، وحتى لا نتوسّع فالبحث واسعٌ جداً، فرسولنا الحبيب نبّهنا أنّ في شعباننا أسرار يغفل الناس عنها، ما بين رجب ورمضان، فقال فيه تُرفَع الأعمال، هل تُرفَع الأعمال الى الله أم الى مكان آخر؟ نحن قبل أن نوجَد حينما خُلقنا في بطن أمّهاتنا وُضع لنا مسلسل حياتنا فكُتبَت فيه الآجال والأرزاق والأعمال. ولكن حينما يأتي شهر شعبان وتأتي ليلة النصف أو غيرها، ودعني أخي من الحوار في قضية البدعة وعدم البدعة التي أخذونا إليها فأنسونا نور الأيام والأزمان والساعات في قال فلان وقال فلان، فالله تعالى قال لسيّدنا موسى "وذكّرهم بأيام الله"، فالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصوم من شعبان حتى نقول أنه لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول أنه لا يصوم. 

ففي شعبان تُرفَع الأعمال الى الله، ولكن في شعبان أيضاً سرٌّ من أسرار الأمّة التي فقدته روحياً الآن، وهو وحدة الكلمة، لماذا حُوّلَت القبلة من القدس الى مكّة في ليلة النصف من شهر شعبان؟ هذا مُتّفَق عليه أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصلّي الى القدس 17 شهراً في المدينة المنوّرة، وفي يومٍ وهو يصلّي نزل جبريل عليه فقال "فلنولّينّك قبلةً ترضاها فولّي وجهك شطر المسجد الحرام"، فالتفت وكان يصلّي باتّجاه القدس فصلّى باتّجاه مكّة. فهل هذه الصلاة التحوّل من القدس الى مكّة هو تركٌ لقبلتنا في القدس أم جمعٌ بين القدس ومكّة وأنهما قبلةٌ بالرسالة التي كانوا فيها؟ فنحن لا نصلي للأحجار في القدس ولا الأحجار في مكّة، ولا يصلّي المسيحي لكنيسة القيامة، ولا اليهودي الذي يقف عند الجدار يصلّي للجدار، نحن نصلّي لله الواحد الأحد. فلمّا نسينا الله صارت قضية الجدار هي قضية محورية، وصارت قضية الكعبة والمسجد الأقصى، لا، الإله الواحد الذي جمعنا قال "فأينما تُولّوا فثمّ وجه الله". ففي رجب اجتمع كلّ الأنبياء في القدس فصلّوا صلاةً واحدة، فتصوّر أنا حينما أدخل بعض مساجد المسلمين القديمة وكان منها المسجد الأموي في دمشق، فأجد أربع محاريب أو ثلاثة محاريب، فأسأل لمَ هذا ولمَ هذا؟ فيقولون هذا محراب الشافعية وهاذ محراب الأحناف وكذا، أُفاجأ، إنّ الله قال فحيث ما تُوّلوا فثمّ وجه الله، وجعلنا القبلة محاريب، وجعلنا قبلة المسلمين مكّة وننسى القدس.

 

 

يحيى أبو زكريا: سماحة المفتي كلّ هذا جميل جداً، لكن ونحن نلج الى شهر رمضان حيث الروح وتنزّل الملائكة والروح أيضاً هنالك بلاءات بدأت تعمّ بلاد العرب والمسلمين، عانينا في السابق القريب من الفتن الكبرى، من التكفير، من التقتيل، من تقاتل الدول العربية فيما بينها، سقوط الإجماع وانفراطه، ارتفاع بركة العلم، بركة الأسعار، واليوم حلّ بنا هذا البلاء، إذاً نحن وصلنا الى درجة المسكن والإنكسار، كيف نجدد الروح ونعود الى المولى عزّ وجلّ ليخلّصنا من كل هذه البراكين والإبتلاءات التي ابتُلينا بها سماحة المفتي؟

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: حينما نعود الى أصل الفكرة التي كنت أتحدّث فيها، أنّ مكّة والقدس والأنبياء هم أصحاب رسالة واحدة محورها قداسة الديّان وكرامة ورحمة الإنسان. فحينما أرى في عالمنا الإنساني أولاً هذه الفوضى التي عمّت من أجل ميكروب، وأرى في عالمنا الإسلامي هذه الفوضى التي عمّت بالفتن المذهبية والطائفية، وأرى في بلادنا العربية حروباً، لا زلتُ في حالة ذهول، لمَ اليمن والشام تُحرَقان؟ لمَ ليبيا تُقصَف؟ لمَ فلسطين نُسيَت؟ ألسنا أبناء دينٍ واحد وعبيدٌ لربٍّ واحد وأبناء لأبٍ واحد؟ والله المتجلّي اليوم علينا هو هذا الإله الواحد؟ وغداً لنرجع الى الإله الواحد، "واتّقوا يوماً تُرجَعون فيه الى الله". 

لذلك أيّها الأحبّة، يوم نقرأ هذا التاريخ وآلامه يجب أن نصنع لمستقبلنا ولأبنائنا رحمة، نقول لهم أنّ الدين ما جاء ليفرّقنا، وأنّ الله ما خلقنا ليُنزل علينا كورونا وغيرها من العذاب، والله عزّ وجلّ لمّا بعث الرُسل بعثهم عنوان رحمة، فسلني مَن هو إبراهيم؟ أقول لك خليل الله، وموسى؟ كليم الله، وعيسى؟ روح الله، ومحمد؟ حبيب الله، فتصوّر هذه المعاني في الأنبياء الخمسة فأين الخليل في ما بين بعضنا البعض، وأين الكليم في ما بعضنا البعض، وأين الروح التي نتحدث بها بين بعضنا البعض، وأين الحبّ الذي نتحدث به بين بعضنا البعض؟ لذلك يأتي الزمان، يأتي شعبان، ويأتي رجب ويأتي رمضان لعلّ المناسبات والتاريخ يذكّرنا بعالم الروح الذي هو سرّ الوجود في الكون.

لذلك حينما نقف في شعبان ونحن نودّعه لنستقبل رمضان، فهل نسينا الإسراء والمعراج؟ وهل نسينا قبلة القدس؟ وهل نسينا أنّ أعمالنا تُرفَع؟ وهل أنسَتنا هذه البلايا أن نعود الى بعضنا فنقف معاً لنرفع عن بعضنا هذه الآلام؟ والله، قالها حبيبنا صلّى الله عليه وآله وسلّم، لا تدخلوا الجنّة حتى تُؤمنوا، ولم يقل حتى تُسلموا، فكم من مسلمٍ ليس مؤمن، هنا مشكلتنا، والله لو دخل الإيمان في قلوبنا لما قتل بعضنا بعضاً، لما رأيت طائراتٍ تقصف اليمن اليوم، وما رأيت أناساً يسلّحون ليُقيموا الإسلامي في سوريا والإسلام في سوريا قبلهم بزمان.

 

 

يحيى أبو زكريا: في هذا السياق سماحة المفتي، كأنّ عرب الجاهلية أفضل منّا بكثير، كانت ديدنة هذه الأيام المباركة يضعون السيوف في أغمادها ويتوقّفون عن الحروب، ونقول عنهم جاهليون، ها هم المسلمون اليوم، أو بعض المسلمين، يُحرقون المسلمين في هذه الأشهر المباركة، ما زالت اليمن تُحرَق، وانظر الى ليبيا ماذا يحدث لها، تُقتَّل تقتيلاً وقد فُجّر أمنها القومي بفتوى شرعية، للأسف الشديد.

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: سيدي الكريم حينما بدأت حديثي فقلط لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ثمّ قال صلّى الله عليه وسلّم، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، فأيّ حبٍّ أراه في هذه الفتاوى التي بدأت منذ عشر سنوات؟ أن يُقال ولو أُبيد نصف الشعب السوري، ولو أفبيدَت ربع ليبيا، ولو أُبيد اليمن، مَن الذي يقول ذلك؟ هذه أوجّهها لأبناء أمّتنا الإسلامية والعربية أولاً وللإنسانية ثانياً، أناشدكم الله يا أبناء أمّتي، مَن الذي يُشعل الحروب عندكم اليوم؟ أليس بأيدي بعضكم البعض يقتل بعضكم بعضا؟ فقد كان أجدادكم في الجاهلية إذا جاء رجب أوقفوا القتال وسموه رجب الأصمّ، وإذا جاء شعبان استحيوا من بعضهم، وإذا جاءت أشهر حُرم كان الواحد يرى قاتل أبيه فيسلّم عليه لأنها أشهر حرم، واليوم نستعدي على بعضنا كل قوى العالم لتُعيننا في قتل بعضنا البعض. 

لذلك نحن اليوم في فرصةٍ قد أقبلت ألا وهي أيام رمضان مبارك، هذا الشهر الذي فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، لمَ كانت هذه الليلة خيرٌ من ألف شهر أخي الكريم؟ لأنّ فيها منهج الخلاص، "إنّا أنزلناه في ليلة القدر"، فهذه الأمّة إذا لم تعد لقيادتها الحقيقية، النبيّ والقرآن، النبيّ والقرآن، ألَم يُبعَث لأمّتكم نبيٌّ يوحّدكم على نهج الوئام؟ ومصحفكم وقبلتكم، جميعاً منارٌ للأخّوة والسلامِ، وفوق الكلّ رحمانٌ رحيم يتجلّى الله في شهر رمضان كلّه فيُغلق أبواب النار ويفتح أبواب الجنة ويتجلّى على عباده ويقول لهم ألا من مستغفرٍ فأغفر له؟ ألا من داعٍ فأُجيبه؟ ألا من مريضٍ فأشفيه؟ ألا من مظلومٍ فأنصره؟ أحبّتي هذه هي ليالي الفتح النوراني، أبناء المسلمين، أبناء العرب، حكّام الأمّة الإسلامية نناشدكم الله أوقفوا هذه الكراهية وعودوا الى أيام النور، فشهر رمضان الذي فيه بدرٌ أشرقت لتُعطي الحرية في العقيدة للإنسان، وفيه الفتح "إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا". فإذا استعملنا رجب وجمعنا الأنبياء في صلاةٍ واحدة، وليلة النصف من شعبان وكانت القدس أمانتنا الدائمة، ورمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وليس هدى للمسلمين، هدى للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان، وجاءتنا بدرٌ بأنوارها، وجاءنا الفتح بعظمته "إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا"، يومها سنقول للعالم الحمد لله ربّ العالمين، ونقول لهم رسالتنا التي حمل فيها نبيّنا هذه الرسالة " وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، "هل أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

 

 

يحيى أبو زكريا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سأمضي الى فاصل ثمّ أعود إليكم مباشرةً سماحة المفتي.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

فاصل

 

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا نحن نعالج موضوع، أو نناقش النفحات الربانية مع مفتي عام الجمهورية العربية السورية سماحة المفتي الدكتور أجمد بدر الدين حسون.

دكتور أحمد، الحب شيءٌ جميل ورائع، على أساسه أقام الله الكون وخلق الوجود، تأمّل هذا الحب والتناغم بين المجرّات، بين الكواكب، بين الورود، لماذا تركنا ثقافة الحب وذهبنا الى ثقافة الحرب؟ مَن أضاف الراء الى هذا الحب فدمّر بلادنا العربية والإسلامية؟

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)."

أخي الكريم في مقدّمتك في هذه الثواني التي سبقت حديثي أعدتَني الى عالمٍ يجب أن يسود في الأرض لأنّ الله هو الذي خلق هذا الكون من أجله، "وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون"، والفارق بين عبادة القهر وبين عبادة الحب فارق كبير، فأكثر رجال الدين وعلماء الدين يصفون لنا العبادة بالقهر والإستعلاء، أمّا أهل العرفان فيصفون لنا العبادة بالحبّ والإقتراب من رضا الرحمن، ولذلك نجد أنّ الأنبياء في رسالتهم، ونبدأ بسيّدنا إبراهيم لمّا رأى رجلاً يسرق دعا عليه فنزلت صاعقةٌ فأحرقته، ثمّ رأى رجلاً آخر يذنب فرفع يديه ليدعو فنزل جبريل فقال إنّ الله يقول لك دع عبادي لي فإنهم يخطئون فيتوبون فأغفر لهم، دعهم لي يا إبراهيم فلو خلقتَهم لرحمتهم. أقولها لكل الدعاة الذين حوّلوا الدين من حب الى قتل، وهم بعد أن سيسمعوا هذه الحلقة منّي ومنك أخي الكريم، على عادتهم أنهم كلّما سمعوا حلقةً من هذه الحلقات الروحية نزلوا على أجهزة التواصل شتماً وسبّاً وتكفيرا، نشهد الله لن نسبّكم فما بُعثنا ولا أُمرنا بالشتيمة والسبّ، ولن نكفّركم والتكفير لا يقرّبنا من الله، إنّما يقرّبنا من الله ما قاله الحبيب المصطفى صلّ الله عليه وآله وسلّم لسيدّنا علي رضوان الله عليه والسلام، "يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها"، ونحن أُرسلنا دعاةً لا قضاة لنحكم على الناس بالكفر والإيمان.

لذلك نريد إعادة خطابنا الديني في مساجدنا في العالم الإسلامي والعالم الأوروبي، كل مساجدنا، يا دعاة الإسلام إنّ منابركم في كل جمعة، هذه من أسرار الزمان، كل يوم جمعة يجتمع إليكم ملايين البشر فلو وضعتم فيهم أسرار رمضان في المحبّة والخير والعطاء، وأنّ مَن فطّر صائماً كان له مثل أجره، وأن مَن أعان إنسان في رمضان كان له 700 أجرٍ في ما سواه، وأنّ رمضان شهر التراحم وخصوصاً والبلاء عمّ والناس في بيوتهم بلا عمل، فإفطاري أنا ليس إفاطر مؤمن إن لم أُشرك برغيفي أخاً آخر، أُطعمه وأسقيه.

لذلك نحن اليوم مدعوون الى إعادة النظر في خطابنا الديني، وهذا ما أرجوه في كل حلقات أ ل م التي تركّز علينا في الدعوة الى الله، حينما يأتي بعض الإخوة من عدة بلدان فيتحدثون عن البخاري وعن مسلم فينشغلون بالردّ على بعضهم عن رسالة أ ل م، أرجوكم، قرآننا واحد، نبيّنا واحد، إلهنا واحد، مصيرنا واحد، فتعالوا لنهيّئ أنفسنا للوقوف أمام الواحد الأحد الذي سنقف بين يديه وسيسامحنا عن حقوقه، فإن قصّرنا في صلاتنا..

 

 

يحيى أبو زكريا: وهنا سماحة المفتي أشرتَ الى عمدة البحث كما يقول علماء الأصول، الدعاة على إمتداد خمسين سنة وهم يقدّمون للناس ربّاً غليظاً قاسياً سيعذّب الناس ويجرّهم من أشفار عيونهم، ذهبوا الى فقه الدولة وإقامة الدولة الإسلامية ونسوا تربية النفس، وكان ابن باديس يقول أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم قبل أن تقيموها في غيركم، وهذا الذي جرّنا الى النميمة والغيبة وما الى ذلك من الأمور، كيف بنظرك نُعيد البناء الروحي للعالم الإسلامي الذي فرّطنا فيه جميعاً للأسف الشديد؟ مساجدنا صارت سياسية، تذهب الى المسجد 90% سياسة وعشرة بالمئة دين، تذهب الى مجلس علمائي تسمع الغيبة والنميمة الى درجة أنّ عارف بالله قيل له لمَ لا تردّ على حاسديك والذين نممون ضدك؟ قال ويحكم إنّ الله سيعطيني حسناتهم يوم القيامة فأنتصر عليهم في الدنيا والآخرة.

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: سيدي الكريم بما أننا نتحدث في رمضان، فحينما أقف في رمضان مع القرآن الذي بدأ بسم الله الرحمن الرحيم، لمَ لم يقل بسم الله القهّار الجبّار؟ ثمّ بعد الرحمن الرحيم الجمد لله ربّ العالمين، هذا الربّ العالمي أراد أن يعرفّنا عن نفسه فقال الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، ولستُم أنتم الملوك، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، لو قرأ الدعاة الفاتحة لعلموا أنّ سرّ دعوتهم لا يكون إلا إذا كانوا مع الرحمن الرحيم، لذلك في شهر رمضان قلنا تتنزّل فيه الرحمات، ولكن دعني أُريكَ رحمةً يوم بدر. يوم بدر خرجوا ليقتلوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وليسرقوا المال الذي أراد أن يستردّه وقد سرقوه، ماذا قالوا؟ قالوا لن نعود من بدر حتى نقتل هؤلاء ونرقص الراقصات، وكانت المعركة فقال الله تعالى ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم، لم يقل أعزّة، قال أذلّة، فهل المسلم دليل؟ قال نعم، أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين. فانظر اليوم ذلّنا مع بعضنا البعض وانظر موقفنا مع الصهاينة، كيف نعطي الصهاينة مكاناً ونستقبلهم في دولنا ولا نستقبل سوريا ولا نستقبل اليمن، انظر الى الذلّ والعزّ كيف تغيّر عند أمّة الإسلام، كيف نستقبل رئيس أميركا في بعض مؤسساتنا الدينية في العالم العربي منذ سنوات، ولا نستقبل علماء مسلمين من نفس بلدنا.

لذلك في رمضان في غزوة بدر بعد أن انتهت الغزوة واستُشهد 17 مسماً وقُتل سبعون من المشركين، ماذا فعل رسول الله مع مَن قُتلوا من المشركين وتركهم أصحابهم ومشوا؟ وقف ودفنهم وتحدث معهم وقال له عمر يا رسول الله أتحدّث جيفاً قد أرِمَت؟ قال مه يا عمر اسكت، رضي الله عنه، إنهم يسمعون كلامي ولكن لا يستطيعون الجواب. وفي آخر رمضان، ليسمع أبناء العالم الإسلامي هذا الخطاب، ليسمعوا وليصحوا وخصوصاً الدعاة، وقف على درج الكعبة ورأى قتلة حمزة، ورأى قتلة الصحابة في أحد، ورأى مَن قتلوا وسحلوا وصلبوا وأذوا، قال ما تظنون أنّي فالعٌ بكم؟ يا دعاة الإسلام اسمعوا، هذا رسولنا، إن كنتم تحتفلون في رمضان احتفلوا بهذا الفتح، ما تظنون أنّي فاعلٌ بكم؟ قالوا أخٌ كريم وابن أخٌ كريم، قال اذهبوا فأنتم الطلقاء لا تثريب عليكم اليوم. يا سادتي إن كنتم تحبّون العبادات فالعبادات بلا ثمرات لا قيمة لها، أقسم أنّ صلاتنا إذا لم تنهَنا عن الفحشاء والمنكر وقتل بعضنا البعض فلا صلاة لنا، وإذا كان صيامنا لا يولّد الإحساس ببعضنا والحبّ ببعضنا فلا صيام لنا، فكم من مصلٍّ ليس له من صلاته إلا التعب والنصب، وكم من صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، لذلك تعالوا لنعد الى الحياض.

 

 

يحيى أبو زكريا: سماحة المفتي ونحن معك في هذه الدعوات. كرجل علمٍ ورجل منبر، وأنت تعرفك المنابر سواء في سوريا الحبيبة أو في خطّ طنجة جاكرتا، أو حتى خطبتك الحضارية في الإتّحاد الأوروبي، كيف تعلّق على غلق الكعبة؟ مقام النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، مقامات أهل البيت في النجف، في كربلاء، في قمّ، في مشهد، حواضر العالم الإسلامي، زيتونة، مراكش، كل المساجد مغلقة، أين سنعبد الله يا ترى، هل سنُقيم مساجد في بيوتنا؟ وهل يندرج ذلك في سياق التأديب للمسلمين بقوله تعالى ظهر الفساد في البرّ والبحر لا بدّ لله أن يتكلم؟

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: أولاً أحمد الله عزّ وجلّ أنّ الله عزّ وجلّ ليس في الكعبة، وأنّ الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس في قبره، فإنّ الله قال وهو معكم أينما كنتم، وقال عن حبيبه صلّى الله عليه وسلّم "واعلموا أنّ فيكم رسول الله". فيا أخي قضية الصلوات وقضية الصيام وقضية الأحكام إن كانت أن نحافظ على أجسادنا فلنأخذ بالإحتياط، وكما قال الإمام عبدالقادر رضي الله عنه "أيها السبب لا بدّ لنا منك ولستَ المقصود". لذلك نحن في إغلاق المساجد والحرم النبوي والحرم المكّي، نحن في ذلك نأخذ بالإحتياط، ولكن ما كنت أتمناه أن تبقى المساجد مفتوحة مع الأخذ بالإحتياط، وهي أن يصلّي الناس في المساجد فرادى بعيدين عن بعضهم، وتُقام صلاة الجماعة، وفي الحرم المكّي وفي الحرم المدني، أن نأخذ الإحتياط، فاليوم صحيح أننا أغلقنا الجامعات ولكن لا زالت الدراسة قائمة. فلذلك أن نأخذ بالإحتياط واجب ولكن أنا لستُ مع الأغلاق الكامل إنّما أن نعلّم الناس كيف يقفون الآن طوابير ونسمح لهم من أجل الغذاء أمام الإستهلاكيات وأمام المطاعم ليأخذوا طعامهم، فلنسمح لهم أن يدخلوا الى المصلى بعيدين عن بعضهم بصلاةٍ واحدة، ونسمح لهم أن يطوفوا، ولكن متباعدين عن بعضهم، حتى تبقى القلوب متآلفة وتبقى هذه المساجد عامرة، إنّما يعمر مساجد الله مَن آمن بالله واليوم الآخر.

لذلك أعتقد أنّ الإغلاق الكامل أنا لستُ معه بذلك إنّما علينا أن نأخذ بالأسباب وأن ندع الناس يطرقون أبواب رحمة الله، فإن صلّوا في البيوت فهو جميل، ولكن يد الله مع الجماعة فحينما نحسّ ببعضنا نشعر بأمانٍ أكثر ومحبّةٍ أكثر وتبقى الرسالة قائمة في أنّ الله عزّ وجلّ هو الشافي وأنّ الكورونا لا تقتل بنفسها، وإنّما نأخذ الدواء لها والموت يكون بيد الله، فلمَ هذا المهرجان ولمَ هذه الأعداد الكثيرة من الأموات؟ فمَن يمون بالدخان يومياً أكثر من مئة ألف، لماذا يسكتون عمَن يموتون بالدخان وأقاموا الدنيا عمَّن ماتوا بكورونا؟ لأنّ شركات الدخان هي مالكةٌ للإعلام، والكورونا هو لعبة سياسية اقتصادية يُقصَد منها إخافة الناس.

 

 

يحيى أبو زكريا: سماحة المفتي طبعاً ما جئتَ علي ذكره ينسجم تماماً مع قوله تعالى وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله. طبعاً الإنسان في لحظات البلاء يُفترَض أن يعود الى الله أكثر، أن يتضرّع الى الله أكثر، والله يحبّ أن يسمع أنين المتوجّع حتى يهبه الفرج بعد الشدّة، لكن سأفتح جملة دخيلة على محورنا إن صحّ التعبير، لكن أريدك أن تُجيب في إيجاز باعتبارك مفتي عام الجمهورية العربية السورية. بعض الحواضر فكّرت في إبطال الصوم في شهر رمضان على أساس مرض كورونا، فما علاقة الصوم بربّك بهذا الداء وهل وُجهة النظر القائلة بإبطال الصوم وجيهة من الناحية الشرعية في نظرك؟

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: أولاً قضية الصوم هي رسالة الله لكلّ مخلوق، أنّ الصيام فيه صحّة، وقول الجبيب صلّى الله عليه وسلّم صوموا تصحّوا، فقضية القبلة والصوم كما قلناها سابقاً، الصحابة الذين ذهبوا من مكان الى مكان وحين فُرض الصيام فُرض بالأصل لصحة الإنسان، لإعطائه الصحة وليس للمرض، لذلك كل المراكز الطبية والعربية والإسلامية والأوروبية اعتبرت أنّ الصوم للسليم هو وقاية من كورونا، لأنّ الذي يدخل الى الجسم إمّا من الفم طعاماً، كما قالوا أنهم أكلوا بعض الحيوانات، إو من الريق أ من العطاس، فالصوم هو الإمتناع، فإذاً فضية الإفطار من أجل كورونا كما قال لي أخٌ في هاتفٍ منذ يومين، قد يحسّ الإنسان بعطش وكذا، قلت له إن كان سليماً ليس مريضاص فالعطش بالنسبة له نوعٌ من الشفاء لأنه تعوّد في خلاياه أن يعطي نفسه هواها، فهو نوعٌ من الشفاء، فلا إفطار في صحّة.

أمّا المريض بالكورونا فإذا قال له الطبيب، ليس فقط المريض، المرضعة إذا خافت على إبنها من قلّة الحليب، قبل أن نعطيهم حليب العلب، كانت إذا خافت على ولدها من قلّة الحليب فوراً يأمرها الشارع أن تُفطر. لذلك "فمَن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ نم أيام أُخَر"، هذا هو النص القرآني بالنسبة للإفطار، ومع احترامي لكل مَ٫ أنزل على وسائ التواصل الاجتماعي هذا ليس حكمكم هذا حكم الله.

أمّا كلمتك التي قبلها، قضية الدعاء أخي، في القرآن أنّ نبيّاً أُصيب بمرضٍ عضال، وهو سيّدنا أيوب عليه السلام، أتذكر ماذا قال؟ "ربّي إنّي مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين"، الدعاء مخّ العبادة فلذلك أرجوكم يا بني قومي، يا بني وطني، يا أبناء الإنسانية جمعاء، عند الإفطار دعوة لا تُرَدّ لكم، وعند السحر دعوةٌ لا تُرَدّ لكم، فارفعوا الأيدي الى السماء، أن يُذهب بلاء كورونا وهو سهلٌ جداً، ولكن يُذهب الأضغان من قلوبنا وأن ينشر السلام في بلادنا وأرضنا، وأن يجمع الناس على خير. نعم، فلسطين تئنّ يا إخوتي منذ عام 1948 حتى اليوم، حتى الدماء في القدس تقول لنا أنسيتموني؟ كل الفتن الآن في اليمن وسوريا وليبيا وبالأمس في العراق حينما دُمّر جيشه، أُقسم لكم من أجل فلسطين، لكي ننسى فلسطين، وهنا أقولها سنبقى بالدعاء وبالإعداد والقوّة ولكن مع الدعاء والإعداد طهارة القلوب وطهارة الألسنة، وسموّ النفوس وصفاء العقول، يومها سنأتي الى القدس فاتحين والى السلام ناشرين، والى رمضان ائمين، والى العكبة ملبّين، يومها يتقبّل الله منّا. أمّا إذا بقي الإعلام هذا الذي نراه، وأشكركم في الميادين، أشكر كل القائمين فيكم أنكم ما كنتم يوماً طرفاً مذهبياً ولا طائفياً، إنّما كنتم طرفاً فقط مع المستضعفين في الأرض، وأتمنى من كل إعلامنا أن يكون كذلك، لذلك تعالوا نكتسب هذه الليالي ونكسبها فكَم منّا مَن لا يمرّ عليه رمضان آخر، سيكون هذا الرمضان آخر عمره، فاكسبوا أعماركم وآجالكم أيّها الأحبّة فالقدس تناديكم ومكّة تناديكم، والحبيب المصطفى في روضته يدعوكم، واليمن التي فيها نفس الرحمن يستصرخكم، والشام التي فيها عمود الإسلام تقول لكم استيقظوا فنحن عزّكم، وليبيا تقول لكم نحن ظهركم العربي، والجزائر في جبالها وتونس الخضراء وموريتانيا وحديثها ومالي وتشاد كلها تناديكم، عودوا إلينا فنحن معاً أمّةٌ واحدة. 

 

 

يحيى أبو زكريا: سماحة المفتي ما يزيد في حبّنا لكم في سوريا الحبيبة، سوريا العروبة، أنه رغم التئام الأمم عليكم واجتماع الأحزاب ضدكم وذبحكم من الوريد الى الوريد بفقهٍ مزوّر، ظللتم تصرخون لفلسطين، ولهذا أحببنا سوريا المقاومة التي لم تغيّر ولم تبدّل تبديلا، ونحن منتصرون. وأنا قلتُ يوماً في بداية الأزمة السورية أنّ رمضان ذات يوم سوف يُعلَن من دمشق، وغداً رمضان أو بُعَد غد، ما الذي تقوله للعالم الإسلامي سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية؟

 

 

الشيخ أحمد بدرالدين حسّون: أقول لكلّ عالمنا الإسلامي أنّ الله حمّلكم رسالة فقال لكم كنتم خير أمّةٍ أُخرجَت للناس، فكونوا خير أمّة ولا تدعوا الأمم تضحك منكم وتسرق مالكم وتسبي أرضكم وتُذلّ أبناءكم وتستعبد حكّامكم، كونوا خير أمّةٍ أُخرجَت للناس. هل سمعتم من سوريا بعد عشر سنوات، من قائدها أو من شعبها أو من علمائها كلمة سوءٍ عليكم؟ كنّا نحكي معكم كأبناء أمّتنا، ظلمتمونا فقلنا نسأل الله أن يُصلحكم، حاربتمونا فحافظنا على دمائكم، ما استعنّا بعدوٍّ عليكم، فأقول لكل أمّتنتا لا تنتبهوا الى مَن يدعوكم لإقامة الدول، كونوا أمّة، والأمّة هي التي قال عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم "إذا اشتكى منها عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى"، أمّا أن نُرسل طائرات معونة الى بعض البلاد الأوروبية فيها دواءٌ وفيها منافس ونترك بلادنا العربية والإسلامية لا نعطيها شيء لأننا نختلف معها سياسياً فكيف سنقف غداً بين يديّ الله تعالى وهو يقول لنا ألم أقل لكم كنتم خير أمّةٍ أُخرجَت للناس، فلماذا نسيتم بعضكم ونسيتم أنكم حملتم رسالة المسيحي عيسى والحبيب محمّد والخليل إبراهيم، وآويتم موسى ونسيتم أنفسكم فتهتم في الأرض؟ عودوا الى الرسالة العظمى التي حملتموها، للبشرية سلاماً وللإنسانية أماناً وللعقيدة محبّةً وإخاءً ووحدةً وعطاءً، كل عامٍ وأنتم بخير، كلّ عامٍ وأمّتنا الإسلاميج والعربية والإنسانية بخير، فإذا كانوا يعتقدون أنّ 2020 هي عام سوء فإنّ الأيام بيد الله نحن نتوقّعها عام نصرٍ ووحدةٍ تجتمع به كلمة العرب والمسلمين أولاً والإنسانية جمعاء ضدّ كل مَن ظلم الإنسانية والبشرية، ستبقى كلمتنا التي نقولها لكم "لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، هل أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم، أفشوا السلام بينكم، أفشوا السلام بينكم".

وكلّ عامٍ من ربوع سوريا الأرض الطاهرة، من شهدائها، من جيشها، من قائدها، من أبنائها خارج البلد وداخل البلد، وأنتم بخير، يا فلسطين قادمون فلا تحزني بإذن الله.

 

 

يحيى أبو زكريا: بحول الله وقوّته. سماحة المفتي شكراً جزيلاً لك في ميزان حسناتك، وربّك قال "والعاقبة للمتّقين" الحمد لله أننا قضينا أعمارنا في الدعوة الى ثقافة الحبّ والى الإسلام الأصيل كما علّمنا إياه رسول الإسلام، ودكدكنا خيشوم التكفير أيضاً.

مشاهدينا وصلت حلقتنا الي تمامها، الى أن نلقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه، وتقبّل الله أعمالكم وصيامكم ولا تنسونا من صالح الدعاء.