الفاتيكان وسوريا

موقف الڤاتيكان في سوريا خلال محنتها وفي المشرق عموماً... وأي علاقة وأي آفاق؟ وعلى ماذا يبني الڤاتيكان مقارباته من سوريا والمشرق؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، إنه هذا الولِه بدفوف الفرح وكنّارات الروح القدس، بطرب المريمات، بالقيامة ومتعة رؤية الحَجَر مُدحرجاً عن القبر، هذا الذي نذر عُمره وسفَحه في خدمة مَن أحبّهم، ودخل بيوت الناس من شاهق عتباتها مُحنياً هامة تواضعه بصحون الدور الدمشقية وعبيق جوريّها، رجل الضوء هو، طارد العتمة العنيد، روحه باذخة الموسيقى رغم الألم الهادر في فناء شامه، لكنه لا يُتقن إلا عبور الآلام نحو ابتداع الفرح الوديع كمعلّمه الجليلي إبن مريم، فيجول في أرضه المُنهكة بالحديد والقسوة ليزرع فرحاً وغوطةً وقاسيوناً وأبناء حياة. أبونا الياس زحلاوي ورغم العشر الماضيات من الألم والقهر والموت والحصار ما يزال جلّنار العشيّات وياقوت الظهيرة وفيروز المسايا الدمشقية، ينافح عن بلده بالصوت والصورة والكلمة والمشي غير هيّاب، وما رسالته الأخيرة إلى البابا سوى كُليمات وموقفٍ يُكرّره مع كل بابا جديد دفاعاً عن أرضه وشعبه ومسيحه ومحمّده، هكذا أردتُ على غير العادة أن يكون مدخل الحوار معه من باب محبّتـه، أبونا الياس أهلاً بك، ماذا تنفع الرسائل إلى البابا؟

الأب الياس زحلاوي: بعد سماعك أشعر بأنه يترتّب عليّ أن أصمت قليلاً، ما أريد أن أقوله للبابا ولكنائس الغرب كلّها كونوا كالمسيح، أنتم تمثّلون المسيح على الأرض، لماذا لا تكونون مثله حباً بكل إنسان ولاسيّما الإنسان المُعذَّب والمقهور والمُشرّد والجائع، وما أكثر المقهورين اليوم والجائعين والمُشرّدين، إنهم يُعدّون بالمليارات، إن كان هناك من إنسانٍ مسؤول عن هذه المليارات هو في نظري مَن يمثّل يسوع على الأرض لأن يسوع مات حباً بالإنسان، وفي كل مكان وكل ما قال وكل ما فعل كان يحاول أن يكرِّم الإنسان ويؤكّد له حبّه ويرفع من شأنه ويُذكّره أولاً وأخيراً بأنه ابن الله، كل إنسان في نظر يسوع هو ابن الله، وعندما علّمنا أن نصلّي ونقول أبانا نفى كل العلاقات السابقة التي كنا نرسمها عن الله بكل ما فيها من تشويه، وأكّد لنا أن الله أب وأب مُحبّ، غفور، رحوم، حاضر في حياة الناس ويريد لكل الناس أن يكونوا سُعداء به على الأرض وإلى الأبد.  

غسان الشامي: ولكن أيضاً بعد هذا الكلام الذي يعبق بالروح ماذا تنفع الرسائل إلى البابا؟  

الأب الياس زحلاوي: الكلمة رسالة، وكل كلمة مهما كانت عادية تترك أثراً إذا كانت تخرج من القلب، أنا أستخدم هذه الوسيلة.  

غسان الشامي: هل لهم أذنان للسمع؟ السيّد المسيح قال "مَن له أذنان للسمع فليسمع". 

الأب الياس زحلاوي: يُفترض فيهم أن يسمعوا، وإنْ لم يسمع البشر يُفترض فيهم أن يسمعوا كل يوم ما يقولونه عندما يقيمون الذبيحة الإلهية، ما الذي يقولونه؟ يقولون "خذوا كلوا، هذا هو جسدي، اشربوا هذا هو دمي"، هم ينطقون بهذه الكلمات لكي يُفهموا أنهم هم بديلٌ عن يسوع على الأرض، فإن اكتفوا بالكلمة لمُجرّد كونها كلمة ولم يترجموها في العمل فهذه كارثة، وهم في موقع مسؤولية كبيرة جداً، موقع عالمي، البابا مسؤول على مستوى العالم والأساقفة مسؤولون على مستوى أبرشياتهم في كل العالم، ما الذي يفعلونه بيسوع الحاضر في الإنسان المُعذّب والمُشرّد. أنا اكتشفت أن كنيسة الغرب منذ عام 1955 حيث أمضيتُ سنة كاملة في فرنسا أنها غارقة في عقدة ذنب مرضيّة تجاه اليهود، وهي تحاول أن تمحو هذه العقدة بموقفٍ من اليهود يُتيح لهم أن يفعلوا ما يشاؤون في العالم وخصوصاً في العالم العربي، هل تراهم يظنّون أنهم يكفّرون عن خطيئة اللاساميّة التي مارسوها مئات السنوات في الغرب بارتكاب خطيئة تشريد شعوب الشرق الأوسط كلّهم بمن فيهم المسيحيون والمسلمون، كيف لإنسان أن يكفّر عن خطيئة بخطيئة أفدح؟ 

غسان الشامي: أبونا الياس هذه ليست أول رسالة، كل البابوات الذين مرّوا في السنوات الماضية أرسلتَ لهم رسائل وكنت تكتب في الأسفل "رسالة من كاهن عربي"، لم تذكر أنك كاهن دمشقي أو زحلاوي أو سوري، كنتَ تكتب بهذه الصيغة، هل أتاك ردٌّ واحد؟  

الأب الياس زحلاوي: الرسالة الأولى التي كتبتها كانت رسالة شخصية كتبتها في العام 1971 لرئيس أساقفة باريس فرنسوا مارتين، كنت قد قرأت له كتاباً صغيراً ولكنه هام بعنوان "الله عنيد" واكتشفت فيه أنه زار فلسطين ولكنه لم يرَ طوال زيارته لفلسطين العرب المظلومين المُشرّدين. كان يذكر ضحايا الطرقات في العالم، ضحايا بيافرا، ضحايا أنغولا، ولكنه لم يرَ في أي مكان في فلسطين العربي الفلسطيني المحروم من أرضه، المقتول، المُشرّد، فكتبتُ له، أجابني برسالة مزّقتها من غضبي، رسالة صغيرة لا تعني أي شيء ولكنني تابعتُ بعد ذلك وزرته في باريس ودعوته لزيارة الشرق من جديد، حتى أنني دعوته لزيارة الشرق مُتخفّياً كي لا يعرّض نفسه لأي شيء في الغرب فرفض، وتابعت كتابة الرسائل ولكن عندما كنت أكتب لروما رسائل شخصية لم أكن أتلقّى أيّ جواب، ولذلك بدأت أكتب الرسائل المفتوحة لكي أُطلِع الرأي العام على موقفي ككاهن.  

غسان الشامي: هل أنت مهجوس بالتاريخ؟ هل تعتبر كتابة هذه الرسائل موقفاً تاريخياً؟ 

الأب الياس زحلاوي: لا أجرؤ أن أقول إن هذه الرسائل تشكّل موقفاً تاريخياً. 

غسان الشامي: على الأقل هناك مَن يقول لا كبيرة. 

الأب الياس زحلاوي: أنا أعتبر أن هذه الرسائل تشكّل موقفاً إنسانياً، ها هنا شعوب تُعذَّب، تُشرَّد، تُقتَل، تُباد وليس هناك مَن يُحرّك ساكناً ليدافع عنها، ولذلك اتّخذت هذا الموقف، ولأن هذا الموقف يمسّ شعوباً أنتمي إليها بثقافتي، بحضارتي، بلغتي، ولذلك كنت دائماً أكتب وأوقّع بعبارة كاهن عربي.  

غسان الشامي: ماذا يمكن أن تفعل البابويّة؟ كما نلاحظ دائماً هناك رسائل من البابا إلى المُضطهَدين في آسيا، هناك رسائل تضامن شبه دورية تضخّها البابوية ولكن على الطريقة النابليونية أبونا الياس، البابا لا يمتلك مدفعاً، أنت تعلم جيداً في تاريخ الكنيسة أن نابليون قد ضرب بالبابوية عرض الحائط بمعنى أنه لم يسمح للبابا بيوس السابع بأن يُتوّجه لا بل زجّه في السجن، هل يمكن للبابوية أن تفعل؟ وهل القوّة أهم من القداسة؟ 

الأب الياس زحلاوي: على البابا قبل أن يفكّر بنتيجة عمله أن يشهد لإيمانه بيسوع، أن يدافع عن حب يسوع للإنسان، هذا لا يقتضي لا مدافع ولا دبابات ولا حتى إجابة ممّن يصرخ فيهم هذه الصرخات الإنسانية المسيحية، واجبه أولاً وأخيراً أن يقول ما كان يقوله يسوع "اعرفوا الحق والحق يحرّركم"، "أحبّوا بعضكم بعضاً"، "الويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم"، نحن اليوم بأمس الحاجة إلى كلام يسوع. لا يُطلَب من البابا أن يكون على رئيس مدافع ودبابات وجيوش وإن كان في القرون الوسطى قاد جيوشاً، نحن اليوم نطالب البابا فقط بأن يجأر بصوت الحق وللناس أن يسمعوا أو لا يسمعوا، وكلّي ثقة فيما لو البابا اتّخذ موقفاً صريحاً من الدول المُتجبّرة التي تُسبّب هذه الكوارث على الأرض، كلّي ثقة بأن الأساقفة سيردّدون خلفه وعندها سيتشكّل رأي عام عالمي، ولا بدّ للحكَّام عندها من أن يعيدوا النظر بسياساتهم وبمواقفهم الظالمة.  

غسان الشامي: ما موقف الكنيسة الكاثوليكية، الأنطاكية والكنيسة بشكل عام من رسائلك إلى الفاتيكان؟ ألا يعتقدون أنك تتجاوز حدودك ككاهن؟

الأب الياس زحلاوي: سأخبرك شيئاً غسان، كل ما كتبته في السابق كنت أكتبه وأتحمّل تبعاته شخصياً وما كنت أسأل أحداً عمّا أكتب، وكنت أتوقّع ردود أفعال وكانت تأتيني أحياناً ردود أفعالٍ لا أقيمها من أرضها، ولكنني أريد أن أخبرك أن الرسالة الأخيرة التي كتبتها للبابا بتاريخ 25 آذار 2020 والنص الذي كتبته أيضاً تحت عنوان "جوابٌ لصديقٍ في الغرب" ولا شك أنك قرأته. 

غسان الشامي: نعم.

الأب الياس زحلاوي: وفيه كلامٌ قاسٍ بحق البابا، أطلعتُ عليه بطريركي البطريرك يوسف عبسي ولكن بعد أن أرسلتها، وقال لي أنت تفعل جيداً، هذا ما كنت أفعله، أكتب ولكنني لم أكن أسأل عن رد فعل رؤسائي لأنني مُقتنعٌ بإيماني، مُقتنعٌ بموقفي. 

غسان الشامي: ألا يُعدّ هذا نوعاً من الشغب داخل الكنيسة وهذا الشغب حَجَب عنك أن تكون أسقفاً أو مطراناً؟

الأب الياس زحلاوي: لم أحلم يوماً في حياتي أن أخطو خطوة واحدة نحو ما يُسمّى ترقية كنسية، لم أحلم لا بالمراكز ولا بالأموال.

غسان الشامي: ولكنك دخلتَ كل البيوت في شامِك.

الأب الياس زحلاوي: تكفيني محبّة الناس صدّقني، محبّة الناس تغمرني بكل ما يمكن أن يُغري الإنسان، أكتفي بها ولكن ما كان يتوجّب عليّ فعله أعتقد أنني فعلته ولست بنادمٍ، وأنا على استعداد لمواصلة هذا الموقف حتى اللحظة الأخيرة.  

غسان الشامي: ما علاقة الكنائس الشرقية الكاثوليكية بالفاتيكان؟ هل يسمع الفاتيكان لهم أم هم برأي الفاتيكان اعذرني على استعمال هذه الكلمة مُجرّد أتباع يلقي لهم بأوامره فقط؟ 

الأب الياس زحلاوي: بأوامره أو بهباته، بعطاياه.

غسان الشامي: يعني المالية.

الأب الياس زحلاوي: أقولها بألم. 

غسان الشامي: والمال يُسكت، مَن يدفع يأمر. 

الأب الياس زحلاوي: نعم، مَن يعطي يأمر، أخشى أن تكون كل الكنائس الشرقية الكاثوليكية بحال تبعية أولاً نفسية، ثانياً سلطوية، ثالثاً مالية، ولذلك لا أرى لديهم من الجرأة ما يكفي لكي يواجهوا هذه الكنائس في الغرب بما يجب أن يواجهوها من جرأة، من صدق، من شجاعة، أخشى هذا الأمر وأنا تجرّأت وكتبت هذا أيضاً ولكنني لم أرَ أيّ تغيّر، وما تشكّل خلال مئات السنوات يصعب عليك أن تغيّره في سنة أو سنتين أو ثلاث لا سيّما إذا كنت فرداً تغنّي بين هذا الحشد الكبير ممّن يحنون الرأس.

غسان الشامي: في الفاتيكان سيّدي هناك مجمع اسمه مجمع الكنائس الشرقية الذي أقيم خصيصاً للكنائس المرتبطة بالبابوية في المشرق، ما دور هذا المجمع؟ هل اتّصلوا بك مرة واحدة وأنت مسؤول عن كنيسة كاثوليكية هامة جداً وفعاليات تنتج من هذه الكنيسة في أقدم عاصمة آرامية في العالم هي دمشق، هل قالوا لك مرة واحدة ماذا تريد؟

الأب الياس زحلاوي: لم يتّصل بي أحد منهم يوماً، وعندما كانت تُعقد لقاءات أو ندوات أو مؤتمرات تعني الكنائس الشرقية الكاثوليكية لم يُطلب مني يوماً واحداً أن أمثّلها في أي نشاط، حتى عندما كانت تُبحث موضوعات تخصّ الشبيبة، وأنا أمضيتُ عمري في دمشق منذ عام 1962 حتى اليوم في خدمة الشبيبة. هناك للأسف تقصير، تغييب مقصود أو غير مقصود لا أبالي ولكنني أقول ما يبدو لي حقاً وما يبدو لي ممارسةً باتت طبيعية لدى الكنائس في الغرب، لدى المجمع الشرقي، وهو لا يستطيع أن يخرج عن سياسة الفاتيكان التي باتت معروفة وكنائسنا باتت تابعة وحتى اليوم لم تستطع أن تتحرّر للأسف.   

غسان الشامي: هل جرّت عليك مواقفك الرافضة للمنحى السياسي الفاتيكاني أموراً سلبية في حياتك الكهنوتية والعملية؟ اسمح لي أن أداور، أريد أن أعرف ويعرف السادة المشاهدين أنه لا يمكن لكاهنٍ تابعٍ لكنيسة أن يكون إلى هذا الحدّ من إجهار الحق، هذه سابقة. 

الأب الياس زحلاوي: أشعر بالحرج، لا أريد أن أحوّل هذه الجلسة إلى محاكمة.   

غسان الشامي: ولا أنا ولكنني أريد أن يعرف السادة الذين يشاهدوننا وقائع لأن هذه ملك التاريخ وليست ملكنا. 

الأب الياس زحلاوي: أحد السفراء البابويين في عام 1982 المونسنيور أشيل غلوريو كان يتعاطف كلّياً معي، يدعوني ويشجّعني ولكن مجرّد تشجيع عاطفي كلامي وتَقَوي. أنا علاقاتي عادةً فيها تباعُد مع كل ما هو سلطة كنسية أو غير كنسية، أترك الأمور تجمعني بهم بشكل طبيعي ولكن المضايقات التي وجدتها في كنيستي بالذات لا أريد أن أذكرها ولكنني لا أتمنّى لأي كاهن أن يواجه مثلها. 

غسان الشامي: سيّدي أنا قرأت مذكّراتك وأنت شرّفتني بأن أكتب لك مقدمة هذه المذكّرات، أنا أدعو الناس لأن يقرأوا مذكّراتك، في مذكّراتك الكثير من الألم وهي أصبحت ملك الناس، هل دائماً تتجاوز الألم الشخصي إلى الألم الاجتماعي؟ هل تغضّ النظر دائماً عن آلامك الشخصية؟

الأب الياس زحلاوي: نعم، أقولها بكل صدق وبكل تواضع، ما أذكره الآن بألمٍ عظيم عندما كانت والدتي رحمة الله عليها وكانت إنسانة مجبولة بالحب والتضحية والتفاني، كانت تقول لي أبونا الياس أتريد أن تغيّر الكنيسة؟ وكنت أعرف أنها كانت تعاني من الفقر الذي كنتُ ألتزم به من رفضي للمال، وصدّقني غسان عندما تُوفّيت شعرتُ بأنني ظلمتها في حياتها ولكنني لستُ بنادم لأنني وجدتُ عزاءً في إيماني بأنها الآن ترى بماذا كنت أضحّي على هذا النحو بالمال.

غسان الشامي: هل تريد تغيير الكنيسة؟ أسألك كما سألتك المرحومة والدتك.  

الأب الياس زحلاوي: كلا، أنا أريد أن أغيّر شيئاً من بنية الكنيسة وخصوصاً في حياة الكاهن، لا يجوز لنا أن نجمّد الحياة المسيحية والكهنوتية في أطرٍ أكل الدهر عليها وشرب، ولذلك سعيتُ عندما سافرت عام 1955 إلى فرنسا للبحث عن صيغة جديدة لكهنوتٍ جديد في شرقنا العربي، وعندما وجدته عند جمعية "البرادو" وكان آنذاك رئيسها الأسقف القديس ألفريد آنسيل شعرت بأنني وجدتُ ضالتي المنشودة وعدتُ بها إلى القدس، وشيئاً فشيئاً تشكّلت حولي مجموعة صغيرة من طلاب اللاهوت في القدس ثم اتّسع نطاق هذه المجموعة. نحن اليوم في الشرق العربي قرابة 40 كاهناً، مجموعة البرادو، أردتُ من خلال هذه المجموعة أن نجد صيغة جديدة لحياةٍ كهنوتية تجمع الكهنة مع بعضهم البعض من مختلف الطوائف، تهرب من المال، تخدم الفقراء قبل كل شيء ويكون مركزها الرئيسي الإنجيل. 

غسان الشامي: يجب أن أذهب إلى فاصل، فاصل ونتابع، انتظرونا أعزائي. 

المحور الثاني:  

غسان الشامي: تحيّة لكم مجدّداً من أجراس المشرق، تقريرٌ عن سياسة الفاتيكان تجاه سوريا خلال هذه الحرب الأليمة التي تدور فيها وعليها ثم نعود إلى الحوار مع الأب الياس زحلاوي.

تقرير:

بعد المجمع الفاتيكاني عام 2013 اتّصل أحد بطاركة المشرق الكاثوليك طالباً تحديد موعد في دمشق لأن وفداً من الكرادلة سيزور العاصمة السورية حاملاً معونة مالية للسوريين المتضرّرين من الحرب، لكن وبقدرة التأثير الغربي حضر الكاردينال الغيني روبرت سارا إلى لبنان وسلّم منظمة كاريتاس مليون دولار لدعم النازحين السوريين في لبنان.

وعند استقبال البابا فرنسيس بطاركة المشرق في باري بجنوب إيطاليا قبل عامين أعرب عن مخاوفه من تلاشي الحضور المسيحي في المشرق الذي يجري وسط صمت الكثيرين وتواطئهم من دون أن يحدّد الجهة الصامتة أو المتواطئة.

أجاب بطريرك السريان الأورثوذكس أفرام الثاني "لدينا شعور بأنه جرى التخلّي عنا، وبأن المساعدات لا تصلنا لا بل نتعرّض للاتهامات".

صحيحٌ أن الفاتيكان ومنذ بداية الأزمة السورية أعرب عن قلقه من جرّاء ما يحصل في سوريا، لكنها بدت مثل مشاعر القلق الشهيرة لدى بان كي مون.

استغرب الكثيرون مطالبة البابا بنديكتوس السادس عشر في شباط عام 2012 الحكومة السورية بالاعتراف بطموحات شعبها المشروعة ومخاوف المجتمع الدولي من دون التطرّق إلى قوى مصنّفة إرهابية.

صحيحٌ أن البابا فرنسيس دعا في أول قدّاس له في عيد الفصح عام 2013 إلى البحث عن حل سياسي في سوريا الحبيبة، وأضاف في مناسبةٍ أخرى إن سوريا ضحيّة اللامبالاة وأن المسيحيين يواجهون مسألة بقائهم في الشرق، وأشار إلى المنظمات الإرهابية عام 2014 لكنّه وأمام معركة تحرير إدلب من هؤلاء الإرهابيين وحتى شباط الماضي كان ميّالاً لأخذ موقفٍ وسطي قليلاً.

في جميع الأحوال عرف المسيحيون السوريون أن القلق والكلام كثيران لكن الفعل كان قليلاً. 

غسان الشامي: أحيّيكم، أبونا الياس سألتَ في رسالتك إلى قداسة البابا هل تعتقد باستمرار يسوع في العالم العربي، هل يعتقد بذلك؟ أنت أيضاً ماذا تعتقد؟  

الأب الياس زحلاوي: أنا أؤمن بوجوده وباستمراره ولكنني أخشى أن تكون الكنيسة الغربية وعلى رأسها الفاتيكان قد ضحّت بوجودنا كمسيحيين في هذا الشرق العربي إرضاءً للكيان الصهيوني، وأعود فأقول ربما يبحثون عمّا يغفر لهم خطيئة أو عقدة الذنب الرهيبة تجاه اليهود على حسابنا نحن العرب المسيحيين والمسلمين، ولننظر إلى فلسطين، مَن تبقّى فيها من مسيحيين؟ لننظر إلى العراق، كان هناك ملايين المسيحيين، أين هم الآن؟ لننظر إلى سوريا، تعايشنا مع المسلمين في سوريا منذ دخول الإسلام إلى دمشق عام 636 ولم نتعرّض لأي مشكلة إلا عندما حرّضوا علينا الأتراك مع بريطانيا وفرنسا عام 1860، ما عدا ذلك كنا متعايشين تماماً. طبعاً هناك هبوط وصعود ولكن الوضع الآن كان أفضل مئة مرة مما كان عليه الغرب عندما كان يتذابح الغربيون المسيحيون في ما بينهم، أين المسيحيين اليوم في سوريا؟ أنظر إلى لبنان وما تبقّى فيه من المسيحيين، مصر كانت مشهورة بانغراس المسيحيين فيها، الأقباط نزعوا إلى الهجرة بأعداد كبيرة، ألا يرون ما يحدث؟ ما السبب وراء هذه الهجرة، وراء هذه الحروب التي تُشنّ على الشرق العربي.    

غسان الشامي: كل الدلائل تشير إلى أن الوضع صعب وما تزال هذه البلاد في لبنان سوريا والأردن وفلسطين والعراق ومصر منطقة حرب واحتراب، هل إذا هاجر المسيحيون يهاجر معهم مسيحهم؟ 

الأب الياس زحلاوي: جواباً على سؤالك دعني أقول لك ما تعرفه عن حدثٍ جرى في دمشق بدءاً من عام 1982، قصة صورة السيّدة العذراء التي نضحت زيتاً، مع الوقت تبيّن لنا أن هناك أبعاداً أخرى غير نضوح الزيت، الصلاة الجماعية التي ضمّت مسيحيين ومسلمين، الأشفية التي بدأت بشقاء أول امرأة مسلمة السيّدة رقيّة كُلتا من حي ركن الدين بدمشق، ظهورات السيّدة العذراء.

غسان الشامي: ماذا تقول لكم إيمانياً؟  

الأب الياس زحلاوي: كلمات رائعة ولأوّل مرة العذراء تتكلّم باللغة العربية، يطول بي الأمر والوقت ضيّق ولكن أريد أن أذكر أهم ما قالت السيّدة العذراء والسيّد المسيح لأن السيّد المسيح أيضاً ظهر. السيّدة العذراء بتاريخ 4-11-1983 قالت عبارة لميرنا وهي في حال انخطاف والزيت ينسكب منها، تغيب، لا ترى، لا تسمع، لا تشعر، ثم تستيقظ، سألناها ماذا رأيتِ قالت رأيت العذراء وقالت لي: "قلبي احترق على إبني الوحيد ولن يحترق على كل أولادي"، يومها أدركت مع الأب معلولي وهو يكبرني سناً وِعلماً ولاهوتاً أن هناك أمراً خطيراً جداً قادم على سوريا ولكننا سنخرج منه.  

غسان الشامي: هذا في الواقع الإيماني. 

الأب الياس زحلاوي: في الواقع الإيماني وهذا ما جرى.   

غسان الشامي: وعملانياً أبونا الياس؟ أنا لا أريد أن أتدخّل في الأمر إيمانياً، أنت تعرف سيّدي العلاقة التي تربطني بك وبالسيّدة ميرنا ولكن في المؤدّى العام هل بهذه الظهورات هناك تأكيد على أن هذا المشرق، هذه السوريا ستنهض من هذه الكبوة؟

الأب الياس زحلاوي: دعني أقول لك بعض ما قاله السيّد المسيح.

غسان الشامي: تفضّل.

الأب الياس زحلاوي: في 26 تشرين الثاني عام 1986 قال: "ما أجمل هذا المكان، فيه سأُنشئ مُلكي وسلامي فأعطيكم قلبي لأمتلك قلبكم".

غسان الشامي: في هذه الحرب ماذا قال؟

الأب الياس زحلاوي: قبل الحرب في 10 نيسان 2004 يوم سبت النور وكان حشدٌ كبير من أطباء ولاهوتيين وإعلاميين في الصوفانية بدمشق، أتت الرسالة التالية على لسان السيّد المسيح: "وصيّتي الأخيرة لكم ارجعوا كل واحد إلى بيته ولكن احملوا الشرق في قلوبكم، من هنا انبثق نورٌ من جديد، أنتم الشعاع لعالمٍ أغوَته المادة والشهوة والشهرة حتى كاد أن يفقد القِيَم، أما أنتم حافظوا على شرقيّتكم، لا تسمحوا أن تُسلَب إرادتكم، حريّتكم وإيمانكم في هذا الشرق"، وأتتنا الحرب وانقطع كل شيء إلى يوم 17 نيسان، كان يوم الخميس العظيم من أسبوع الآلام عام 2014، أتت الرسالة التالية وهي تتوّج كل شيء وتفتح أفقاً كلّه نور وأمل: "الجراح التي نزفت على هذه الأرض هي عينها الجراح التي في جسدي لأن السبب والمُسبّب واحد، ولكن كونوا على ثقة بأن مصيرهم مثل مصير يهوذا".  

غسان الشامي: ولكن منذ ذلك الوقت حتى هذا الوقت ست سنوات، وست سنوات عِجاف وسيّئين وفيها دماء.

الأب الياس زحلاوي: غسان هل تعتقد أن ما قاله يسوع لتلاميذه في العشاء الأخير قبل صلبه بساعات "ثقوا فقد غلبتُ العالم"، هل تعتقد أن هذه الكلمة كانت تتوافق مع ما سيعيشه بعد ساعات؟ ورأوه بعد ساعات مصلوباً ثم قام وقامت دنيا جديدة، فما الذي يمنع يسوع اليوم وقد قال "ولكن كونوا على ثقة بأن مصيرهم مثل مصير يهوذا"، وفي كلمتي الأخيرة التي كتبتها بعنوان " دعاء من دمشق".  

غسان الشامي: سآتي إليه في الختام، نحن نأمل أن يكون مصير كل الأشرار مصير يهوذا. سأعود إلى الوقائع سيّدي، في اجتماع قداسة البابا مع بطاركة الشرق في باريس قرب روما تحدّث عن ضرورة بقاء المسيحيين في المشرق ومَن يزوره يسمع هذا الكلام، هل هذا مجرّد كلام؟ ماذا قدّمت لكم البابوية في سوريا طيلة التسع سنوات من الآلام؟ 

الأب الياس زحلاوي: أنا أعرف أنه في السنوات الأولى كانت مواقف روما سلبية جداً تجاه سوريا. 

غسان الشامي: بما فيها موقف السفير البابوي في دمشق. 

الأب الياس زحلاوي: نعم.

غسان الشامي: ولكنه غيّر. 

الأب الياس زحلاوي: يبدو أنه غيّر ولكن موقف البابا لو تغيّر لكان اتّخذ موقفاً مواجهاً للدول التي تدمّر سوريا والشرق. حتى اليوم لم يصدر من البابا ولا كلمة واحدة يقول فيها للغرب أوقفوا قتالكم، أوقفوا ظلمكم، أوقفوا ابتلاعكم للعالم، هو بابا، إن كان يريد أن يبقى المسيحيون في الشرق متعايشين مع المسلمين ويرى أننا نذوب ما الذي يمنعه من أن يقول علناً، يرسل لنا ستة آلاف مسبحة لنصلّي، لم نصلِّ في حياتنا كما صلّينا في هذه الحرب، كان الموت يتهدّدنا في كل لحظة وكان الله حاضراً في قلوب الجميع حتى اليوم. 

غسان الشامي: وتحديداً كنيستك كانت على التخوم مباشرةً.  

الأب الياس زحلاوي: على الحدود. 

غسان الشامي: أقل من مئات الأمتار بينها وبين الإرهابيين.  

الأب الياس زحلاوي: أنا أنتظر من البابا إن كان يريد أن يكون منطقياً مع مركزه ومسؤوليته أن يقول للغرب كفّوا عن تدمير العالم لكي تكفّوا عن تدمير ذواتكم في ما بعد، وما يحدث اليوم في الولايات المتحدة أخشى أن يكون بوادر انهيار عاجل للولايات المتحدة يسبّب انهياراً عالمياً.   

غسان الشامي: ولكن رئيس الولايات المتحدة ذهب أوّل ما ذهب إلى كنيسة سان جان، الكنيسة المقامة على اسم البابا يوحنا بولس الثاني. 

الأب الياس زحلاوي: وكان قد حمل الإنجيل قبل ذلك في زيارته لكنيسة بروتستانتية.

غسان الشامي: هل يذكّرك حمل الإنجيل هذا بهؤلاء القتلة الذين يرفعون القرآن أو بإردوغان الذي يرفع القرآن ويقتل السوريين؟

الأب الياس زحلاوي: يذكّرني ولكنني أتعاطف معهم لأنني أقول إن هؤلاء جهلة، غُرّر بهم. 

غسان الشامي: ترامب جاهل؟ 

الأب الياس زحلاوي: كلا، المقاتلون الذين جُلبوا بمئات الألوف إلى سوريا بالتأكيد غُرّر بهم، وُعدوا بأموال، ولكن ترامب يعرف ما يفعل، هؤلاء قتلوا وهم يظنّون أنهم يقدّمون شيئاً جيداً لله أما ترامب فيعرف ما يفعل ومَن مع ترامب في الإدارة الأميركية وفي الإدارات الأوروبية كلّها وفي الإدارات العربية يعرفون ما يفعلون، هل هذا ما يريده الله؟ مَن يرفع القرآن الكريم يريد أن يقتل باسم القرآن؟ مَن يرفع الإنجيل يريد أن يقتل باسم الإنجيل؟ متى كان الله قاتلاً؟ 

غسان الشامي: ولكن دائماً يتكلّم البابا في الرسائل وهي تأتي في لحظات مفصلية، مثلاً إحدى آخر الرسائل قبيل ابتداء المعركة ضد الإرهاب العالمي في إدلب يتكلّم عن البراميل التي تسقط على المدنيين، ولكن طيلة السنوات التسع هل تكلّم عن الصواريخ التي نزلت عليكم في دمشق، على كنيستك، على كنائس أخرى، على باب توما، على حلب، على كنائسها؟

الأب الياس زحلاوي: على مسجد بني أمية، على مدينة دمشق كلّها.

غسان الشامي: لنفترض أنه لا يريد أن يتعاطى بالشأن الإسلامي ولكن على المسيحيين.

الأب الياس زحلاوي: لم يتلفّظ بكلمة واحدة بهذا الشأن.

غسان الشامي: إذاً مَن يرسم سياسة الفاتيكان؟

الأب الياس زحلاوي: أخشى أن يكون الفاتيكان مرتبطاً بالقوى الكبرى وبأصحاب الأموال الكبيرة. صمتهم يشير إلى تواطؤ ما، وإذا أردنا أن نتجاهل هذا التواطؤ نضحك على أنفسنا، مَن يريد أن يكون هناك سِلمٌ عالمي عليه أن يقول لمَن يدمّر السلم قف عن تدمير الناس، ومَن يدمّر هو أميركا وأتباع أميركا، هذا واضح، ومَن يتحكّم بأميركا.  

غسان الشامي: أنت تعرف أنني قلّدتك في رسالةٍ قاسية إلى قداسة البابا بعد كلامه عن إدلب. 

الأب الياس زحلاوي: هل تلقّيتَ جواباً؟ 

غسان الشامي: بالطبع لا، ولكن من خلف الكواليس جاءت رسائل، لم نكن نريد منه إلا نوعاً من المواقف المتوازنة، كما رأى البراميل كان عليه أن يرى مدافع جهنّم تتساقط على المدنيين، كان يجب أن يرى أن مدينتين مسيحيتين هما محردة والسقيلبية وهما وطنيّتان بامتياز سقط عليهما 20 ألف صاروخ طيلة تسع سنوات، هذا ما قلته ولكن هذا يدفعني إلى تكرار السؤال، هذا الأمر ليس دينياً بل سياسي، علينا أن نعي تماماً مَن يُدير سياسة الفاتيكان تجاه المشرق أبونا الياس من دون كلمة أخشى أو أظن إذا سمحت.  

الأب الياس زحلاوي: هناك نقطة هامة جداً لفَهْم هذا الموقف، طوال مئات السنوات منذ نظرية القدّيس أوغسطينوس وقد توفى عام 430، نظريّته بشأن اليهود، كان يقول إنه حُكم على اليهود بالتشرّد والبؤس لأنهم قتلوا المسيح وسوف يبقون أبد الدهر على هذه الحال، وفجأةً الكنيسة التي ظلّت مئات السنوات على هذا المنوال وتمارس اللاسامية تجاه اليهود في كل العالم وخصوصاً في الغرب، فجأةً هذه الكنيسة بدءاً من أواخر القرن الماضي مع البابا يوحنا بولس الثاني بدأت الأمور تتغيّر إلى أن جاء يوم اعتُرف فيه بحق اليهود بالعودة إلى أرض أجدادهم حرفياً، كان ذلك عام 1998 ثم تمّ الاعتراف بدولة إسرئيل، وتمّ مع ذلك موقف جميع أساقفة الغرب وخصوصاً موقف الأساقفة الفرنسيين الذين أعلنوا منذ عام 1973 موقفاً مؤيّداً لعودة اليهود إلى فلسطين، هذه النظرية من أين نبتت فيما كانت الكنيسة الغربية كلّها منذ عهد القديس قسطنطين حتى أواخر القرن التاسع عشر تتّخذ موقفاً سلبياً من اليهود، ما الذي تغيّر؟ هل تغيّر اللاهوت أم أن هناك قوىً تدخّلت وأخضعت الكنيسة لنمطٍ من التعامل مع الشعوب العربية انطلاقاً من تعاملها مع الشعب اليهودي، وآسف على استعمال تعبير الشعب اليهودي. 

غسان الشامي: قلتَ أن الفاتيكان أرسل ستة آلاف مسبحة صلاة للشعب السوري، هل شبعتم من الصلاة أبونا الياس؟ هل يمكنك أن تقدّم له عشرة آلاف مسبحة من حبّ الزيتون الخارج من إدلب التي فيها 1800 كنيسة؟   

الأب الياس زحلاوي: هل يعرفون أن في إدلب آثار ل 1800 كنيسة؟ بالتأكيد لا. ذكّرتني أنه جاءني ذات يوم شاب من حلب، قال لي أبونا أنا هُجّرت ولم يعد لي أحد ولكنني لا أريد أن أتسوّل، أنا أصنع مسابح من حبّ الزيتون، وكان يقول لي إذا اشتريتَ المسبحة بمئتي ليرة سأجلب كميات لأعتاش منها، وظل هكذاّ لسنوات. نحن قادرون على أن نصنّع مسابح بإيماننا والشعب السوري لم يصلِّ في حياته كما صلّى في هذه الحرب، والكثيرون وجدوا في ما حدث في الصوفانية وفي وعود العذراء والرب يسوع أملاً كبيراً جداً، وأنا شخصياً عندما أُسأل ما المستقبل أقول المستقبل بيد الرب، هو قال "ما أجمل هذا المكان"، المستقبل بيده، وكما قال قبل صلبه بساعات "ثقوا فقد غلبتُ العالم" وعالم يسوع هو عالم حب.  

غسان الشامي: أنا آمل كما يأمل الكثيرون أن لا يكون الرب قد تخلّى عنا. 

الأب الياس زحلاوي: كلا.

غسان الشامي: في دعاءٍ أخير لك قبل أيام بعد مقتل جورج فلويد في أميركا قلتَ "اللّهم اغفر لهم يا سيّدي، كيف يمكن الغفران للقتلة في هذا الزمن الأغبر؟". 

الأب الياس زحلاوي: غسان هل أنا وأنت ومَن يؤمن بيسوع أفضل من يسوع؟ يسوع على الصليب غفر لصالبيه.

غسان الشامي: هل تغفر لقتلة السوريين؟ مئات آلاف السوريين.

الأب الياس زحلاوي: أغفر لأنني أريد لهم أن يكونوا بشراً أسوياء، أغفر لأنني لا أريد للحقد أن يتجذّر في الأرض لا في سوريا ولا على مستوى العالم، أغفر لأن يسوع علّمني أن أغفر لأن الغفران هو المحبة والله هو الغفور الرحيم، أغفر لأنني أخشى إن لم أغفر أن يتوالد الحقد في قلبي وفي قلوب الآخرين ونعود إلى الاقتتال، أغفر لأنني أريد للحب الذي هو اسم الله أن يكون اسم كل إنسان.

غسان الشامي: أتساءل من أين لك كل هذا الحب؟   

الأب الياس زحلاوي: سَل يسوع. 

غسان الشامي: شكراً. 88 عاماً أبونا الياس واسمك يترقرق من ذلك الإله الكنعاني العالي إيل، ولكل مقاومٍ ومعاندٍ من كنعانه نصيب، مغبوطةٌ هذه الأرض بك، شكراً لحضورك، شكراً لزملائي الذين يقرعون معي أجراس المشرق، أيامكم فرح رغم هذه الأحزان، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.