العلامة محمد حسين فضل الله القامة الوحدويّة

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم.

في الرابع من تموز يوليو 2010 عندما أدركت المنية العلاّمة السيّد محمّد حسين فضل الله، وختمت حياة زاخِرة بالعِلم والفقاهة والمقاومة والوحدة كان العالم العربي والإسلامي يستعد للدخول في مرحلة الفوضى العارِمة، فوضى العِلم والفقه والفتاوى والتكفير والفتنة واللاعقل واللامعقول وتراجيديا العنف وكوميديا الواقع. كان السيّد محمّد حسين فضل الله بحق مُفكّرًا عملاقًا بحجم أمّة الإسلام في خط طنجة جاكرتا. ويذكّرنا السيّد محمّد حسين فضل الله بجيل المُثقفين الموسوعيين في العالم الإسلامي الذين جمعوا بين علوم النقل والعقل والذين برعوا في كل ميادين المعرفة الإسلامية والإنسانية، ففضل الله كان فقيهًا وأصوليًا ونحويًا ولغويًا وسياسيًا وفيلسوفًا. هو بالفعل فقيه الحضارة، برع في الفقه والأصول واللغة والنحو والتفسير والمنطق وعِلم الكلام والفلسفة وفقه الدولة والاقتصاد وعِلم الفلك والحساب. ورغم تسخيره حياته كل حياته للتحصيل العِلمي والتفوّق في كل ميادين المعرفة الإسلامية والإنسانية، فقد علّم أيضًا هذه العلوم، ولم يكُ يعرف معنى الراحة أو الخلود إلى الحدائق الغنّاء. كان شعلة مُتّقِدة في تدريس طلبة العِلم وطالبات العِلم وإلقاء المحاضرات وعقد اللقاءات الكثيرة مع الناس البُسطاء والشخصيات السياسية والفكرية. كان قنديلًا لا ينضب زيته وحركة لا تعرف الجمود ومشعلًا لا يقبل الانتفاء، وكان يجد بين كل هذه المهام وتلك لحظات بل سويعات للتأليف والكتابة في مجال الفقه والفكر الإسلامي والتفسير والرد على أسئلة المُستفتين. 

كان يرى أن كل ثانية من ثواني حياته وكل دقيقة من دقائق عُمره يجب أن تكون للإسلام والمسلمين. ودعا المسلمين بإخلاص إلى الوحدة ونبذ الفرقة وتجاوز الخلافات الفقهية الضيّقة حماية للإسلام من التحديات المُحدِقة به من قِبَل الإرادات الغربية وعلى رأسها أميركا التي حاولت اغتياله في منطقة بئر العبد، وقال عندها بشجاعة وجرأة القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة. كان مسكونًا بهمّ القضايا الكُبرى ومُنشغلًا بهّم الإنسان المعاصر، كان مُنحازًا للحق ضد الظلم وللمُستضعفين ضد المُستكبرين، وكان قلبه بحجم الكرة الأرضية يسع حتى الذين تطاولوا عليه، يسع حتى الذين تطاولوا عليه، وحسدوه وغاروا من مكانته العملاقة وشكّكوا في مرجعيّته الفقهية، وحاولوا التطاول عليه، كان يستغفر لهم بقدر ما يحملون عليه.

رحل المفكّر الإسلامي العملاق محمّد حسين فضل الله وترك وراءه مدرسة مُتكامِلة الأركان ومشروعًا كامل الأدوات ورؤية سياسية وثقافية وفلسفية ستشكّل نبراسًا للأجيال الراهنة والقادمة. لقد عاش السيّد فضل الله للإسلام وعاش لكل المسلمين الذين استوعبوا رسالته وتفاعلوا مع فكره وأصبح بجدارة يُلقّب بسماحة الوعي ومرجع العقلانية.

"العلاّمة محمّد حسين فضل الله القامة الوحدوية" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الأستاذ الفاضل هاني عبد الله المُستشار الإعلامي والسياسي للمرجع المرحوم محمّد حسين فضل الله، ومن تونس الحبيبة الأستاذ فوزي العلوي رئيس مركز مسارات للبحوث والدراسات الفلسفية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"قالوا في السيّد محمّد حسين فضل الله" الأب أنطوان ضو أمين سر اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي.

مسلم قادِر على حَمْل الرسالة والدفاع عن قضاياه العادلة بحرية وعقلانية ومحبة، كان العالِم الكبير والمُجتهد الحكيم الذي يتحلّى بصفاء العقل والقلب والروح ورمزًا من رموز الحركة الإسلامية المعاصرة الذي كرّس حياته للدفاع عن حرية الفكر والاجتهاد والعقلانية والأصالة الحقيقية.

يحيى أبو زكريا: سيّد هاني بعد عشر سنوات من الرحيل إلى الرفيق الأعلى كيف تقرأ شخصية سماحة السيّد وأنت الذي عايشته، وكنت معه في كل دقيقة كما أعلم وفي كل ثانية وواكبت معه معظم الأحداث التي عصفت بلبنان والعالم العربي والإسلامي؟

هاني عبد الله: في البداية زميلنا دكتور يحيى دعني أشكركم، وأشكر قناة الميادين على هذه الاستضافة وعلى الإطلالة على هذه الشخصية التي أشعر كما يشعر الكثيرون بأنها لم تغب حتى بعد هذا العقد من السنوات. أشعر بأنّ هذه الشخصية لا تزال لها بصمتها، وماذا عساي أقول بعد هذا التقديم الرائع الذي لخّصت فيه شخصية سماحة السيّد في كل مجالاتها العلمية والفلسفية والأدبية والشعرية. السيّد فضل الله كان شخصية كما قيل عندما توفاه الله، إحدى الشخصيات العراقية قالت مات آخر العملاقة. أعتقد أنّ السيّد لماذا نطلق هذا اللقب على هذا السيّد؟ أنت تعرف وكما أشرت قبل قليل بعض الشخصيات تمتاز ربما بسعة إطلاعها الفقهي وغوصها في الجانب الأصولي، أو مُقاربتها للتاريخ، أو ما إلى ذلك. أمّا الشخصية الموسوعية التي كان سماحة السيّد يركّز عليها إذا أردت أن تغوص في عالم الفقه لا  من أن تعرف الحياة، السيّد كان يتميّز بهذا وهو إذا أردت أن ألخّص السيّد في كلمة واحدة أقول الحب السيّد كان يحب كل الناس، وكان شخصية أعتقد في يوم من الأيام قال لي هناك قصيدة كتبتها ذهبت، ولكنني لا أزال أحتفظ في بيت في ذهني يقول عن نفسه خلقت رقيقًا كأنّ الإله رآني من نسمة نادية أعتقد أنّ هذا الجانب الإنساني المتوجّه في السيّد ترك بصماته عليه في كل جوانب حياته حبّه للناس من جهة، واعتصاره لكل دقيقة من دقائق حياته، واعتباره كما أشرت إلى أنه كان يقول أنا أكاد أقول للمشايخ، ولمن يتعلّمون في الجانب الديني طلاب الدين، كان يقول أكاد أقول لكم كل دقيقة حرام عليكم أن تصرفوها في غير جانب التحصيل والعمل، السيّد كان يقول أعتقد هناك قصيدة يقولها سماحة السيّد في الإمام الصادق عليه السلام، وأعتقد أنّ هذه القصيدة تنطبق عليه، ونحن الآن في هذه العشر سنوات بعده يقول للإمام الصادق، ذِكراك فينا ثورة تتجدّد للفكر تستبق العصور، فتخلد ترنو إليك وأنت في ألق الضحى سر يغور ومشعل يتوقّد إلى أن يقول ماذا أصوّر من حياتك إنّها دنيا يتيه بها خيال مجهد. أعتقد أن السيّد إذا حاولت أن ألخّص السيّد هذا البيت الشعر الأخير في الإمام الصادق يكاد يلخّص هذا السيّد.

يحيى أبو زكريا: دعنا نمضي إلى تونس لنرى إفرازات ومصاديق انتشار فكر سماحة السيّد محمّد حسين فضل الله. أستاذ فوزي عادة الفكرة عندما تولَد في بيئة جغرافية معينة، وتكون قوية وذات صدى، تنتشر كما السحب كما الغيم كيف قرأتم شخصية محمّد حسين فضل الله في المغرب العربي؟ وما هي الأصداء التي وصلت من بيروت إن صحّ التعبير؟ وكيف كنتم تنظرون إلى هذه الشخصية الوحدوية التي عملت المُستحيل من أجل الجمع بين السنّة والشيعة بل قرّرت مجموعة من التقريرات لنزع الألغام وصواعق التفجير بين السنّة والشيعة؟

فوزي العلوي: شكرًا بسم الله الرحمن الرحيم سماحة السيّد إذا كان قد مات جسدًا فهو حيّ روحًا ومشروعًا وفكرة وامتدادًا ومُقاربة استراتيجية مُتكاملة، هذه القامة التي أثارت القريب والبعيد أثارت الاحترام والتقدير، ولا يمكن لإثنين أن يختلفا فيما مدى عمق وتأصّل وتفرّد هذه الشخصية الاستثنائية، فنحن في الفضاء الثقافي المغاربي مثلّت شخصية السيّد فرصة التقطها المُثقفون والشباب بالجنسين الذكر والأنثى نظرًا إلى ما تضمّنه خطاب سماحة السيّد من رؤى إحيائية تجديدية تأصيلية فهو يقوم على منظومة مفردات ومفاهيم متجذّرة في بيئتها ومشرئبّة إلى الآخر، تحاوره وتجادله وتتواصل معه اتصالًا وتواصلًا انفتاحًا وتأصيلًا، فهذه الشخصية فجمعت فأوعت فهي لا تؤمن بالقطع، بل هي تؤمن بالتواصل فهي لا تؤمن بالتجزئة تؤمن بالتكاملية فهي لا تنظر ضمن مرجعيات منهجية محدودة، وإنّما ضمن تفاعل المناهج وضمن معارف مُتقارِبة مُتداخِلة. لذلك فإنّ ما قدّمه السيّد فهو أفق لرؤية متكاملة جمعت فأوعت فعبّرت عن إمكانية لميلاد خطاب إسلامي حضاري متكامل لا يركّز على جوانب من دون أخرى، إنّما هو يستنهض الوعي ويستنهض الفكر ويستنهض الأخلاق والضمير، ويربط كل ذلك بالمرجعية الوحدانية تفعيلًا لها في الواقع العملي وفي ما يُسمّيه بالحركة الاجتماعية، وفي المدايات التاريخية من أجل كل هذا كانت هذه القامة تعبيرًا عن مشروع استثنائي ناهض هو تأصيلي أصولي يُعبّر عن تلازُم مساريّ العمل والوعي الوحي والدنيوي، هذا المسار تكاملي في عُمقه وتفاصيله وتجذّره وهو ما جعل من التقاطه لدى الشباب ولدى المُثقفين في الفضاء المغاربي، إنّما هو شكل من أشكال التلقّي الاستثنائي الأمر الذي حبّب إلى نفوسنا المقاومة والفعل الثوري والتأصيلي الوحياني والعملي للمشروع الحضاري الإسلامي المُحمّدي الأصيل.

يحيى أبو زكريا: يبدو أستاذ فوزي أنّك درست معادلة السيّد من أولها إلى آخرها بورِكت، سأعود للسيّد هاني، ثمّ أواصل النقاش مع جنابكم.

سيّد هاني السيّد محمّد حسين فضل الله ينتمي إلى جغرافيا العِلم، جبل عامل التي أنتجت أساطين العلماء والعرفان والفقاهة والأصول، ودرس أيضًا في النجف الأشرف، وكان رفيقًا لعُظماء منهم محمّد باقر الصدر، وتلميذًا لأساطين في العلم، ثمّ جاء إلى لبنان إلى النبعة ثمّ استقرّ حيث استقرّ. هذا الرجل قبل الدخول في تفاصيل فقهه، اجتهاده، مناطق الفراغ التي عبّأها حبّه للمسيحي للإنسان السنّي للإنسان بشكل عام هذه الأنْسَنة كيف تمركزت في قلب وعقل السيّد محمّد حسين فضل الله؟

هاني عبد الله: دعني أشكر ضيفك الأستاذ فوزي حقيقة استطاع أن يُحيط بهذه العناوين الشاملة حول شخصية السيّد أعود لسؤالك أستاذنا سأمرّ عليه من عدّة جوانب. كان يقول السيّد وجِدَ الدين لخدمة الإنسان، ولم يوجد الإنسان لخدمة الدين أعتقد أنّ هذه الكلمة تلخّص رؤية السيّد للدين وللإنسان في آن معًا. ولذلك السيّد كان شخصية نحن كنا نعيش معه في حارة حريك.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

هاني عبد الله: ولكن كان الجسد في حارة حريك والعقل يطوف هذا العالم بكلّه. كيف كان ينظر السيّد إلى الآخر؟ هنا محور الأساس في سؤالك هل كان ينظر إلى الآخر تحت هذا العنوان المذهبي الذي أشرت إليه في جلساتنا الخاصة كنّا مع سماحة السيّد كان يستغرب كل هذا التحشيد كل هذه الغرائزية عندما نلجأ إلى التاريخ والسيّد كان يدعو إلى الحفر في التاريخ والتنقيب في التاريخ، وليس فقط إلى أن نقرأ التاريخ فقط بطريقةٍ سطحيةٍ ونقول قال فلان وقال فلان للأسف السيّد كان دائمًا بموضوع الإنسان كان لا يتوقف عند الهوية كان يقول عندما نلتقي كإثنين، كان يقول لماذا لماذا دائمًا؟ نستحضر هذه الضدّية مع الآخر لماذا دائمًا  نلجأ من أنت من أي بلد خاصة في لبنان عندما تسأله من أية منطقة فتحاول أن تقترب من هويّته المذهبية وما إلى ذلك. لماذا نحاول أن نسأل هذه الأسئلة؟ لماذا لا نذهب فورًا إلى المشتركات التي كانت موجودة؟ السيّد كان في موضوع الإنسان يخرج من هذا الثوب المذهبي وحتى كان أكثر من ذلك كان بالنظر إلى التنوّع الموجود كان يحترم كل هذا التنوّع، ولذلك كان يقول أنا عربي وأنا مسلم وأنا شيعي وأنا لبناني، وكان يقول هذه كلها دوائر، ولكن لماذا أجعل من هذه الدوائر دوائر مُغلقة؟ لماذا لا أحاول أن أفتح هذه الدوائر على بعضها البعض؟

هذا على مستوى التنظير والفكرة، ولكن ما أريد أن أشير إليه المسألة كانت موجودة بشخصية السيّد كنت لا تستطيع أن تفصل السيّد المُتكلّم عن السيّد الفاعل عن السيّد العملي لا يمكن كنت أن تنظر إلى السيّد أنّه يقول ولا يفعل أذكر بعد وفاة سماحة السيّد اتصل بي أحد الإخوة، وقال لي صحيح حج هاني أنّ السيّد فضل الله قال على إحدى الفضائيات أبو بكر رضي الله عنه الخليفة أبو بكر قلت له نعم تعرف الجانب المذهبي، فقال كيف ذلك قلت له كيف يقول الإمام الصادق عليه السلام ولدني أبو بكر مرتين، قال هل قالها قلت نعم، قلت له لماذا عندما قتل الخليفة عمر إبن الخطاب يقول الإمام علي لله بلاء فلان فقد ذهب نقيّ الثوب قليل العيب أصاب خيرها وترك شرّها. لماذا عندما يتقدّم الخليفة عمر إبن الخطاب بالسؤال من علي إبن أبي طالب يقول له أريد أن أذهب بنفسي أن يشخص بنفسه لقتال الفرس، فماذا رأيك؟ قال الإمام علي يقول له إنّ العرب وإن كانوا قليلاً كثيرون بالإسلام شوف العرب.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

هاني عبد الله: هذه كلمة العروبة التي نحترمها جميعًا نحن لا نعتبر أن هناك هذا الفاصل شوف السيّد الإنسان المُتجرّد أن العرب وإن كانوا قليلاً كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، وقال له كن قطبًا واستدر الرحى بالعرب.

كان سماحة السيّد دائمًا يحاول مع هذه النصوص أن يستنهضها من أدبياتنا، وكان رائدنا سماحة السيّد في هذا كله القرآن الكريم أنا أريد أن أتوقّف عند أمر أشار إليه ضيفنا ولو سريعًا.

أستاذ يحيى بعض المفردات بعض الآيات القرآنية أشعر بأن السيّد استولدها طبعًا هي من القرآن الكريم، ولكن عندما كان يسأل السيّد عن الحوار مع الآخر وهذا صلب السؤال عن النظرة للإنسان كان يقول على طريقة القرآن الكريم كيف أدّب الله رسوله في موضوع الحوار، وإنّا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين أو في موقع آخر قل لا تسألون عمّا أجرمنا ولا نسأل عما تعملون أو عما تفعلون، دائمًا كان القرآن الكريم هو المُربّي الأول لسماحة السيّد.

يحيى أبو زكريا: دعني أؤكّد أنني أنا زرته مرارًا وحاورته أيضًا والله ما كان يتكلّم بلسان التشيّع أو التسنّن كان يتكلّم باسم الإسلام، مصيبة للمسلمين في لبنان ينفعل معها، مصيبة للمسلمين في مصر يتفاعل معها في السعودية يتفاعل معها في الكويت يتفاعل معها كان ينتمي إلى الإسلام الذي للأسف الشديد حوّلناه إلى شِيَع وفِرَق ومزّقناه تمزيقًا للأسف الشديد.

هاني عبد الله: في باكستان.

يحيى أبو زكريا: طبعًا سنستكمل بُعيد الفاصل مجريات البحث عن هذه الشخصية التي تحتاج ربما إلى آلاف الحلقات للوصول إلى كُنه معرفتها ودقائق علومها.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

سماحة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله.

"لقد فقدنا اليوم أبًا رحيمًا ومُرشدًا حكيمًا وكهفًا حصينًا وسَندًا قويًا في كل المراحل، هكذا كان لنا سماحته ولكل هذا الجيل المؤمِن والمجاهد والمقاوِم مذ كنّا فتية نصلّي في جماعته، ونتعلّم تحت منبره ونهتدي بكلماته ونتمثّل أخلاقه ونقتدي بسيرته، فكان لنا الأستاذ والمُعلّم والعِلم والنور الذي نستضيء به في كل محنة".

المحور الثاني:

خالد مشعل رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس.

"السيّد محمّد حسين فضل الله ليس شخصية لبنانية فحسب، بل هو شخصية إسلامية عامة يعتزّ الناس بفكره الوسطي وبسماحته وانفتاحه وأصالته ودعمه لكلّ قضايا الأمّة وعلى رأسها قضية فلسطين التي تحتلّ مساحة كبيرة في قلبه وعقله".

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نغوص في شخصيّة العلاّمة الراحل محمّد حسين فضل الله هذه القامة الوحدوية التي عملت المستحيل من أجل إقامة جسور تواصُل بين المسلمين والذي كان يرى في اجتماع المسلمين قوّة، بل وقوداً نووياً لصناعة الحضارة. أستاذ فوزي العلوي طبيعة الشخصيات الوحدوية أنها تُزَندَق، أنها تُكفّر، إذا دعوت إلى الوحدة لا قومك يرحمونك ولا أعداءكم يرحمونك للأسف الشديد. رأينا ما أثارته فتوى الشيخ شلتوت رحمة الله عليه الذي أراد أن يُقرّب بين المذاهب الإسلامية. لماذا في كلّ مرة عندما نُرزَق بعالم شخصية مجدّدة نُكفّرها، نُزندِقها،  نهينها، نتّهمها بالعمالة، نرميها بكل ما في الكون من ألفاظ قبيحة.

المرء ما دام حيًا يُستهان به ويعظم الرزء فيه حين يفتقد. لماذا أستاذ فوزي؟

فوزي العلوي: أكيد إن سماحة السيّد هو صاحب مشروع مُتكامِل، وهو بالتالي يُعبّر عن رؤية أصولية وتأصيلية فهو كما ذكرنا قد تجاوز سائر الأميّات إما هذا إما هذا وليُقدّم رؤية متكاملة تجعل من الإرث التراثي متكاملًا مع المنطوق الحضاري، واليوم تجعل من الإنسان في بُعده الكامل التكامُلي مُنفتحاً على هذه التلوينات المختلفة على قاعدة الأرضية المشتركة والكلمة السواء سماحة السيّد هو صاحب مشروع تأصيلي تجديدي أراد أن يقدّم ليس خلاصًا للمسلمين، بل خلاصاً للإنسانية فهو إذا تجاوز حتى الأبعاد الملّية والعقدية ليعبّر عن أصالة الإسلام كرسالة عالمية تتجاوز كل محدودات العولَمة وكل المُقاربات المحدودة في الزمان وفي المكان.

سماحة السيّد إذًا هو يُعبّر عن هذه المرجعية الحضارية العقلانية الوحيانية المنفتحة على العمل وعلى الممارسة وعلى التنوّع والاختلاف، سماحة السيّد أدرك أنه لا سبيل للتعبير عن عالمية هذه الرسالة في بُناها التكاملية إلا من خلال التأسيس على ما هو قائم ومشترك لدى الإنسان وهو العقل، وهو أيضًا الوجدان والقلب هذه الأبعاد المختلفة هو ما أراد أن يشير إليه سماحة السيّد حينما أسّس لمعالم الحوار ولمفهوم الحركة ولسياقات ما يسمّيه بالانفتاح ولدلالات العقل والفَهْم والتفهّم، بل والتفاهُم تأسيسًا لهذا الإنسان وهذه الإنسانية في سياق أممي وهذه الأمّة بمنأى عن الغرائزية والتوحّش لأنّها تقوم على نداء العقل ونداء الفطرة، وبذلك يكون سماحة السيّد قد سيّج وحمى هذا المشروع بثوابت الفطرة والعقل أمام هذا التوحّش وهذه الغرائزية وهذا الانفلات من عقال التدبّر والتعقّل.

لذلك تبقى المفردة الأساسية التي استند إليها سماحة السيّد هي الاإنسان والأنسي وذلك ضمن حوارية متكاملة هي حوارية الوطن والاختلاف تحقيقًا لما يُسمّيه سماحته بالإنسانية، والإنسانية هنا لا تتحقّق إلا باستحضار معالم الإنسان الكامل في حوار لسماحته وفي رسالة أبوية راقية يقول فيها يا أبنائي ضمّوا القرآن إلى الإنجيل أجراس تقرع والآذان إنسان يهفو انظر كلمة يهفو هذا الشوق هذا العرفان، هذا التخلّق إنسان يهفو إلى إنسان، وبهذا ترتفع الأوطان. إذًا هذا الردّ الحواري في سياق الإنسان بالوطني يتحقّق في سياق الإقرار بالتنوّع وبالاختلاف، يقول سماحته في مجال آخر أقول للذين يختلفون معي حاولوا ألا تحقدوا هنا نشير إلى الحقد بما هو تغييب للعقل بما هو عداء مجاني بما هو اتهام من دون برهان من دون حسّ ومن دون دليل واستحضارًا للتوحّش وللغرائزية، يقول لا تحقدوا لأن الحقد يقتل إنسانيّتكم. إذًا الحقد هو الجهل الأعمى هو نقيض العِلم والمعرفة، وهو نقيض الإنسانية يقول وأنا أشفق على إنسانيّتكم أن تقتل، وفي مقطع آخر يقول علينا أن نتعلّم هنا عبارة أن نتعلّم هي دعوة للدربة  دعوة لما هو بيتاغوجيا. إذًا علينا أن نتعلّم كيف نختلف إذًا الاختلاف هو مدرسة هو تربة هو ممارسة.

يحيى أبو زكريا: دعنا أستاذ فوزي في هذا السياق النظري نسقطه على السياق العملي الذي سيّد هاني هو شاهد عليه قلبًا وقالبًا سيّد هاني لم نسمع السيّد محمّد حسين فضل الله يشير إلى أحد ممّن تناوله بالإثم والبهتان، كتبت فيه كتب صدرت فيها فتاوى قيلت فيه مقولات لو قيلت في الجبل لانهار، قيل عنه البيروتي الضال، وقيل عنه العالِم السيّئ وقيل عنه المرجع المدّعي وقيل عنه الذي يريد أن يخرّب مذهب أهل البيت وقيل وقيل لكن في كل اللحظات كان يصمت. هذا الجانب الخفيّ في الغرف الخاصة، حدّثنا عنها يرحمك الله.

هاني عبد الله: في الغرف الخاصة هناك عنوان ثم أدخل إلى الغرف الخاصة في العنوان كان السيّد يقول في الجلسات الخاصة كان يقول لي وللأخوة الذين عاشوا معه قدوتي في كل مواقفي رسول الله.

يحيى أبو زكريا: صلّى الله عليه وآله.

هاني عبد الله: اللّهم صلّ على محمّد وآلّ محمّد، كان يقول أنا دائمًا أستحضر رسول الله في كل شيء فكيف كان ليتصرّف لو جرى ما جرى، فأنا أتصرّف بقدر استيحاء لهذا الرسول في الجانب العملي كان السيّد يتعامل مع خصومه بأكثر من أسلوب، كان يحاول أن لا ينزل إلى حيث نزلوا السيّد كان له كلمة رائعة كان يقال الغاية تبرّر الوسيلة كان يقول الغاية تنظّف الوسيلة فإذا كانت غايتك شريفة لا بد من أن يكون أسلوبك شريف، ولذلك رفض معنا أن نبادر إلى الردّ على الذين حاولوا النَيْل منه. أذكر أنّه في آخر أيام حياته كنّا نجلس معه في آخر شهرين من حياته وكنت أنا أطلّ على أسلوبه في التعامل مع الآخر من خلال هذه الكلمة للمام علي عليه السلام الذي كان يقول فيها أما والله إني أعلم ما يصلحكم، ولكن لا أرى صلاحكم بفساد نفسي. تطبيقًا لهذه القاعدة تكلّم بكلمات كان صوته مُتهدّجًا فدنوت منه وقلت له سماحة السيّد أريد أن أحصل منك على جواب ماذا قلت؟ فوضع يده على صدري وقال هذا ما طبّقته في كل حياتي بمعنى أنني لم أبادر للآخر، كما بادر كما السيّد عدوًا مثاليًا لهؤلاء جميعًا، ولكنه كان يعرف أنه سوف يكسب في نهاية المطاف وكان يقول والعاقبة للمُتّقين.

يحيى أبو زكريا: والعاقبة للمُتّقين.

هاني عبد الله: كان يتعامل مع الذين أساؤوا إليه ليس بطريقة واحدة، هناك مَن أساؤوا إليه من الذين يجهلون وكان يقول أنا مسامِح هؤلاء، حتى في البدايات أنا سألته مرة سؤالاً، وكان في درس التفسير القرآني إنّ الذين تناولوك واغتابوك قال أنا أسامح مَن اغتابني ومَن يغتابني ومَن سيغتابني ولن أكون حجر عثرة في طريق مؤمن إلى الجنة، هكذا قال عندما ذهب هؤلاء.

يحيى أبو زكريا: هذه أخلاق العُظماء.

هاني عبد الله: بالتأكيد وهذه رؤية للنهايات السيّد كان يطلّ على القرآن الكريم، ويطلّ على مدرسة أهل البيت، وكان دائمًا يستشهد بهذه الكلمة للإمام زين العابدين عليه السلام، وأما حق من ساءك فأن تعفو عنه فإن رأيت إنّ العفو عنه يضرّه انتصرت، وكان السيّد يُفسّر هذه المقولة للإمام زين العابدين لماذا يُسيء إليك الآخر لأسباب كثيرة أشار ضيفنا الكريم إلى الحقد وإلا فهناك جهل الآخر يسيء إليك من عقدة موجودة في نفسه فعليك أن تعمل لحل هذه العقدة.

يحيى أبو زكريا: على قاعدة الحسد آفة العُلماء كما قال رسول الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم.

هاني عبد الله: نعم هناك للأسف كُثُر من المشايخ كنت أنا أنقل للسيّد أن فلاناً قال عنك كذا وكذا كان دائمًا يستخدم هذه الكلمة للإمام علي اتقِ شر من أحسنت إليه. أمّا في الإطار العام السيّد لم يسمح لنا أن نصدر بيانات كما غيرنا أصدر بيانات أن نرد على الطريقة للآخرين، كان يقول إنّهم يقولون ماذا يقولون؟ دعهم يقولون وكان يلجأ إلى الكلمة الأخرى المنسوبة لجورج برنارد شو بمعنى أنّ كل ضربة لا تقتلني هي جديرة بي.

يحيى أبو زكريا: لكن سيّد هاني أرجوك ونحن ننجز هذه الحلقة للتاريخ.

هاني عبد الله: صح.

يحيى أبو زكريا: مهما كانت سِعة القلب مهما كان حلم الإنسان إلا أنّ هنالك كلمات عندما تطعن بها تشعر بالانكسار والتشظّي، قد قيل إن الإله ذو ولد وقيل أنّ الرسول قد كهن ما نجا الله وما الرسول من لسان الورى، فكيف أنا؟ هل هنالك من مقولات كانت تخدش قلبه؟

هاني عبد الله: نعم بالتأكيد السيّد كان يقول في محاضرة له أستذكر في جمعية التعليم الديني وبداية الحملة عليه وأخذ عليه البعض أنه يحاول التوهين من مذهب أهل البيت، فقال لهم منذ أكثر من 40 سنة، وأنا أحمل خشبة الإسلام على ظهري لأجل مَن يصلبني عليها أنا كل تاريخي معكم من قدّم لكم فكر القرآن الكريم، ومن قدّم لكم رسول الله، ومن قدّم لكم أهل البيت.

يحيى أبو زكريا: ومن أسّس للمقاومة والإسلام والفكر الحركي والإسلام الحركي؟

هاني عبد الله: أنا هيك محمّد حسين فضل الله هيك أنا أتذكّر في تلك الجلسة حتى من الكبار بكوا وفي بعض الجلسات الخاصة لا شكّ السيّد إنسان كما أشرت، والإنسان كل هذا البناء الذي صنعته فيكم يأتي وقت معين على طريقة ذلك السامري الذي ذهب بقوم موسى في لحظة سامرية بهذه الطريقة أنا هيك، أنا أقول فالسيّد لا شكّ ولكن كان يقول كلمة كان يقول حج هاني لا نودّ إعطاء هؤلاء لا نودّ إشغال وقتنا نحن لدينا وقت علينا أن نعمل فيه. كما أشار ضيفك وأشكر هذه الإطلال بالنهاية هذه البقعة تؤنس حواره، يؤنس أنا أقول كما أشار كان يقول بدنا نشتغل ونعمل نحن لدينا مشروع بالحياة، ولذلك السيّد كان في بعض الجلسات وهنا أريد أن أضع الإصبع على الجرح كان يقول لمجموعة، ولا ولا أريد أن أشير بالإسم هنا كنا في الحج كان يقول لهم محمّد حسين فضل الله ليس نكرة في العالم الإسلامي أنا أعطيتكم كل شيء، أعطيتكم إسلاماً، أعطيتكم ثقافة، أعطيتكم مقاومة أعطيتكم كذا، كيف تقبلون على أن يُثار ما يُثار ضدّي؟ ولكن كان يقول أنا تكليفي الشرعي تكليفي الشرعي أن استمر مع الحال الإسلامية مع الحركة الإسلامية مع المقاومة الإسلامية مع الجمهورية الإسلامية، كان يقول سماحة السيّد هناك خطوط حمر ثلاث فلسطين، الإسلام، الجمهورية الإسلامية في إيران.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

هاني عبد الله: من أيّ باب هذا هذا كان من باب حفظ الإسلام كله، ولذلك السيّد كان في الأسلوب كان يستطيع أن يتنازل إلى آخر المستويات، في ما خصّ محمّد حسين فضل الله قلت له في إحدى الحالات وكنت تشير إلى موضوع الراحة والتعب، قلت له سيّدنا يجب أن تستريح قال شوف حج هاني أنا عندما اشتغلت في العالم الإسلامي نسيت شيئًا إسمه محمّد حسين فضل الله، محمّد حسين فضل الله المزاج تخلّصت منه أنا محمّد حسين فضل الله بما ينتمي للإسلام كما أشرت. ولذلك أنا أقول إن السيّد في أسلوبه كله كان ستهدي رسول الله، وكان يستهدي أهل البيت، ولذلك بعض البصمات التي تركت خدوشًا، هنا وهناك كانت تؤثّر فيه نفسيًا، ولكن آخر كلمة أقولها لك أستاذ يحيى كم كان يأتي هذا السيّد تتحدّث عن الخصوم كم كان يأتي هذا السيّد في حياته من أناس ليعتذروا ويتسامحوا، وأذكر في آخر أيام حياته تقدّم مُعمّمون بعضهم عمامة سوداء وبعضهم عمامة بيضاء تقدّموا منه وقال أحدهم سيّدنا تناولناك نحن أخطأنا معك سيّدنا أرجو المسامحة فرفع يديه على هذه الطريقة أنتم أولادي أنتم أحبّتي سماحكم الله.

يحيى أبو زكريا: على كل حال دعنا نذكر بمقولة علي عملاق الإسلام علي إبن أبي طالب يقول كفّارة المُغتاب أن يستغفر للذي كان يغتابه، ويكفّ عن الغيبة وقبل الذهاب إلى تونس أعطيك تفسير كل المُفسّرين سنّة وشيعة لقوله تعالى هاكم اقرؤوا كتابي أنّي ظننت أني ملاقٍ حسابيه. يقال هذا قبل أن يدخل إلى الجنة يؤتى ملفات من الحسنات، فيقول يا ربي أنا ما فعلت هذه الحسنات، فيقول تعالى يا عبدي هذه حسنات مَن اغتابك مَن نمّم ضدّك مَن حسدك مَن  كتب فيك تقريرًا، مَن أراد انكسارك، مَن أراد سقوطك، أخذنا من حسناتهم إليك فادخل إلى الجنة بحسناتهم. فهم الأغبياء فهم الأغبياء والذي يسلّم أمره لله هو المنتصر في الدنيا والآخرة. أستاذ فوزي العلوي ذكرت في المقدّمة أنّ سماحة السيّد حاولت المخابرات الأميركية اغتياله سنة 1985 وقتلت مئة إنسان مسلم ومسلمة في بئر العبد في الضاحية الجنوبية. وأيضا أتذكّر كان بيني وبينه موعد في تموز فذهبت إلى حيث يسكن فقال للإخوة الحرّاس يا أخ يحيى هذا المبنى دمّرته إسرائيل في تموز 2006.

إذًا كان عقله مستهدفًا أميركيًا وإسرائيليًا، ولعلّ هذه العداوة الحقيقية لأنّ بعض المسلمين عندما يسبّونه ويحسدونه هذا من غبائهم وسفاهتهم، لكن الأميركان والصهاينة هم من أدرك فعالية هذا العقل ودينامكية هذا الفكر. ما الذي تقوله في ذلك؟

فوزي العلوي: سماحة السيّد مثّل امتدادًا لهذا التقليد الثوري في مرجعيته الكربلائية الحُسينية الأصيلة وضمن تلاقي ثوري تمثل في الثورة الإسلامية الإيرانية ورمزها الأسمى الأمام الراحل الخميني قدّس سرّه. كذلك هناك لقاء ثان بسماحة السيّد وهو المرجع الشهيد محمّد باقر الصدر.

يحيى أبو زكريا: رحمة الله عليه.

فوزي العلوي: رحمة الله عليه الذي تتلمذ على يديه وأخذ عنه العدّة والعدد في بلورة هذه المُقاربة التكاملية لسماحته، كذلك سماحة السيّد ينتمي إلى إرث لبناني أصيل فهو امتداد الإمام المُغيَّب السيّد موسى الصدر أعاده الله سالمًا مُعافى.

إذًا فسماحة السيّد هو امتداد لتيار إصلاحي أصيل عميق واعٍ بمدى جسارة ما يدعو إليه وما هو متوثّب لبلوغه ولتحقيقه، إذاً سماحة السيّد عبّر عن رسالة عظيمة هذه الرسالة تلتقي مع عُمق الحوزة والمرجعية في تقليديتها، لكنه يتجاوزها إلى عملية إحياء لمقاصدها نحو اتخاذ معالم عملية وحضارية شاملة مُتكامِلة، إذًا سماحة السيّد يُعبّر عن هذا الأفق المُتجدّد الصافي عن هذا النبع الأصيل الذي فيه توازن لسائر الأبعاد الإنسانية من عقل وقلب ووجدان وإحساس، لذلك كانت إبداعات السيّد تراعي هذه الفنون فهو شاعر، وهو مُفسّر، وهو أديب، وهو خطيب، وهو سياسي، وهو بحق هو مُجدّد وهو أيضًا مُصلِح، وهو رمز لمدّ هذه الرسالة، ولمثل هذا الثبات فهو لديه إذًا تابويات ومُحرّمات لا يجب نسيانها أو تناسيها. فهو يعتبر المقاومة خطاً أحمر، يقول كل صوت يُرفَع ضد المقاومة يمثل انتصارًا لإسرائيل فهو لا يُهادن الكيان الصهيوني، ولا الاستكبار الأميركي. كذلك هو يدافع وينافح عن الجمهورية الإسلامية وعن مشروع الثورة الإسلامية وعن مشروعيّة المقاومة، وهو الحاضن لهذه المقاومة وأبوها الروحي بل هو أب كل ثائر وفقير ويتيم. إذًا هذه القامة البارِعة هي التي حضنت للإسلام والمسلمين هذا التميّز.

يحيى أبو زكريا: أستاذ فوزي عندما سُئِل السيّد حسن نصر الله حفظه الله عن الأساتذة الذين أثّروا فيه فقال هم السادة الخمس السيّد موسى الصدر، السيّد محمّد حسين فضل الله، السيّد محمّد باقر الصدر، السيّد الإمام الخميني، والسيّد علي الخامنئي. فلا شكّ أنّ السيّد محمّد حسين فضل الله كان واحدًا من مداميك المقاومة الإسلامية في لبنان، وربما يُتاح لنا مستقبلًا أن نكشف كل الأوراق وساعتها سنتكلّم ليعي الذين يتناولون هذا الرجل أنّ له فضل كبير على المقاومة الإسلامية. سيّد هاني السيّد فضل الله كان يُدغدِغ الكلمة، وكان يعبث بشعرها اللزردي وكان إذا دعا الكلمة تأتيه راقصة مُتراقِصة عرفناه شاعرًا، ماذا عن هذه الجبّة في شاعرية السيّد محمّد حسين فضل الله ولديه ديوان جميلٌ جدًا.

هاني عبد الله: للسيّد أربعة دواوين ديوان على شاطئ الوجدان، ديوان قصائد الإسلام والحياة، يا ظلال الإسلام، وفي دروب السبعين آخر كتاب له. طبعًا السيّد الشاعر مظلوم، كما أن السيّد الفقيه مظلوم كما أنّ السيّد السياسي مظلوم أنا أزعم أستاذ يحيى أنّ السيّد لم يبحث إلى الآن لا يزال هذا الفكر بكرًا، ولماذا؟ لأن السيّد تكلّم في كل شيء تقريبًا أريد أن أعطف على هذا.

يحيى أبو زكريا: دعني بصراحتي المعهودة أنا أدعو الذين ورثوا خطه أن يولوا أهمية لإرثه الفكري، أنا أدعوهم بصريح العبارة وحرام حرام نحن في العالم الإسلامي عندنا مُفكّرون عمالقة، لكن عندنا ورثة مقصرّون محمّد باقر الصدر أين هو؟ ضاع فكره، السادة كثر لا أستطيع أن أذكر الجميع، لكن نحن الوَرَثة مُقصّرون مُقصّرون.

هاني عبد الله: أنا معك تمامًا دكتور، وأنا أقول ربما ربما ميزة سماحة السيّد رضوان الله تعالى عليه أنه ولا أريد أن أقلّل من أهمية الآخرين على الإطلاق.

يحيى أبو زكريا: طبعًا عندما قلت الوَرَثة لا أقصد أولاده أقصد الحال الإسلامية.

هاني عبد الله: الوراثة الثقافية والفكرية ووراثة المشروع وأنا معك تمامًا، ولكن ربما للسيّد ميزة خاصة، ولست أقول هذا من باب الدنو من سماحة السيّد لأنه عاش في قلب الناس في وجدانهم كان لصيقًا بهم في كل شيء، وأنا أذكر حتى في إحدى الجلسات مع سماحة السيّد حسن نصر الله قال له أنا أنصحك أن تعيش مع الناس كلّما دنوت من الناس أكثر كلّما عرفت أنا محمّد حسين فضل الله تعلّم من الناس هذه الكلمة حتى بالعراقية.

يحيى أبو زكريا: كان يستقبل الأيتام ويستقبل الفقراء.

هاني عبد الله: دعني أرجع إلى ما أشرت إليه كان يستقبل كل الناس، ولم يكن هناك من شخصية في العالم من السهولة الدخول إليها كما كان من السهولة السيّد فضل الله، وحتى الأستاذ غسان بن جدو في بعض الجلسات كان يأتي إلى السيّد في السابعة صباحًا يمكنك أن تسأله وكان السيّد يخرج من بيته إلى الصالون ويجلس إليه. أنا أريد أن أقول نعرّج على الجَنَبة الشعرية إن صحّ التعبير.

يحيى أبو زكريا: وأيضًا كنّا إذا دخلنا إلى بيته لا أحد يفتّشنا على أساس الضمانة الأمنية مُتحقّقة.

هاني عبد الله: بالطبع ولا شكّ، وأودّ القول السيّد كان شاعراً ملتزماً هو يقول ما قيمة الشعر إن لم يبنِ مجتمعًا حرًا تسير على منهاجه العصر، كان يريد للشعر كان يستخدم الشعر في رسالته الإسلامية أريد أن أسرع في هذا الجانب وأكثر من ذلك كان السيّد يستخدم الشعر في العلاقة مع الآخر في الاقتراب من الآخر في الدنوّ من الآخر. أنا أذكر في عزّ الحملة عليه كان يخاطب والده في بعض الأشعار، يقول له أنت علّمتني السماح أما هزّ العنف ساحة الإخواني قلت لي أن للمحبة عمقًا أريحيًا في لهفة الإنسان قد يعيش الأشرار طهر الينابيع بعيدًا عن وحلة الأدراني أشرق الحب روحه في نجاواهم فللخير شهقة في المعاني.

هذه شهقة.

يحيى أبو زكريا: بقي شيء واحد وكُليمة آخر كلمة تلفّظ بها وهو في مشفى بهمن ونحن زرناه في تلك المرحلة العصيبة جدًا ما الذي قاله؟ وهو يُسلّم الروح لحاملها من الملائكة؟

هاني عبد الله: قال السيّد لن أرتاح حتى تتحرّر فلسطين لن أرتاح حتى تسقط إسرائيل آخر كلماته وآخر وصاياه كانت كلمتين كلمة في فلسطين وكلمة في الوحدة الاسلامية، قال لنجله قال له ابقوا على نهج الوحدة الإسلامية، ولا تتخلّوا عن هذا النهج أنا عشته في كل حياتي.

يحيى أبو زكريا: إذًا الوصية الأساس حفظ المقاومة رحمه الله تعالى وتقبّله الله في من عنده. السيّد هاني عبد الله المستشار السياسي والإعلامي لسماحة السيّد رحمة الله عليه شكرًا جزيلًا لك أمتعتنا. السيّد فوزي علوي من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن القاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدا ودائعه.

شكرًا جزيلًا سيّدنا العزيز.

المتروبوليت باسيليوس منصور مطران عكار وتوابعها للروم الأرثوذوكس العلاّمة فضل الله مثل كل اللبنانيين في فكره نصيرًا للحق مُطفئًا الفتنة وما ذلك إلا لأنه كان منفتحًا على العِلم كل العِلم من غير أن تتغيّبه علوم الدين ضمن شطآنها كما فعلت بغيره، أو كما فعل غيره بها إذ حدّها برنم محدوديته وجعل لها شاطئًا لا أمان فيها لأحد.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل