الهوية المشرقية

الهوية والوعي الجمعي في تبديات الاستراتيجية المشرقية وأهمية الفكرة المشرقية عملانياً في حماية المنطقة وازدهارها وتحصين مستقبلها. ما هي معوقات قيام الهوية المشرقية وأسبابها، والخلاصات وموجباتها؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: مساؤكم خير، قبل أكثر من عشر سنوات كانت المشرقية نقطة حوارٍ بيني وبين الأستاذ أنيس النقاش، وكان له رأيٌ في تاريخيّتها وامتدادها الجغرافي ومسألة الهويات، وقبل خمس سنوات أصدر كتابه "الكونفدرالية المشرقية، صراع الهويات والسياسات" وأوضح فيه وعبر خطابٍ بحثي مُسهَب رؤيته للمشرقية، وحدّد فيه صراع الاستراتيجيات والإقليم وصراعاته والطريق إلى الكونفدرالية المشرقية وخَتمه بفصل "حِكمٌ مشرقية". بعد هذه الهجمة منذ أكثر من عشر سنوات على بلدان المشرق بات التعاون المشرقي قَدَراً لمَن يسعى للخروج من إسار التفتّت والظلم والفقر في هذه المنطقة من العالم، وعندما باتت أقدامٌ كثيرة تخطو على سكّة المشرق أوعزت أميركا لزبانيّتها وزرازيرها في لبنان لإطلاق النار الإعلامية على الفكرة وعلى تنفيذها، وهنا يتساوى مَن يرفض الفكر المشرقي عن جهل وتعصّب مع بُغات أميركا، قبل الحوار مع أنيس النقاش تقريرٌ عن الكتاب.  

تقرير: 

الكونفدرالية المشرقية، الفدرالية في تعريفها هي رابطةٌ تضمّ دولاً مستقلة ذات سيادة تفوّض بموجب اتفاق بينها بعض الصلاحيات لهيئات مشتركة بغية تنسيق سياساتها في مجالات عديدة من دون أن تشكّل هذه الرابطة دولة أو كياناً.

اختار أنيس النقاش لكتابه إسم "الكونفدرالية المشرقية" مُضيفاً إليه "صراع الهويات والسياسات" على وَقْع ما يحدث في بلدان المشرق العربي: سوريا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين التي قُسّمت في سايكس بيكو وعانت وما تزال من واقع تجزئة المُجزّأ ومن الحروب الخارجية والداخلية، وفيه يتحدّث عن صراع الاستراتيجيات في قلب المنطقة وعليها، ويتطرّق إلى الدور التركي التدميري، ثم يدخل إلى الإقليم وصراعاته وانزياحات حدوده وارتسامها بين الهبّات والدماء، وعن مرحلة التحرّر الوطني وتدمير الأمن الإقليمي والتدمير الذاتي في الحروب الداخلية، ويناقش مسألة الديمقراطية والعلمانية والخلاف بينهما.  

في فصل الطريق إلى الكونفدرالية المشرقية يتحدّث عن استراتيجية بلاد الشام والهوية والوعي الجَمْعي في المشرق وعوامِل الضعف والانحطاط في الهويات، ويأتي إلى موقع الإقليم في العولمة والصراع على دور القيادة بين دوله وإلى النظم السياسية مُستعرِضاً بعض التجارب والاتحادات الإقليمية ومنظمات التعاون الدولية.

أفرد الكتاب القسم الأخير لعنوان "حِكَمٌ مشرقية" تطرّق في جزءٍ منه إلى المسألة الدينية والدولة الإسلامية ذاهباً إلى استراتيجية تصحيح المسار، ويُنهي الكتاب برسم صورةٍ للكونفدرالية المشرقية بعد عشرة أعوامٍ من قيامها المفترض.

غسان الشامي:  تحيّةً لكم، أهلاً بك أستاذ أنيس النقاش ضيفاً عزيزاً، سيّدي لماذا ذهبتَ إلى الكونفدرالية في المشرق؟ ماذا تعني في ظل الخصوصيات الكثيرة لدوله؟ 

أنيس النقاش: أنت بدأت بالحديث التاريخي الذي جرى بيننا في دمشق قبل الأحداث بكثير ولكننا كنا نستشرف ما هو قادم من المآسي التي نراها اليوم، وهذه علامة مُضيئة على أن المُثقّف المُلتزِم عليه أن يستشرف مخاطر ما يمكن أن يحيط بأمّته ويُحذّر منه مُسبقاً لا أن يوصّف الأحداث فقط أثناء وقوعها، وهذه إشارة مهمة جداً وهي حضّرت هذه الأفكار. لماذا المشرقية؟ أولاً لم تعد هناك ضرورة اليوم للبحث عن المآسي التي نمرّ بها، حروب داخلية، اقتتال، كلها تختبئ وراء هويات والسياسة فيها هي من النذر القليل، من التجميل وليست هي الجوهر، إذا كان هناك حراك كردي فهو لأنه هوية كردية مُصطفّة من أزمتها مع الهوية التركية والهوية القومية العربية في بعض الأماكن. إذا كان هناك صراع سنّي - شيعي فهو ليس على السياسات بقدر ما هو على أوهام الهويات وهكذا دواليك. عدوّنا وخصومنا يدرسون هذه المسائل وهي لا تأتي اعتباطياً، يدرسونها بسيكولوجيّة عِلم الاجتماع الجماعي، قدرة التأثير وأخطر أنواع التأثير هوما نموذج ميلغرام الشهير الذي يأتي بسلطة تستطيع أن تسيطر على الأفراد والجماعات تحت عنوان أن الغد سيكون جنّة من الجنّات ولكن تحت هذا الهدف الكبير الجميل يمكن أن ترتكبوا الفظائع والجرائم، وهذه التجارب التي أُجريت الآن تُطبّق على أمّتنا، والسلطة لا تأتِ من قائدٍ بل قد تأتي من محطة تلفزيونية أو من وسائل الإعلام أو من بعض الأحزاب، قد تأتي من عدّة أطراف، من منظومة دولية تضخّ مواقف وإعلاماً فتؤثّر على طريقة تفكيرنا، ولذلك كان الهدف هو دراسة نقاط ضعفنا، كيف يتحرّك العدو وما هو المخرج لأن المشكلة ليست فقط في أن توصّف أن لدينا نقاط ضعف، أنهم يريدون أن يفعلوا ذلك، ما هو المخرج؟ كيف يجب أن تفعل؟ يومها اتّفقنا على أن الهوية الجامعة يجب أن تكون المشرقية، بمعنى أن نجمع ما يريدون تفريقه وأن نخفّف من الصراع.  

غسان الشامي: أنا أتذكّر ذلك واتّفقنا على أن نخرج من صراع الهويات إلى مدى الجغرافيا الحاضن لكل هؤلاء، وأعتقد أنك ذكرتَ أنطاكيا وسائر المشرق، استللنا كلمة سائر المشرق لنتكّلم عن هذا الموضوع حسب ما أتذكّر. 

أنيس النقاش: صحيح وكان المنطلق أنه لماذا يسمّونها من هذه النقطة أنطاكيا وسائر المشرق كلّه تحت كنيسة معيّنة ولكن هذه الكنيسة كانت تاريخاً، لم تكن فقط فريقاً أو مذهباً. أنت تذكّرني الآن بأن زيارة أنطاكيا تكفي لكي تصفع الجميع في وجوههم على أهمية الجغرافيا، عندما تشاهد نهر العاصي الذي يأتي من لبنان ويمرّ في سوريا وينتهي في هذه البقعة الجميلة وتعرف أن الجغرافيا متّحدة، والعديد من المُفكّرين السياسيين للأسف يُغيّبون الجغرافيا وأهميّتها في حركة التاريخ وحركة الحاضر، وبالتالي هذا نوعٌ من العَوَر في الفَهْم السياسي، الجغرافيا مهمة جداً لأن فيها الخيرات وفيها الثروات.  

غسان الشامي: المفهوم النابليوني قَدَر.   

أنيس النقاش: لا شك في ذلك وكل شيء يتغيّر في التاريخ وفي الحاضر وفي المستقبل إلا الجغرافيا الأساسية لا تتغيّر، لا تستطيع أن تنقل قارّة من منطقة إلى منطقة أو تنقل الجبال من منطقة إلى أخرى، تستطيع أن تفتح قناةً، تستطيع أن تفتح أوتستراداً ولكنّك لا تستطيع أن تغيّر الجغرافيا الحقيقية خاصة في ثرواتها الموجودة في باطن الأرض، وعندما أقول ثرواتها في باطن الأرض وخارجها فإن حروباً تجري من أجل هذه الثروات، وبالتالي هذه جزء من حركة التاريخ. إذا لم نكن نستطيع أن نستشرف المستقبل، إذا كان لديّ نفطٌ وهو مهم جداً وبعد فترة وجدوا شيئاً أهم من النفط عندها لم يعد مهماً بتاتاً، وإذا كان النفط مهماً ثم يأتي الغاز في بلدانٍ أخرى، كل هذه المسائل مرتبطة بالجغرافيا وببواطنها وبثرواتها الطبيعية ولا ترتبط بالأيديولوجيا أو بالهويات. الآخرون يركبون على الوجود، حتى الاعتقادات الدينية ربّ العالمين أشار إلى ما هو في الوجود من كونيات ومن جغرافيات ومن مخلوقات لكي يدلّنا على الحقائق الكبرى، فنحن نقفز أحياناً عن كل هذه المسائل من أجل الحديث عن صراع هويات لا يؤدي إلى صراع الأفراد في ما بينهم.

غسان الشامي: أنت تتحدّث عن الكونفدرالية بمعنى كنوع من الاتحاد ولكن هناك أصوات ما زالت تعلو وتحديداً في لبنان وفي العراق تحذّر من الكونفدرالية وتريد الذهاب إلى الفدرالية والبعض قد تَفْدَرل، ما الفرق بين أن تكون كونفدرالياً وأن تكون فدرالياً ضمن المدى الجغرافي الذي تكلّمنا عنه؟ 

أنيس النقاش: هناك نقزة كما يقال، البعض يخاف من كلمة فدرالية وكلمة كونفدرالية لأنه يذهب فوراً إلى تقسيم الموجود، يعتقد بأن الفدرالية ستحصل في القطب الواحد أو الكونفدرالية بين الطوائف، بينما لو قرأ وعرف ما هي النظرية، هي بالعكس تعيد ما كان موحّداً على مرّ مئات السنين. هذه المنطقة التي نتحدّث عنها كانت تعيش لمئات السنين تحت نظام إمبراطوري، إذا درسنا التاريخ من خلال هذا الملك أو ذاك فهذا مقطع من التاريخ، ليس هذا هو التاريخ، هذه القومية التي حكمت حتى لو حكمت 400 سنة من مساوئها أو من إيجابياتها، هذا أيضاً جزء من التاريخ ولكن المجموعة الكلّيّة أن أكثر من ثلاثة أو أربعة آلاف سنة هذه المنطقة تعيش تحت حُكم إمبراطوري، عندما أقول إمبراطوري أن القبائل والشعوب تتزاوج، تذهب، تأتي، تختلط، أديان تخرج، فإذاً هناك حركة حضارية مشتركة، لا يمكن أن يعتقد البعض أنها كانت منفصلة، لم يكن هناك غيتو بمعنى الغيتو المُتعارَف عليه في الغرب بأن تُحصَر مجموعة في زواريب مُعيّنة وتقول ممنوع عليك الخروج، كانوا دائماً يتلاقحون في الثقافة وفي الأفكار. إذا كانت هذه هي الحقيقة التاريخية فمن مهمّتنا إعادة بعث هذا المفهوم لتوحيد هذه الحضارة، والكونفدرالية هي عمل إيجابي لأن كل عمل توحيدي هو عمل إيجابي، كل عمل يُجمّع هو عمل إيجابي، العمل السلبي هو العمل التفكيكي الذي يضع القوميات في مواجهة بعضها.  

غسان الشامي: الفدرالية في جزء منها تفتيتية.   

أنيس النقاش: نعم عندما تكون جزءاً من قُطر وتريد أن تجعل داخلها فدرالية فهو أمر تفتيتي كما يحصل في العراق، العراق الآن لا يُعرَف إذا ما كان قائماً على أساس القوميات أم على أساس المذهبيات، وأكبر دليل على كذب ما يحصل في المنطقة وعلى أنه هناك تلاعُب هو العراق، لماذا؟ إذا كانت حركة الحضارة التاريخية الحالية قائمة على مفهوم القوميات كما كانت قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية وأدّت إلى حربين عالميتين بمعنى ظهور مفهوم القومية في أوروبا والذي نحن ورثنا جزءاً منه بعد ذلك، فعلى العراق أن يكون ضمن هذه الهوية فيصبح التناقُض في العراق بين قومية عربية وقومية كردية. إذا كان الصراع هو صراع مذهبي فيجب أن ينقسم العراق ما بين سنّة وشيعة في حين أنك تجد الضغط الإعلامي والسياسي الغربي الذي يُمسك الإعلام حتى لو كان عربياً، اليوم 80% من الإعلام العربي مموَّل بالبترودولار هو موظّف عند الأميركي يقول له ما يجب أن يقوله وما يجب أن يُثقّف وما يجب أن يتآمر على الأمّة كلّها، وبالتالي تجد أنهم فكّكوا العراقيين إلى كرد والعرب أصبحوا مكوّنات سنّية شيعية، لماذا هنا قومي وهنا مذهبي؟ وهذا هو المقصود من ألا تكون هناك وحدة بين العرب و ألا يكون التناقض قومياً عربياً لأن هذا يُعيد مفهوم القومية العربية الذي ضربوه، هم لا يريدون أن ينجح ذلك فتختلط الأمور، هنا يقتتلون مذهبياً وهنا ينفردون وتكون الكونفدرالية داخل القطب. ما نتحدّث نحن عنه هو جمع العراق مع تركيا، مع إيران، مع سوريا، مع لبنان وإعادة إيقاظ المشرق على أن هناك وحدة حضارية مُعيّنة وثقافة مُشتركة، وأن الثغرات في السلبيات التي كانت من هذا الرئيس أو من تلك الحكومة حتى لو كانت في فترات 40 أو 50 سنة من الحُكم لا يجب أن تؤثّر بنا، يجب أن ننظر إلى المستقبل.

غسان الشامي: ولكن يجب أن نعترف أيضاً أستاذ أنيس أن حجم الخلافات يقع ضمن فالقٍ تاريخي، هذا المشرق مكوَّن في طبيعته رغم كل هذه السنوات وتحت حكم الإمبراطوريات من قبائل وعشائر ومذاهب وطوائف وقوميات وأيضاً حركات طارِدة وانفصالية وحركات جوّانية وحركات سرّانية، هنا كيف يمكن لفكرة جمعية كالفكرة المشرقية أن تجمع هذه البلدان المُسمّاة مشرقاً منذ 1514 التي أطلقها الطليان Le Levant، كيف يمكن من ضمن ما سمّيته أنت الكونفدرالية المشرقية؟ 

أنيس النقاش: الأعداء والخصوم يعتبرون أنه لا يمكن ترتيب ما يريدون ترتيبه إلا من خلال التفكيك بدايةً كما نظرية الكيمياء وكما نظرية الفيزياء، يجب أن تُدخل مكوّناً يضرب ما هو موجود من أجل إعادة تركيبه، إما الحرارة وإما البرودة وإما الصَدْم وإما الكهرباء، أي شيء من أجل التغيير، ولذلك يفتعلون الحروب الداخلية من أجل إعادة صوغ المفهوم. نحن يجب أن نستفيد أي أن نحوّل العامل السلبي أو التحدّي إلى فرصة، هم الذين فرضوا علينا هذا الانسياب الكبير من السيولة من الاقتتال ومن ضرب المفاهيم. فإذاً المنطقة ليست متجانِسة وليست مُتماسِكة، كما العدو يريد إعادة صوغها يجب أن نكون أسرع منه من أجل إعادة صوغها، لذلك أنا أجد أنه تحت الدماء والعذابات والهجرة لماذا اخترت أنا هذا الغلاف، هجرة شعوبنا بالملايين، نحن نتحدّث عن ألفي مهاجر أصبحوا بالملايين في بلاد المهجر أو على قارِعة الطريق أو غرقوا في المياه، هذا شيء يجب أن يصدمنا ونقول من أجل ماذا حصل كل ذلك؟ تحت هذه السيولة الحامية جداً يجب إعادة صوغ المفاهيم، إذاً هذه فرصة جيّدة للصياغة. الصياغة الثانية هي تحويل مفهوم التقوقع حول الهويات الضيّقة إلى مفهوم السياسات الواسعة، بمعنى أن العالم كيف يتحرّك في كل الإقليم اليوم؟ كل جماعة عندما يذهب الأمن المركزي، عندما تنهار مركزية الدولة تخاف الجماعات وتلجأ إلى زواياها من أجل أن تدافع عن نفسها. هذا انحدار وانحطاط من أجل إعادتها إلى المفاهيم الإيجابية، يجب أن نطرح سياسات تجميعية يشعر الجميع معها بأن الفائدة ستعمّ على الجميع، بمعنى إذا أردنا أن نقوم بنهضةٍ صحيةٍ هل هناك صحة للشيعي غير السنّي أو للمسيحي غير للمسلم أو للكردي غير العربي، إذا أردنا أن نقوم بنهضة تعليمية، فإذاً عندما نبدأ بالحديث عن التنمية نبدأ بالحديث عن الأمن الإقليمي ضد التوغّل الغربي لأن الغرب هو الذي يلعب بالجميع، ولذلك نضع هذه الأمور بسياسات لا بالغرق في الهويات أما إذا لم يكن هناك سياسات سيبقى الاقتتال حول الهويات، فإذاً هناك سيولة من خلال الدماء وحرارة الانفجار الذي حصل، يجب إعادة تكوين المنطقة ولدينا خطة بناء السياسات الإيجابية من أجل تقريب وجهات النظر.   

غسان الشامي: أستاذ أنيس إذا سمّينا دول المشرق وأخذنا المشرقية على قاعدة المصلحة التي هي الآن في كل أرجاء العالم تقود التحالفات السياسية وتقود الكونفدراليات وتقود كل تواصل، مصلحة أوروبا قبل عشرين عاماً كانت في ما رأيناه في الاتحاد الأوروبي، إذا أخذناها كمثالٍ صغير من هذا المشرق، لبنان وسوريا والعراق والأردن وفلسطين، ما المصلحة من كونفدرالية مشرقية لهذه البلدان؟

أنيس النقاش: الأولى تحرّر وطني من الهيمنة الغربية الاستعمارية، الاستعمار القديم لم يترك المنطقة، نفوذه لا يزال، الاستعمار الجديد المُتمثّل بأميركا ضاغط بقوّة على المنطقة إما مع حلفائه لأنه يشغّل العرب على حسابه ضد بقيّة العرب، يموّلون الحروب، يخرج وزير الخارجية ورئيس الوزراء ليقول دفعنا 130 مليار دولار لتدمير سوريا، هذا لمصلحة مَن؟ هل هو لمصلحة هذه الجزيرة التي إسمها قطر؟ أبداً هذا بأمر أميركي. أولاً التحرّر الوطني لمصلحة الجميع وإذا لم نقتنع بأننا لن نقف على أرجلنا إلا بتحقيق التحرّر الوطني فهذه مصيبة. ثانياً نحن بالأرقام وبالإحصائيات مُتخلّفون جداً عن الحركة الحضارية في العالم، وبالتالي إذا كان لديك مئة كتاب مُقدّس ومئة عقيدة دينية ولكنك في آخر السلّم الحضاري فأنت بنظر ربّ العالمين كل صلواتك وصيامك وعباداتك لا تزن شيئاً في الحركة الحضارية، لأن الكثير من المؤمنين يظّنون أن الحركة الحضارية شيء ليس له علاقة بالخالق، الخالق لم يوجِد الخلق إلا من أجل الحركة الحضارية، هذا هو مفهوم الاستخلاف في الأرض، هذا الوَهْم بأن ديني جيّد ولكنني مُتخلّف هو أكبر تحدٍّ لك. فإذاً أولاً التحرّر الوطني، ثانياً هذا التحدّي الحضاري بكيفيّة النهضة، هل يستطيع لبنان أن ينهض وحده؟ هل تستطيع سوريا أن تنهض وحدها؟ هل يستطيع العراق أن ينهض وحده؟ ونحن نجد أن كل أوروبا، دولة عظيمة كألمانيا ودولة عظيمة كفرنسا وجدتا أنهما صغار أمام التحدّي الأميركي – الصيني، وإن لم تجمعا نفسيهما في أوروبا عندها ستكونان على قارِعة الطريق، لماذا فَهِمَ الآخرون ونحن نريد أن نبقى بعيدين عن هذا؟   

غسان الشامي: لماذا؟   

أنيس النقاش: بسبب التخلّف بالوعي السياسي وبالخطاب السياسي. 

غسان الشامي: وبالبنية الفكرية والاجتماعية.  

أنيس النقاش: الفكر متمركز حول الهوية الصُغرى، حتى في الدين مَن يدَّعي أن الدين شيء عالمي يقول إن الإسلام رحمة للعالمين، حتى رجل الدين ولا أتحدَّث هنا عن المواطن العادي عندما تحكّه تجده زُنبركاً في مذهب، في فرقةٍ من مذهب، في مجموعةٍ من فرقة من مذهب وهو مُتعصّب لهذه الجماعة، هذا لا يبني حضارة أو تقدّماً، هذا لا يصنع إنسانية ولا تحرّراً وطنياً، هذا يخلق أزمات كما تتفرقع الفيزياء عندما يوضع لها التيار الكهربائي، وبالتالي إعادة بناء هذا الفكر هو المطلوب وهذا ما كتبناه في هذا الكتاب.

غسان الشامي: تتحدّث في الكتاب عن الهوية والوعي الجَمْعي، إذا تحدّثنا قليلاً عن الهوية فالوعي الجَمْعي هو سُلّم، هو الحمّالة التي تشكّل مُلخّصاً لهويةٍ ما لبلدٍ ما، كيف يمكن تشكيل هوية ووعي جَمْعي انطلاقاً من كونفدرالية مشرقية أستاذ أنيس النقاش؟  

أنيس النقاش: ليس همّي بناء الهوية، الهوية تأتي بعد بناء السياسات وهذه حركة التاريخ، العالم يظنّ أن فرنسا ظهرت هويّتها لأن هناك مجموعة مُتفكّرين اجتمعوا وقالوا لقد اكتشفنا هويّتنا، هذا غير صحيح. الثورة الفرنسية بعَظَمَتها هي التي جمعت الفرنسيين وقالوا لدينا شيء مهم وصنعت عَظَمَة فرنسا، الثورة الصناعية هي التي صنعت عَظَمَة بريطانيا، لو بقي البريطانيون يغنّون ليلاً نهاراً الفلكلور والموسيقى والشعر وأدب شكسبير ولكن من دون نهضة صناعية ومن دون قدرة على بناء السفن واحتلال العالم، ماذا كانت ستكون إنكلترا؟ لا شيء، كانت بقيت هذه الجزيرة المُتخلّفة عندما كانت إمبراطورية المغول في عَظَمَتها وتنظيماتها المُتقّدمة جداً يتقاتلون، فإذاً هناك حركة سياسية تسبق الهوية، الهوية تأتي لتتويج حركة مُعيّنة، هذا ما نريده، علينا أن نقوم بحركة، بسياسة، بمشاريع، بأفكار جديدة، عندها يُتوّج  أن هؤلاء الذين فعلوا ذلك إسمهم المشرقيون ولكن أنا لا آتي اليوم لأقاتل أو لأطالب بهوية مشرقية ضد الهوية القومية العربية كما يظن البعض، أنت تذوّبني، أنت ذائِب أساساً ومُتقاتِل ومُتقسّم ووضعك "بالويل"، أنا أوحّدك مع الآخرين، أخفّف التناقُضات في ما بينكم من أجل أن أجعل من هذا الإقليم، وتجدر الإشارة إلى أن منظومة الأوراسية اليوم لألكسندر دوغين، تنظيرات روسيا مع الصين، عن ماذا يبحثون؟ يبحثون عن وحدات تاريخها مشترك إما بالحضارة وإما بالفكر والثقافة من أجل أن يبنوا عليها منظومة اقتصادية قوية، ويعتقدون أن مجموعة من المنظومات الاقتصادية الاجتماعية التاريخية يمكن أن توازِن الأمن الدولي، وإلا التفرّد الأميركي بالقطبية كان يؤدّي إلى استعبادهم جميعاً.   

غسان الشامي: على الرغم من محقوقيّة الكلام الذي تقوله هل الكونفدرالية المشرقية هي بديل عن صراعات الهوية الدينية والعِرقية التي اعتملت طيلة مئات السنوات في هذه المنطقة من العالم؟ هل هي حجّ الخلاص؟

أنيس النقاش: تماماً وليس فقط للتاريخ، في الواقع اليوم نحن ضحيّة مُنظّريْن أساسييْن هما برنارد لويس الذي عمَّم على الغرب نظرية أن هذه الأمّة الإسلامية كذبة، هؤلاء طوائف ومذاهب وخرائطهم الجغرافية الحالية حتى في سايكس بيكو ليست سليمة ويجب إعادة ترتيبها على أساس مذهبي، ولدينا هنتنغتون الذي قال بصراع الحضارات، بمعنى هذه الحضارة يجب أن نتصارع نحن وإياها، ونحن الآن في هذه الموجة. الآن لو درسنا الواقع، نحن كنا نتحدَّث في النظريات العامة، في الواقع ما هي الخطط والمشاريع التي تتصارع في المنطقة اليوم؟ أولاً المشروع الصهيوني الذي يريد أن يؤمِّن أمن إسرائيل وهذا لا يمكن أن يتمّ إلا من خلال منطقة ضعيفة مُقسّمة، وهذا لا يتمّ في تاريخ الصهيونية وكتبهم القديمة إلا من خلال أن تكون المنطقة مُتحارِبة لأنه إذا لم تكن المنطقة مُتحارِبة يمكن أن تلتفت إلى الكيان الصهيوني. ثانياً المشروع الأميركي الذي لم يعد قادراً على السيطرة العسكرية، فشل في أفغانستان والعراق، هناك مشروع أميركي حالي على عكس ما يعتقده البعض أنه السيطرة على المشرق، هو يريد أن ينسحب من المشرق ولكن بانسحابه لديه شرطان: أن يكون المشرق مُمزّقاً وضعيفاً وأن يورّثه لأحدٍ من القوى الإقليمية لكي يُدير المشرق لمصالح الولايات المتحدة مكانه، وهذا الاختيار وقع على تركيا، وهذا ليس سراً، هنتنغنتون جاء إلى إسطنبول وأقام محاضرة طويلة عريضة وضجّت الصحافة اليسارية في حينها.    

غسان الشامي: تلزيم المشرق لتركيا.   

أنيس النقاش: عن طريق تجميع أفكار أن نأتي بالإخوان المسلمين ونقيم هذا المشروع، فإذاً مشروع أميركي إنسحابي يريد أن يلزّم، مشروع تركي يريد الاستفادة من هذا التلزيم بإعادة العثمانية الجديدة.  

غسان الشامي: هل يمكن أن نكمل بعد الفاصل إذا سمحت؟   

أنيس النقاش: نعم.   

غسان الشامي: أعزائي تابعونا بعد الفاصل لنتحدّث عن الكونفدرالية المشرقية وآفاقها مع الأستاذ أنيس النقاش، انتظرونا.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، أستاذ أنيس النقاش في المحور الأول تحدّثتَ عن المشاريع ووصلتَ إلى نهاية الشأن التركي أو تلزيم تركيا المشرق وهناك المشروع الإيراني، ماذا في هذا؟  

أنيس النقاش: المشروع الإيراني هو مشروع سياسي وليس مشروع هويّاتي، هذا لا يعني أنه ليس هناك أزمة في إيران ومنها لأن شكلها وجسمها "اللبّيس" هو مذهبي بامتياز ولكن مضمون هذه السياسة هو التحرّر الوطني للإقليم، لو كان مذهبياً لا يُعنى بالسياسة والتحرّر الوطني لكان تصالح مع أميركا وقال لزّموني كما يفعل إردوغان، وهي كانت قوّة الشاه سابقاً شرطي الخليج فيصبح شرطي المنطقة، ولكنّه اكتشف أن مصلحة الجميع في المنطقة هي التحرّر الوطني من الهيمنة الغربية، ولذلك تحت شعار "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل" هو يقود مشروع تحرّر وطني من أجل إضعاف القوّة الغربية يُقاتلها في أفغانستان، يُقاتلها في العراق، يُقاتلها ويدعم المقاومات في فلسطين، هذا هو المشروع الثالث، قلنا إسرائيل، التركي، الإيراني.

غسان الشامي: ولكن في الموضوع الإيراني أليست الكونفدرالية المشرقية أو المشرقية عموماً كنظرية هي أيضاً تُقدّم خلاصاً حضارياً للإيرانيين، بمعنى يتخلّص الإيراني من العبء الذي ضُخّ طيلة مئات السنين لأن هناك نوعاً من الشرخ ما بين العرب والفرس، دائماً يتذكّر العرب ذي قار، القادسية، وعلى الرغم من ذلك أنت تعرف وتعيش في إيران أن اللغة الإيرانية هي حرف ابتدأ بالآرامية وانتهى بالعربية ولديهم في الإسلام ما لديهم بعيداً عن التسميات، في اللغة العربية لديهم سيبويه.  

أنيس النقاش: إذا سحبنا أو أخرجنا الضخّ الإعلامي السلبي هذا غير موجود لأن إيران ليست قومية كما يفهمها القوميون العرب، إيران هي ستّ قوميات وبالتالي الإيجابية الموجودة في إيران أنها جمعت ستّ قوميات، هي من القوميات المشكِّلة في المنطقة، في إيران هناك الآزري وهو في جزءٍ منه تركي، هناك العربي، هناك الكردي والفارسي والبلوشي والتركماني، هذه كلّها مُكوّنات قومية، كيف استطاعت أن تجمعهم ضمن بوتقة بلاد فارس إيران، فإذاً هذا انتصار مهم. النقطة الموجودة اليوم في إيران والتي يصوِّب عليها الآخرون هي النقطة المذهبية، يريدون أن يخلقوا شرخاً لأن مذهبها التشيّع، فإذاً هذه المسألة المذهبية كيف تستطيع إيران أن تخرج ليس من دينها ومذهبيتّها بل أن تقدّم سياساتها على هويّاتها، وهذا ليس باليسير لأن ثلاثة أرباع الشيوخ والعاملين في الخط الإيراني وضمن قيادة السيّد الخامنئي يعتقدون بأن مهمّتهم هي الهوية الشيعية بمعنى العصبية المذهبية. إبن خلدون يا إخوان وصَّف ظاهرة وجود ولم يؤيِّد ظاهرة الوجود، وأكبر دليل على ذلك أنه عندما يقول إن الحُكم يقوم على العصبية أن رسولكم الأكرم قال "ليس منا مَن يدعو إلى عصبية". لاحِظ كيف أن الظاهرة البشرية تقوم على العصبية ولكن كلام رسول الإسلام ينسف هذه الظاهرة بمعنى أنها سلبية وليس بمعنى أن تكرّسوها، بمعنى أن أيّ مشروع يجب أن يكون على عصبية إما مذهبية وإما قومية، يجب أن يكون على سياسة وهذا جوهر التقوى، التقوى هي سياسة، "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" هي سياسة، أهل التقوى ليسوا أهل هوية بل أهل صفة بشر بسياساتهم وبأخلاقهم.

غسان الشامي: التقوى صفة إنسانية. 

أنيس النقاش: نعم وهذا معناه أخلاق، سياسة، هذه ليست هوية، تُطلق كصفة .

غسان الشامي: هي أخلاق بالمعنى الأفلاطوني أيضاً.    

أنيس النقاش: هذا الجوهر الذي نسعى إليه، كيف نقدّم إذا جاز التعبير تقوى البشر من أجل أن يكونوا مُتحابّين، رُحماء بينهم، رحمةً للعالمين، كيف نقدّم السياسات من أجل أن تكون نهضوية، اجتماعية، تقدّمية من أجل أن يعمّ السلام الاجتماعي ونحن في حال احتراب. لو قلتُ لهم ابذلوا جهداً سياسياً من أجل الكونفدرالية، من أجل أن يعمّ السلام لقالوا نحن قاعدون، كل دولة مُرتاحة، اليوم ما من دولة مُرتاحة، الجميع يتقاتل في بلدانه، وبالتالي مخرجكم هو أن تخرجوا من هذه البوتقات. هذا الصراع في إيران لم ينتهِ حتى الآن، البعض يعتقد لأن مذهبه هو المذهب الأصحّ والجيّد فهو يتقدّم، وأنا أقول في العلن إن هذا غير صحيح لأنه خلال 1400 سنة كان الشيعة موجودين ولم يكونوا في حساب التاريخ، الذي حصل هو تحوُّل سياسي في إيران، تحوُّل يحمل مهمّة التحرّر الوطني، تحوُّل يحمل مهمّة مُناطَحة الإمبريالية، لو لم تناطِح الإمبريالية والصهيونية لكانت إيران مثل باكستان.   

غسان الشامي: ولكن إيران دولة مُستقرّة بالمعنى الهويّاتي.  

أنيس النقاش: صحيح، الآن لو سحبت إيران عن نفسها هذه السياسة لتفتّتت في اليوم التالي، ما الذي يجمعها؟ روحيّة هذا الصراع مع الإمبريالية، مع العدو الكبير، تحمُّلها لمسؤولية كُبرى، لا يفكّرنّ أحدٌ أن السعدي لأن هناك شعراً سعدياً أو أن الشيرازي هو الذي يوحدّ الإيرانيين، هذا نوعٌ من الثقافة الموحَّدة ولكن كما أن العرب لديهم شعراء مُشتركون ولغة مشتركة ويتناطحون ويتقاتلون ويدفعون المليارات، ما الذي يؤدّي بهم إلى ذلك؟ هو غياب السياسة السليمة. الذي حصل في إيران هو تحوُّل في السياسة وليس انتصار المذهب، لا تخطئوا في هذه المسألة. 

غسان الشامي: سيّدي بالعودة إلى المشرق ما هي الخطوط الكُبرى، تحدّثتَ عن الاستراتيجية المشرقية، ما هي خطوطها الكُبرى؟   

أنيس النقاش: المشرقية كما قلت أولاً تحرُّر وطني من الاستعمار الغربي والقدرة والهيمنة العالمية وهذا سيُعيد التوازن العالمي عندما تخرج هذه المنطقة مستقلة. ثانياً إعادة تشبيك المنطقة اجتماعياً وجغرافياً لأنه لا يُعقَل أن أذهب إلى بغداد وأرى منسوب دجلة والفرات وصل إلى أقل من الربع، لماذا؟ لأن أحدهم قرَّر أن يُقيم ثمانية سدودٍ ويقول هذه المياه تأتي من عندي، و80% من مياهنا نحن العرب تأتي من خارج منطقتنا. مصر اليوم تعاني من مسألة سدّ النهضة في الوقت الذي نمتلك نحن فيه النفط، الغاز، هذا التكامُل بالإمكانات، هذا التكامُل بالقُدرات البشرية، هذا التكامُل بالأسواق هو الذي يستطيع أن يخلق حركة اقتصادية ترفع من إمكاناتنا. المسألة الثانية هي أن هذه المركزية القاتِلة للقيادة الواحدة أو لتمركُز الحزب الواحد يجب أن ننتهي منها لأن هذا فاشل تماماً، أنت تسلب إرادة الناس بأن يكونوا مشاركين في عملية النهضة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من خلال تمركُز القرار في الحزب الواحد أو بالزعيم الأوحد، وبالتالي مسألة الإدارات الذاتية هي من أهم منظومات ما يمكن أن يُطرَح. للأسف أنا انتهيت من الكتاب قبل أن أقرأ ماذا كتب أوجلان عن الشعوب الديمقراطية وهو قام بعملية تحوُّل كُبرى من منطق القومية الكردية التي تريد أن تنفصل إلى منطق القومية الكردية التي يمكن أن تكون حافزاً، أي أن نوحّد المنطقة ونقول هذا هو الحل للكرد ولغير الكرد. 

غسان الشامي: للأسف الكرد لم يتبّعوا أفكار أوجلان، أنا في حوارٍ معه قال لي "نحن ككرد علينا أن نطالب فقط بالحقوق الثقافية لأنه لا يمكننا أن نقيم دولة بمعنى الدولة ونحن نعيش في مكانٍ قارّي بين أممٍ صقورٍ ثلاث"، هنا أريد أن أسألك، تحدّثتَ أيضاً في الكتاب سيّدي لكي أبقى في هذا الكتاب الذي أعتقد أنه لم يأخذ الكثير من حقّه عن استراتيجيّة بلاد الشام، ما هو الفرق بين استراتيجية بلاد الشام والاستراتيجية المشرقية؟  

أنيس النقاش: العمود الفقري لكي تنجح المشرقية هي استراتيجية بلاد الشام التي تتصارع مع الكيان الصهيوني، لا يمكن الحديث عن تحرّر وطني، لا يمكن الحديث عن إعادة التوازُن في الإقليم وإعادة لمّ شمل الإقليم والعدو الصهيوني يفعل فعله كل يوم. استراتيجية بلاد الشام هي توحيد القُدرات الفلسطينية اللبنانية كمقاومة مع سوريا بالدعم الإيراني من أجل الخلاص من هذا الموضوع، وهي استراتيجية طُرحت في سوريا قبل الأزمة للأسف من أجل بناء هذا المحور المقاوِم على الجبهة السورية والجبهة اللبنانية والجبهة الفلسطينية والذي كان عماد مغنية رحمه الله يعمل عليه بكل قوّة، وحتى الآن رغم الحرب في سوريا نجحنا والعدو يتحدّث عن هذه المخاطر، وبالتالي من دون تحرير فلسطين كل هذا الحديث عن تحرّر المشرق ووحدته وتوازنه يبقى حلماً لا يمكن تحقيقه، ولذلك كل مَن يريد يقول نعم هذه فكرة جميلة ولكن ماذا عن الصلح مع إسرائيل؟ قل له أنت خارج الموضوع لأن بقاء إسرائيل هو بقاء هذا السرطان الذي لا يمكن أن تستقرّ به المنطقة.  

غسان الشامي: الحرب على العراق وسوريا وأنت تجوّلت في سوريا وتعرف العراق أظهرت وأفصحت عن وعيٍ فردي طاغٍ بأهمية المشرق وبأهمية الهويات الوطنية في الدولتين، لكنّه في عودة إلى مفهوم الوعي الجَمْعي الذي تحدّثتَ عنه في كتابك لم يتحوّل إلى وعيٍ جَمْعي، ما السبيل لأن تصبح هذه الفكرة بين الناس وعياً جَمْعياً؟ 

أنيس النقاش: لكي لا نحمّل الثقافة والمُفكّرين كل المسؤولية، أنا واقعي في هذه المسألة، الذي يؤسّس اليوم للوعي الجَمْعي هو الإعلام، هو الذي يعطي المعلومات ويعطي التحليل ويقود الوعي بالاتجاهات. أستاذ غسان إعلامنا العربي بالذات في أكثر من 80% منه أنا أجزم أنه مُموَّل من البترودولار، والبترودولار الخليجي موظّف تماماً ضمن استراتيجية إنكليزية - أميركية وهذه معلومات وليست اتّهاماً.

غسان الشامي: والعشرون بالمائة أين هم؟    

أنيس النقاش: العشرون بالمائة، الذي يستطيع أن يتحرّك ليس بقوّة إعلامه لأن العشرين لا توازن الثمانين، يوازن بدماء شهدائه وتضحياته، لأنه يحقّق انتصارات يعادل هذا السمّ الذي يأتي من الإعلام لأن الإعلام لا يستطيع أن يقلب الحقائق مئة بالمئة إذا كانت هناك تضحيات، لذلك ترى اليوم أنه بالعمل العسكري المقاومة ناجحة جداً وتحقَق انتصارات على العدو وعلى التكفيريين ولكن الوعي الجَمْعي لا يتبع هذا الانتصار الكبير، بل يستطيعوا أن يؤسّسوا على انقسام جديد. نموذج سريع، 2006 انتصار على العدو الصهيوني باعتراف الصهاينة والعالم لم يؤسّس لوحدة في لبنان بل أسّس لنقزة لأن إعلام السمّ هذا يعمل، فإذاً يجب أن ندرس ظاهرة الإعلام البترودولاري، وهناك مقال للارا مارلو في التايم في العام 1991 عندما أصدرت أميركا تعليماتها لدول الخليج بأن عليكم أن ترثوا الإعلام العربي من صدّام حسين الذي كان مُسيطراً على 80% منه مقابل مبلغ 25 أو 30 مليون دولار حيث لم تكن هناك فضائيات، أوّل ميزانية دُفعت كانت مئتي مليون دولار، اليوم ميزانية أبو ظبي في الإعلام تفوق الأربعة مليارات، ميزانية الجزيرة وشبكاتها تُقدّر بالمليارات، العربية.. هناك كمّ هائل وإمكانات هائلة كلها في خدمة الولايات المتحدة والتقسيم والصراع المذهبي إلى آخره، ولذلك لا نلوم كثيراً مسألة الوعي الجَمْعي ولكن هذا لا يعني أن نستقيل من هذه المهمّة لأننا أحياناً ندفع الثمن بدماء شهدائنا وبقتالنا وبانتصاراتنا العسكرية، وبسبب ضعفنا الثقافي وضعفنا في الدعوة السياسية يرتدّ الانتصار علينا سلباً، ولذلك يجب أن نواكب بالعمل الإعلامي والسياسي، كل هذه الحقائق التي تحدّثنا عنها.  

غسان الشامي: ولكن أين إعلام الأنظمة المُقاوِمة المُمانِعة ممّا يحصل؟ كل المنطقة المشرقية لديها إعلام رسمي، هل هو غائب عن بثّ هذا الوعي المصلحي أولاً؟ 

أنيس النقاش: سأعطيك مثالاً حيّاً، لو ذهبتَ إلى الدوحة منذ سنوات لرأيتَ مبنى التلفزيون القَطَري الضخم، مبنى الجزيرة كان كأنه "كافتيريا" هذا المبنى، تأثير الجزيرة في العالم العربي عِلماً أن تلفزيون قطر لا يشاهده أحد لأن الاستراتيجية الإعلامية للجزيرة هي استراتيجية إنكليزية وهي تعرف كيف تتحرّك، والآخرون الذين لحقوا بها هم على نفس المعادلة. فإذاً المسألة ليست في الحجم وليست في الاستثمارات لأنه حتى الدول المشارِكة في محور المقاومة لديها ميزانيات ولكن المنظومة الإعلامية ضعيفة جداً، وهذا سببه أنه لدينا القدرة على التضحية بالدماء ولكن لم نصل بعد إلى مستوى الوعي الثقافي، مثالٌ عملي، كثيرون يقولون "الموت لأميركا" لو سألتَ أحدهم ماذا تعرف عن الإمبريالية؟ ما هي آليّتها؟ كيف سيطر الدولار على العالم؟ اليوم الناس تصرخ بسبب الدولار ولكن لا تعرف كيف يعمل الدولار، لا تعرف كيف تعمل المنظومة الدولية، فإذاً أنت لديك شعار الموت لأميركا ومُستعدّ أن تبذل الدماء لإسقاطها بالقتال العسكري ولكنك لا تعرف المنظومة الإمبريالية، هذا ضعف بالثقافة في هذا الموضوع لأن الثقافة الدينية لا تعطيك الثقافة الحضارية، لأنها مُتخلّفة عن الحضارة، لأنها لا تزال في الكتب البارِدة القديمة أما لو كانت ثقافة دينية مُتحرّكة كما كان رحمه الله السيّد فضل الله يتحدّث بأنها تواكب الفكر المُتحرّك الذي كان يتحدّث عنه، فكر حَرَكي لكانت استطاعت أن تُجيب، هنالك نقص في هذا الموضوع ولذلك الإعلام ضعيف.  

غسان الشامي: كيف يمكن لكونفدرالية مشرقية وهي نقيض كما أسلفتَ بطريقة أو بأخرى للمشروع الإسرائيلي الصهيوني أن تقوم وإسرائيل بهذه القوّة، وأنت تحدّثت في كتابك عن الاستراتيجية الأمنية أو المصلحة الأمنية بمعنى ما؟   

أنيس النقاش: ستُفاجَئ، آخر ما يشغل بالي اليوم هو قدرة إسرائيل العسكرية، أنا مطّلع وأعرف وأدّعي وأقول إنه لدينا من الإمكانات اليوم ما يُرعِب إسرائيل ولا يُرعبنا ولكن هل هذا يكفي من أجل الوعي الجَمْعي الذي نتحدَّث عنه؟ بمعنى مثال واقعي هل نريد لانتصارٍ كبير على الكيان الصهيوني أن يؤسّس إلى 7 أيار إقليمي كما 7 أيار في لبنان رغم أن انتصارنا في 2006 سبقه 5 أيار؟ كيف نعالج هذه المسألة؟ كيف لا تكون شعوب المنطقة وأهلنا وشعوبنا في المنطقة مُتحسّسة من انتصار محور المقاومة؟ كيف لا يكون الانتصار على الكيان الصهيوني أزمة بين مكوّنات المنطقة؟ ما هو الموقف التركي؟ ما هو الموقف المصري؟ ما هو موقف فلان؟ لا يجب أن نعتقد أن إزالة إسرائيل ستُريح، الشعب العادي قد يصفّق لأسبوع أو أسبوعين ولكن مصالح الدول والقوى الإقليمية كيف ستتحرّك؟

غسان الشامي: أنت صاحب رأي يقول إن كل مجتمع إقليمي يحتاج إلى أمن إقليمي، صحيح أنك لستَ خائفاً من إسرائيل والانتصارات في لبنان دليل على أن الخوف من إسرائيل يمكن أن يتراجع بطريقةٍ أو بأخرى أو توازُن الرُعب الحاصل، ولكن هل يمكن للإقليم أن يأمن أو يتطوّر وإسرائيل موجودة أو أن يحقّق الجزء الأدنى، أنا أعتقد أن الكونفدرالية المشرقية هي نقطة انطلاق للتحصين.   

أنيس النقاش: في زمن الناصرية والبعثية كان هناك خلاف بالشعارات، هل الوحدة تتقدّم على التحرير أم التحرير قبل الوحدة والاشتراكية، البعض كان يعتقد أنه يجب أن نحرّر فلسطين وبعدها تتحقّق الوحدة، البعض الآخر كان يعتقد أنه يجب أن نقوم بالوحدة من أجل أن نحرّر. في الوسط هناك توحيد القدرات أثناء الصراع مع إسرائيل، هذا الحل ديناميكي وفعلي وهذا ما يحصل اليوم، كيف تبني محور المقاومة وتوحّد القُدرات أثناء الصراع من أجل التحرير، ولكن هذا إذا لم تواكبه سياسة واعية والمنظومة الإقليمية لا تتمّ إلا من خلال الاتصال ومن خلال توعية المسؤولين ومن خلال خلق اللوبيات، اللوبيات في السياسات، ولذلك نحن لم نكتب الكتاب فقط بل ذهبنا إلى الأحزاب، إلى المنظمات، إلى الحكومات ونعمل ليلاً نهاراً من أجل تقريب وجهات النظر، ولا تتصوّر مدى التجاوب لأن الجميع مكتوٍ بنيران الصراعات، حتى الذي يعتقد بأنه قوي في تركيا أدرك أنه لا يستطيع لوحده أن يسيطر على المنطقة، ولذلك هذا المشروع هو المخرج للجميع.   

غسان الشامي: سيّدي كما قلنا قد نفهم الأصوات في لبنان المرتبطة أغلبها بأميركا وتقوم بالتصويب على المشرقية، المشروع الأميركي مُناقض تماماً لأيّ اتحاد مشرقي ولكن أيضاً بعض العروبيين يتوجّسون من المشرقية، لماذا؟ وكيف يمكن أن تكون المشرقية نقطة اتّكاء لهؤلاء لمجالٍ أوسع يؤمنون به؟   

أنيس النقاش: هذه مسألة بسيطة لأنهم تربّوا على خطاب الجزء الأساسي منه هو العصبية الهوياتية، ويعتقدون أن مُجرّد أن تنجح بتجميع الهوية فأنت ستنقذ الوضع، ونحن نعتقد العكس، تحتاج إلى سياسة ناجحة، سياسة تجمّع القوّة من أجل أن تتبلور الهوية وإلا تصبح الهوية شتيمة، عربي يعني أنت فاشل، هذا المشهور اليوم في العالم، ولذلك أنا أدعوهم إلى الصحوة، كفاكم هذا التعصّب، التمسّك بهذا الموضوع لا يكفي، الذي ينجح هو بناء القُدرة والسياسات الإيجابية وهذا لا يمكن أن يتمّ على مستوى الإقليم إلا بتعاون الأحرار، يا أخي وحِّد الأحرار في الإقليم، وحِّد محور المقاومة من أجل التحرّر الوطني مهما كانت هويّته، الآن يأتيك من إيران ويريد أن يقاتل معك، تقول له لا انتظر حتى أصبح مارِداً بمستواك وبعدها نتحدّث! هذه خُرافة، هذا وَهْم، وبالتالي أنت تجمّع القدرة من أجل الهدف السياسي لا أن تحلم بأن تصبح مارِداً وأنت لم تمارس جَمْع القوّة ولم تمارس بالاتجاه السياسي السليم، وبالتالي نعم أنا أفهم ذلك، عند بعض الكرد هناك نفس المشكلة، عند الأتراك، كل إنسان يبني سياسته على العصبية هو إنسان فاشل ومدخل سياسته هو الاقتتال البشري، لا بحث في العالم وإلا فإنني أكون لا أفقه معنى قول رسول الإسلام "ليس منّا مَن دعا إلى عصبية".  

غسان الشامي: كيف برأيك وبالقليل من الوقت مستقبل هذه الفكرة على صعيد أن يكون المشرق كونفدرالياً؟  

أنيس النقاش: تحدّثنا في البداية عن أن الكل غارِق بدمائه، اليوم الجميع غارِق بأزمته الاقتصادية وبالعقوبات، ولذلك شاهدنا بالصدفة الجميع يقول إنه علينا أن نتوجّه شرقاً والشرق ليس فقط الصين، الشرق يبدأ من سوريا بالنسبة للبنان، وبالنسبة للعراق يجب أن يتوجّه إلى إيران، وبالنسبة إلى سوريا يتوجّه إلى العراق، وإذا كان التركي قد فَهِم أن مصلحته في التفاهُم ما هذا العُمق للمنطقة التركية، فإذاً الجميع اليوم تحت كيّ الدماء السائلة والأزمة الاقتصادية، الجميع يصحو على أنكم كلكم أقزام ولا تستطيعون حلّ مشاكلكم إلا من خلال التعاون والتشابُك بقطارات وسكك حديد وأوتسترادات وتعاون اقتصادي وزراعي وصناعي، والأهم التحرّر الوطني من سيطرة الغرب على المنطقة.             

غسان الشامي:  كل الشكر. قد تختلف مع أنيس النقاش في بعض الاستنتاجات والتكتيكات لكنّك تشدّ على يده في رؤيته أن الكونفدرالية المشرقية هي واسطة عقد مشروع انتصار السياسات على الهويات، وهي مشروع الوحدة مقابل الانقسام والتفكّك ومشروع القِيَم الإنسانية مقابل مشاريع الفِتَن والاقتتال. شكراً أستاذ أنيس النقاش على حضورك في أجراس المشرق وهي مرّة للتحدّث بالفكر بشكل عام، باذخ الشكر إلى زملائي في البرنامج والميادين على عملهم وجهدهم ومحبّتهم، وسلامٌ عليكم وسلامٌ لكم، شكراً.