الجزائر تسترجع شهداءها

مهما تألّقنا في البلاغة والبديع وفقه اللغة فإنه لا يمكننا أن نصف فظاعة الجرائم الإستعمارية الفرنسية في الجزائر، ففرنسا أذاقت الجزائريين ويلات قلّ نظيرها في التاريخ المعاصر بل في التاريخ البشري.

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم.

قال الله تعالى في محكم التنزيل: "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون". مهما تألقنا في البلاغة والبديع وفقه اللغة فإنّه لا يمكننا أن نصف فظاعة الجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، ففرنسا أذاقت الجزائريين ويلات قلّ نظيرها في التاريخ المُعاصر، بل في التاريخ البشري. ومنذ احتلال فرنسا للجزائر العام 1830 وهي تُبيد الجزائر والجزائريين، وقتلت إلى تاريخ استقلال الجزائر أزيد من عشرة ملايين شهيد جزائري رضوان الله عليهم جميعًا. ولله ذرّ شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا القائِل يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يُطوى الكتاب، يا فرنسا إنّ ذا يوم الحساب فاستعدّي وخذي منا الجواب إن في ثورتنا فصل الخطاب وعقدنا العزم أن تحيى الجزائر فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا.

فرنسا الاستعمارية كانت أدعش من داعش، كانت تقطع رؤوس الأحرار الجزائريين الذين كانوا يقاومون الاحتلال الفرنسي في وطنهم الجزائر وسرقت جماجمهم عندما غادرت الجزائر، وكانت تعرض هذه الجماجم الربّانية المُجاهدة في متحف الإنسان في باريس، وكان الأجدر أن يُسمّى متحف فنون قتل الإنسان. كانت تحتجز رُفاة قادة المقاومة الشعبية الجزائرية في ديارها، ولو حكينا لكم حكاية كل مقاوِم من هؤلاء المُقاومين لملأتم رُعبًا من فظاعة الاستعمار، كانت فرنسا تقطع رؤوسهم وتحتفظ بالجماجم مُقرّة أنّها جماجم قضت من حديد وعنفوان وشجاعة، ونقول أيضًا للذين يُمجّدون الغرب، كانت فرنسا تفجّر قنابل نووية في الصحراء الجزائرية، وتضع في دائرة التفجير مُقاومين جزائريين حتى تدرس تأثير القنبلة النووية على الإنسان بعد التفجير. هذه عاصمة العطور والظلم والمُكر والخِداع، هكذا كانت تقتل المُجاهدين الجزائريين، وحتى المجاهِدات لم يسلمن من القتل فزليخا عدي التي رماها الاستعمار من طائرة مروحية قالت قبل الصعود إلى الطائرة القاتِلة "إخواني كونوا شهداء على ضعف الكيان الاستعماري الذي سلَّط جنوده وأسلحته ضد امرأة واحدة". وها هي الدولة الجزائرية تسترجع رُفاة مُجاهدين جزائريين في فرنسا، مرحبًا بشهدائنا في أرض المليون ونصف مليون شهيد، والمجد والخلود لشهدائنا جميعًا. 

كان الرئيس الراحل هوّاري بومدين يقول: "بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء"، طبعاً مازالت فرنسا تحتفظ بآلاف الجماجم الجزائرية، وتحتفظ بالأرشيف الجزائري وهو الكنز الثمين الذي يجب أن يعود إلى الجزائر، والذي يتضمّن كلّ ما له علاقة بالكنوز التاريخية والمعلوماتية الجزائرية قبل الاحتلال وبعد الاحتلال والذي سرقته فرنسا وهي تغادر الجزائر. والجزائريون وأنا منهم من رضيعهم إلى شيخهم يُقسِمون بالله ألا مجال لفرنسا إلا الاعتذار الرسمي والعَلني وما يتبعه للشعب الجزائري وللدولة الجزائرية، وإنّ غدًا لناظره قريب.

"الجزائر تسترجع شهداءها" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الأستاذ العزيز والفاضل معن بشّور الرئيس المؤسِّس للمُنتدى القومي العربي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي، ومن الجزائر المُجاهِدة الحبيبة الدكتور محمد الأمين بلغيت الكاتب والمؤرِّخ والأكاديمي وصاحب المُصنّفات الكثيرة في جرائم الاستعمار.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

يحيى أبو زكريا: أستاذ معن بشور حيّاك الله، وبيّاك دعني مبدئيًا أحيّي رُفاة شهدائنا العائدين من فرنسا وأوصي الجزائريين قد لا يُطيل الله عُمري، لكن أريد أن أقول للجزائريين الأمانة بأيديكم من العار بمكان كجزائريين أن نترك شهداءنا عند العدو. ماذا يعني عودة شهداء الجزائر إلى الجزائر المجاهدة؟

معن بشور: بدايةً تحية لك.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله أستاذ معن.

معن بشّور: وتحية لشعب الجزائر العظيم أهنّئه بعيد استقلاله وتحية لأرواح شهداء هذه الثورة التي بالنسبة لي ولجيلي كانت مدرسة في النضال وفي الكفاح وفي التحرّر من الاستعمار. وتحية طبعًا لضيفك الكريم المؤرِّخ الكبير الدكتور محمد أمين بلغيت، ومن دون شك لقد هزَّتني هذه الأخبار التي أتتنا عن عودة 500 جمجمة من جماجم ثوّار الجزائر بعد أن احتُجِزَت لعشرات السنين في متحف إسمه متحف الإنسان، وهو متحف كما قلت في المُقدّمة يجب أن يُسمّى متحف لغة الإنسان. لقد عنت لي الكثير أولًا أنّ في الجزائر شعب وقيادة لا تترك شهداءها، ولا تترك أسراها. هذه الجماجم كانت أسيرة، وعنت لي أيضًا، وذكَّرتني بهُتافٍ كنا نهتفه لثورة الجزائر ونحن في المدارس الثانوية في خمسينات القرن الماضي، كنا نقول الجزائر عربية على الجماجم مبنية فليسقط الاستعمار والدولة الفرنسية. كانت فكرة الجماجم مُرتبطة إذاً بهذه التضحيات الهائلة التي كان يقدّمها الشعب الجزائري. لم نكن ندري يومها أنّ هناك متحفاً يضمّ جماجم الثوار على مدى 130 سنة. الثورة الجزائرية الأخيرة هي تتويج لثورات عرفتها الجزائر منذ العام 1830 وربما بعض الثوار في تلك الأحداث جماجمهم موجودة منهم الشهيد الشريف بوبغلة والشريف أحمد بو زيان.

يحيى أبو زكريا: رحمة الله عليه صحيح.

معن بشور: والشهيدة فاطمة تسومر، أريد أن أقول هذه الأسماء لها معنى كبير، ثمّ هذه الجماجم عودتها فيها شيء من إحياء الذاكِرة الوطنية التي أتمنّى لو أنّ كل بلد عربي خصَّص في وسائل إعلامه برامج خاصة للذاكِرة الوطنية، الذاكِرة ليست عودة للماضي، الذاكِرة هي بناء الحاضر وتطلّع نحو المستقبل، وحين نركِّز على ذاكِرتنا نستطيع من خلال استعادة هذه المشاهد الرائعة في هذه الذاكِرة مشاهد النضال والكفاح والتضحية مشاهد الوحدة، مشاهد تجاوز العصبيات الضيّقة نستطيع أن نبني حاضرًا تفرض عليه منطق التفتيت والتقسيم والاحتراب إلخ، ونستطيع أن نبني مستقبلًا زاهِرًا يُخرجنا من الكثير من أمراضنا. لذلك عنت لي أشياءً كثيرة لم تعنِ لي فقط أنّها استمرار للثورة الجزائرية، أنا شعرت بتحرير هذه الجماجم، وكأنّ الجزائر تستعيد استقلالها مرة أخرى، وأن تأتي هذه الجماجم عشيّة عيد الاستقلال، أيضًا لها المعنى المهم أن تأتي كل الجماجم مَن يصدِّق أن هناك 18000 جمجمة جزائرية في هذا المتحف الذي يُسمّونه زورًا باسم متحف الإنسان. أنا لا أريد هنا أن أحرِّض شعباً على شعب هذه جرائم مسؤول عنها مَن كان يقود فرنسا مَن يحكم فرنسا هذه الجرائم مسؤول عنها الاستعمار بكل أشكاله، هذه الجرائم تؤكّد إنّ ما رأيناه من وحشية في بلادنا إنّما أصله، هناك لذلك حين نتحدّث عن جرائم الإرهابيين والتكفيريين علينا أن نتذكّر أنّ المدرسة الأساسية للإرهاب جاءت مع الاستعمار وفي بلاد الاستعمار.

يحيى أبو زكريا: لكن القادة السياسيين في فرنسا اليوم، وعندما طالب بعض النواب في البرلمان الفرنسي إدانة الاستعمار الفرنسي رفضوا ذلك، وأقرّوا قانون تمجيد الاستعمار، فعقلية المُستعمِر ما زالت موجودة في دوائر القرار.

دكتور محمد الأمين بلغيت حيّاك الله، وبيّاك، ونبارك لكم ذكرى استقلال الجزائر وعودة هؤلاء الشهداء، لكن دعنا قبل أن نبدي عاطفتنا تجاه مُجاهدينا الذين لا ننساهم وقد عاهدنا الله على ذلك. لماذا نتأخّر في الجزائر في استرجاع شهدائنا ومُجاهدينا؟ الجزائر ما استقلّت البارِحة، استقلّت عام 1962 هل كان هنالك تقصير رسمي من الدولة الجزائرية أو خوف من فرنسا؟ دعنا نقول وفرنسا لا يُخاف منها لأن أجدادنا صفعوها وطردوها من الجزائر. لماذا لا تعود رفاة كل شهيد من فرنسا إلى أرض الوطن لتبقى لذاكِرة الأجيال مشعلًا وقنديلًا؟

محمد الأمين بلغيت: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم دكتور يحيى أبو زكريا.

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

محمد الأمين بلغيت: تحية راقية ومُتميّزة وحارّة للأستاذ معن بشّور، تحية إلى مشاهديكم في لبنان وعبر العالم. في الحقيقة أخي يحيى احتفالاتنا بالذكرى الـ 58 لاسترجاع سيادتنا الوطنية هذه المرة شبّهته في ما كتبت، أو في ما ذكرت في وسائل الإعلام أنه يشبه إلى حد كبير جدًا استقلال  الجزائر في 5 تموز 1962 ولا أغالي، ولا أتحدّث من عاطفة. ولكن تأكّد جيدًا حينما رأينا الطائرة العسكرية الكبيرة أركيل 130 ساي وتحيط بها ثلاث طائرات راقية جداً سوخوي وهي تحمل 24 رأسًا لأبطالنا لمُجاهدينا خلال جهاد الجزائريين في القرن التاسع عشر قلت مَن لم تأخذه قشعريرة وهو يشاهد هذا المنظر الرهيب فعليه أن يبحث له عن مخبر حيادي متميّز ليقوم بعملية الـ d n a هل هو جزائري أم لا؟ مَن لم تأخذه قشعريرة وهو يرى عودة الشيخ بوزياد وموسى الدرقاوي وزيان القلعي وهؤلاء المُجاهدين الذين قطعت فرنسا أعناقهم ونهب جنودها الأذلاء مغول القرنين التاسع عشر والعشرين كما أسمّيهم برؤوسهم الطيّبة كأنّها كرة من ورق، لذلك أقول وبالله التوفيق الدولة أو السلطة السياسية العُليا منذ 62 إلى اليوم أنا سأبتعد عن لغة الخشب هناك أولويات كانت هناك جراح. أخي يحيى وأنت تعلمها هناك جراح هناك عودة لآلاف المُهجّرين من اللاجئين، هناك إعادة بناء الجزائر من خلال الموسم الزراعي الأول والموسم التربوي الأول، وهناك خلافات وقعت بين الأشقاء الذين دخلوا الحكومة المؤقّتة وجيش الحدود وجيش الداخل حول الصراع على السلطة. ومعن بشّور يعلم جيدًا هذه القضايا بشكل رائع، وأنت جزائري تُدرك هذه الأمور بشكل كبير جدًا، لكن تبقى جماجم هؤلاء الأبطال، جماجم هؤلاء الشهداء كانت غير معروفة للأسف الشديد إلا عند الأكاديميين، إلا عند المؤرّخين. نحن نعلم يقينًا أنّ كل مَن كتب عن مجزرة واحة زعاتشا 596 كيلومتراً جنوب الجزائر العاصمة يعلمون يقينًا أنّنا قد دفنا تحت ثرى هذه الواحة الصغيرة ما يزيد عن 1000 شهيد، ويتكلّم أهلها من الأحفاد والحفيد الرابع من جيل بو زيان لأمّه أن فرنسا في هذا اليوم بالذات أي من 22 إلى 26 تموز قطعت رؤوس 150 من الأبطال الذين صمدوا في مواجهة جيش عرمرم بقيادة سانجرما وسيروكا وأربيان الجنرال أربيان هذا المجرم الكبير الذي يتحدّث ببجاحة عن كيفيّة قتله وسحقه لأولئك الذين عارضوا وجود فرنسا في بسكرا، وفي ولد جلال، وفي زعاتشا وغيرها من الأماكن سنة 1849، لكن للأمانة وللتاريخ وحتى تكون في الصورة قلة قليلة مَن كان يعلم ما تمتلك فرنسا ربما إجمالا فقط، أما تعلم أن هناك 18000 جمجمة وأن هناك 536 جمجمة وأن هناك 44 جمجمة وأن هناك 37 جمجمة، هذا أمر احتاج إلى وقت طويل جدًا سأحكيها باختصار شديد حتى نقول للمُحسن أحسنت وللمُسيء أسأت، للأمانة والتاريخ حدود عام 2008 أخي يحيى أبو زكريا صدر قانون لليونيسكو التي تسعى من أجل استعادة الممتلكات التراثية والثقافية لبلدانها عند البلدان التي استعمرتها كفرنسا وبريطانيا وغيرها من البلدان، وهذا القانون الذي صدر سنة 2008 هو الذي شجّع ناشطين وعلماء وباحثين ومؤرّخين وعلماء إنتروبولوجيا للنظر في مسألة ما هو موجود في متحف الإنسان من جماجم لأبطال جزائريين، وطبعًا للأمانة والتاريخ نحن نقول للمُحسن أحسنت وللمُسيء أسأت، هناك ثلاث شخصيات من غير السلطة السياسية العليا كان لها الفضل الكبير في إثارة الرأي العام العالمي، وليس فقط الرأي العام المحلي في المغرب العربي أو الجزائر، هذا الفضل يعود إلى الأستاذ الدكتور علي فريد بلماضي من عُلماء الاجتماع الذين يعيشون في متربول في باريس كان قد تواصل مع مدير متحف الإنسان وهو الذي نبّهه أنّ المتحف يحوز 536 جمجمة، ونحن الآن استرجعنا 24 وهذا كلام موجّه لصديقي وأخي الرجل المناضل الفاضل معن بشّور الجزائر الآن استرجعت 24 وهذه خطوة أولى في رحلة الألف ميل أو المليون ميل بإذن الله عزّ وجل، فلن ترتاح نفوسنا إلا إذا استرجعنا بقايا رُفاة شهدائنا بإذن الله سبحانه وتعالى.

إذاً قانون 2008 لليونيسكو تعزّز بقانون ثانٍ سنوات 2009، و2010، و2011 بعد الدور الكبير الذي نبّه إليه الأستاذ علي فريد بالماضي من خلال عمل قيّم مُتميّز حول الشريف بوبغلة المعروف عندنا بالأمجد محمّد الهلالي الشريف الذي تسمّيه الآلة الاستعمارية الدعائية من أجل الحد من شخصيته ومن أجل وصفه بأنه لص وقاطِع طريق قد أتى من المغرب وليس فقط من سعيدة أو الجزائر، هذا الرجل الذي قطعت فرنسا رأسه من خلال أحد العملاء أقول أحد العملاء الذين كانوا يشتغلون في ركاب الاستعمار من دون ذِكر الأسماء قطعت رأسه في شهر ديسمبر كانون الأول 1854 والرجل أي الأستاذ بالقاضي كان يقوم بعمل طيّب جيّد حول حياة وآثار وجهاد وتنقلات شريف بو بغلة وهو الذي نبّهه مدير المتحف أنّ المتحف يحتوي على 18000 جمجمة لمقاومين جزائريين، وأن هناك 536 ثم 44 و37 استرجعنا من 37 24 وحتى لا أبالغ ولا أهضم حقوق الناس الشخص الثاني الذي نبّه الجزائريين سلطة ومجتمعاً مدنياً ومثقفين هو الأستاذ إبراهيم سنوسي. بالمناسبة هذا الشخص مُقيم في باريس ويتنقّل بشكل دوري بين الجزائر وباريس، وهو الذي استطاع أن يحرج الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون الذي وعد الجزائريين نهاية سنة 2017 عند زيارته الأولى للجزائر أثناء حملته الرئاسية أنه سيُعيد للجزائر رُفاة شهدائهم. أنت تعلم أن الفرنسيين أذكياء جدًا في إعطائك وردة وزهرة جميلة، لكنهم من الجانب الآخر لا يعطيك أي شيء إلا الكلام المعسول، وبالتالي دخل على الخط وكان له دور كبير جدًا في الضغط.

يحيى أبو زكريا: من فضلك أمضي إلى فاصل، ثمّ نستكمل الفكرة بحول الله وقوّته. مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

"بسم الحضارة" محمّد سكال.

سلّط المؤلّف محمّد سكال في كتابه باسم الحضارة جرائم حرب ضد الإنسانية ارتُكِبَت في الجزائر من عام 1838 إلى 1962 الصادر عام 2015 عن دار القصبة، سلّط الضوء على جرائم فرنسا الاستعمارية منذ احتلالها للجزائر حتى الاستقلال مستدلًا في ذلك بشهادات منقولة عن المؤلّفات الفرنسية المختلفة والمُتعلّقة بوقائع غزو الجزائر، وأحداث حرب التحرير. وهي شهادة تروي بربرية سلوك المُتحضّرين ووحشية الإجرام والقمع المُسلّط من طرف دولة لطالما تغنّت بحقوق الإنسان على أمّة مُسالِمة لا تطمح سوى إلى العيش الكريم. في هذا الصَدَد قال المؤلّف سكال إنّه من خلال هذه الشهادات سنكشف كيف جرَّد الجزائريون من جمع ممتلكاتهم لصالح أقلية أوروبية قدمت من آفاق مختلفة لتعيد الشعب الجزائري إلى العصر الحجري البائد. وذلك من خلال الاطّلاع على نصوص قانونية سافلة أعدّت خصيصًا لإحكام القبضة الاستعمارية على الجزائر، وهو ما اصطلح على تسميته بقانون الأهالي.

 

المحور الثاني:

"عارنا في الجزائر" جان بول سارتر.

إنّ الاستعمار لم يكن محض مصادفة، ولم يكن وليد آلاف المشاريع الفردية، إنّما هو نظام أقيم حوالى منتصف القرن التاسع عشر، وبدأ يؤتي أكلها حوالى سنة 1880 ودخل في طور التصدّع والانهيار في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وهو اليوم يرتدّ بالوبال على المستعمرين، هذا ما يتعلق بالجزائر التي وللأسف العميق هي أبلغ مثال وأبرزه عن النظام الاستعماري. وهذا ما يتعلق بقسوة هذا النظام الذي لا بدّ من أن ينتهي إلى هذه النهاية المُفجِعة. كيف استحالت أخلص نيّاته إذا ولِدَت وترعرعت في داخل هذه الدوائر الجهنمية إلى فساد مجسّم؟ فليس هناك مستعمرون صالحون وآخرون طالحون، إنّما هناك مستعمر فحسب، وهذا يبيّن لنا لماذا كان الجزائريون على حق في هجومهم على بناء هذا النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟ وكيف أنّ تحريرهم بل تحرير فرنسا ذاتها لن يتحقّق إلا إذا قضى على الاستعمار قضاء مبرمًا؟

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا نحن نعالج موضوع عودة الشهداء الأماجد إلى أرض الأطهار في الجزائر. طبعًا أذكر من جملة مَن عاد الشهيد موسى درقاوي رحمة الله، وموسى درقاوي من دمياط من مصر، وهكذا كان الدم واحدًا، لم يكُ هنالك فرق بين دم الجزائري والمصري والليبي والتونسي والمغربي، كنّا أمّة واحدة، ويجب أن نصبح مجدّدًا أمّة واحدة. وهذا رأس الشهيد الشريف السيّد هو من الأشراف، وأيضًا هذه الجماجم التي كانت تُعرَض في متحف قتل الإنسان في باريس. وهكذا كان الفرنسيون يقطعون رؤوس المجاهدين داعش في نسختها القديمة، داعش في نسختها الأصلية.

معن بشور: داعش في نسختها الأصلية.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد هلّا أكملت الفكرة، لكن سريعًا حتى نستوفي كل المحاور رجاءً، تفضل.

محمد الأمين بلغيت: الشخص الثاني الذي وددت أن أضعه في الاعتبار، وقد كرِّم من طرف رئيس الحكومة الجزائرية، الشخص الثاني هو إبراهيم سنوسي الذي استطاع أن يحرج الرئيس الفرنسي وكذلك مدير متحف الإنسان والسلطات الإدارية التي لها الحق في إدارة متحف الإنسان في باريس. السيد إبراهيم سنوسي الذي استطاع كتابة عريضة، ويجمع حسب الدراسات والأبحاث ووسائل الإعلام ما يزيد عن 300000 توقيع على عريضة موقّعة من قبل 300000 جزائري يطالبون بعودة رُفاة هؤلاء. وهناك شخص ثالث داخل الوطن وَجَب علينا أن نكرّمه من خلال الميادين، ومن خلال وسائل الإعلام هو شاب من شباب الحراك هو عبد الرزاق غضبان من مدينة بسكرا، هذا أيضا استطاع أن يُحرِج السلطات الجزائرية، وأن يُحرِج أيضًا السلطات السياسية العليا في باريس من خلال المُراسلات للمطالبة بعودة أسلافه إلى بسكرا وإلى الجزائر. هؤلاء الثلاثة فقط هم الذين تمكّنوا أن يذكّروا السلطة السياسية العليا من خلال وعيهم بمسألة خطيرة جدًا تُضاف إلى مسائل عالقة بيننا وبين الفرنسيين. ولذلك السلطة السياسية العليا للأمانة والتاريخ من نهاية 2017 وهي ممثّلة بوزارة المجاهدين استطاعت فعلًا في الزيارة الأولى لوزير المُجاهدين تشكيل لجنة مشتركة بين الفرنسيين والجزائريين توصلّوا في نهاية الأمر من خلال لجنة أعتقد أنها كانت برئاسة شخص جزائري يُدعى السيّد بلحاج للتدقيق في هل هذه الجماجم حقيقة لجزائريين، وفعلًا استطاعوا إعادة 24 جمجمة بالمختصر المفيد، وسوف أعطيك الكلمة أخي دكتور يحيى أبو زكريا. هذه الجماجم وبقايا هذه الرفاة تتوزّع على المدن الآتية وهران، غريزان، بني مناصر منطقة البازا الجزائر العاصمة القل باتنا خنشلا تبسا، هذه تقريبًا المدن التي تحتوي أسماء هؤلاء الأبطال وهؤلاء الرجال وفيهم شخصيات كبيرة جدًا قُطِعَت رؤوسهم من سنة 1831 بمنطقة باب الواد، أو باب اللوم هكذا يُسمّى حتى العام 1865 لكن بشاعة هذه الجريمة تكمُن في قطع رؤوس هؤلاء الأبطال، وسأتحدَّث عن دور أربيان وسيروكا وسانجرما الذين قاموا بحصار زعاتشري لأكثر من 51 يومًا، وهي واحة صغيرة جدًا لا يتجاوز عدد سكانها الألف بحسب روايات أهلها في وقتنا الحالي، وبحسب الوثائق القديمة وبالمناسبة هذه المجزرة مُدوَّنة في كتابات الفرنسيين بدقّة مُتناهية الأبطال الذين قُطِعت رؤوسهم هم كما يلي الشيخ أحمد بو زيان، وهو من مساعدي الأمير عبد القادر الشخص الثاني الشيخ موسى الترقاوي من دمياط الذي جاء وقال حينما كان يُجاهد إلى جانب الجزائريين في منطقة لمديا والطيطلي لقد جئت من أجل أن ألقي بالفرنسيين في البحر. والشخص الثالث هو الحسن وهو نجل الشيخ بوزيان الذي قطع الفرنسيون رأسه وعلّقت هذه الرؤوس الثلاثة في بسكرا لمدة شهر، ثم بعد ذلك حوّلت إلى مارسيليا وفي سنة 1880 حوّل الدكتور بايو الفرنسي هذه الرؤوس وأرسلت إلى متحف الإنسان إلى سنة 2020.

يحيى أبو زكريا: طبعًا دكتور محمد، فرنسا كانت تتفنّن في قتل الجزائريين، هي قتلت الأطفال وقتلت النساء، ولعلّك تذكر ما جرى للطفل عمر ياسف رحمة الله عليه 13 سنة فجّروا غرفته مع حسيبة بن بعلي وعلي لبوانت، وفرنسا كانت مجرمة وستظل مجرمة، ونحن نعاهد الله إلى آخر قطيرة في أرواحنا في دمائنا، والله العظيم ستعود كل الرفاة لكل المجاهدين والأرشيف الجزائري بالدرجة الأولى لأنها كنزنا الثقافي، وكنزنا المعرفي ولن نصمت وهذه دعوة مني أضف شخصاً رابعاً أستاذ محمد الأمين رابع إلى الثلاثة يحيى أبو زكريا يطالب الدولة الجزائرية والرئيس عبد المجيد تبون بممارسة أكبر ضغط على فرنسا حتى ترضخ لأنه من العار بمكان أن يبقى لنا مجاهد في فرنسا.

أستاذ معن بشّور طبعًا اللبنانيون كانوا ما شاء الله صفعوا إسرائيل، واسترجعوا أسراهم جميعًا ونحن نحيّي المقاومة ها هنا ما دمنا في تموز. كيف يساهم أستاذ معن بشّور الإرث المقاوم والذاكرة الوطنية في تحصين الأوطان من الولوج في منحنيات العولمة والكوكبية وضياع الهوية واللغة أيضًا؟

معن بشور: ممّا لا شك فيه الثورة الجزائرية بتضحياتها، ببطولاتها، بإنجازاتها تركت آثاراً في كل بلادنا العربية، لا بل في كل بلاد العالم من دون استثناء. وكما كتبت في مقالي فيما كان استقلال الولايات المتحدة الذي تمّ في الرابع من تموز سنة 1776 إعلانًا لدولة ظلمت العالم كان استقلال الجزائر إطلاقًا لدولة ناصرت كل أحرار العالم في إفريقيا وفي آسيا وفي أميركا اللاتينية ولبنان بشكل خاص كانت الجزائر بالنسبة له تعني الكثير، أنا أذكر حين دعينا في المنتدى القومي العربي الرئيس بن بيلا رحمة الله عليه عام 1997 كيف استقبل في لبنان.

يحيى أبو زكريا: أتذكّر صحيح.

معن بشور: لم يبقَ زعيم لبناني سياسي أو روحي إلا واستقبل هذا الرجل واحتفل به حتى قال لي رحمه الله وكان مع زوجته قال لم أرَ استقبالًا في حياتي مثل استقبال يوم العودة إلى الجزائر بعد الاستقلال كالاستقبال الذي رأيته في لبنان. كذلك الأمر يوم كرّمت الميادين المناضلة جميلة بحيرد كذلك اجتمع اللبنانيون جميعًا في قاعة الأونيسكو يشاركون الميادين تكريمها لهذه المناضلة الكبيرة. وكان الأمر نفسه حين أقمنا تكريماً للأستاذ عبد الحميد مهري رحمة الله عليه أيضًا في أحد عشاءاتنا السنوية، وكذلك الأمر بالنسبة للمجاهد سيّد أخضر بورقا وهي مناسبة أن نحيّي الشهداء من هؤلاء ونحيّي الأحياء منهم وفي طليعتهم سيّد لخضر والمجاهدة جميلة بحيرد.

أريد أن أقول لبنان عنت له الكثير، ولذلك من الصعب أن نقرأ الثورة الفلسطينية من دون انعكاس الثورة الجزائرية على انطلاقتها، وحين اختار الإخوة في فتح إسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني كانوا يحاولون أن يستعيدوا تجربة جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وكذلك لا يمكن أن ننكر دور الثورة الجزائرية، وإرثها المقاوم في إطلاق المقاومة اللبنانية التي نحتفل هذه الأيام بعيد انتصارها على العدوان ولا أنسى هنا كيف هبّ الجزائريون يوم العدوان في تموز يوم حصار بيروت يوم هبّت جاءت طائرات محمّلة مع عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي آنذاك الأستاذ حسن عريبي، جاؤوا إلى لبنان بمساعدات كبيرة للشعب اللبناني. واليوم إسمح لي هنا وفي ظلّ الظروف التي يعيشها لبنان، أنا أعتقد أنّ القيادات الجزائري والرئيس الجزائري يجب أن يأخذوا مبادرات باتجاه مساعدة اللبنانيين على تجاوز محنتهم هم يدفعون، اليوم ما يدفعونه بسبب أنهم التزموا بالخط الذي أطلقته ثورة الجزائر وثورة ناصر والثورات العربية كلّها.

لذلك أنا أعتقد هذه العلاقة بين الجزائر وبين لبنان وبالمناسبة أذكر أنه السفير السابق في لبنان أحمد بو زيان وهو حفيد ذلك الثائر الكبير، ولا بد هنا من أن نتذكّر هذا المصري الذي أشرت إليه موسى وهو دمياطي مصري، هذا الرجل الذي قاتل منذ اليوم الأول لاحتلال الجزائر قاتل 18 عامًا حتى استشهد في إحدى المعارك، ونذكر العشرات من الأطباء نور الدين الأتاسي، وإبراهيم باخوس ويوسف سعيد وخليل سمارة الذين ذهبوا من سوريا ليتطوّعوا في الجزائر، وكذلك الأمر من بلدان المغرب العربي ومن لبنان وغيرها واللبنانيون بشكل خاص.

يحيى أبو زكريا: ولا تنسى تشي غيفارا كان مُقيمًا في الجزائر العاصمة.

معن بشور: هذا على المستوى العالمي أنا أتحدّث عن لبنان واللبنانيون لا ينسون دور الأمير عبد القادر الجزائري في دمشق حين حمى في بيوته وبيوت إخوانه الكثير من العائلات المسيحية إبّان المحنة الكبرى سنة 1860 ولا ننسى تلك العلاقة بينه وبين أحد زعماء لبنان يوسف كرم الذي أشاد يومها الأمير عبد القادر بموقف موارنة لبنان الذين رفضوا أن يأخذهم الفرنسي الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر لأنهم يعرفون العربية وكونهم مسيحيين يمكن أن يكونوا متعاطفين مع الاستعمار، قال له ليست مهمتنا أن نحمي استعمارًا في بلد نحن نناضل فيه ضد الاستعمار.

يحيى أبو زكريا: يا سلام.

معن بشور: هذه العلاقة الوثيقة بين لبنان والجزائر تؤكّد أن الإرث المقاوم هو إرث محفور في ذاكرة الشعوب مهما حاولوا طمسها، وبالتالي هذا الإرث هو حصن نتحصّن به في مواجهة كل الهجمات المتعدّدة الأشكال من ثقافية وإعلامية، وطبعًا عسكرية وأمنية التي نواجهها واقتصادية واجتماعية هذا الإرث المقاوم هو الذي يمنحنا القدرة على التأكيد أن ما من ظلم يدوم، ونحن كنّا دائمًا نقول في معركة التحرير في لبنان حين يقولون هل نستطيع أن نقاوم إسرائيل قلنا كما قاوم الجزائريون الاستعمار الفرنسي نحن نستطيع أن نقاوم الاحتلال الصهيوني، وهذا حصل في 25 أيار عام 2000 وكذلك في تموز 2006 يوم ردّ العدوان.

يحيى أبو زكريا: ودعني أضمّ صوتي إلى صوتك الكريم والعربي الأصيل، وأدعو القيادة السياسية في الجزائر إلى دعم لبنان حقيقة ولو على سبيل وضع وديعة بخمسة مليارات دولار في المصرف المركزي اللبناني لأن الشعب اللبناني يتعرّض للذبح من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي مَن يتبجّح بهكذا ذبح هو الكيان الإسرائيلي وأتصوّر أنّ الرسالة وصلت.

معن بشور: وحينها لن يقولوا نتوجّه شرقًا، نحن نتوجّه غربًا الجزائر هي غرب لبنان.

يحيى أبو زكريا: والجزائر كما تعلم أسّست للمقاومات، وأنا أتصوّر أنّ الجزائريين أصحاب إنفة وكرامة.

دكتور محمد الأمين بلغيت كيف نحافظ على هذا الإرث المقاوِم والذاكِرة الوطنية الجزائرية التي أفاد منها كل العرب؟ وأنت تعرف جاك لاكوتور قال في جريدة لوموند الفرنسية إنّ الجزائر أصبحت كعبة الثوار والأحرار في العالم وأنت تعرف أيضًا، ونحن من نفس المنطقة دكتور محمد مَن كان يتردّد على الجزائر من قادة المقاومات والثورات وما أكثرهم. وهل بالإمكان أن نؤسّس لفضائية في الجزائر العاصمة أقصد الدولة طبعًا للحفاظ على الذاكرة الوطنية، تاريخ الجزائر القديم والراهن وأيضًا كل الوثائقيات المتعلقة ببطولات وأمجاد الثورة الجزائرية.

محمد الأمين بلغيت: دكتور يحيى شكرًا على حُسن السؤال، هنا في الجزائر الآن هناك نشاط كبير جدًا على مستوى السلطة، وعلى مستوى المجتمع المدني خاصة المجتمع المدني، فهناك قيادات متميّزة من شبان تخرّجوا من مدارس وجامعات جزائرية دكاترة وباحثين يسعون من أجل لملمة أمورهم بعد سنة كاملة من الحراك المبارك من أجل جمع عشرة ملايين توقيع لمحاكمة شعبية، ولو رمزية لفرنسا الاستعمارية لخمسة أجيال كاملة. وطبعًا أنت تعرف أخي يحيى أبو زكريا الجزائر مُستهدفة من قِبَل فرنسا الاستعمارية، وأنت تذكر سنة 2011 كيف كان يستفزّ ساركوزي هذا المجرم الجزائر حينما كان له دور كبير جدًا من خلال الحلف الأطلسي في إسقاط معمّر القذافي الذي يذكّرهم بجبهة الصمود والتصدّي التي كانت تجمع أنظمة لم تكن سهلة أمام الإمبريالية، وقد كانت عصيّة رغم اختلاف تصوّراتنا للعلاقات الدولية، لكن تبقى الجزائر وتونس الآن هي في فم الأسد أو في فم الوحش، وهذا الأمر مجمع عليه لأن الجزائر الآن التي يبلغ طول حدودها آلاف الكيلومترات تسعى من أجل ضبط أمورها لوضع حد للجريمة المنظمة، ولاخترقات حدودنا بالمخدّرات والأسلحة والجماعات الإرهابية الشبيهة لمّا كانت ولا تزال تقوم به داعش في كثير من مناطق العالم، وخاصة في أرضنا المسلمة والعربية، الجزائر الآن تضمّ تراث وقِيَم ثورية متميّزة تذكّرنا بما كان يقوم به أسلافنا، لكن تبقى الآن أن الدولة الجزائرية تتعافى شيئًا فشيئًا بعد الانتخابات التي حدثت في 12 12 2019 ونحن نسعى من أجل نَفَسٍ جديد أولًا من أجل قطع جذور السرطان المُتقدّم في بلدنا من حزب فرنسا كما نسمّيه وهم أبناء الغيات وأبناء البشاوات وهؤلاء العملاء الذين ساروا في ركاب الاستعمار لأكثر من سنة كاملة ولا يزالون بيننا. بالمناسبة لا يزالون بيننا داخل القلعة قلعتنا مُهدّدة من الداخل والسلطة السياسية العليا والمجتمع المدني والمثقفون وأحرار الوطن وأبناء الشهداء وأبناء المجاهدين يدركون الجزائر الآن تستكمل استقلالها وسيادتها وهذا بالمشروع الكبير جدًا إسمه رفع الوصاية الفرنسية على الجزائر، ولذلك هذه المُغازلات التي تأتينا من كيتور سي ومن قصر مارتنيو وغيرها هي جزء لا يتجزّأ من ألاعيب الفرنسيين من أجل إبقاء الجزائر جزء لا يتجزّأ من هذا المعين الذي لا ينضب لتحقيق رفاهية في المجتمع الفرنسي في المتروبول لإعادة الاعتبار لآلاف الشركات الفرنسية المفلسة في الجزائر وفي المغرب العربي.

لذلك أعتقد أنّ هذه الصورة وهذا التراث وهذه التراكُمات للجزائر المُجاهِدة للجزائر الخالِدة جزائر التحدّي هي صورة مُتميّزة جدًا لما يقوم به الآن على الأقل جزء كبير جدًا من المجتمع المدني، والذي يسعى من أجل تعرية أولئك الذين يسعون أن يكونوا كما كان أسلافهم من الخَوَنة معين ورأس حربة لفرنسا الاستعمارية ومشاريعها في مطلع الألفية الثالثة من القرن الحادي والعشرين.

يحيى أبو زكريا: طبعًا لا شك أن حزب فرنسا تضاءل في الجزائر، لكن هو يمتلك أمصالاً قوية وتحاول فرنسا أن تعبث حقيقة بالأمن الجزائري عبر ليبيا، وحتى تونس، عبر دعم حركات إرهابية وما إلى ذلك عبر دعم الانفصاليين حركة مهنا فرحات مهنا وما إلى ذلك، لكنها يجب أن تدرك وهذه رسالة لفرنسا أن أولاد العربي بن مهدي ما زالوا في الجزائر، وأولاد الأمير عبد القادر الجزائري ما زالوا في الجزائر، وأولاد أبو اليقظان والشيخ المقراني وعبد الحميد بن باديس ما زالوا في الجزائر. وهذه الجينات إن شاء الله ستضع حدًا لحزب فرنسا الذي عمل على تلويث الجزائر وإخراجها من دائرتها الحضارية، أليس كذلك أستاذ معن؟

معن بشور: من دون شك ثقتنا كبيرة بشعب الجزائر، ونحن نعتقد أنّ هذا الشعب باتت له مكانة في العالم كله وليس فقط في الجزائر أو في المغرب العربي أو حتى في الأمّة العربية، وأنا أعتقد أن هذه الدروس التي تحملها الثورة الجزائرية يجب أن تكون مجال تعميم تقوم به أحزابنا جمعياتنا منتدياتنا دولنا وإعلامنا بالدرجة الأولى، لأنّ هذه الذاكرة الوطنية كما قلت هي حصن لنا. ما الذي يُحصّن اليوم الجزائر بوجه التدخّلات الأجنبية؟ إنّها ذاكرة الشعب الجزائري المُغمّسة بدماء الشهداء، هذه الجماجم اليوم هي حصن للجزائر بوجه أي تدخّل من فرنسا ومن غير فرنسا، وأنا أعتقد هنا أنّه رغم كل الظروف الصعبة التي مرّت بها الجزائر نلاحظ أنّها في الموضوع الفلسطيني لم تُجامِل أبدًا، وأنا لا أنسى موقفًا لوزير خارجية الجزائر سنة 2005 حين ظنّ الكثيرون أنّه بعد احتلال العراق أصبح الطريق مفتوحًا أمام التطبيع وانعقدت قمّة في الجزائر وقيل يومها أنّها ستكون قمّة  التطبيع الشامل وقف هذا الوزير الأستاذ عبد العزيز، بل خادم ليقول ليس في الجزائر البلد الذي يخرج منه التطبيع وقال قبله بو مدين لا يُستكمَل استقلال الجزائر إلا بتحرير فلسطين.

الجزائر أيضًا في سوريا لم تجارِ الموجة التي انطلقت سنة 2011 من النظام الرسمي العربي للإطباق على سوريا ولتنفيذ عقوبات العدو على سوريا، وهي عقوبات ما زالت مستمرة حتى الساعة من خلال ما يُسمّى قانون قيصر الذي يشمل لبنان وسوريا والعراق وكل الدول.

يحيى أبو زكريا: بالمناسبة انطلقت مبادرات الآن في الجزائر لوضع حد لقانون فيصر وإرسال مساعدات إلى سوريا العربية.

معن بشور: تمامًا، وأنا أذكر دور الجزائر أيضًا في موضوع غزّة، أنا أذكر كيف أنّ جمعية العلماء المسلمين في الجزائر تتولّى إنشاء مستشفى في غزَّة، وتولّت إرسال قوافل، بعضها وصل وبعضها لم يصل وكانت بإشراف مسؤول العلاقات الخارجية في جمعية العلماء المسلمين أخونا عبد الكريم رسلي والذي كان أيضًا هو وأخوة له في الجزائر وراء أكبر مشاركة في أسطول الحرية سفينة 6000 طن من مواد البناء التي احتجزها الصهاينة..

يحيى أبو زكريا: وفريقنا الكروي يخسر حتى ينتصر الفريق الفلسطيني وفي أرض الجزائر.

معن بشور: حين يخيّر في مقابلة تلفزيونية شباب الجزائر بين جنسية أخرى بعد الجنسية الجزائرية الجميع يقول الجنسية الفلسطينية هذه هي الجزائر التي لها مكانة في كل بلد عربي. كذلك الأمر حينما كان الأمر مُتعلّقًا بالعراق كم تحرّك الجزائريون لنُصرة العراق كم خرجت تظاهرات بمئات الآلاف انتصارًا للعراق بوجه الحرب والاحتلال والتي كانت هي تمهيداً لما نراه اليوم من صفقة القرن وغير صفقة القرن ومن حروب على سوريا ولبنان وحصار لإيران ولغيرها، كلّها بدأت في تلك الحرب التي كان الجزائريون من أوائل أبناء أمّتنا المُتنبّهين لها.

يحيى أبو زكريا: وكم كان بارنر هنري ليفي يقول المعركة المقبلة في الجزائر، فقال له الجزائريون خسئت خسئت خسئت نحن عندنا مناعة ضد الاستعمار وضد الاستكبار.

معن بشور: ويوم قال الوزير الخليجي في الجامعة العربية لمندوب الجزائر أنّ الدور آتٍ إليكم يا جزائريين.

يحيى أبو زكريا: صحيح وعندها لقّنته درسًا لا داعي أن أكرّره.

دكتور محمد الأمين بلغيت طبعًا هؤلاء الشهداء العائدون المجد والخلود لشهدائنا من جهتي، دعني أوجّه إليهم تحية عسكرية وأقول لهم مرحبًا بكم في أرض المليون ونصف مليون شهيد، لكن ماذا عن بقيّة شهدائنا في أرض الاستعمار فرنسا؟

محمد الأمين بلغيت: والله أنا قلت في أكثر من مؤانسة دكتور يحيى أبو زكريا ومن خلالك الرجل المهذب والفاضل معن بشور عودة 24 من بقايا رفاة أبطالنا الذين أكرمناهم وإكرام الميت دفنه، ولو بعد 171 سنة قلت إنّ هذه هي الخطوة الأولى بالاتجاه السليم في رحلة المليون ميل، لكن يبقى الآن على المستوى الأعلى هناك تفاوض كبير أولًا من أجل استعادة بقّية الرفاة المعلومين وهم 11 أو 13 من 37 أو 44 والأمر ليس بسهولة بمكان حتى هؤلاء الـ 24 كلهم جزائريون والحمد والشكر والنعمة لله، لكن يبقى من هؤلاء مَن لا نعرف له إلا الإسم الأول أو الإسم الثاني، وبالتالي الأمر يتطلّب دراسة وتقنيات عالية على مستوى الأطباء وخبراء في كل شيء. لذلك المعركة ستطول بيننا وبين الفرنسيين. لكن الثابت هذه المعركة أو هذه الخطوة ستبقى إلى أن نستعيد كما وعدت وكما أقسمت بالله عزّ وجل أننا سنستعيد أبو مرزو الذي يقبع الآن فوقه الديك الفرنسي غير النظيف وغير الطاهر في مدينة برست في الحدود البحرية للأطلسي. لكن تبقى هذه المعركة بين سلطة قائمة متميّزة جدا تعرف يقيناً أن فرنسا عدو الماضي والحاضر والمستقبل، وأنّ فرنسا كما قال ذات يوم الشهيد العربي تبيسي بن بلقاس بن تبيسي رحمة الله فمن عاش منكم فليعش بحقده على فرنسا ومن مات منكم فليحمل حقده على فرنسا إلى قبره.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد ذكرت الشهيد الشيخ العربي تبسي حافظ القرآن والرجل القرآني، دعني أذكّر جيل الشباب الجزائري أنّ هذا لا قبر له لأن فرنسا أذابت لحمه بالزيت الحارق وبالإسفلت فتبدّد لحمه وعظمه، وهو الشهيد الذي لا قبر له.

أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر، وأقسمنا بالله ثلاثة أن نحترم ونقدّس مَن قال  أقسمنا بالدماء أنّ تحيا الجزائر ولن نترك أجسادهم في فرنسا ستعود مُعزّزة مُكرّمة لتدفن في كل أراضي الجزائر من تمنرصت حتى سيدي فرج بحول الله وقوّته.

محمد الأمين بلغيت: فاشهدوا افشهدوا فاشهدوا.

يحيى أبو زكريا: فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا الدكتور محمد الأمين بلغيت المؤرّخ الكبير الجزائري شكرًا جزيلًا لك، كنت معنا من أرض الشهداء أرض المجاهدين أرض الأحرار الجزائر، الأستاذ معن بشّور من لبنان الحبيب لبنان المقاوم الذي نحب لبنان الذي الآن يقاوم ليحافظ على دوره المقاوم شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه كما الشهداء لا يضيعون ولا يتبدّدون.