الأرمن في دول الانتشار

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساؤكم خير، تترك الصراعات التاريخية بصماتها في النفس البشرية فكيف إذا كانت على شكل إبادة لثلثي شعبٍ بكامله، وكيف إذا نجمت عنها مآسٍ وهجرات وأهوال، عندها تصبح مُلتصقةً بالأجيال الناجية التي تسعى لابتلاعها، عن الأرمن طبعاً أتكلّم الذين لم يطالبوا من جرّاء تميّزهم وإيمانهم سوى الاعتراف بآلامهم وبالإبادة وبالتعويض، الإبادة التي نفّذها الأتراك بحقّهم وبالاعتذار من أجيالهم التي ورثت المُعاناة وتاريخها الدموي الثقيل. الأرمن في المشرق كأهله، فهم من سدنة البيت عبر التاريخ وموجودون قبل مجيء العرب لا بل ساعدوهم ضد البيزنطيين، لكنّ حضورهم في لبنان وسوريا تكثّف بعد الإبادة وباتوا من نسيجهما الاجتماعي والسياسي مع محافظتهم طبعاً على لغتهم وتقاليدهم وموروثهم، وأمام بعض النزعات الارتدادية للعَثْمَنة الحديثة تظهر أصوات نشازٍ حيال كل هذا، حيال الأرمن وحضورهم ومستقبلهم ضمن مستقبل المشرق نحاور النائب هاغوب بقرادونيان الأمين العام لحزب الطاشناق بعد هذا التقرير. 

تقرير: 

صحيحٌ أن غالبيّة الأرمن وصلوا لبنان عام 1915 كناجين من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها تركيا بحقّهم وذهب ضحيّتها مليون ونصف مليون أرمني، لكن كان لهم تواجدٌ في جبل لبنان وبطريركية للأرمن الكاثوليك منذ القرن الثامن عشر، وأقاموا في برج حمود وبيروت وأنطلياس التي باتت مقرّ كاثوليكوسيّة بيت كيليكيا للأرمن الأورثوذكس وهم الغالبية، وفي عنجر شرق لبنان، وقُدّر عددهم بمئة وستين ألف نسمة هاجر قسمٌ كبير منهم خلال الحرب الأهلية.

حملوا الجنسية اللبنانية عام 1924 وهم سابع طائفة من حيث الحجم من الأورثوذكس والكاثوليك والإنجيليين، وبات لهم مقعد نيابي بعد عشر سنوات، وأوّل وزير أرمني جاء عام 1960.

وبموجب اتفاق الطائف صار لهم ستة نواب، خمسةٌ للأرمن الأورثوذكس وواحدٌ للكاثوليك من أحزابهم الثلاثة: الطاشناق والهنشاق والرامغافار، ووزيرٌ واحدٌ في الحكومات المُصغّرة ووزيران في الحكومات ما فوق الأربعة والعشرين وزيراً، ومناصب في الإدارات العامة مثل غيرهم من الطوائف.

أدّى الأرمن دوراً هاماً في الاقتصاد والثقافة والتجارة والصناعة والمجوهرات والموسيقى والمسرح والرسم والرياضة عبر ثلاثة أنديةٍ بارزة، وظهر منهم مبدعون كُثر، في الموسيقى جيلاليان وهاروت فازيليان قائد الأوركسترا السمفونية اللبنانية، وفي المسرح اللبناني بيرج فازيليان وجيرار أفيديسيان، وفي الرسم بول غيراغوسيان وآخرون في النحت والشعر والأدب أيضاً، ويحافظون على لغتهم وهويّتهم القومية، ولهم أكثر من 70 مدرسة وجامعة هايكازيان، وما زالوا يطالبون تركيا بالاعتراف بالإبادة وإعطائهم حقوقهم.  

غسان الشامي: أحيّيكم، أهلاً أستاذ هاغوب ضيفاً عزيزاً سيّدي.   

هاغوب بقرادونيان: مساء الخير.

غسان الشامي: مئة عام على لبنان الكبير، طبعاً نتيجة الظروف لم تحصل احتفالات ومن الصعب حصولها ولكن أنتم كأرمن شهودٌ على ولادته، ماذا كان دوركم في هذه المئة عام؟   

هاغوب بقرادونيان: أولاً أودّ أن أشكرك على المقدّمة التي لا كلام بعدها وخاصة للمشاهد العربي، للمشاهد المسلم والمسيحي في كل المنطقة العربية. إذا قرأنا التاريخ وللأسف الشديد لا نقرأ، نعرف ما أهمية هذه المنطقة بالنسبة للحضارة العالمية وما دور كل عنصر، كل طائفة، كل شعب من هذه الفُسيفساء في تمكين هذه الحضارة ومساعدة الآخرين أن يكون لهم حضارة. أما بالنسبة للسؤال دكتور شامي نحن شهود تأسيس دولة لبنان الكبير، لمَن لا يعرف أقول إن الوجود الأرمني في لبنان يعود إلى ما قبل المسيح، عندما أتى الملك الأرمني ديكران إلى لبنان وسوريا لا بل في القرون الوسطى وفي القرن الثامن عشر تأسّست بطريركية الأرمن الكاثوليك في لبنان في بزمّار.  

غسان الشامي: نعم نحن ذكرنا ذلك في التقرير.

هاغوب بقرادونيان: وتأسّست جمعيات حتى الجامعة الأميركية في لبنان تم تأسيسها على يد أحد الرهبان الأرمن الذي أتى من القدس إلى لبنان.  

غسان الشامي: ولكن أنتم أيضاً لكم حضور في القدس من القرن السابع.  

هاغوب بقرادونيان: بطريركية الأرمن الأورثوذكس في القدس تأسّست عام 638 ولن أخوض في الوجود الأرمني في مصر أيام الخلافة العربية، رئيس وزراء أرمني في عهد محمّد علي، أربعة أو خمسة وزراء خارجية أرمن، نوبار نوباريان، يوسف أفندي إلى ما هنالك، أو في العراق في بلاد ما بين النهرين أو في سوريا، مثلاً الوجود الأرمني في اللاذقية وفي حلب وفي دمشق يعود إلى القرن الخامس عشر، إلى القرن الرابع عشر، كنيسة الأرمن في حلب تعود إلى القرن الخامس عشر، فالذي يقول بأن الأرمني طارئ على هذه المنطقة أقوله له أنه أمّي لا يعرف التاريخ.  

غسان الشامي: ما هو دوركم في هذا اللبنان الكبير؟ 

هاغوب بقرادونيان: دور مؤسّس لا شك، بعد الإبادة التركية وأنا أسمّيها الإبادة التركية وليست العثمانية، في النهاية الحُكم هو استمرار وتركيا الحديثة هي الوريث الشرعي للدولة العثمانية بواجباتها وبحقوقها، الفرق أن النظام العثماني ونظام الاتحاد والترقّي قرّر ونفّذ بامتياز هذه الإبادة، وأساس الإبادة لم تكن يوماً أي خلاف ديني لا بل خلاف حول البانطورانية والبان - عثمانية كما نعرف. مجيء الأرمن بعد تهجيرهم إلى هذه المنطقة من سوريا ولبنان وإعلان دولة لبنان الكبير تزامن مع الوجود الأرمني وقد شاركنا في ثاني مجلس نيابي لبناني بعد 1920 وشاركنا في إعلان استقلال لبنان. 

غسان الشامي: أعطوكم نائباً.

هاغوب بقرادونيان: نائب أقليات ومن ثم أرمني، وشاركنا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية والصناعة والمصارف. في كل أجزاء الحياة اللبنانية لا بدّ من أن نفتّش عن أرمني، وأنا أقول أرمني وأنا اللبناني بامتياز، فالذي ينكر أصله لا أصل له، أنا لا أزيد شيئاً إذا قلت أنا أصلي لبناني بل أزيد شيئاً عندما أقول أنا لبناني أرمني مثل اللبناني السرياني، مثل اللبناني الكردي، مثل اللبناني الماروني، الأورثوذكسي، السنّي والشيعي والدرزي والكاثوليكي.

غسان الشامي: أليس في هذا تعميق لطائفية ما؟ 

هاغوب بقرادونيان: بالعكس، نحن كطائفة أرمنية وكجذور أرمنية في النهاية لبنانيّتي تأسّست على الولاء والوفاء لهذه الدولة، وما المواطنة إلا الولاء والوفاء، أنا أفتخر بجذوري الأرمنية مثلما يفتخر غيري بجذوره العربية. أنا لست عربياً لكنني عروبي بامتياز وأؤمن وأناضل لأجل القضايا العربية، بكل بساطة أقول ربما أكثر من بعض العرب.    

غسان الشامي: حالياً أكثر بكثير من بعض العرب.

هاغوب بقرادونيان: أعتذر على هذا الكلام لأن الإيمان والولاء والوفاء أهم بكثير من الطائفية الضيّقة والمذهبية الضيّقة. أعترف بأن بعض اللبنانيين لا زالوا لا يهتمّون بهذه القضايا، نحن جزء لا يتجزّأ في هذه الفُسيسفاء، نحن جزء من دولة لبنان الكبير، نحن جزء أساسي ومؤسّس في لبنان الاستقلال، صحيح أنه كان الاستقبال بترحيبٍ واسع للأرمن في لبنان لكنني أقول بصراحة إننا دفعنا الثمن غالياً ونحن لا ننكر الفضل لكننا لم نشارك في تدمير هذا البلد ولا في سرقته.

غسان الشامي: سآتي إلى هذا. وثائق تأسيس لبنان الكبير وجدتُّ فيها وتحديداً منذ عام 1924 أي عندما أخذ أغلبية الأرمن الجنسية اللبنانية. 

هاغوب بقرادونيان: كل (اللبنانيين) أخذوا الجنسية اللبنانية.

غسان الشامي: ولكن الإضافة الأرمنية شكّلت إضافة أساسية على الحضور المسيحي، وهذا اللبنان تأسّس على هذا النموذج الطائفي الذي وصلنا إليه حالياً، حالياً لبنان كما ترى وأنت مشارك مُزمِن في الحياة السياسية اللبنانية، بعد مئة عام هو يترنّح، البعض يقول إنه هوى، كيف تنظرون إلى موقع لبنان ومستقبله؟ 

هاغوب بقرادونيان: سؤال صعب ولا يمكنني الإجابة عليه بتفاؤلي الطبيعي لكن هل لنا خيارٌ آخر إلا أن نعيش في لبنان؟ وهل نريد أن نعيش في لبنان الخراب أو أن نعيش سوياً مُتكاتفين لأجل لبنانٍ أفضل؟ هذا هو السؤال، جرّبنا الطائفية والمذهبية والمناطقية والعشائرية، جرّبنا الحرب، جرّبنا الخارج، جرّبنا التدخلات الأجنبية، جرّبنا الاحتلالات الخارجية، جرّبنا الرأسمالية الفاحشة، جرّبنا الاقتصاد العالمي، جرّبنا الحدود والسماوات المفتوحة ولكن نحن اليوم في واقعٍ أليم، الشعب يترنّح وفكرة لبنان الوطن تزول. أنا اللبناني مع أخي اللبناني هل بإمكاننا أن نقف ولو لساعة ونتحاور بصدق وبصراحة وننظر إلى الأعين مباشرة ونقول لبعضنا البعض وصل وقت الصراحة، هل بإمكاننا أن نعود ونبني لبنان الجديد، لبنان الحضارة، لبنان الرسالة، لبنان المستقبل لأولادنا ولأحفادنا.  

غسان الشامي: سيّدي العزيز ألا يحتاج هذا اللبنان الذي هوى، لا أنا ولا أنت نقول هذا الكلام، هذا ما يقوله أكبر مُتحكّم في هذه الدولة، هناك قادة ورؤساء حكومات يبكون أكثر منّا ويشتكون أكثر مما نشتكي منه كمواطنين، ألا يحتاج إلى عقدٍ اجتماعي جديد؟ ألا يجب أن يقول إن العقد الاجتماعي التأسيسي للبنان الكبير قبل مئة عام قد ذهب؟ على ماذا يجب أن يُبنى هذا العقد الجديد برأيك؟ تعرف أن صديقنا زياد الرحباني يتنمّر على "لبنان الجديد غناني ومواعيد وكرم وعناقيد" ولكن أيّ لبنان جديد يمكن أن يعيش؟

هاغوب بقرادونيان: إذا أردنا أن نرى لبنان الجديد يجب أن نتّعظ من الماضي، من التاريخ. للأسف الشديد بعد الاستقلال لم نتمكّن من بناء وطن ولا دولة ولا مواطن، والسبيل الوحيد هو إعادة النظر بمفهوم المواطنة عند اللبناني، هل أنا ماروني قبل أن أكون لبنانياً؟ هل أنا سنّي وشيعي قبل أن أكون لبنانياً؟ هل أنا أرمني أو أورثوذكسي أو كاثوليكي قبل أن أكون لبنانياً؟ الخوف أكبر من الهاجس. إذا فكّرنا اليوم بعقد جديد بين اللبنانيين لا زلنا نخاف من بعضنا البعض، لا زال المنطق الطائفي المذهبي بين الجامع والكنيسة، هذا المنطق يشكّل الخوف عند الناس. للأسف لم نستطع نحن أن نحلّ مشاكل الحرب، كنا نتوهّم أن الفتنة انتهت، أن الحرب انتهت، اليوم نرى بأن الأسباب التي أدّت إلى الحرب اللبنانية أو حرب الآخرين في لبنان واليوم حرب آخرين في لبنان أيضاً لم تنتهِ ولم نعالج، زِد على ذلك الفساد والنهب وإلى ما هنالك من أزمات وآفات وموبقات في لبنان، نخاف من كلمة العقد الاجتماعي أو عقد المواطنة الجديدة ويخاف المسيحي في هذا الإطار لأننا نعود ونتحدّث عن المُناصفة والمُثالثة والمُرابعة ومَن رئيس الجمهورية ولأية طائفة يتبع، لا نشكّل مجلس شيوخ، نخاف على جنس رئيس المجلس، لكن المشكلة واقعة ولا سبيل لحل أية مشكلة في لبنان إلا عن طريق الحوار.   

غسان الشامي: أين أنتم كأرمن من الآتي إلى لبنان؟ أيضاً ما دور حزب الطاشناق وهو أكبر حزب أرمني في صوغ مستقبل لبنان سيّدي؟     

هاغوب بقرادونيان: دكتورنا العزيز كل طائفة وكل حزب يعرف قدراته.  

غسان الشامي: ولكن نعلم أنّ عندكم عُلماء وكتّاب ومثقّفون وأصحاب أفكار نيّرة في الحزب.

هاغوب بقرادونيان: بالتأكيد لكن كل طرف سياسي يتحدّى أو يقطع حدوده يؤتي بالويل لحزبه ولوطنه، من هذا المنطلق نحن بكل تواضع نقول إن دورنا الأساسي منذ الاستقلال وحتى اليوم وحتى أثناء الحرب اللبنانية، الذي لم يحمل السلاح اعتُبر خائناً وكأن قتل الناس وتدمير الوطن والخطف أصبحن من الأشياء الطبيعية والبطولات لكن الوقوف على حياد مُلتزم وليس الحياد الإيجابي، حياد ملتزم يرفض الدمار، يرفض الخطف، يرفض السرقة، ويدافع عن نفسه وعن موقفه ويدفع الثمن غالياً اعتُبر خائناً. 

غسان الشامي: أنتم دفعتم ثمناً سياسياً.

هاغوب بقرادونيان: ثمناً سياسياً وشعبياً غالياً، المناطق الأرمنية تعرّضت لهجمات            واغتيالات واعتقالات ولتدخّلات خارجية حدِّث ولا حَرَج، لكننا دافعنا عن الصيغة التي نعتبرها الصيغة الفُضلى في لبنان وهي لغة الحوار. جرّبنا الحرب 15 سنة وذهبنا إلى الطائف لنتّفق، قبل مؤتمر الدوحة دقّينا ناقوس الخطر أننا ذاهبون نحو الفتنة، نحو الحرب ووقعت الحرب، ذهبنا إلى الدوحة واليوم أيضاً ومشاركتنا في الجلسة الأخيرة في قصر بعبدا كانت من منطلق ألا سبيل إلا الحوار، الخيار إما السلاح وإما الحوار، سبيلنا الوحيد ورغم كل الاتهام ورغم كل الهجمة ورغم تفكير بعض الناس أن هذه الفكرة ماركنتالية، تجّار يخافون من الحرب مع أن كبار التجار لا يخافون من الحرب.  

غسان الشامي: ألا يبدو حوار طرشان مئة عام ووصل لبنان إلى ما وصل إليه؟

هاغوب بقرادونيان: ما هو الحل البديل؟ جرّبنا الحرب، أصبحنا أزلام وسلاح الغير في لبنان، أيام الحرب اللبنانية سنة 1958، سنة 1949، سنة 1952 لكن وصلنا، اليوم هناك حصار أميركي على كل المنطقة العربية المُمانِعة، هناك حصار إقليمي وهناك حصار داخلي، ما هو السبيل؟ أن نُسقط الحكومة ونأتي بحكومة جديدة، هل نستطيع أن نشكلّ حكومة اليوم؟ لا، نتلاعب بالدولار ولكن المواطن هو الذي يدفع الثمن، المهم أن تكون هناك ثقة أن المتحاور لا يأتِ بسلاحه معه بل يأتي بعقل مفتوح، بانفتاحٍ تام ومن منطلق أحترمك بشرط أن تحترمني، أعترف بخصوصياتك شرط أن تعترف بخصوصياتي، هذا المنطق في لبنان، الطوائف الكبيرة والصغيرة، كيف نحتسب الكِبَر والصِغَر؟ بالعدد أم بالولاء والوفاء للوطن، بما نعطي للوطن إذا كان لدينا للأسف مفهوم الوطن. 

غسان الشامي: دعنا نذهب إلى فاصل ونعاود، انتظرونا بعد الفاصل إذا سمحتم.

المحور الثاني:   

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، أستاذ هاغوب بقرادونيان سيّدي العزيز طبعاً أنت تعلم وتعرف البرنامج جيداً، نحن لا نحاور كثيراً في السياسة بل في الفكر السياسي وقراءة لواقعنا الاجتماعي الثقافي ولكن كونك تكلّمت في آخر قسم من الحديث عن شيءٍ سياسي أريد أن أسألك، أنتم الأرمن في لبنان دائماً منذ مئة عام مع أي رئيس جمهورية أتى من حصة رئيس الجمهورية أو داعمين لرئيس الجمهورية أياً كان، لماذا هذه المُقاربة؟ 

هاغوب بقرادونيان: الفكرة الأساسية إننا مع مفهوم الدولة ومع الشرعية، شرعية الحُكم وشرعية السلطة لأننا ننطلق من تجربة مأساوية، تجربة شعب خسر وطنه هي غير تجربة شعب له إمكانية الاختبار، نحن خسرنا وطناً، خسرنا أرضاً، خسرنا دولة، ونعرف مدى قيمة الدولة وقيمة الوطن، من هذا المنطلق نقول إنه لا سبيل إلا اللجوء إلى الدولة.   

غسان الشامي: أنتم تعتبرون أن رئيس الجمهورية يمثّل الدولة؟  

هاغوب بقرادونيان: حتى اتفاق الطائف كان رئيس الجمهورية هو السلطة العليا من دون منازع مع بقيّة السلطات التشريعية والتنفيذية أي رئيسي مجلس النواب والوزراء، بعد الطائف أصبح هناك نوعٌ جديد من السلطة سمّيناها الشرعية ونحن مع هذه الشرعية، صحيح، نحن ندعم رئاسة الجمهورية أياً يكن الرئيس.  

غسان الشامي: ولكن هناك رؤساء جمهورية لم يدعموكم أبداً. 

هاغوب بقرادونيان: بالرغم من أنه كان هناك رؤساء كانت لنا معهم خلافات عميقة لكن رئاسة الجمهورية في لبنان هي الرئاسة الوحيدة المسيحية في كل المنطقة، وأنا أتذكّر من كبار الشخصيات الأرمنية في السلطة التشريعية المرحوم الوزير خاتشيك بابكيان.

غسان الشامي: وهو أول وزير أرمني في العام 1960. 

هاغوب بقرادونيان: في العام 1960 جاء وزيراً للتنمية الإدارية في عهد الرئيس فؤاد شهاب وبعدها أصبح وزيراً للتصميم وبعدها وزيراً للعدل مرتين، ولم تكن في حينها وزارات مهمة وأقل أهمية ودرجة رابعة ودرجة خامسة وسيادية وغير سيادية. في الحرب اللبنانية قال لأحد قادة القوات اللبنانية "لا تُضعفوا رئاسة الجمهورية لأنه عندما تضعف رئاسة الجمهورية في لبنان يفقد المسيحي في المشرق العربي وحتى في إيران والدول الإسلامية أمله بالبقاء في المنطقة"، هذا قبل أكثر من 30 عاماً واليوم نحن نرى أن رئاسة الجمهورية في لبنان ضمانة لكل مسيحيي الشرق لا بل أكثر، ضمانة أيضاً للأنظمة العربية للحفاظ على هذه الرئاسة المسيحية كرمى عيون المواطنين المسيحيين في بلدهم. 

غسان الشامي: هذا يدفعني لأن أسألك عن موقعكم كأرمن، دوركم في المشرق وأنت ذكرت المشرق العربي منذ انتهاء الإبادة من سايكس بيكو ولاحقاً، ليس لبنان فقط ولكن هذا الدور المشرقي لكم كأرمن سيّدي.

هاغوب بقرادونيان: عندما نتحدّث عن دورنا جميعنا نعرف أن أول دولة اعتنقت المسيحية رسمياً هي دولة أرمينيا في العام 301، دورنا أو انطلاقتنا في المنطقة، جذورنا في المنطقة، أرمينيا ليست بعيدة عن الشرق الأوسط، على حدودنا، دورنا بالتأكيد ليس كدور بقيّة الطوائف المسيحية أولاً عددياً، ثانياً مناطقياً بالتواجد، ثالثاً لغوياً، نحن نعرف أن هناك مشكلة أو كارثة هي اللغة.

غسان الشامي: ولكن أنت ما شاء الله.   

هاغوب بقرادونيان: تلميذك أستاذنا.

غسان الشامي: أعوذ بالله.

هاغوب بقرادونيان: لكن كل هذا لم يمنع الأرمني أن يلعب في مصر وفي العراق وفي فلسطين وفي القدس وفي الأردن وفي سوريا الدور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري. إذا عدنا إلى تحرير الأراضي العربية من العثمانيين نرى أن كبار القادة كانوا من الأرمن، في سوريا كبار القادة في الاستقلال كانوا من الأرمن، في مصر، في العراق، في كل أنحاء المنطقة العربية حتى في إيران. نحن نتحدّث عن تاريخ ولا نقول إن الأرمن جاؤوا قبل 50 عاماً وأقاموا المخيّمات للاجئين وتركوا البلد وهاجروا، كلا هم أصيلون وهذا الدور لا يمكننا إلا أن نقول أولأً إن التربة العربية امتزجت بالدم الأرمني، أخوّة ومن ثم المواطنة. أنا لا أعرف مواطناً أرمنياً في أية دولة عربية يفكّر أن يشتم رئيس الجمهورية أو يشتم البلد، للأسف الشديد اليوم موسم الشتائم.

غسان الشامي: وأنا أعلم هذا ونحن بيننا أحاديث طويلة، الأكثر انتماءً إلى أرضهم في المعمعة السورية هم الأرمن وهذا موضع محبة وتقدير من الشعب السوري، أنت قلت إن القضية الأرمنية هي قضية وطنية أستاذ هاغوب ولكن هذه القضية الأرمنية تقع تحت ضغط كبير والحقيقة ضغط عزّ نظيره، كيف يمكن المحافظة على القضية الوطنية الأرمنية في بلاد الانتشار الأرمني؟  

هاغوب بقرادونيان: بالتأكيد من الصعب وأصبحنا اليوم على حدود أن نقول من شبه المستحيل المحافظة عليها لأسباب عدة، لأسباب الاندماج، لأسباب لغوية، اقتصادية واجتماعية والزيجات المختلطة والاتّساع والتوسّع في السكن في مناطق بعيدة عن الغيتو الأرمني، التجمّعات الأرمنية، حتى الأرمني الذي لا يتحدّث اللغة الأرمنية في ظرفٍ معيّن يعود إلى وجدانه، إلى ضميره ويقول أنا الأرمني حفيد الشهيد الذي قُتل على يد الأتراك، لكن المشكلة ونحن نعاني من هذه المشكلة أن بعض الناس وربما نحن محقوقون لأننا لم نفسّر في العقود السابقة، يعتقدون بأن الإبادة ارتُكبت لأن الدولة العثمانية والاتّحاد والترقّي سنّة ونحن مسيحيون وأرمن، وينسون مثلاً أن شريف مكّة حسين إبن الهاشم أصدر فرماناً يقول عن الأتراك الذين قتلوا المسلمين والأرمن والمسيحيين وطالب من كل العشائر في شبه الجزيرة العربية إلى هذه المناطق الحفاظ على الأرمن، يا أخي شريف مكّة هذا سنّي، ما علاقة التركي بجرائمه بإسلامه؟ أنا أقول ومقتنع أن الإسلام لا يقتل، المسلم الحقيقي لا يقتل، لا يُبيد فلماذا نحمّل أو بعض الناس يُحمّلون مسؤولية الإبادة لدولةٍ احتلّت هذه المنطقة مسيحياً وسنّياً وشيعياً ودرزياً وأيزيدياً وكردياً وسريانياً لأنهم سنّة فقط، نحن والطائفة السنّية الكريمة في لبنان لا مشاكل بيننا، فلماذا يقولون إننا إذا تكلّمنا عن الإبادة نكون نستهدف الطائفة السنّيّة، بالعكس.  

غسان الشامي: سأسألك لماذا ولكن هل تتوجّسون من عثمانية جديدة بعد الذي حصل في سوريا والعراق تتوجّسون منها في لبنان؟

هاغوب بقرادونيان: لو عدنا إلى الأدبيات الحزبية عندنا أو في العالم، أنت تعرف أن حزب الطاشناق منتشر في 34 دولة من أميركا اللاتينية إلى دول الخليج إلى سوريا إلى أوروبا إلى موسكو، قبل 15 سنة نحن نتحدّث عن Neo – ottoman ولا ننسى أن تانسو تشيلر وتورغوت أوزال هما مَن قالا إن حلب والموصل أراضٍ تركية، حينها لم يتنبّه أحد إلى هذا الموضوع، قالوا إن هؤلاء أرمن ولديهم عداوة مع الأتراك وسينتفضون لقضيّتهم ولكن الواقع اليوم أن المملكة العربية السعودية تقول إن هناك أصواتاً في المملكة، في مصر، في الإمارات العربية وجميعها دول سنّيّة يتحدّثون عن العثمانيين الجُدُد، يتحدّثون عن الرئيس إردوغان، يتحدّثون عن هذا الحزب. نعم هنالك خوفٌ من وصول العثمانيين الجُدُد، هم وصلوا وأصبحوا في منطقتنا، أصبحوا في سوريا، في العراق، في ليبيا، لنفترض أنه كان هناك وجود تركي في هذه المنطقة فلماذا ذهبوا إلى ليبيا مثلاً؟ إسمح لي أن أقول نحن كعرب ما هي مصلحتنا من إعادة تعزيز الحلم العثماني على حساب استقلالنا، كرامتنا، حضارتنا، نسيجنا الوطني، نسيجنا في البلد؟ حتى في السياسة أحياناً يجب أن نفكّر بطريقة بين المعقول واللامعقول، نحن نرى اليوم مظهراً سريالياً ولا زلنا نتحدّث عن العلاقات التاريخية بين تركيا والعالم العربي. أعطني صورة غير الدماء والقتل والقهر والظلم من أيام السلطان عبد الحميد إلى أنور إلى طلعت باشا إلى جمال باشا ضد العرب من دون أن نذكر الأرمن. 

غسان الشامي: هناك مَن يقول إن قبل هؤلاء كانت العلاقة دمثة ما بين العثمانيين والعرب، هل ترون هذا؟ أن الخمسين سنة الأخيرة من الحُكم العثماني كانت هي الأقسى بمحاولة التتريك والعَثْمَنة؟

هاغوب بقرادونيان: هل إردوغان وكل الطبقة السياسية في تركيا هم تابعون لسليمان؟ 

غسان الشامي: تقصد سليمان القانوني؟ 

هاغوب بقرادونيان: نعم، هل سيعطوننا حلم سليمان القانوني وليس حلم عبد الحميد أو طلعت أو أنور، ألا نرى في سوريا كيف يُدمّرون الكنائس؟ أمس في الأردن في حيّ الأشرفية قالت المخابرات الأردنية إنه كان يجري التحضير للهجوم على كنيسة أرمنية.  

غسان الشامي: حتى هذا الهجوم الأخير في الأردن كانوا يتقصّدون منه الأرمن؟ 

هاغوب بقرادونيان: نعم، هذه المعلومات من المخابرات الأردنية للإعلام وليس منّي.      

غسان الشامي: هنا في لبنان رأينا صوَراً إن كان في بيروت أو في طرابلس لأعلام تركية. 

هاغوب بقرادونيان: أريد أن أوضّح أمراً، أنا كمواطن لبناني من أصل أرمني لا مشكلة لديّ مع المواطن اللبناني من أصل تركي لكن تعرف أن العلاقات بين الدول وعلاقات بعض زعماء الدولة اللبنانية مع الدولة التركية، ربما المصالح الاقتصادية أهم من إهانة عدد كبير من المواطنين وإهانة السيادة الوطنية. أنا أعرف أن هناك بلدية ترفع العَلم التركي على المدخل، نحن لم نرفع أبداً صورة رئيس جمهورية أرمينيا بل على العكس علاقتنا مع سفير أرمينيا في لبنان هي علاقة كأي طرف سياسي في لبنان مع سفير خارج لبنان، العلاقة غير طبيعية، عندما نتكلّم عن الإبادة حتى إذا تحدّث أحدهم على التلفزيون فأنت تستهدف الشخص وليس الطائفة، حينما أسمع شتائم للأرمن في منطقة لبنانية بالعاصمة ولا أرى أي زعيم أو أي مسؤول سياسي لبناني يتحرّك ويقول انتبهوا هذه فتنة، وأنا كمسؤول في الطائفة وفي الحزب أطلب من كل الأرمن فقط اللجوء إلى المحاكم، لا مواكب، لا أعلام ولا تظاهرات، أنا وفائي لهذه الدولة وغيري وفاؤه ليس لهذه الدولة. 

غسان الشامي: على تخوم نهاية هذا الحوار معك سيّدي أتساءل دائماً كيف السبيل إلى ردم هذه الهوّة الفاجعية بين الأرمن والترك؟ 

هاغوب بقرادونيان: أولاً الاعتراف، أن تعترف تركيا بأن أجدادها العثمانيين ارتكبوا هذه الجريمة وأن تعتذر وتعوّض، نحن لا نطلب المستحيل، الكثير من الدول اعترفت بجرائم ماضية لكن الإنكار يوازي الجريمة، إذا أردتَ ألا تعترف فلا تفعل ولكن لا تنكر ولا تتكلّم في الموضوع، لا تؤلّف جمعيات وتنظيمات من أميركا إلى لبنان إلى بعض الدول العربية وتدفع المال للقول بأن هذه الجريمة لم تُرتكب. جدّي قُتِل على يد العثمانيين الأتراك، هل أبي جاء من ديار بكر وكان معه جواز سفر بغرض السياحة وقام بتمزيقه ولم يتمكّن من العودة إلى البلد؟ لماذا أنا في لبنان؟ لماذا الكردي في لبنان والتركي في ألمانيا اليوم؟ إما بسبب الاضطهاد وإما بسبب المجازر وإما بسبب سياسة أخرى، اليوم مَن يقول بأن هذه الدولة العظيمة، فلتعود هذه الدولة العظيمة لا مشكلة لدينا ولكن الأهم هو الاعتراف والاعتذار وبعدها نبحث في التعويض. 

غسان الشامي: كلمة واحدة وأنا ضد كلمة التفاؤل والتشاؤم والتشاؤل، مستقبل الأرمن في المشرق بكلمة.  

هاغوب بقرادونيان: مستقبل الأرمن في المشرق إلى أفضل.          

غسان الشامي: شكراً. حتّى الشعر الأرمني مُثقلٌ بالحب والذكرى والألم وفقدان الأمان، وأريد أن أدلّ على ذلك بأن أنقل لكم ماذا قال الشاعر الأرمني المعاصر أوانيس كريكوريان الذي تحدّث عن مصير شعبه وعن الفقراء من قصيدة إسمها "أرمينيا"، يقول: "هذا وطني، وهو بحجمٍ يمكّنني من أن أصطحبه عند ذهابي إلى أمكنةٍ بعيدة لأنه صغيرٌ كالأمّ العجوز، كالمولود الجديد، وأما على الخريطة فهو دمعةٌ واحدة فحسب، هذا هو وطني بحجمٍ يمكّنني من أن أحفظه في قلبي كي لا أفقده فجأةً". شكراً للنائب الصديق هاغوب بقرادونيان على حضوره في أجراس المشرق، شكراً لزملائي الأعزّاء الأحباء، عسى أن تكون أيامكم أماناً، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.