• من نادى بان الاسلام هو الحل كان يريد الوصول الى كرسي الحكم
    1:06 د.
  • مسألة القسمة الصارمة بين ما هو ديني ومدني يضييع فكرة الدولة نفسها
    1:42 د.

الدولة الدينية والدولة المدنية

هل تشكل الدولة المدنية نقيضاً للدولة الدينية؟ ما هي أسباب الصراع الدائم والدموي من أجل ماهية السلطة في العالم العربي والإسلامي؟ هل الدولة إجتهاد بشري أوكل الله أمرها للعباد أم هي أمر سماوي كبقيةّ الفرائض؟

 

المحور الأول

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم. 

من القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في المشهد الإسلامي والعِلماني الثقافي موضوع الدولة المدنية والدولة الإسلامية، وقد أنتج هذا الصراع حروبًا داخلية في الجغرافية العربية والإسلامية، وازدهرت أدبيات التلاسُن والتشاتُم بين أتباع الطرحين، وحبّذا لو نشأ نقاش هادئ وحوار بنّاء بين أتباع الطرحين. وقد تعوّد أبناء طرح الدولة المدنية أن يقولوا إنّ فكرة الدولة الدينية والتي تستمد تشريعاتها من الإسلام هي فكرة فاشلة لم ولن تنجح، وأصحاب طرح الدولة الدينية يتّهمون الدولة المدنية بالتغريب والتبعية والموالاة للعواصم الغربية. ومسألة الدولة في الواقع مرتبطة ببداية حركة التاريخ والإنسان، فمنذ أن كان الإنسان خلفة كان يُخطّط ويحكم نفسه ويحكم غيره وفق مقاييس معيّنة، وكان يضع قواعد في كيفيّة إدارة علاقاته مع الآخرين في الجوار والأقاليم الأخرى، وما هو المنهج الذي يُدير به لعبة الدولة.

وفي الوقت الذي يقيّد البعض فيه ماهية الدولة، وهل أمر الله بماهيّتها وأبان عن أبعادها وتضاريسها في الأديان السابقة وفي الإسلام فإنّ البعض يرى عدم أهميّة الفصل أو الجَمْع بين الدين والسياسة أو الدولة. والمهم هو إقامة دولة الإنسان التي تحافظ على كرامة الإنسان وحقوقه، وتساعده على أن يعيش في دولة العدالة الاجتماعية والرعاية الكاملة.

وقبل تشريح الدولة المدنية والدينية دعونا نتعرَّف إلى مفهوم الدولة كما ورد في المعجم الكبير.

الدولة مجموع كبير من الأفراد يقطن بصفة دائمة إقليمًا معيّنًا، ويتمتّع بالشخصية المعنوية وبنظامٍ حكومي واستقلالٍ سياسي. وإذا كان التشابُه قائمًا في الشكل بين الدولة المدنية والدولة الدينية إلّا أنّ الخلاف في المرجعيات الثقافية والدستورية والفكرية لكلا الدولتين وهو الذي يزيد الأمر تناقُضًا حينًا، وتضارُبًا حينًا آخر، وتجدر الإشارة إلى أن مُصطلحات الدولة المدنية والدينية نشأت في الغرب أساسًا. ونحن تعوّدنا أن نستنسخ نفس الإشكالات التي مرّ بها العقل الغربي لمّا تحرّر من سيطرة الكنيسة.

من الشُبهات التي طرحت أّن الدولة الدينية يترتّب عليها ظلم المُخالفين في الدين، ويستضعف فيها الأقليات، وهنا يردّ مناصرو الدولة الدينية بأنّ الذي يدعو له العلمانيون للمطالبة بالدولة المدنية وما الذي يحملهم على التضحية بدين الأمّة، وما المكاسب التي يرونها في سبيل التمسّك بالدولة المدنية.

"الدولة المدنية والدولة الدينية" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور كمال حبيب الخبير في الحركات الإسلامية والباحِث الإسلامي، ومن تونس الحبيبة الشيخ بدري المداني الباحِث في الفكر الإسلامي.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

"الدولة الدينية والدولة المدنية" عبد الجبّار عبد الوهاب سلطان الجبوري.

يقول الكاتِب: "الرَبْط الجَدَلي بين السياسة والدين والدولة يؤدّي إلى الإيمان بأنّ الإنسان حرّ في حياته وهو الذي يقرِّر وجوده ومكانه لأن الله تعالى منحه الحرية كأهمّ بذرة في الماهية الإنسانية. ويرى الكاتب عدم أهميّة الفصل أو الجَمْع بين الدين والسياسة، وإنّما المهم هو الطريق الذي يؤدّي إلى إنسانية أكثر عدلًا ومساواة وحرية لأنّ العقل بلا إنسانية كفر، والجَمْع بلا حرية كفر وعبودية، وتوحيد الروح البشرية مهما اختلفت الأديان والسياسات والدولة والألوان والدماء دعوة أممية إلى الإنسانية الواحدة لأنّ الناس كافة من أبٍ واحد، ومَن يريد أن يعرف كيف يحيا جيدًا عليه أن يعرف كيف يموت جيدًا.

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال دعنا نلج إلى هذا الموضوع بالبحث في أصل الإشكالية، هل الإسلام أوصى بماهيّة الدولة وطالب بإقامة دولة إسلامية؟ أم أنّ هذا جاء نتيجة اجتهادات عُلماء المسلمين في وقتٍ لاحق، وأنّ الإسلام في الواقع هو دين هداية ودين إرشاد، وأوكل للبشر أمر إقامة الدولة الإنسانية الصالحة؟ ما الذي تقوله في هذه النقطة تحديدًا؟

كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم طبعًا الإسلام أمر ومُفكّروه اجتهدوا في أنّه لا بدّ وأن يكون له دولة، وأنت تعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين هاجر من مكّة إلى المدينة أقام دولته هناك، وهذه الدولة وضع لها دستورًا معروفًا إسمه دستور المدينة، وهذا الدستور نظّم حياة الساكنين في هذه المدينة في ذلك الوقت. وكان هناك المُهاجرون الذين جاؤوا من مكّة وهم مسلمون طبعًا، والأنصار الذين استقبلوهم وبايعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم، واليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة، والوثنيون الذين لم يدخلوا بعد في الدين الجديد. والنبي صلّى الله عليه وسلّم نظّم هذا الوضع السياسي والمدني عن طريق دستورٍ، كانت القاعدة الأساسية فيه المُشاركة في الغرم والغنم، ووثيقة المدينة هذه ذكرت كل من كانوا فيها، ووضعت ما نطلق عليه في العلوم السياسية مفهوم المجتمع، أي مفهوم المصلحة المشتركة التي تجمع بين هذا التنوّع والتعدّد، وميّزت بين فكرة المسلمين الذين يُدينون بدينٍ واحدٍ وهي جامعة المؤمنين، وبين مفهوم المجتمع وهو أوسع من مجرّد أن ينتمي لدينك فقط، وإنّما تنظيم هذا المرفق وتنظيم هذا الوضع الذي هو بطبيعته وضع تعدّدي. وأشير هنا إلى كتاب مهم كان عبارة عن ندوة في مطلع الثمانينات إسمها المسيحيون العرب، حرّره فيكتور سحّاب عندكم في لبنان، وذكر أنّ الإسلام هو أول دين يُنظّم ويُرتّب أوضاع أهل العقائد المُخالفة له بما في ذلك الوثنيين، وذلك أنّ الناس في الإمبراطورية الرومانية مثلًا كانوا على دين ملوكهم بمعنى أنّك لا بدّ من أن تكون على دين الإمبراطور، وكانت هناك كلمة الهورس أي العدو الذي لا يُدين بدين الملك حتى لو كان مواطنًا في الدولة الرومانية، ومن ثم أول مرة تجد في كتب الفقه وتجد في هذه الوثيقة المهمة تنظيمًا لوضع التنوّع والتعدّد فيه، وأنت تعرف أنّه في مطلع القرن العشرين جرى جدال كبير بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة 1913 صار خلاف كبير بين تيارات هنا في مصر التيار الإسلامي الذي يقول إن وظيفة النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت الهداية والقيادة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

كمال حبيب: بمعنى أنّه كان يدعو الناس للإسلام وفي نفس الوقت كان يقودهم ويسوسهم ويعقد رايات الفتح ويقضي بين الناس وينظّم أمورهم الاجتماعية والسياسية، والشيخ علي عبد الرازق الذي خرج وطرح فكرة في كتاب الإسلام وأصول الحُكم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان رجل ولاية، ولم يكن في ما كان يقدّمه للناس مسألة ذات طابع سياسي، أو ذات طابع من هذا النوع، وما جاء بعده في فكر الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم خاصة الخلفاء الراشدين كانوا يمارسون السياسة كنوعٍ من الابتداع من جانبهم، وهذه المسألة طبعًا أثارت ردود فعل كثيرة من ناحية في مواجهة الشيخ علي عبد الرازق، وصدرت خمسة كتب على الأقل من بينها كتب لمشايخ العلماء ومشايخ الأزهر وغيره، وظلّت هذه القصة قائمة كما تفضّلت أنت بالمُقدّمة، ناس يقولون إنّ الإسلام عبارة عن دعوة ولا يُنظّم أمور الاجتماع والسياسة والاقتصاد وغيرها، وآخرون يقولون إن الإسلام والاسلاميين على وجه الخصوص يقولون إنّ الإسلام هو نظام شامل نظام فيه الاقتصاد والسياسة ومثل هذه الأمور.

يحيى أبو زكريا: الشيخ علي عبد الرازق أثار جدلًا كبيرًا في المشهد الثقافي العِلمي الإسلامي الديني أيضًا، وبعد ذلك أُلّفت المئات من الكُتب للرد عليه أو تنصفه أقلًا. لكن دعني أذكّر هنا ببعض الكتب الحكومة الإسلامية للدكتور محمّد حسين هيكل، دستور أمّة الإسلام للدكتور حسين مؤنس وخالد محمّد خالد رحمة الله عليه الدولة في الإسلام. وهذا السِجال بالمناسبة شهدت أيضا مدرسة أهل البيت بين دُعاة ولاية الفقيه ومعارضو ولاية الفقيه، ومن الذين كتبوا في ولاية الأمّة الشيخ محمّد مهدي شمس الدين رحمة الله عليه "ولاية الأمّة على نفسها مقابل نظام ولاية الفقيه العامة".

دكتور بدري طبعًا هذا السياق يجرّنا إلى إشكال الراهن المُعاصِر ربما فكرة الدولة الإسلامية طُرِحت بقوّة بعد سقوط الخلافة العثمانية، لكن مع صعود الإسلام السياسي ومقولة الإسلام هو الحل وضرورة إقامة الدولة الإسلامية للخروج من الفِتَن والمُنعطفات الخطيرة تجدّد هذا الطرح، تجدّد هذا التلاسُن والتلاعُن بين العلمانيين والإسلاميين، أنت كيف تموضع الموضوع؟ هل المسلمون مطالبون بإقامة دولة أولًا؟ أو بإقامة مجتمع صالح أولًا والذي ستنبثق منه دولة صالحة؟

بدري المداني: بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ يا مَن جعلت الصلاة على النبي من القُربات أتقرّب إليك بكل صلاة صلّيت عليه من أول النشأة إلى ما لا نهاية الكمالات.

يحيى أبو زكريا: صلّى الله عليه وآله وسلّم.

بدري المداني: هذه الصلاة هي من تأليف الشيخ العلاّمة الأستاذ أحمد العلاوي الجزائري المستغانمي، وبالتالي تحيّة إليك سيّدي يحيى دكتور، وتحيّة لكافة المشاهدين، وتحيّة من القلب من تونس الخضراء وتونس الزيتونة وتونس الأصالة وتونس التصوّف. الحقيقة كيف نموضع هذه القضية، أودّ أن أعود إلى التركيز بعض الشيء على الدولة المدنية، وقد تحدّث عنها العلماء وخاصة علماء فلسفة التنوير، وأيضًا الفلاسفة ومن بينهم ماكس فيبار الذي حدَّد مفهوم الدولة المدنية، وكذلك موسوعة لاروس تحدّث عن هذا الأمر، ثمّ مسألة الصراع ما بين الخيط الفاصل ما بين الدولة المدنية والدولة الدينية ليس وليد اللحظة، بل كلنا نتذكّر صراع سيدنا يوسف عليه السلام مع المعبد وهو أراد من خلال هذا التكليف على أنه يُسيّر الدولة ودواليب الدولة عمومًا، ثمّ تولّى الأمر وتحوّل الأمر خاصةً تولّد من ضغط الكنيسة وسيطرتها، واعتبار كون البابا معصوماً إلى حدود سنة 1840 وكانت الهيمنة الكليّة للجانب الديني، فكان هذا الفصل وهذه القطيعة ما بين كلّ ما هو ديني في ما يتعلّق بتسيير الدولة، ثمّ جاء في ما بعد مونتسكيو ومطالبته بعملية التفريق بين السلطات الثلاث إلى غير ذلك.

نعود إلى المنظومة الإسلامية في الحقيقة لم يكن في الإسلام ما يدلّ على أنّ هنالك اختياراً لمسألة تسيير الدولة بشكلٍ مُحدَّد ما كان في الإسلام دعوة إلى النظام الإمبراطوري، ولا إلى النظام الكلّي، ولا إلى أيّ نظامٍ من هذه، إنّما كانت هنالك خصيّات كبرى والرسول عليه الصلاة والسلام الحبيب العظيم كان قد بارك المسيرة التي ذهبت إلى النجاشي ودولته الحبشة، وهذا النظام وكان يعجبه وقال إنه لا يظلم عنده أحد وفي ما بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أسّس الدولة من خلال تأسيس عملي، ونظّم الدولة في المدينة المنوَّرة ساداتنا الصحابة في ما بعد كان لكل منهما حسب مرحلته تسيير معيّن وإن اختلفت في ما بينهم نتيجة هذه الصراعات والسعي نحو الكرسي بين هلالين. اليوم نعيش هذه المرحلة وكأنّ الناس يريدون ويصيحون بأنّ الإسلام هو الحل الحقيقة نحن ضد أي ما يسمّى بالإقرار الكلّي بأنّ الإسلام لا بدّ من أن يدمج في الدولة، ولا بدّ من القَطْع النهائي، ولا بدّ من التمييز وأنا أستعمل كلمة تمييز بدل الدَمْج، وبدل القَطْع والفصل. صحيح مَن نادى اليوم بأنّ الإسلام هو الحلّ في الحقيقة ما كان يريد تأسيس دولة وإنّما كان يريد الوصول إلى الكرسي، وهذا من خلال التجارب التي رأيناها ما يُسمّى بين هلالين بالربيع العربي، فكان هنالك سعي لتأسيس للسيطرة على الكرسي والتغلغل في مفاصل الدولة عمومًا بدعوى كون هؤلاء ينادون بالإسلام وهم حُماة الإسلام. ولكن تبيّن في ما بعد أن المطامِع كانت قد استعملت الدين كوسيلةٍ وليس كغاية، واليوم نحتاج إلى تأسيس مجتمعات صالحة لا نحتاج إلى دولةٍ بدرجةٍ أولى بقَدْر ما نحتاج إلى تأسيس مجتمعات صالحة بإمكاننا في ما بعد أن نجتمع ونتّفق على تأسيس دولة وتركيبة هذه الدولة.

وهذه الحرب أيضاً كانت موجودة حتى في تونس بعد انهيار الخلافة العثمانية سنة 1924، وكان الصراع أيضاً ما بين السياسيين، وما بين عُلماء جامِع الزيتونة. وكان السياسيون يعودون دائمًا وأبدًا إلى عُلماء جامِع الزيتونة، ونعود مثلًا إلى تأسيس وتكوين مجلة الأحوال الشخصية التي كان من جُملتها جُملة من القوانين لتسيير البلاد، وخاصةً في ما يتعلق بالجانب الاجتماعي والأُسَري والقضايا ككل، ووقع اللجوء إلى الشيخ جعيد، وكذلك الشيخ العلاّمة الطاهر بن عاشور رحمهم الله من خلال مُناشدتهما لتأسيس مجلة الأحوال الشخصية.

اليوم نعود إلى المنطقة الأولى، ولكن اليوم جماعة الإسلام السياسي ما كانت غايته إنشاء دولة إسلامية تُقام على هذه القِيَم الكبرى مثل العدل ومثل الشورى ومثلما الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، لأن السيّد الأعظم عليه الصلاة والسلام في وقتٍ من الأوقات وهو لا يحتاج إلى استشارة أين كان فهو يوحى إليه، ولكن المولى سبحانه وتعالى قال له وأمره وشاورهم في الأمر.

هل رسول الله يحتاج إلى أن يكون مَن هم من أدنى منه من البشر لأنه نبيّ يحتاج إلى مُعاشرتهم، ولكن رغم ذلك كان يستشيرهم وكانوا يسألونه إن كان هذا وحيًا فالسمع والطاعة، وإن لم يكن وحياً فينتظر منهم رسول الله عليه الصلاة والسلام الرأي والمشوَرة، جماعة الإسلام السياسي اليوم أرادوا أن يُعيدوا إلينا وكأنّ الوَحي نزل عليهم اليوم في هذا الزمن، وكأنّهم هم حُماة الدين، وكأنّهم هم آلهة على وجه الأرض من أجل أن يُعيدوا، ولكن تجدهم يتذبذبون. فحين تقول لهم إنّكم كنتم تقولون إن الديمقراطية حرام منذ سنوات، وكنتم تقولون إنّ مجلة الأحوال الشخصية كفر، كيف تغيّرت مفاهيمكم وكيف تغيّرت أدبيّاتكم. لم تتغيّر لأنّكم راجعتم أنفسكم، وإنّما تغيّرت لأنّكم لعبة في أيدي الغرب ولأنّكم أيضًا تريدون السلطة.

يحيى أبو زكريا: دكتور وسوف نفصّل أكثر بُعيد الفاصل.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

"الدولة المدنية في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية" سعد الدين العثماني.

يقول الكاتب: "جزء من الفكر الإسلامي في المجال السياسي اليوم انبنى على أسُس الفكر السياسي التقليدي السابق، ذكره وحافظ على نفس المفهوم التقليدي على الرغم من أن مفهوم الدولة انقلب جذريًا ما يدعو إلى إعادة النظر في ما تتبنّى النظريات الإسلامية لمفهوم الدولة التي اعتمدت في فكرها السياسي على نظرية سياسية صيغت عبر قرون، مُعتبرة أنّ الأمّة الإسلامية هي الدولة الإسلامية ويعود ذلك لأنه لم يكن آنذاك أيّ تفكير سياسي مُبرَّر للفصل بينهما. كما أنّ أساس الرابطة داخل الدولة كان أساسًا دينيًا، والذي لا ينتمي إلى نفس الدين المؤسِّس لهذه الدولة فيكون تابعًا فقط. والشيء الذي يدعو اليوم إلى إعادة النظر في الكثير من المفردات المُتدَاولة في ما يخصّ الفكر السياسي الذي يُسمَّى إسلاميًا. وإذا رجعنا إلى أسس النظرة الإسلامية للدولة يمكننا أن نجدها عمومًا على الشكل التالي، أي أنّ فُقه الدولة مثل الفُقه السياسي وهو منطقة مفوّضة للإنسان لاجتهاده وابتكاره وتجاربه، ولذلك ليست هناك أية أحكام ولا نظام سياسي محدَّد، النظام هو شبكة مُتكامِلة من العلاقات والأسُس الواضحة.

 

المحور الثاني:

"من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟" محمّد أركون.

عالج أركون في هذا الكتاب مجموعة من المسائل بعضها متّصل بطرائق القراءة وهو ما يتجلّى بوضوحٍ في المقال الموسوم بي من أجل تعليم إنتربولوجيات الأديان. وبعضها الآخر ينتقل فيه محمّد أركون من البُعد النظري إلى القراءات التطبيقية، وذلك بتناول قضايا الوَحي والحركات الإسلامية، الحركات التمامية والأخلاق والسياسة. راح محمّد أركون يُبيّن الخلفيّة التي تقوم عليها الإنتروبولوجيا الدينية بما هي ممارسة علمانية يجب أن تكشف عن حقيقة أهداف الأديان وعن وظائفها التاريخية وعن منجزاتها التاريخية. ويراهن على أنّ المُقاربة الإنتروبولوجية الدينية هي المُقاربة الوحيدة القادِرة على تحرير الإنسان المؤمن وغير المؤمن من سجن المسلّمات وأوهام الأيديولوجيا التي تسعى جاهدة إلى تسييرنا وفق أهواء أصحابها الفعالين الاجتماعيين. فالمُقاربة الأنتروبولوجية الدينية تقدِّم تصوّرًا جديدًا للمعرفة الأسطورة والتاريخية وللنقد الفلسفي.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الدولة المدنية والدولة الدينية، وأذكِّر ببعض الكتب التي صدرت في هذا السياق، وهذا الموضوع من القضايا التي أُشْبِعَت بحثًا واقعًا، لكن من دون تفصيل دقيق. لا أصحاب الدولة الدينية قدَّموا برنامجهم بالكامل ولا أصحاب الدولة المدنية، قدَّموا برنامجهم بالكامل. نحن أصحاب ثقافة عمومية للأسف الشديد ونفتقد إلى التفصيل في دقائق الأمور خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بإدارة الدولة وتسيير الدولة. الدكتور عبد الإله بلقزيز كتب كتاب الدولة والدين في الاجتماع العربي المُعاصِر، الدكتور فرج فودا كتب سلسلة من الكتب عن الدولة المدنية والدولة الدينية وقُتِل بسبب هذه الأفكار، الدكتور محمّد الحداد كتب الدولة العالِقة مأزق المواطنة ومأزق المواطنة أيضًا في المجتمعات الإسلامية، نظرية الدولة في الفكر الخلدوني، ولنا عودة إلى إبن خلدون لأنّ إبن خلدون أول عالم اجتماع عربي فكّك ماهية الدولة العربية القائمة على البَداوة والعصبية. الدكتور عبد الرزاق السنهوري إسلامية الدولة والمدنية، الدولة الدينية كتاب لأحد العلماء الإيرانيين أحمد واعظي ترجمه الشيخ حيدر حب الله وكتاب رائع الدولة الدينية والدولة المدنية لعلّه الأوسع للدكتور عبد الوهاب الجبوري. وهنالك كتاب للدكتور محمّد أركون يتساءل فيه عن الفكر الإسلامي الذي يؤسِّس للدولة، وهنالك كتاب خليل عبد الكريم الإسلام بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية.

عمومًا البحث يطول، دكتور كمال منذ مئة سنة تقريبًا رأينا وعايشنا نماذج لدولٍ مدنيةٍ إقليميةٍ في الجغرافية العربية والإسلامية كما عايشنا تجارب إسلامية سواء بحُكم الإخوان أو غير الإخوان، ورأينا التذبذب والفشل السريع للدول التي قامت على الإسلام السياسي والدول المدنية التي تحوّلت إلى دول عسكرية، وخلطت بين رأس مال واشتراكية شعب ورأسمالية الحُكّام. ماذا عن النماذج الإسلامية التي قامت في العالم الإسلامي. هل بالفعل هي نماذج تقارِب النموذج النبوي الذي تحدّثت عنه في المدينة المنوَّرة؟

كمال حبيب: طبعًا مفهوم الدولة هو مفهوم اجتهادي، ومنهج القرآن الكريم فصّل في ما لا يتغير في الأحوال الشخصية والمسائل الفردية وغيرها. لكن إجمالا في ما يتغيّر وضع القواعد الكليّة العامة كقوله تعالى أإنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. وفكرة العدل كما تعرف هي القيمة الأسمى عندنا في الإسلام وفي الحضارة الغربية معروف أنّ الحرية هي القيمة الأهم، وفي الشيوعية وغيرها فكرة المُساواة.

وكما كان الدكتور حامد ربيع رحمه الله كان يتحدّث عن فكرة العدالة إنّها الفكرة الواقعية التي تجمع ما بين المُساواة في الفكر الشيوعي وما بين الحرية في الفكر الليبرالي، ومن ثمّ نحن أمام اجتهادات حتى الصَحابة رضيَ الله عليهم النبي صلّى الله وسلّم لم يضعوا تفاصيل، ولم يضعوا كتاب تفاصيل. وكما تعرف أنّ هناك جزءاً متصلاً بإدارة الاجتماع الإنساني، وإدارة الاجتماع البشري هذا الجزء هو الذي فيه الاجتهاد مفتوح على مصراعيه لأنّه كما تعرف طبعًا حتى أن أذكر أن الفصل في المِلَل والنِحَل قرأت من وقتٍ طويلٍ أنّ الشهرستاني قال إنّ النصّ مُتناه، وأنّ الواقع غير متناهٍ وحتى يضبط المُتناهي اللا مُتناهي، النص يضبط الواقع ويفسّره ويتعامل معه لا بدّ من إحداث اجتهاد جديد مع كل واقعة، فهي قصة اجتهادية وحتى داخل الفكر الإسلامي نفسه كان في تيارات مُعيّنة خاصة التيارات المُنتسبة إلى المؤسّسات الدينية على وجه الخصوص الشيخ شلتوت مثلًا له كتاب إسمه الإسلام عقيدة وشريعة، وكأنّه يقول إنّ الإسلام عقيدة وشريعة، كأنّه يرد أو يستبطن على فكرة الرد الإسلام دين ودولة ومثل هذا الموضوع، وهناك ناس تحدّثت عن أنّ الإسلام دين أمّة الدين والأمّة، وبالتالي أعطوا الأهميّة الكُبرى لفكرة إصلاح الأمّة ومثل هذه الأمور.

وفي داخل الفكر الإسلامي السنّي على الأقل الوعاء الحامل لهذا الدين هو الأمّة، وليس الإمام كما هو في الفكر الشيعي، وبالتالي بقاء القرآن وبقاء النَسَق الإسلامي مرهون ببقاء هذه الأمّة، ومن ثم لا بدّ من إصلاح الأمّة. وفي نفس الوقت الأطروحة التي تقول إنّه لا بدّ من دولة كيف ستصلح إذا كانت الدولة مثلَا تنحو منحى علمانيًا أو مدنيًا بالمعنى الذي استورد من الله، ولذلك الفكر الإسلامي عندما تجد الغزالي مثلًا صاحب الحياء وغيره من كافة علماء المسلمين القُدامى في القرن الهجري والرابع الهجري يتحدّثون عن أنّ الإنسان مدني بطبعه، ومعنى مدني بطبعه أنه لا يستقلّ وحده بحاجاته ومن ثم لا بدّ من مجتمع يقضي له بعض الحاجات ويتبادل معه هذه، وهذا الكلام تحدّث عنه مالك بن نبي في فكرة الحضارة. فمسألة القسمة الصارِمة بين ما هو ديني وما هو مدني وكأنّ المدني في مواجهة الديني. أنا ضدّها بالعكس الديني والمدني ملتحمان، وأودّ أن ألفت بسرعةٍ إلى أنّ هناك مدرسة، هذه المدرسة في الفكر الغربي إسمها المدرسة المحافظة، هذه المدرسة المحافظة كاكلس ديتوكفيل مثلاً كتابه الديمقراطية في أميركا يتحدّث عن فكرة أنّ لها جذور دينية، وكماكس فيبر أيضاً وكجون هؤلاء جميعًا يحاولون معالجة فكرة إدارة المجتمع المكان العام، وهامرنس في كتابه عن المجال العام وفكرة العودة إلى الدين وما بعد العلمانية ومثل هذه الأمور. 

وبالتالي نخوض في الوصف والفصل، وأنا كتبت كثيرًا في مسألة التمييز بين المجال الديني وبين المجال السياسي، ومن ثم فكرة طرح الموضوع من منظورٍ استقطابي لا يجسر بين فكرة الديني والمدني والبحث عن قواسم مشتركة، هذا يُضيّع فكرة الدولة نفسها، لأنّ الفكر العربي مثلًا في العلوم السياسية نزيه نصيف الأيوبي كتب عن فكرة مشكلة الدولة العربية، وتحدّث عن الدولة المركزية في مصر وعن تضخيم الدولة العربية، وقال إنها دولة ضخمة جدًا في البيروقراطية والجيوش، وإنّها دولة قاسية جدًا وصارِمة، ولكنها دولة في النهاية. وسامر سليمان كتب عن نظام مبارك قال الدولة الضعيفة والنظام القوي، ومن ثم فكرة الدولة العربية لأنّها ولِدَت ما بعد الاستعمار، هذه الدولة نشأت في سياق علاقاتها في المجتمع قائمة على فكرة الريبة والشكّ والتحصّن في مواجهة المجتمع، والاضطرابات الأساسية في فَهْمِ علاقة الدولة شرعية الدولة هل الدولة هذه تعبّر عن مجتمعها أو لا تعبّر عن مجتمعها؟ لذلك أنا أحيانًا أجتهد وأقول فكرة الدولة الإسلامية يا أخي في موجة ظهرت هي موجة العلوم الإسلامي وموجة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وموجة كل هذا الكلام بحيث تضع كلمة إسلام تقول أمر بينما هي في داخلها في جوهرها جاء من الفكر الغربي.

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال.

كمال حبيب: يا أخي أنا أريد دولة تحفظ للاإسان كرامته، وتعبّر عن مجتمعها، وتحقّق لهذا الإنسان عيشاً وحرية وعدالة اجتماعية، وهذه الدولة وتحقّق للإنسان نظامًا صحيًا جيدًا مثلًا في مواجهة كورونا و تحقق نظاماً تعليمياً جيّداً، لكن أنا لست مع الذين يقولون إنّ الدولة كيان مُحايد لا الدولة في النهاية لا بدّ من أن تكون لها مرجعية. نحن نقول ماذا؟ المرجعية باعتبار مرجعية أغلبيّتها كما حصل في الحوار الذي حصل قبل ثورة 19 في مصر حول موقف الشريعة الإسلامية في علاقاتها بالأقباط، وكان الاحتلال الإنكليزي موجوداً ستجد كبار العلمانيين في مصر وقتها ومنهم لطفي السيّد على سبيل المثال، وعبد العزيز فهمي وغيرهما لما حصل مؤتمر القبطي والمصري والخلاف حول هويّة مصر. أين موقع الدين فيها؟ قالوا إنّ هذه مسألة لا تُصاب فيها إلّا مسألة أنّ المرجعية تعتبر مرجعية الدولة، وتعبّر عن غالبيّة أبنائها، وغالبيّة أبنائها مسلمون، فإذًا الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريعات ويجب أن تؤخَذ بالاعتبار ويجب أن يوضَع كل هذا الكلام.

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال أين مشكلتنا في العالم الإسلامي؟ نحن قتلتنا الشعارات تتأمّل في دساتير كل الدول العربية مرجعية الدولة الإسلام، لكن تجد العمالة لأميركا، العمالة للكيان الصهيوني، تُباع الضمائر، تُباع الأوطان. الإسلام يقول، الإنسان مُقدّس والإنسان العربي هو أرخص أرخص أرخص أرخص أرخص أرخص بضاعة في العالم العربي لا شرطي يحترم الإنسان، لا الحاكِم يحترم الإنسان لا القاضي يحترم الإنسان. ودعني من الإنسان أذهب إلى الدكتور بدري.

دكتور بدري واحدة من أسباب المُدلهّمات التي نحياها إنّنا نظرنا بعيدًا عن القرآن الكريم الله تعالى، أنزل قرآنًا هاديًا مُرشدًا مُنذرًا مُبشّرًا، نحن تركناه وذهبنا نتفلسف في الطور الأموي استوردنا من الفرس، ومن العَجَم وفي العصر العباسي من اليونانيين من الأغريق تركنا هذا القرآن.

إذًا، نرتّب الأفكار الآن، أليس موضوع القرآن الإنسان؟ وكلمة إنسان وردت في القرآن 63 مرة والرسول عاش 63 سنة إذا كل ما يخدم الإنسان يصلح له أية دولة حتى من دون ثوب إسلامي تخدم الإنسان أهلًا وسهلًا بها ومرحبًا بها. أليس الإمام علي في معنى قوله إنّ الحاكم الكافر الكافر العادل أفضل من المسلم الظالم. ما يُجديني ظلمه وقد رأينا الظلم كيف ملأ العالم العربي وحوّل الشوارع إلى براكين دماء. أليس من ضرورة تشكيل دولة للإنسان الأنْسَنة الإنسانية؟

بدري المداني: هذا هو لبّ الموضوع وهو ابتعادنا عن القرآن الكريم وعن الفَهْم السليم للقرآن الكريم. نحن لم نتعمّق في التراث النبوي المُحمّدي، نحن حين نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، لا نقرأ بالمفهوم الذي يدعونا إلى أن تكون الطاعة واعية ومُبْصرة. ألم يقل سيّد الوجود عليه الصلاة والسلام إنّما الطاعة في المعروف؟ ثمّ ألم نقرأ من خلال هذه الآية أنّ الدولة لا بدّ من أن تكون للأمّة وللشعب سلطة المُقارَبة والتقويم؟ ثمّ عدنا حتى إلى التاريخ وكنت دكتور يحيى أطال الله عُمرك في الخير وحفظك الله كنت أشرت إلى العلاّمة إبن خلدون الذي تحدّث بهذا الأمر وصنَّف الدولة إلى ثلاثة تصنيفات: منها ما هو ما يحكم بالشهوة والغَلَبة والعصبيّة إلى غير ذلك، ومنها ما يحكم بالعقل وهو ما يُشير إلى الدولة المدنية، ومنها ما يحكم أيضًا بالشريعة إلى غير ذلك. نحن وإن لم نعد للقرآن الكريم فقط عادوا إليه، ولكنّهم وضعوا القرآن على أسنّة الرماح لم يفتحوا المصحف، ولم ينظروا إلى ما تحت السطور، ولم يقرأوا ما في القرآن إنّما اعتمدوا القرآن لتكفير بعضهم بعضًا. لا بدّ هنا من الإشارة إلى أن مسألة الدولة هي ليست من الأصول في تركيبة الفكر الإسلامي، بل هي من الفقهيات والفرعيات تركيبة الدولة هي مسألة فيها جانب من الاجتهاد تختلف التي هي ثابتة ثمّ نرى ما قاله الإمام الشهرستاني في كتابه المِلل والنِحَل، الإمام الشهرستاني توفى سنة 548 هجرية ماذا يقول؟ يقول أعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإمامة إذا ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سلّ على الإمامة إذا تركنا القرآن ومددنا السيوف، واليوم مدّ هؤلاء معتمدين على القرآن بدعوةٍ أنّ بمَن لم يحكم الله فهو كافر وهو ظالم وهو فاسِق فمدَّوا الكلاشينكوف ومدّوا التدمير ومدّوا سفك الدماء ومدّوا التكفير. نحن نريد أن نبيّن كون هذا الإسلام ما جاء لمثل هذه الترّهات، وإنّما جاء الإسلام والدليل على أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام من خلال توصياته ومن خلال إشاراته قد علّمنا أنّ الإسلام هو أفضل الشرائع من حيث الجوهر لا من حيث تطبيقات المسلمين، لأنّ الإسلام يعترف بكل الشرائع الأخرى، ويحمي كل الشرائع الأخرى، ونعود إلى دستور المدينة لنجد أنّ الإسلام حافظ على وجود الأقلّيات. الإسلام لم يحارب الزردشتيّة ولا الكونفشيوسيّة ولا غيرها، بل الإسلام جاء ليُبيّن كون الإنسان هو نقطة التوجّه وهو نقطة العناية وهو نقطة الرعاية وهو نقطة الحماية.

أكثرنا حين نقرأ والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم الإنسان خُلِقَ بأحسن تقويم على المستوى الجسدي، وهذه الأديان التي جاءت كلّها مُترابطة أغلب الناس يقول إنّ تفسير التين والزيتون هو الثمار، ولكن في الأصل هو لا المقصود بالتين هو ديانة سيّدنا نوح والمقصود بالزيتونة هي الديانة الإبراهيمية والمقصود بطور سيناء هي الديانة السماوية، والمقصود بالبلد الأمين هي ديانة الإسلام، فتجتمع هذه الديانات كلّها من أجل الإنسان فهي لبنات مُتكاملة. الأنبياء إخوة الأنبياء جاؤوا، وقد اشتركوا من أجل بناء إنسان تحمل في طيّاته قِيَم العدالة وقِيَم المساواة، وقِيَم الحرية وقِيَم التطوّق الأفضل هذا هو الإسلام ليس الإسلام جاءنا بالسيف وجاءنا بالإرهاب، وجاءنا بسفك الدماء، وإن أردنا تأسيس دول لا بدّ من أن نفقه لبّ الإسلام قبل أن نبحث على أن نغلّف الدول بشعارات فضفاضة وشعارات لا نطبّقها، وكلّنا كما أشرت سيّدي الكريم إلى أنّنا ننادي ونكتب في دساتيرنا ونكتب في قوانينا أنّ الدول دينها الإسلام، وهي الراعية للإسلام، ولكنّ في جميع الحالات الإسلام ورقة يمدّونها من تحت الدرج كلما احتاجونها وحين لا يحتاجونها يعيدونها إلى الدرج.

يحيى أبو زكريا: دكتور وللأسف لطالما كان الإسلام ورقة تُسْتَخدَم على امتداد تاريخنا العربي والإسلامي، كان ورقة للقتل وورقة لإسكات الأحرار وورقة للنفي، وللأسف أنت لو تفتح المجال للجلوء السياسي للعرب والمسلمين والذي رفع السماء بلا عمد لا أحد يبقى في خط طنجة جاكرتا، كلهم يذهبون إلى الغرب هذا واقعنا. دكتور كمال بالعودة فقط إلى المشروع النبوي في المدينة المنوَّرة، سيّدي ومولاي ومعشوقي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان إنسانًا معصومًا متكاملًا فهو عندما أدار المشروع أداره بعدل وعدالة وهو الذي لا يظلم عنده أحد. وكما قال عنه برنارد شو الفيلسوف الإيرلندي لو كان محمّدًا موجودًا لحلّ كل مشكلات العالم ريثما ينتهي من شرب فنجان قهوة.

السؤال أين النماذج النبوية؟ مَن منّا يرقى إلى مستوى رسول الله عندما يقبل الحكم وتقبل الثروة وتقبل الدنيا وتقبل السلطة والبريق سنمتع أولادنا سنعطي لزوجاتنا سنمكّن لعشيرتنا، هذا ما حدث في كل الدول الإسلامية الراهنة.

كمال حبيب: الدولة الإسلامية أو النماذج الاسلامية التي تفضّلت حضرتك بها هي نماذج بشرية في النهاية باستثناء النبي صلّى الله عليه وسلّم طبعًا وإن كان مثلًا بعض العلماء القدامى ميّزوا بين أحوال النبي صلّى الله عليه وسلّم في مسألة التشريع العام للأمّة وبين أحواله كقاض، وبين أحواله كإنسان كمسألة اللباس وغيره وبين أحواله كإمام يجتهد وغيره. وأعتقد أنّ إبن عاشور في كتاب مقاصد الشريعة وهو كتاب مهم، وأنا دائمًا أنصح بقراءته، ميّز فيه ومن قبله أيضًا علماء المالكية ميّزوا القرافي مثلا على سبيل المثال ميّز في هذه القصة، هناك كتاب مهم جدًا إسمه الفروض أقصد أن أقول في تمييز بعض الناس لا يفهمون هذه القصة لا يفهمون الأصول أحد مشاكل التيارات الإسلامية، هي علم أصول الفقه لديها لا يدرس وإنّما يدرس أكثر علم العقيدة ومعروف أنّ العقيدة هي منبع القلب وهي موضوع الإجماع فعندما تجري ضبط للقياس، تنتقل من العقيدة لدراسة الفقه وطبيعته مسائل خلاف ثم السياسة الشرعية التي نتحدّث عنها يتصوّر أنّ حال إجماع يحاول أن يفرضها على الناس، لكن المشكلة ليست فقط بالإسلاميين لوحدهم، إنّما المشكلة هي أيضًا في البدء إقامة الدولة هي الجذور النفسية للمُتشدّد الإسلامي الغالي هي نفس جذور النفسية للحاكم المُتغلّب بالمفهوم المعاصر مَن وصل بالقوّة العسكرية أو بانقلابٍ عسكري أو غيره او استناده إلى سلطة الجيش الجذور النفسية واحدة هي التي قال عنها إبن خلدون فكرة التوحّش البدوى ولولا القومية.

يحيى أبو زكريا: الوقت داهمني بقيت دقيقة دعني أمضي إلى تونس من فضلك.

دكتور بدري رأينا الجماعات الإرهابية قتلت، أحرقت، ذبحت، أكلت القلوب، دمّرت الأكباد هذه قبل الحُكم وقد ظلمت، فماذا لو حكمت؟

بدري المداني: ماذا لو حكمت؟ هذا هو السؤال الكبير أن تحكم كان هذا سلوكها، وإنْ حكمت سيكون سلوكها أبشع وأشنع، وبالتالي فإن مُنِعَت من الحُكم فقد فعلنا خيرًا حين التفّت الأيادي الصادقة والقلوب الصادقة والقلوب الحرة على أن تمنع هؤلاء من الحُكم لأنّهم لو حكموا لرأينا الويلات، نحن نحن رأينا الويلات وهم لم يحكموا وقد اعتمدوا على المُقدّس من أجل أن يدنّسوه، ولكن المُقدّس يبقى مُقدّساً وسيّدي ومعشوقي رسول الله عليه الصلاة والسلام يبقى فوق كل هذه الترّهات جاء بسماحة وجاء بحب والمولى سبحانه وتعالى يُخاطبنا يحبهم ويحبونه فنحن نحب الله.

يحيى أبو زكريا: يا دكتور لا تنسى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيرًا ما كان يُسأل في قضايا الدنيا فيقول أنتم أعلم بأمور دنياكم يعني حرّكوا العقل من أجل المصحلة الإنسانية العليا.

من تونس الحبيبة الدكتور بدري المداني شكرًا جزيلًا لك، من مصر الحبيبة الدكتور كمال حبيب شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.

 

"الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية" خليل عبد الكريم.

يقول الكاتب إن الإسلام كدين لم يعرف الدولة السياسية، لأنه ليس من وظيفة الدين إنشاء دولة سياسية، والإسلام سار على نهج باقي الديانات السماوية والرسول صلّى الله عليه وسلّم.

لم يُشر مُجرّد إشارة عابرة إلى كيفيّة إنشاء الدولة أو تنظيم الحكم من بعده وهذا مرجعه إلى أنها لم تكن من ضمن مهامه كرسولٍ ونبي.

ولو كان ثمة آية أو حديث في خصوصية الدولة لبادر الصحابة إلى ذكرها والاستشهاد بها وهم الذين لازموا الرسول صلّى الله عليه وسلّم من نزول الوحي عليه.

ويعتقد إلى جانب ذلك بأن الدولة التي أنشأها الرسول صلّى الله عليه وسلّم في المدينة أنما كانت دولة دينية بامتياز.

ويُضيف الكاتب الدولة الدينية يختار رأسها الله جلّ جلاله بينما الدولة السياسية ينتخب الشعب أو الحزب رئيسها أو يرث الملك عن أبيه.

أو يستولى على السلطة بانقلابٍ دموي أو أبيض.