المشرق السياسي

ماذا حصل في المشرق خلال القرن الماضي؟ كيف أديرت السياسة فيه؟ أحزابه وحركاته، لحمته وتشققاته، خسائره ونجاحاته. وأوجه التشابك والتنافر، وصورة الحراك السياسي في المشرق حالياً.

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: مساؤكم خير، أنجز الدكتور جمال واكيم أواخر العام الماضي كتابه "المشرق سياسياً 1918 - 2018" من ضمن مشروعٍ تنويري نهضوي عبر سلسلة كتبٍ مرجعية يُصدرها مركز المشرق للأبحاث والدراسات، والكتاب يُدرّس حالياً في الجامعة اللبنانية. لقد ظُلم الكتاب وكتبٌ أخرى من جرّاء ما حدث في لبنان من توتّرات وحَجْر كورونا لكنّ محتواه يشي بأهمية قراءة واقع المشرق لاستشراف مستقبله، ولقد حاول تأطير الأحداث والوقائع والتفاعُلات السياسية ووضع الأحزاب والحركات في بلدان المشرق طيلة مئة عام، واستخلاص نتائج وعِبَر يمكن أن تكون نقطة علّامٍ وبوصلة لمَن يريد الاطّلاع على حال المشرق العربي وبلدانه وأنظمته والتشابُكات الحاصلة بين هذه البلدان. قبل الحوار في ما قدّمه هذا الكتاب المؤلّف من أربعة أجزاء نقدّم إليكم تقريراً عنه في السياق التاريخي للأحداث التي عاشها المشرق منذ مئة عامٍ ونيّف.  

تقرير: 

"المشرق سياسياً"، دخلت أقطار المشرق فعلياً تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية اعبتاراً من عام 1920 بعد احتلالٍ عثماني دام 400 عامٍ ونيّف، ومحاولة استقلالٍ فاشلة من خلال الحكومة العربية الأولى في دمشق عبر الأمير فيصل.

كتاب الدكتور جمال واكيم "المشرق سياسياً بين 1918 وحتى 2018" يستعرض قرناً كاملاً من السياسات والانتدابات والحمايات والقلاقل والاضطرابات والاختلالات واللمعات في بلدان هذا المشرق، مئة عام من عدم الاستقرار والتجزئة.  

الفترة الأولى تنتهي عام 1958 التي اعتبرها أفولاً للمرحلة البريطانية الفرنسية مع صعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر، وتناول فيها الحراك السياسي وأمداءه وعقابيله في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين والأردن. أما الفصل الثاني فيمتدّ بين الأعوام 1958 و 1970 حيث تميّزت هذه الفترة في المشرق بالصراع بين قواه المحلية المُتمثّلة بأحزابٍ وقوى قومية ويسارية نادت باستقلالٍ حقيقي لدولها في مواجهة أميركا التي ورثت النفوذ البريطاني والفرنسي بعد هزيمتهما في حرب السويس.

أما الجزء الثالث فيمتدّ حتى عام 1991 الذي يتّسم باستمرار الحرب الباردة وتراجُع الدور الروسي وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وأثر ذلك في المشرق.

الجزء الرابع بدأ من العراق ثم لبنان وسوريا من جرّاء التدخّل بينهما وفصلٌ عن الأردن وفلسطين، خاتماً بخلاصة عمّا وصل إليه المشرق خلال ما يُسمّى بالربيع العربي.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أهلاً بك دكتور جمال ضيفاً عزيزاً.

جمال واكيم: شكراً.

غسان الشامي: سيّدي قسّمتَ الكتاب إلى أربعة أجزاء كما قلنا في المقدمة ولكن الجزء الأول وهو الجزء الأكبر والأوسع تاريخياً يمتد من 1920 إلى 1958، لماذا حدّدتَ هذه التواريخ وتحديداً هذا التاريخ؟ ما هي ملامح الفترة من 1920 إلى 1958 في المشرق؟  

جمال واكيم: المشرق بالأساس في العصر الحديث للأسف لم يكن فاعِلاً بمقدار ما كان مُنفعلاً، مركز القرار لم يكن في هذا المشرق إلى درجة كبيرة بل كان مُتأثّراً بالتحوّلات الدولية والإقليمية، وحتى القوى الإقليمية لم تكن بالدرجة الأولى تلك التي كانت منطلقة من المشرق.على سبيل المُقارنة، منذ الفتح العربي الإسلامي وما يُسمّى بالحضارة العربية الإسلامية كان منطلقها هو المشرق، دمشق أولاً وبغداد ثانياً لمدة سبعة قرون عندما كان المشرق فاعلاً بينما منذ القرن السادس عشر وحتى وقتنا الراهن فإن المشرق بات منفعلاً لعوامل كثيرة، ولذلك كان ما يحدّد تقسيم الفترات هو بالدرجة الأولى القوى الفاعِلة التي أثّرت على مسار الأحداث، من 1920 إلى 1958 هي مرحلة التأثير الأساسي لقوى الاستعمار القديم أي البريطانيين والفرنسيين. في العام 1920 كانت قد استقرّت السيطرة الغربية عبر تقسيمات سايكس بيكو وعبر فرض الانتداب على سوريا بعد تمنّع سوريا عن القبول بالانتداب الفرنسي لمدة عامين بعد سقوط الدولة العثمانية، تموز 1920 وبعد ذلك أيلول 1920 شهد التقسيمات التي لا نزال أسرى لها وبقيت هذه الهيمنة البريطانية الفرنسية المشتركة على بلدان المشرق حتى العام 1958، في ذلك العام حدثت تحوّلات وانطلق للمرة الأولى مشروع أساسه في المنطقة ولكن في مصر مع جمال عبد الناصر، وانطلاقة جمال عبد الناصر من ناحية قلبت الموازين في المنطقة التي كانت قائمة بين 1920 و 1958 وكان أساسها حرب 1956 العدوان الثلاثي على مصر. في المقابل 1958 شهد أيضاً نهاية النفوذ البريطاني الفرنسي المشترك في منطقة المشرق وأيضاً في منطقة شمال أفريقيا باستثناء الجزائر التي خرجت منها فرنسا في العام 1962 واستقلّت الجزائر، وبالتالي بدأت مرحلة دخول النفوذ الأميركي، لذلك انطلقنا إلى المرحلة الثانية.    

غسان الشامي: لنبقى في المرحلة الأولى ولنقرأها، لنبدأ بسوريا ولبنان، ما هي الوقائع المؤثّرة في سوريا ولبنان طيلة هذه ال 38 عاماً ما بين 1920 و 1958؟

جمال واكيم: أولاً أنا بدأت في الجزء الأول بسوريا لأنها قلب بلاد الشام التي تشمل بالدرجة الأولى مناطق غرب الفرات مع جزء من الجزيرة حيث يتشابك الفرات ودجلة، لماذا بدأتُ من هذه المنطقة؟ بسبب ميزتها الجيوسياسية تاريخياً ولمحوريّة دمشق فيها وحلب، ولأن المشروع الحَداثي في منطقتنا المُعاصِرة بدأت من هذه المنطقة، وكان للشوام بمختلف فئاتهم السوري واللبناني والفلسطيني والأردني دورٌ أساسي ليس فقط في منطقة المشرق وإنما بالتأثير على العراق الذي هو جزء من هذا المشرق وبالتأثير أيضاً على منطقة الخليج وعلى منطقة شمال أفريقيا. المُدرّسون من لبنان وفلسطين وسوريا والأردن هم الذين قاموا بإعادة التعريب في مناطق كانت قد ضُربت فيها اللغة العربية، مثلاً في منطقة شمال أفريقيا، هم الذين قاموا بإطلاق عملية التعليم الحديث في منطقة الخليج، هم الذين أثّروا منذ القرن التاسع عشر ولاحقاً في مصر حتّى، فبالتالي انطلقتُ من هذا المشروع الحَداثي الذي بدأ في سوريا التي هي قلب بلاد الشام، تلاها لبنان لتلازُم البلدين.   

غسان الشامي: قد يغضب البعض من كلمة التلازُم. 

جمال واكيم: فليغضبوا، في مُقاربتي للكتاب اعمتدتُ إلى حدٍّ كبير الأسلوب البسيط في الكتابة والأسلوب السَردي الوَصفي لأنه بسبب الجدل والصراع بين الإيديولوجيات والتيارات السياسية في ما بينها ومحاولتها الاستعانة بالتاريخ قاموا بتشويه المُقاربة إلى هذا التاريخ، ولذلك حاولتُ أن أخرج من خلفيّة قد أكون قد تربّيت عليها وأن أصل إلى الواقعية كما هي بتجرّد.  

غسان الشامي: هذا الكلام واضح من المراجع دكتور جمال. 

جمال واكيم: للأسف داعش التي نتحدّث عنها الآن والتي تتّخذ الشكل الديني هي مجموع داعشيات العلمانية التي تصارعت في ما بينها على مدى المائة عام. 

غسان الشامي: داعشيات عِلمانية بمعنى هذه الأحزاب التي لم تنجز مشروعها التنويري؟

جمال واكيم: ليس هذا فحسب لأنها تصلّبت في الدوغمائية ولم تعاود نقض مُقارباتها، نقض مشروعها بإعادة قراءة صحيحة للتاريخ، لذلك اعتمدتُ الأسلوب الوَصفي وحاولتُ قدر الإمكان أن أستند إلى سرد الواقعة قبل تأويلها وربطها. من هنا تلازُم المسارين هو مبني على الوقائع، أولاً لبنان الذي يُختصر ببيروت، بيروت بدأت كمرفأ لدخول الرأسمال الفرنسي إلى المشرق لتكون بديلاً عن مرفأين آخرين ترتبط النخب فيه بالنطاق العثماني وهما طرابلس وصيدا، ولذلك البرجوازية الحديثة التي تكوّنت في بيروت أساسها إما حلبي أو شامي، لنعود إلى تاريخ العائلات: عيسى اسكندر المعلوف وليس جمال اسكندر المعلوف، هذه الموسوعة التي لاحق فيها تاريخ الأسر الشرقية، وكان هناك ارتباط عضوي بين النخب الشامية وبيروت، خط الترانزيت الذي نشأ عليه اقتصاد لبنان الخدماتي على حساب القطاعات المنتجة أي الزراعة والصناعة. الأجزاء الثلاثة الأولى بدأتُ فيها من سوريا والتطوّرات فيها لأنها هي المحور يليها الوضع في لبنان ومن ثم الوضع في العراق لأن الذي أدخل مجموعة القِيَم الحداثية إلى العراق هم إما سوريون أو لبنانيون ذهبوا مع الملك فيصل وكوّنوا مملكة العراق وبعد ذلك استمر الوضع، وإما هم نُخَب عراقية تأثّرت بالنُخَب الشامية، ويليها الوضع في فلسطين والأردن.   

غسان الشامي: وأنا يمكن أن أتوافق معك في هذا ولكن لنقدّم للمشاهد هذه الصورة، بدأنا بسوريا ولبنان، ما هي ملامح هذه الفترة في العراق منذ حوالى 40 عاماً وأيضاً في الأردن وفلسطين؟   

جمال واكيم: العراق بالأساس تكوّن من جمع ثلاث أقضية وفقاً للتقسيمات العثمانية التي هي البصرة وبغداد والموصل، والموصل كان يجب أن يكون مُلحقاً بسوريا ولكن تسوية بريطانية - فرنسية جعلت الموصل جزءاً من العراق.

غسان الشامي: تسوية نفطية.

جمال واكيم: بالضبط وتسوية أيضاً مع مصطفى كمال أتاتورك جعلت الجزء الأكبر، مساحة 120 ألف كيلومتر من منطقة كيليكيا جزءاً من جنوب تركيا الحالية باستثاء لواء الاسكندرون الذي كان وضعه مختلفاً وأُلحق بتركيا في العام 1938، وبالتالي العراق كان وضعه كالتالي، العراق تعرّض لنكبات في القرن التاسع عشر، مثلاً ضرب الطاعون بغداد وقضى على 90% من سكانها في منتصف القرن التاسع عشر، حين خرج العراق خرج شبحاً للأمجاد التي كان يمثّلها في السابق، وإذا تحدّثنا عن النطاق الجيوسياسي تكوّن من ثلاث مناطق: جنوب بغداد، بغداد والوسط والشمال الذي يشمل سهل نينوى ومنطقة الجبال في الشمال، وهذه النخب الملكية أُقرّت على عشائر الوسط مع رجال دين الجنوب مع زعماء العشائر الكردية في الشمال، والذي أعطى هذا النطاق نوعاً من الشعور الوحدوي أو أنه بلد واحد هو نخبٌ درست في المدارس العثمانية العسكرية التي أسّسها عبد الحميد، كانوا ضباطاً في الجيش العثماني انضمّوا إلى الثورة العربية الكبرى، كانوا مع فيصل وجاء قسمٌ منهم وشكّل هو عَصَب الحُكم، وكان هناك تياران يتصارعان في العراق: التيار المؤيّد للهيمنة البريطانية والتيار الوطني المعارض، ونتيجة ذلك أدى إلى صراع طويل الأمد حتى داخل النخب الحاكمة وهذا أدى إلى وفاة الملك فيصل في ظروف غامضة واغتيال صريح لإبنه الملك غازي، وهنا كان الصراع بين نخبٍ وطنية يمثّلها رشيد علي الكيلاني على سبيل المثال في مقابل عملاء للبريطانيين مثل نوري السعيد والأمير عبد الإله. أما في الأردن وفلسطين فكان الالتباس أكبر والصعوبة لأن المشروع الصهيوني كان ينظر إلى أن حدوده أو الوطن القومي اليهودي بين مزدوجين هو فلسطين والأردن، وفي حينها حصلت تسوية تلت محاولة الأمير عبد الله الذي كان من المفترض أن يكون على عرش العراق، نحن كنّا مُلحقين بأسرة ترثنا جميعاً، جاء ليطالب للتعويض عن ذلك بعرش سوريا الكبرى ولكن أوقفه البريطانيون على حدود عمّان، وهذا الذي أفضى إلى تشكيل إمارة شرق الأردن التي تحوّلت إلى مملكة، وترافق ذلك أيضاً مع نضال الفلسطينيين على أرض فلسطين ضد المشروع الصهيوني. 

غسان الشامي: وفي هذه الفترة ذهبت فلسطين، احتُلّت. 

جمال واكيم: بالضبط، هناك عدّة أسباب لضياع فلسطين: أولاً أن المشروع كان كبيراً جداً على بلاد خرجت من تحت حكم عثماني كان دبّ فيه الضعف والتفكّك والانحلال بدءاً من أواخر القرن السابع عشر، القرن الثامن عشر كان وبالاً كبيراً وتجلّى ذلك أكثر ما تجلّى برجل أوروبا المريض أي الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وطُرح تفكيك الدولة العثمانية وتقاسمها منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوّل مَن طرحه كان الروس ولاحقاً الفرنسيون والبريطانيون، فبالتالي المجتمع تهالك وتعرّض لأوبئة وصراعات وحروب، جُوّفت فيه المدنيّة بشكل كبير وحلّ مكان شبح الماضي المجيد مجتمعٌ يعتبر أنه يمتّ إلى ذلك المجتمع بصلة ولكن عملياً هو مجتمع آخر، فبالتالي ما جرى في فلسطين أن الشعب الفلسطيني قاتل منذ اليوم الأول وناضل ومعه شعوب المشرق بالدرجة الأولى، وحتّى أن مصر دخلت إلى حلبة الصراع منذ الثلاثينات فصاعداً وكانت ترسل المتطوّعين. ضياع فلسطين أيضاً كان فيمن سيأتي، المشروع الصهيوني كان مدعوماً من كل القوى الكبرى آنذاك إضافة إلى أنه يتمتّع بدعم الرأسمال العالمي المُتمثّل بآل روتشيلد، بينما نحن لا حول لنا ولا قوّة، غير أنه في حرب فلسطين وبمعزل عن تحميل الجيوش العربية وهنا لا أبرّئ الجيوش العربية والأنظمة العربية ولكن في حينها كانت الأنظمة العربية تحت الهيمنة البريطانية أو الفرنسية بشكل مباشر أو غير مباشر، فكيف ستحرّر فلسطين وهي محتلّة بحدّ ذاتها. هذا من ناحية، من ناحية أخرى قوة التحشيد، مجموع الجيوش العربية إضافة إلى جيش الإنقاذ كانت لا تتعدّى 32 ألفاً بينما بطريقة التطوّع، جيش المتطوّعين الذي شكّله الصهاينة استطاع حشد 100 ألف عدا عن إمدادهم بالسلاح وحصولهم على الدعم الدولي، بالتالي مسألة ممارسة جلد الذات في وقتٍ لاحق كانت لتبرير مسار تفاوضي وتقديم التنازلات.  

غسان الشامي: لنذهب إلى الفترة الثانية 1958 - 1970، 12 عاماً، ما هي صفات هذه الفترة سياسياً إن كان في سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين؟  

جمال واكيم: ما ميّز هذه الفترة بالدرجة الأولى هو الدور الفاعل لجمال عبد الناصر، حينما نتحدّث عن قومية عربية يجب أن نتحدّث عن قوميات عربية. 

غسان الشامي: كيف؟ 

جمال واكيم: في مشروع القومية العربية لدينا قومية حزب البعث الذي يضمّ قوميّتين: حزب البعث السوري الذي أخذ منحىً مستنداً إلى طبقات ريفية فقيرة ومنحىً أكثر اشتراكية يسارية بين مزدوجين أي عملية التحوّل الاجتماعي، بينما حزب البعث العراقي استند بالدرجة الأولى إلى دعم الوجهاء وعشائر العراق الذين هم ملّاك أراضٍ كبيرة، وحتى في حزب البعث السوري عند حصول الوحدة بين حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي التابع لأكرم الحوراني أو الحزب الاشتراكي كان حزب البعث العربي والحزب الاشتراكي التابع لأكرم الحوراني وأصبح حزب البعث العربي الاشتراكي. أحد أعضاء حزب البعث المؤسّسين انسحب لأنه أضيفت كلمة الاشتراكية لأنه من عائلة السيّد من دير الزور واسمه جلال السيّد لأن أفكاره لا تتناسب مع الاشتراكية التي تدعو إلى الإصلاح الزراعي وضرب الملكية الكبيرة لأنه كان من كبار ملّاك الأراضي، فبالتالي السند الاجتماعي وما يمثّله كان له الدور الكبير. عبد الناصر وطبيعة صِدامه لاحقاً مع البعث هو صِدام طبقي لأنه أراد إحداث تحوُّل اجتماعي لصالح الطبقات الفقيرة، وحين أجرى الوحدة مع سوريا كان الهدف منها حماية سوريا من النفوذ التركي أو التهديد بالغزو التركي آنذاك في العام 1958 وأتى بناءً على رجاء من ضباط سوريين كانوا يمثّلون النخب البرجوازية الشامية والحلبية، والوحدة بالنسبة لهم هي فتح وتوسعة أسواق أمام البرجوازية الشامية والحلبية. بالنسبة إلى عبد الناصر بدأ بالإجراءات الاشتراكية، أمّم الشركات في سوريا وقام بإصلاح زراعي أي أنه ضرب باب رزقهم، ومن هنا مَن انقلب عليه هو مَن أجرى معه الوحدة وهما حيدر الكزبري قائد قوات البادية وعبد الكريم النحلاوي مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر وهما من أسر برجوازية شامية، فبالتالي القومية العربية كانت بالنسبة لعبد الناصر هي منصّة لحركة تحرّر عالمية في مواجهة استعمار القوى الغربية، والهدف الأساس هو عملية تحوّل اجتماعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا ما ميّز تلك الفترة حيث أن عبد الناصر انطلق بمشروعه في العام 1958.  

غسان الشامي: اسمح لنا أن نذهب إلى فاصل ثم نكمل، أعزائي انتظرونا بعد الفاصل في حوار مع الدكتور جمال واكيم حول كتابه "المشرق سياسياً 1918 -2018".

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور جمال واكيم توقّفنا في الجزء الأول عند الرئيس جمال عبد الناصر والانطلاقة من العام 1958، من هذا المنطلق أين هي الحال في العراق ولبنان الأردن وفلسطين؟  

جمال واكيم: في تلك الفترة قاد جمال عبد الناصر مشروعاً بمواجهة القوى الغربية وتحديداً الولايات المتحدة التي كانت آنذاك القوة الغربية المُهيمنة، جرى صراع في العراق حتّى مع الاتحاد السوفياتي لأن عبد الكريم قاسم عند حدوث الانقلاب على الملكية في العراق كان عماده الشيوعيين والقوميين، القوميون العرب كانوا غير منظّمين، هناك ضباط مستقلّون وحركة القوميين العرب وبعثيون تضافروا في ما بينهم وجرى الانقلاب أو الثورة على الملكية وأطيح بالهاشميين من العراق. هنا بدأ التناقض يظهر على الساحة مع السعودية لأن تقارُب السعودية مع مصر في الخمسينات كان نتيجة الخوف من الهاشميين، وحين زال الخطر الهاشمي استشعر السعوديون بالخطر عليهم من جمال عبد الناصر ومن عملية التحوّل التي يقودها في الخريطة العربية، وبناءً على ذلك كان هناك عدو وهو الخارج ولكن برزت التناقضات العربية، التناقض بين البعث - الجناح اليميني في سوريا والذي كان على خصومة مع عبد الناصر بين 1963 إلى 1966، تناقُض بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم من 1958 حتى 1963، وبعدها حصل انقلاب من قِبَل الضباط القوميين والبعث في 1963، وبعدها تمّت الإطاحة بالبعث وبقي عبد السلام عارف مؤيّداً لعبد الناصر، ومن هنا كان التقارب بين العراق ومصر حتى العام 1968 عند حصول الانقلاب الذي قام به صدّام حسين. وبالنسبة للقضية الفلسطينية هذه المرحلة هي التي تميّز أولاً خصومة ما بين الملك حسين وجمال عبد الناصر، فتقرّب الملك حسين من السعودية في الوقت الذي ظهر فيه على الساحة شبابٌ يطالبون باستقلالية القضية الفلسطينية التي بدأت مع حركة القوميين العرب "طلائع الثأر" جورج حبش ووديع حداد اللذين أساسهما قومي عربي علماني، وتلاها تشكيل جماعة فتح لمجموعة في الكويت على علاقة مع مصر لأنهم تكوّنوا من طلاب أساسهم من الإخوان المسلمين منهم أبو عمار، أبو إياد وأبو جهاد، وهنا كانت الحاجة في قمّة القاهرة لإطلاق هيئة تنظّم العمل السياسي للفلسطينيين، أُطلقت منظمة التحرير وأُطلقت أول رصاصة ضد الاحتلال الصهيوني من قِبَل هذه المقاومة، واختلفت فتح والجبهة الشعبية على مَن بدأ بإطلاق النار. بالنسبة لي أعتقد أن الجبهة الشعبية كانت السبّاقة ولكن حركة فتح كانت تمتلك "الميكروفون" وصولاً إلى هزيمة 1967، هذه الهزيمة هي نتيجة هذه التناقضات العربية من ناحية وأيضاً نتيجة أن الأميركيين كانوا قد بدأوا عملية ضرب لكل الأنظمة المعادية للإمبريالية في العالم بدءاً من الجزائر مروراً بغانا وسوكارنو بإندونيسيا. حاولوا أولاً الانقلاب على عبد الناصر من الداخل عبر دعم الإخوان المسلمين وفشلوا وكُشفت المؤامرة فأتبعوها بضربة إسرائيلية في العام 1967. هنا المبالغة بالهزيمة وتحميلها لعبد الناصر وطبعاً للأنظمة العلمانية آنذاك كان الهدف منه الاستثمار في وقت لاحق للدخول في مسار السلام، أي أنه لا يمكننا فعل شيء ويجب أن ندخل في السلام وأن نكون واقعيين، ومن هنا برزت مسألة الواقعية. عبد الناصر والأنظمة العلمانية آنذاك رفضت الهزيمة وكانت تُعدّ لحرب تحرير والدليل على ذلك أن حافظ الأسد الرئيس السوري الراحل عندما دخل في الحرب عام 1973 مع مصر بقيادة أنور السادات كان على أساس ما أُرسي أيام عبد الناصر وهو التحرير الكامل ولم يكن يعلم بأن السادات سيدخل في مسارٍ تفاوضي.     

غسان الشامي: هذه الفترة بعد 1970، أنت في الجزء الثالث 1970 - 1991 لماذا أوقفتَ هذه الفترة في العام 1991 أولاً؟ وما هي سمات هذه الفترة؟  

جمال واكيم: أولاً أوقفتُ هذه الفترة من 1970، وفاة جمال عبد الناصر وتحوُّل جذري في مصر هو الذي سيؤثّر على مسار الأحداث إقليمياً، وفي نفس الوقت في الولايات المتحدة انطلاق مشروع النيوليبراليين أو المحافظين الجُدُد الذي دفع للتصعيد في العالم وحصار الاتحاد السوفياتي تمهيداً لإسقاطه في وقت لاحق. لماذا 1991؟ لأن في العام 1989 انتهت الحرب الباردة وتفكّكت كتلة الدول الاشتراكية، في 1991 تفكّك الاتحاد السوفياتي وتمّ ضرب العراق، من هنا بدأتُ الجزء الرابع بعملية ضرب العراق التي كانت المدخل والأساس، وهي التي كسرت ظهرنا بمعزلٍ عن أن البعض يؤيّد الرئيس الراحل صدّام حسين والبعض الآخر يعارضه، القضية ليست في الشخص ولكن لماذا هذه المرحلة؟ لأنها هي التي ميّزت مرحلة الجمود في الاتحاد السوفياتي، تراجعه عن دعم الأنظمة المعادية أو التي تريد أن تستقل عن الهيمنة الغربية، وهذا ما جعل هذه الأنظمة الحديثة الاستقلال فريسة الضربات المتلاحقة التي تعرّضت لها. إذاً الأسبوعين الأوّلين من العام 1973 كان انتصاراًعسكرياً باهراً لم يُتوّج بانتصار سياسي لأن الخيار السياسي لمصر التي كانت أقوى قوة عربية عسكرياً كان مختلفاً، هنا برزت على الساحة حنكة حافظ الأسد، ولكن خروج مصر أتاح حرية الحركة للكيان الصهيوني في منطقة المشرق العربي تجلّت أولاً بضرب لبنان عبر الحرب الأهلية التي كان لها عوامل كثيرة داخلية ولكن العامل الأساس كان أن لبنان يشكّل الخاصرة الرخوة لسوريا. في الحرب الأهلية كانت هناك أيادٍ أميركية وإسرائيلية فيها لأن زعزعة لبنان هي مدخل لزعزعة سوريا ولبنان كان تجربة، الحرب الأهلية كانت تجربة للتقسيم وفقاً لكيانات طائفية وعرقية، للأسف طُبقت في العراق لاحقاً وحاولوا تطبيقها في سوريا بما يُسمّى بفترة الربيع العربي التي صمدت سوريا بوجهها والحمد لله، وهنا لا نتحدّث عن نظام بحدّ ذاته وإنما عن البلد الذي منع عنا مذبحة أكبر. 

غسان الشامي: سنأتي إلى هذا في الجزء الأخير من كتابك، ولكن هل يمكن وباختصار رِسْم ملامح هذه الحال وما تعتمله من حركات سياسية في لبنان وفلسطين والأردن والعراق خلال الإحدى عشرة سنة هذه بين 1970 و 1991؟   

جمال واكيم: 21 سنة.  

غسان الشامي: نعم.   

جمال واكيم: لأنها أولاً مرحلة الترهّل السياسي، مرحلة الوقوف الدفاعي وتلقّي الضربات، تحديداً من ناحية عند حافظ الأسد محاولة بناء القوة العسكرية والتوازن الاستراتيجي والتي نجح بها جزئياً وليس كلياً. وَهْم القوّة عند الرئيس صدّام حسين بمعنى بناء القوّة العسكرية ولكنّه لم يستطع بناء القوّة الاقتصادية والبنية المجتمعية التي تُسند هذه القوّة، من هنا اندثرت هذه القوّة عند أول حرب جدية دخل بها مع الأميركيين. مع إيران كان الغرب يدعم الطرفين في نفس الوقت كي ينهكا بعضهما وهو الاحتواء المزدوج الذي تحدّث عنه كيسنجر، وهذه الحرب التي انتهت باستنزاف البلدين ومهّدت لتدمير العراق لاحقاً على يد الأميركيين في العام 1991. 

غسان الشامي: في الجزء الرابع والأخير تناولتَ المشرق من 1991 حتى نهاية المئوية، لنبدأ بالعراق وأنت على ما أعتقد بدأتَ بالعراق في الكتاب لأنه في 2003 هذا العراق أصبح كما نشهده، هل يمكن رسم ملامح ما حصل؟ وكيف أثّرعلى كل المنطقة بعد ذلك؟

جمال واكيم: العراق يمتلك قدرات هائلة ورغم الخلاف الذي كان بين البعثيْن في سوريا والعراق ولكن كان العراق بقدراته الكامنة يشكّل سنداً لسوريا بالتوازنات في مواجهة الكيان الصهيوني، والمشروع الصهيوني كان يبغي تفتيت هذه المنطقة كاملةً، وبدلاً من أن يكون هو أقلية في محيط أكثرية عربية مسلمة بين مزدوجين يصبح أكبر أقلية بين مجموعة أقليات، وبدلاً من أن نكون مشرقيين أو عرباً نصبح سنّة وشيعة ودروزاً وأورثوذكسيين وكلدانيين وآشوريين وكرداً وشركسيين وتركمانيين وما إلى ذلك.

غسان الشامي: في فترةٍ ما كان مسموحاً أن تقول عن نفسك ما تريد من دون أن تقول إن هناك هوية جمعية.    

جمال واكيم: صحيح، لأنها تصبح أكبر أقلية بين مجموعة أقليات وهذا هو سبب ضرب العراق، الرئيس الراحل صدّام حسين كان يعتبر نفسه حليفاً للغرب ومدعوماً من دول الخليج، وفوجئ في 1988 بالرغبة الأميركية بضربه وهذا ما سبّب حادثة الغارة العراقية على إحدى البوارج الأميركية، كانت رسالة للأميركيين، ولم يبدأ هو بالعدوان، ضغط الأميركيون حينها على بعض الدول النفطية لإغراق السوق من أجل خفض سعر النفط لضرب الاقتصاد العراقي وإسقاط النظام لأنه كان يجب أن تسقط الدولة بمعزل عن الشخص الحاكم، عملية بناء الدولة في العراق رغم تشوّهها وعدم مثاليّتها ولكن يجب أن تسقط هذه التجربة ويجب أن يُكسَر ظهر سوريا التي هي قلب الحداثة في هذا المشرق لتمهّد للمشروع الصهيوني الذي حاولوا تحقيقه بالسلام، هنا عملية مدريد، وهنا كان الموقف السوري بعدم المواجهة مع الأميركيين ولكن كسب الوقت لأنه في العام 1987 شعر الرئيس حافظ الأسد بهذه التحوّلات بعد لقاء مع غورباتشوف وكان يريد كسب عشر سنوات كي يتغيّر الموقف الدولي. أعتقد بأنه نجح في رهانه بكسب الوقت وهذا ما يفسّر استراتيجية التفاوض السورية في فترة مدريد، كان يحاول أن يفرمل التوجّه نحو السلام ولكن لا يصل إلى حدّ المواجهة لأنه غير قادر على ذلك، لا ظهر له، الصين لم تخرج إلى الميدان، روسيا غارقة في أزمتها وهو غير قادر على مواجهة من هذا النوع وصولاً إلى العام 2000، في هذا العام حسم الأميركيون أمرهم بشأن مسألة شنّ الهجوم لأنهم شعروا أن هناك قوىً أوراسية صاعدة غير قادرين على منافستها بالقدرات الاقتصادية الكامنة فيمكن أن يطوّقوها باستراتيجية تطويق التي رُسمت في عهد هالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان وماهان بمنع وصولهم إلى طرق الملاحة البحرية، فبالتالي هذا يفسّر الأزمات في جنوب بحر الصين والبلطيق والبحر الأسود وأوكرانيا، والمنفذ الأخير إلى شرق المتوسّط هو المشرق، من هنا جاء ضرب أفغانستان أو احتلالها لأنها أعلى هضبة تطلّ على نقاط الضعف في الأمن القومي الصيني والروسي والإيراني، وأتبعوها بغزو العراق لنشر الديمقراطية، وقاموا بلبْننة العراق، النموذج الذي جُرّب في الحرب الأهلية اللبنانية وطُبّق لاحقاً في اتفاق الطائف الذي هو نذير شؤم أسوأ من صيغة 1943، طبّقوا التوازنات الطائفية في العراق التي تفقده أي قدرة على مواجهة الهيمنة الغربية وحاولوا استدراج سوريا إلى نفس الفخّ، وهذا يفسّر الربيع العربي والأزمة في سوريا.    

غسان الشامي: قبل أن نصل إلى هذا في هذه الفترة فلسطين والأردن، المسألة الفلسطينية التي هي لبّ الصراع على المنطقة طيلة القرن العشرين وما تزال. 

جمال واكيم: المشكلة في أن منظمة التحرير مَن أمسك بزمامها منذ العام 1969 هي نخبة تمثّل مصالح البرجوازية الفلسطينية التي كانت تريد موطىء قدم على أرض فلسطين بأي ثمن وبأية شروط، من هنا توجُّه ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1969 كان بالحل السلمي بأي ثمن، ولكنه كان يُفرمَل من قِبَل سوريا التي لا تريد حلاً إلا ما يضمن خنق الكيان الصهيوني تمهيداً لزواله في المستقبل، وهنا كان النموذج الأساسي بالنسبة لحافظ الأسد هو صلاح الدين هذا من ناحية، والنموذج الأساسي لحافظ الأسد هو أن هذا الكيان لا يمكن أن يقوم على المدى الطويل، فبالتالي كيف كان يفرمل ما جرى؟  

غسان الشامي: نموذج صلاح الدين عند حافظ الأسد. 

جمال واكيم: نعم، كيف كان يفرمل ياسر عرفات وتوجّهاته السلمية؟ عبر جبهة الرفض التي كوّنها من أجل مواجهة كامب ديفيد عبر فصائل فلسطينية.    

غسان الشامي: القرار الوطني المستقل. 

جمال واكيم: كلا، القرار الوطني المستقل الذي تحجّج به هو ياسر عرفات ولكن كان هناك منظمات فلسطينية مثل الجبهة الشعبية، القيادة العامة قبل الحركات الإسلامية مثل الجهاد وحماس، الجهاد في أوائل الثمانينات وحماس في أواخر الثمانينات. هنا لا زلنا نتحدّث عن السبعينات، كان يدعم هذه الفصائل، الصاعقة في فترة من الفترات كانت تحاول أن تفرمل إلى حدٍّ ما، والفئات الوطنية وحتّى من داخل فتح كانوا يحاولون فرملة توجّهات ياسر عرفات ولكن ياسر عرفات في خطابه أمام الأمم المتحدة عام 1974 كانت دعوة إلى وضعه على الطاولة. هو حضر خطاب السادات الذي أعلن فيه الدخول في مفاوضات السلام مهما جرى وصفّق له وكان يتمنّى اللحاق به. الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 يفسّر لماذا انسحبت قيادات فتح منذ الربع ساعة الأولى من الجنوب وتركت المقاتلين الآخرين، الحاج اسماعيل الذي لا يزال حتى الآن منسّقاً بين السلطة وقوات الاحتلال.   

غسان الشامي: أصبح في جديتا بالبقاع.  

جمال واكيم: هذا يفسّر الانسحاب ويفسّر لاحقاً انسحاب ياسر عرفات ليس إلى دمشق كما اقترح جورج حبش وإنما إلى تونس، وأوّل محطة له بعد بيروت كانت القاهرة - كامب ديفيد، وبعدها كان هناك رهان منذ أواخر الثمانينات وحصلت محادثات سرية مع ممثلين عن حكومة الليكود أيام إسحاق شامير تحديداً وإعلان قيام دولة فلسطين كان للتورية عن المحادثات السرية.    

غسان الشامي: للتعمية.  

جمال واكيم: نعم، جورج حبش رحمه الله ذهب إلى الجزائر وكان يعلم بهذا الموضوع كي يفرمل ياسر عرفات عن الذهاب، وكان مَن يدير عملية المفاوضات السرية آنذاك مع أبو مازن أدباء ومفكّرين معروفين، وبعدها دخلوا في مسار السلام والرضا بما يعرضه الإسرائيليون. الإسرائيليون صفّوا القضية الفلسطينية في اتفاقية أوسلو وأصبحت مسألة تقنية، وبسببها وقّعوا اتفاقية السلام مع الأردن التي شكّلت جسر عبور للتطبيع مع العرب، وهنا حاصروا سوريا ولبنان وجاء نتنياهو، وأعطى المحافظون الجدد وثيقة لنتنياهو بعدم إجراء السلام لأنهم مقبلون على تحوّلات جيوسياسية كي لا يخسر شيئاً بإمكانه الاحتفاظ به ويكسب مقابله من دون أن يدفع الثمن.  

غسان الشامي: نحن على أواخر هذا الحوار، كيف قاربتَ ما حصل في سوريا وفي العراق في الفترة الماضية وصولاً حتى اللحظة وتحديداً من عام 2011 حتى 2018 وأثره في المشرق بقليل من الوقت إذا سمحت، لنشكّل خلاصة إذا سمحت.

جمال واكيم: أنا انطلقت من المنطق الأفلاطوني، وكي لا أضيع بالتفاصيل انطلقت من الصورة المكبّرة. بالنسبة للأميركيين كان الهجوم ضد أوراسيا يتشابه مع الهجوم الألماني ضد الاتحاد السوفياتي، وكان المدى الأقصى الذي وصل إليه الألمان هو ستالينغراد. معركة ستالينغراد كانت محاولة لإقامة أميركا الكبرى، عندما عجز هتلر عن إقامة أوروبا الكبرى حاول أن يقيم أوروبا المصغّرة على حدود ليتوانيا إلى القرم. 

غسان الشامي: كيف صارت هنا؟  

جمال واكيم: بالنسبة إلى الأميركيين الذين هم نموذج مكبّر عن ألمانيا النازية ولا يعترفون بهذه الحقيقة ولكنهم كذلك حاولوا إقامة الشرق الأوسط الأكبر، وكانت معركة ستالينغراد بالنسبة إليهم هي العراق، ولقد فشلوا في العراق بسبب دعم إيران وسوريا للمقاومة العراقية في وجه الاحتلال. هنا بدأوا بالتحضير لمعركة كورسك التي تحدد الشرق الأوسط الأصغر الذي هو السيطرة على سوريا ومنع أوراسيا من أن تطلّ على طرق الملاحة عبر شرق المتوسط. وهنا كنت قد أجريت نوعاً من المقارنة بين النطاق المغولي والنطاق الأوراسي. بالنسبة لي سوريا هي معركة كورسك، وكتبتُ في العام 2010 أن سوريا هي المعركة المقبلة، كنت حينها أحلّل وأقدّر وجرت المعركة وكانت أغلب التقديرات أن النظام سيسقط وما إلى ذلك، القضية ليست في سقوط النظام وإنما سقوط سوريا بما يستتبعه من سقوط أوراسيا، هنا كانت موازين القوى والتحوّلات الدولية أكبر من ذلك، لذلك بالنسبة لي سوريا لن تسقط.  

غسان الشامي: انتهى وقتنا، إذا يمكنك أن تختصر لنا بجملة.  

جمال واكيم: الجمهورية العربية السورية تجاوزت أزمتها ومعها فشل المخطط الأميركي. ما نشهده الآن في العراق وفي لبنان ما هو إلا تداعيات الفشل وردّ فعل على الفشل، بالتالي أنا أعتقد أنه بنهاية 2018 رغم كل المآسي نحن نتحضّر إلى عصر نهضة جديد أساسه صمود سوريا وتداعياته وصداه سيكون في مصر وفي مختلف الأقطار العربية، وكما انطلقت شعلة الحداثة من سوريا في القرن التاسع عشر فإن شعلة التحرّر من الهيمنة الأميركية والتحوّلات الدولية ستنطلق من هنا وستعمّ المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج وما بعد المحيط والخليج.   

غسان الشامي: شكراً جزيلاً. لأن الذاكرة السياسية في المشرق وبلاد العرب غربالية وانتقائية معاً، ولأن معظم الساسة لا يقرأون وأغلبهم لا يتّعظ من أحداث التاريخ فإن كتاباً أكاديمياً ككتاب "المشرق سياسياً" للدكتور جمال واكيم يمثّل ضرورة للساسة والباحثين وطلاب التاريخ والمعرفة. الشكر للدكتور جمال واكيم على حضوره في أجراس المشرق، لزملائي في البرنامج والميادين، وسلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.