الأستاذة لونا أبو سويرح

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. مُثقّفة عربيّة مشغولة بقضايا وطنها وأُمّتها، إبنة (غزّة) الفلسطينية التي جابت الكثير من دول العالم لم تنسَ يوماً مدينتها ولا تناست قضيّة شعبها، هذا الشعب الذي يُعاني أسوأ احتلالٍ عرفه التاريخ. شغَلت العديد من المناصب في الأُمم المتّحدة وسواها قبل أن تتبّوأ منصب المُديرة العامة لـ"مركز دراسات الوِحدة العربيّة" الذي يُجاهد كي يستمرَّ في عمله كمنبرٍ عربيٍّ مُستقلّ في زمن التشظّي والانقسام. نجول معها على عناوين هامة تخُصّ كلَّ إنسان حالمٍ بواقعٍ عربيٍّ مُغايرٍ للذي نحن فيه. "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب يُرحِّب بالسيّدة والأُستاذة "لونا أبو سويرِح"، أهلاً وسهلاً، شرّفتِ "بيت القصيد"

لونا أبو سويرِح: أهلاً بك وشكراً على الاستضافة أُستاذ "زاهي" 

زاهي وهبي: ما هذا الثوب الحلو في البداية؟ 

لونا أبو سويرِح: هذا هويّتي وتُراثي

زاهي وهبي: ثوب فلسطيني؟ 

لونا أبو سويرِح: هذا التراث الفلسطيني، صحيح 

زاهي وهبي: من أيّة منطقة؟ أعرِف أنّ كلّ منطقة فلسطينية لها زيّ مُعيّن أو لها تطريزة مُعيّنة 

لونا أبو سويرِح: صحيح، اللون الأحمر يدخل تقريباً في أغلب المناطق، لكن هذا الزيّ من منطقة الجنوب، جنوب (فلسطين) وقطاع (غزَّة) 

زاهي وهبي: نعم، وحضرتكِ من (غزَّة) وسنأتي على ذِكرها والحديث عنها ولكن أولاً، مديرة "مركز دراسات الوِحدة العربية"، أعلم أنّ هذا المركز عريق وله تاريخ ولكن اليوم في زمننا المُعاصر، عنوان "الوحدة العربيّة" يبدو كأنّه يأتي من عالمٍ آخر أو من كوكب آخر، هلّ هناك أمل بعد في وحدة ما، في شكل من أشكال الوِحدة العربيّة في يومٍ من الأيّام؟ 

لونا أبو سويرِح: صحيح. يبدو أن الإسم أتٍ من زمن جميل وطموحات كبيرة ومدٌّ قومي وعروبي، هذه الفترة هي التي أنشأت المركز وأسّست له وربما في اعتقادي هذه هي المؤسّسة الوحيدة التي ما زالت تحمل إسم "وحدة عربيّة" في وطننا العربي، أكيد يوجد أمل 

زاهي وهبي: يوجد أمل. من أين نستمدّ هذا الأمل؟ هذا الأمل في أنّه يوماً ما، ولا نتحدّث عن وِحدة على الطريقة القديمة ولا وحدة اندماجيّة بين الدول ولكن شكل ما من أشكال الوحدة، غير طبعاً جامعة الدول العربية التي نعرِف أنّ كلّ قراراتها تبقى حبراً على ورق للأسف! 

لونا أبو سويرِح: أكيد هناك أمل، هذا الأمل نستمدّه من أننا أمّة لها تاريخ مُشتَرك ولها هويّة مُشتركة ولها لغة عربيّة مُشتركة وبالتأكيد لها مصالِح مُشتركة وحاضر مُشترك، ففي الاتحاد قوّة وفي التفرُّق ضعف بكلّ بساطة. صحيح ليس وحدة اندماجيّة ما نطمح إليه الآن لكن على الأقلّ كما هناك اتحاد أوروبي أن يكون هناك اتحاد عربي 

زاهي وهبي: ممكن أن يحصل هذا في يومٍ من الأيام؟ 

لونا أبو سويرِح: ممكن لأنّ مصالحنا تجمعنا، ولبقائنا واستمراريّتنا لا بدّ من أن نتّحد. لن نستطيع أن نستمرّ كأُمّة وكشعب عربي من دون أن نتّحد ونتكامل ونتكافل

زاهي وهبي: ما هي العلامات؟ ما هو الأُفق الذي يقول، ابتسامتكِ لوحدها تقول عكس ما تقولينه 

لونا أبو سويرِح: أنا في طبعي متفائِلة وفي طبعي أرفض الإحباط مهما كانت الأمور المُحيطة بنا سوداويّة، وكما حضرتك في المُقدِّمة أشرت تشرذم وانقسام وغيره، لكن هناك أجيال تعمل من أجل التكامل والتعاون، تعمل من أجل العمل العربي المُشترك. ما زالت هناك مؤسّسات عمل عربي مُشترك تعمل وتنتِج، ما زال هناك في الحد الأدنى تنسيق في بعض المواقف العربيّة وخلافه. صحيح ربما هناك خصومات أو اختلافات سياسيّة لكن مصلحتنا المُشتركة واستمراريّتنا تُحتِّم علينا أن نتّفق

زاهي وهبي: في تعريف المركز أنّه يهتمّ في القضايا العربيّة ويعرِض الحلول من خلال ندوات ودراسات وأبحاث وإلى آخره، وطبعاً إصدارات كثير من الكُتب والعناوين. سؤالي، هل هناك مَن يهتمّ أو يُصغي لما يُعرَض من حلول أو لما يُعرَض من أفكار ومقترحات في عالمنا العربي؟ يعني هناك العديد من مراكز الدراسات ولكن الشكوى الدائِمة أنّ هذه الدراسات والأبحاث تذهب إلى صنّاع القرار ولكن 

لونا أبو سويرِح: صحيح، صحيح، وهذا لا يرتبط فقط بـ "مركز دراسات الوحدة العربيّة"، للأسف نحن في الوطن العربي أو على مُستوى الدول العربيّة لا يوجد تنسيق كافٍ ما بين صانعي القرار وصانعي السياسات والمُفكّرين والمُثقّفين. هناك فجوة ما بين الإنتاج المعرِفي والمُتلقّي والدولة التي يجب أن تستخدم هذه الأدوات المعرفيّة لتكون قراراتها تُتّخذ على أُسس علميّة صحيحة. فالفجوة موجودة وأيضاً تجدها في مناطق أُخرى وفي دول أُخرى وليس فقط في العالم العربي 

زاهي وهبي: كيف السبيل إلى إقناع صانع القرار أيّا يكُن وأياً كان توجّهه أنّ المُفكِّر والمُثقّف رأيه يفيد؟ دائماً كان الرأي عبر التاريخ لأصحاب الرأي والمشورة ودائماً كان لهم حضور ورأيهم يُسمع، "ومَن شاور الناس شاركهم في عقولهم"، أليس كذلك؟ 

لونا أبو سويرِح: صحيح 

زاهي وهبي: لكن يبدو أنّ هذه المقولة لا تنطبق على حُكّامنا 

لونا أبو سويرِح: أيضاً في التاريخ مثقفون ومُفكّرون اضطهدوا وشُرِّدوا وأُحرِقت كتبهم وأُحرِقت مكتباتهم ولم يستمع إليهم صاحب السلطة. الحلّ أنّ نستمرّ في إعلاء صوتنا، نستمرّ في الإنتاج المعرفي والفِكري والثقافي، وآجلاً أم عاجلاً لا بدّ من أن يجد صانع القرار والمؤسّسات المهتمة هذه المعلومات في بيئتها العلمية ومُفكِّريها وعلمائها

زاهي وهبي: مركز دراسات الوِحدة العربيّة يُفتَرض أنّه مركز مستقلّ. سؤالي، هل هناك إمكانيّة فعليّة للاستقلاليّة في عالم عربي منقسِم على نفسه؟ في عالم عربي يشهد الكثير من صراع المحاور والأحلاف؟ هل هناك إمكانيّة للاستقلاليّة ولاستمرار الاستقلاليّة؟ 

لونا أبو سويرِح: كلمة مُستقل أنا أضع تحتها عشرة خطوط لأننا فعلاً مستقلّون، وأنا لا أخجل أن أجزِم أنّنا المركز العربي الوحيد المُستقلّ في الوطن العربي على مُستوى الدول أو على مُستوى الإقليم ككلّ ونُعاني بسبب استقلاليّتنا. استقلاليّتنا معناها أننا لا نرتهن لأيّ مُتبرّع 

زاهي وهبي: نظام أو حكومة 

لونا أبو سويرِح: أو نظام أو حكومة، نحن هدفنا بقاء هذا الوطن العربي قوياً، بقاء الدول العربيّة قويّة، أن يكون الإنسان العربي متعلِّماً ومُثقّفاً ومُنتِجاً وأن يكون مُساهماً في تطوير وتنمية دوله، هذا هدفنا. وبالتالي من المفروض ألّا نُغضب أحداً، يعني الهدف السامي للمركز ألّا يُغضب أحداً لكن أنا دائِماً أشعُر أننا نسير على ألغام بسبب الخلافات السياسية وبسبب التوجّهات المُختلفة بين الأقطاب المُختلفة في المنطقة العربيّة 

زاهي وهبي: حتّى الاستقلاليّة في حدّ ذاتها غير مرغوبة يبدو في هذا الزمن

لونا أبو سويرِح: صحيح

زاهي وهبي: قبل أن نتوسّع في العناوين التي أشرنا إليها إسمحي لنا أن نذهب إلى المركز برفقة زميلتنا "سحر حامد" ونستمع إليكِ في فقرة "قطع وصل" 

قطع وصل - لونا أبو سويرِح: 

- أهمّ قضيّة تهمّني أنا كـ "لونا" شخصياً هي (فلسطين)، هي قضيّتي الأولى والقضيّة المركزيّة، (فلسطين) في مُحيطها العربي. عروبتنا وفلسطينيّتي هذه أهم الأشياء بالنسبة لي 

- أنا لا أجد الأُفق مُعتِماً، مهما كان العتمة حولنا دائِماً أؤمن أنّنا لا نحيا من دون أمل، فدائِماً عندي نظرة مُستقبليّة للأمل، دائِماً أتطلّع إلى أنّ القادم سيكون أفضل، وما يعطيني القوّة في حياتي العمليّة أو حياتي الشخصيّة هو إيماني بأنني من اللازم أن أقول الحقّ في أيّ مكان وفي أيّ زمان، وطالما أنت تقول الحقّ تكون تقف على أرضٍ صلبة وتمشي في طريقك

- طفولتي كانت في (غزَّة)، طفولتي ومراهقتي حتّى إنهاء المدرسة كانت في (غزَّة)، فهذه تُعتبَر أجمل فترة في حياتي. سبب انتقالي إلى (بيروت) أو أحد أسباب انتقالي إلى (بيروت) أن أتمكّن من العيش مع عائِلتي في مدينة تُشبه (غزَّة) في بحرها وفي ناسها وفي أهلها وفي طعامها وفي حكايات العائِلة. الانتفاضة الأولى كانت مؤثّرة جداً في طفولتي وفي نشأتي وفي تكويني. الجوّ واحد، القدرة على الصمود والاستمرار وحبّ الحياة واحد في (غزَّة) وفي (بيروت) 

- أنا نشأت على أنّي عربيّة فبالنسبة لي الوطن هو مُحيطي العربي. صح أنّ هناك الكثير من العواطف التي تربطنا بالوطن وتاريخ وذكريات وأحلام، لكن تظلّ أيضاً فكرة أنّ عندك انتماء لوطنك العربي، عندك انتماء لـ (فلسطين)، عندك انتماء إلى مدينتك، كلّها أوطان صغُرت أم كبُرت، هي أوطاننا وفكرة الانتماء أيضاً هي التي تُعزِّز قدرتنا على الصمود، قدرتنا على الاستمرار وأن ننتمي إلى مكان وليس أن ننتمي إلى لا شيء 

- "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل". من دون أمل لا وجود لحياة، يعني والدي الذي لجأ في عام 1948 وكان في السابعة من عمره، ترك "سُكرير" قريته (سدود) إلى (مُخيّم النُصيرات) في (غزَّة). لو والدي فقد الأمل في يوم من الأيام في أن ترجع لنا (فلسطين) لما كنّا نحن كبِرنا كفلسطينيين ولما كبر أولادي وهم يحلمون بـ (فلسطين) التي لم يروها بعد. فدائِماً الأمل موجود لأنّ الأمل هو سرّ استمرارنا في الحياة، نمشي إلى هدف مُعيّن، نمشي لقضيّة مُعيّنة، والأمل معنا يُعزِّز من صمودنا ومن استمراريّتنا 

زاهي وهبي: حلو الأمل أكيد، وإضافةً إلى كونك شخصيّة متفائِلة كما تفضّلتِ، لكن هل من مصادر للأمل؟ هل من منابع لهذا الأمل بعودة (فلسطين)، بتحرير (فلسطين) في يومٍ من الأيّام؟ 

لونا أبو سويرِح: أكيد، أكيد، هناك مصادر كثيرة لعودتنا إلى (فلسطين) وتحرير (فلسطين). أولاً نحن أُمّة شابّة يافعة فيها أجيال تكبر على حبّ (فلسطين) على حلم التحرير، هناك قوى في الوطن العربي تُقاوِم وما زالت وفي نصب أعينها تحرير فلسطين، العداء للكيان الصهيوني نجتمع عليه أكثر مما نفترق أو نختلف حوله، وهذا الكيان الذي زُرِع في وسطنا هو كيان غريب عنّا وبالتالي سيلفظه وطننا آجلاً أم عاجلاً

زاهي وهبي: لكن ألا تجدين أنّ هناك مُحاولات لتغييب القضيّة الفلسطينية؟ لمحوها من ذاكرة الأجيال الجديدة؟ لجعلها وكأنّها غير موجودة والتعامل مع الاحتلال كأمر واقع ومصير أو قدر محتوم لا مفرّ منه؟

لونا أبو سويرِح: أكيد، هناك مُحاولات من أطراف مُختلفة يُسيطر عليها الغرب في طُرق مُختلفة، هناك الهيمنة الغربيّة، هناك التحالف بين الكيان الصهيوني وقوى أكبر وأقوى ربّما من قوانا في الوطن العربي. لكن هناك أيضاً كما قلت لك أجيال شابة تحلم في التحرير، هناك من يعمل على تثبيت القضيّة لأن تكون القضيّة المركزيّة، كانت (فلسطين) وهي (فلسطين) وستبقى (فلسطين). حتّى كما كان والدي يقول، إن لم يرَ في وقته تحرير (فلسطين) وربما ليس في وقتي لكن بالتأكيد في الأجيال القادمة ستشهد (فلسطين) التحرير

زاهي وهبي: سيّدة "لونا أبو سويرِح" حضرتكِ أُمّ لولدين، يعني 

لونا أبو سويرِح: بنت وولد 

زاهي وهبي: بنت وولد، "رُشد" 

لونا أبو سويرِح: و"هاجر" 

زاهي وهبي: "هاجر". اختبار الأسماء، يعني أُمّ "رُشد" حضرتكِ وزوجكِ أبو "رشد"، فوراً نتذكّر "إبن رشد" في التاريخ 

لونا أبو سويرِح: وهو سُمّيَ على إسم "إبن رشد" صحّ 

زاهي وهبي: يعني المُفكِّر والفيلسوف المُتنوِّر الذي حورِب والذي أُحرِقت كتبه 

لونا أبو سويرِح: صحيح

زاهي وهبي: و"هاجر" طبعاً جميعنا نعرِف سيّدتنا "هاجر". اختيار الأسماء مُتعمّد؟ 

لونا أبو سويرِح: صحيح متعمّد. "هاجر" في الحقيقة كان طيفاً أو مناماً لزوجي في الإسم وهي البنت الكبرى، حتّى أنا أُفضِّل أن يقول لي الناس "أُمّ هاجر". "هاجر" هي الكبيرة وهي الأُمّ المصريّة لسيّدنا (إسماعيل). فلأنّ زوجي مصري قلنا أنّ هذا ارتباط (مصر) بالعرب أو العروبة، فـإسم "هاجر" أيضاً يُذكّرني في الهجرة وفي أننا مُهاجرون وقدرنا هكذا لكن سبحان الله لكلّ شخص من اسمه نصيب، "هاجر" لم ترَ (فلسطين) لكنّها تحلم بالهِجرة إلى (فلسطين) والعودة إلى (فلسطين)

زاهي وهبي: و"رُشد" اختياركِ؟

لونا أبو سويرِح: "رُشد" كان اختياراً مُشتركاً، يعني حضّرنا قائِمة أسماء وفي الآخِر اخترنا "رُشد" على إسم "إبن رشد"، وأخذنا "رُشد" العام الماضي إلى تمثال "إبن رُشد" في (الأندلس) ليعرف أننا أسميناه على إسم هذا المُفكِّر التنويري الذي اضطُهِد في زمانه ولذلك هو سُمّيَ "رُشد"  

زاهي وهبي: جميل جداً. كيف تنقلين هذا الأمل الذي تحملينه حضرتكِ في العودة إلى (فلسطين) والأمل بأنّ هذه الأُمّة العربيّة لا بدّ أن تتّحِد في يوم من الأيام وفي شكلٍ من الأشكال، كيف تنقلين هذا الأمل وهذا التفاؤل إلى "هاجر" و"رُشد" ومن خلال "هاجر" و"رُشد" إلى الأجيال الجديدة؟

لونا أبو سويرِح: أنا في كلّ بساطة أخذت "هاجر" و"رُشد" إلى (بوابة فاطمة) على الحدود اللبنانية الفلسطينية وقلت لهما: هذه (فلسطين)، (فلسطين) قريبة جداً، (فلسطين) محتلّة، وكان في استطاعتنا أن نشاهد بعض الآليّات العسكرية أو المُستوطنات الموجودة. أنا عشت في (فلسطين) وعشت تحت احتلال وفي انتفاضة واستطعت أن أكبر وأُنجِز وأتعلّم وأعود لأعمل في بلدي، فأنتم دوركم أن تحملوا الرسالة من بعدي، وفعلاً "هاجر" عندها Blog إسمه Palestine Up-to-date تكتب فيه عن (فلسطين) وكتبت عن رحلتها إلى الحدود وما زالت تحلم بزيارة (فلسطين) في يوم من الأيام

زاهي وهبي: لولا المُقاومة اللبنانية لما كان ربما في استطاعتنا الوصول إلى (بوابة فاطمة) وإلى المناطق الحدودية في (لبنان) وجنوب (لبنان). هلّ يُمكن لـ (فلسطين) أن تتحرّر بغير المُقاومة؟ 

لونا أبو سويرِح: لا غير ممكن، المقاومة في جميع أشكالها. المقاومة بالسلاح، المقاومة بالفِكر والقلم، والمقاومة السياسية والمقاومة الدبلوماسيّة، المقاومة على جميع الصُعُد 

زاهي وهبي: قلتِ حضرتكِ أنّك تحاولين دائِماً أن تقولي كلمة الحق والقول الحقّ 

لونا أبو سويرِح: صحيح

زاهي وهبي: هلّ من السهل في عالمنا اليوم رغم كل الضغوط التي نعيشها أن يقول الإنسان كلمة الحقّ؟ 

لونا أبو سويرِح: لا ليس سهلاً أبداً وتدفع ثمناً أحياناً لقولك كلمة الحقّ. أنا استقلت من الأُمم المتّحدة لأنني لم أستطع أن أقول الحقّ ولم أستطع أن أكون مُحايدة في قضيّتي، فعند نُقطة معيّنة قلت: انتهى دوري في الأُمم المتحدة، والمركز يُمكن أن يكون الوسيلة التي تُمكّنني من إيصال صوتي في شكلٍ أوضح 

زاهي وهبي: نعم، على كلّ حال لا تلبسين فقط الثوب الفلسطيني بل أيضاً خارِطة (فلسطين) في عنقك

لونا أبو سويرِح: هذه الخارطة لا أخلعها أبداً 

زاهي وهبي: أتمنّى إن شاء الله أن نجتمع يوماً ما على أرض (فلسطين)

لونا أبو سويرِح: إن شاء الله 

زاهي وهبي: في العودة إلى "مركز دراسات الوِحدة العربيّة" ولكن في مجالٍ آخر، قرأت أنّ إصدارات المركز سنوياً حوالى خمسين كتاباً أو بحثاً أو إلى آخره فضلاً عن أنكم تُصدرون مجلّتين، "مجلة المستقبل العربي" و "مجلّة إضافات" التي تُعنى بعلوم الاجتماع. سؤالي، هلّ مَن يقرأ اليوم في عالمنا العربي؟ 

لونا أبو سويرِح: هذا كان سؤالي عندما التحقت بالمركز واستغربت بعد بضعة أشهُر أنّ فعلاً هناك مَن يقرأ. طبعاً أنت تقرأ على الإنترنت إحصاءات أنّ العربي لا يقرأ سوى ستّ دقائق أو أنّ العالم العربي ينشُر ستة آلاف كتاب فقط سنوياً، لكن الحقيقة تقول إنّه لو لم يكن هناك قرّاء لما كنّا استمرّينا 45 سنة بكلّ بساطة 

زاهي وهبي: صحيح، وهناك المئات من دور النشر 

لونا أبو سويرِح: صحيح 

زاهي وهبي: هلّ تشعرين بوجود خطاب إحباطي يوجّه إلى الإنسان العربي؟ بمعنى خلخلة ثقة الإنسان العربي بنفسه، بأُمّته، وأن العربي بالمعنى الدارج "لا يطلع من أمره شيء"، لا يقرأ ولا يهتمّ بالثقافة والعلم وإلى آخره. هناك خطاب مقصود؟ 

لونا أبو سويرِح: هناك خطاب مقصود يهدف إلى إضعاف أيضاً انتمائك، يُضعِف إيمانك بقضايا مُختلفة ويجعل توجّهاتك تختلف عن المفروض أن تكون توجهاتك نحوه، لكن هناك أيضاً إحباط للمثقف والمبدع والمُفكِّر في شكلٍ عام

زاهي وهبي: ما سبب هذا الإحباط؟ لماذا المُثقف العربي عليه أن يكون مُحبطاً؟

لونا أبو سويرِح: أولاً دعنا نبدأ من البيئة الأكبر. الكيان الصهيوني عندما نشأ سبّب خللاً في كلّ تصوُّرنا للوطن وفي أهدافنا المُشتركة لهذه المنطقة وحصل تراجع في التنمية، حصل تراجع في بناء الدولة الحديثة وأصبح همّ المثقف، المثقف المُشتبِك كما قال الشهيد "باسل الأعرج"، وأيضاً هاجسه مُقاومة الاحتلال والتحرير والتحرّر فتضاءل قليلاً إنتاجنا الفكري أو إنتاجنا المعرِفي. على صعيد البيئة الحاضنة على مُستوى الدولة التي يعيش فيها المثقف، لا توجد بيئة حاضنة تُساعدك على الإبداع لأنّ المطلوب من المثقّف أحياناً أن يكون صوت السلطان 

زاهي وهبي: نعم 

لونا أبو سويرِح: أو أن يخفض صوته تماماً فلا يُزعِج أحداً، لذلك يُحبَط المُثقف ويُهمّش 

زاهي وهبي: كيف ننتشل المثقف وغير المثقف؟ كيف نُحارب أو نُبدّد مشاعر الإحباط واليأس والتيئيس وذاك الخطاب الذي يُحاول أن يقول لنا إنّ كلّ قضايانا الجوهريّة هي موضة قديمة، (فلسطين) لغة خشبية، المقاومة إرهاب إلى آخره. كيف؟ ما العمل؟ 

لونا أبو سويرِح: العمل في كلّ بساطة أن نستمرّ في ما نقوم به الآن، أن تستمر المُقاومة في مقاومتها، أن يستمرّ المثقف الواعي، المثقف النقدي في العمل والإبداع، أن تستمرّ المراكز وأن تستمرّ المؤسّسات التعليمية والمراكز البحثيّة وأساتذة الجامعات والطلّاب في التركيز على القضايا المحوريّة التي تهمّ أُمّتنا سواء كانت تنموية أو سياسية أو اقتصادية، يعني ليس شرطاً أن نكون ناجحين فقط إذا حلّينا قضايانا السياسية، هناك قضايا تنموية مهمة 

زاهي وهبي: طبعاً، البطالة، الأُمّية

لونا أبو سويرِح: الصحّة، التعليم وكلّ هذه الأمور. يعني أُمّة مريضة أو أُمّة جاهلة لن تستطيع أن تُحرّر شبراً من الأرض 

زاهي وهبي: حسناً. ذكرتِ الشهيد "باسل الأعرج"، هذا المثقف صاحب مُصطلح "المُثقف المُشتبك". اليوم كم عدد الشباب في هذا العالم العربي الذين يعرفون "باسل الأعرج" أو يقرأون سيرة "باسل الأعرج"؟ مُعظم وسائل الإعلام العربيّة ولا أريد أن أُعمّم لا تأتي على ذِكر هذه النماذج، على العكس تُغيِّب هذه النماذج كليّاً لمصلحة نماذِج تشاهدينها على الشاشات وفي وسائِل الإعلام 

لونا أبو سويرِح: كما تعلم، "دار الندوة" في (بيروت) تعقِد حلقات ثقافية وندوات وغيره، فخلال السنوات الثلاث الماضية ربما أكثر ندوة شاهدت فيها حشداً كبيراً كانت في ذكرى استشهاد "باسل الأعرج" وكان الحشد من الشباب المُثقف وليس فقط من (لبنان)، من أيضاً دول عربيّة مُختلفة كانوا بالصدفة في (لبنان) وحضروا الندوة وكان هناك حوار حول "كيف تستمر هذه الحال التي خلقها "باسل" وأكيد هناك قبل "باسل" أيضاً، يعني "جورج حبش" الحكيم هو مثقّف مُشتبِك أيضاً 

زاهي وهبي: و"غسان كنفاني" 

لونا أبو سويرِح:"غسّان كنفاني" كان أول مثقّف مُشتبِك 

زاهي وهبي: والمئات من المُثقّفين الفلسطينيين والعرب 

لونا أبو سويرِح: بالضبط 

زاهي وهبي: منهم مَن استشهد ومنهم مَن ينتظر. "وما بدّلوا تبديلا" 

لونا أبو سويرِح: صحيح 

زاهي وهبي: السؤال في هذا المعنى انطلاقاً من الندوة التي أشرتِ إليها، كأنّ الشباب العربي في واقعه وفي حقيقته يختلف عن الصورة التي تُعمّم وتُروّج 

لونا أبو سويرِح: صحيح، هذا صحيح فعلاً وهذا ما أكتشفه في كلّ يوم. أنا أيضاً كان عندي انطباع ربما لأنّ عملي في السابق كان في جزء منه مع المُجتمع المدني لكن أغلبه مع مؤسّسات الدولة ومؤسّسات دوليّة، ترى نموذجاً ولا تجد الشباب ممثلاً في هكذا نماذج دولية أو مؤسّسات حكومية 

زاهي وهبي: دائِماً يأخذون نماذج قريبة من السُلطة 

لونا أبو سويرِح: أو تُشبهها أو متماشية معها. ليس شرطاً أنّ يكون الشاب معادياً للسلطة أو ضدّ السلطة على العكس، هو جزء من هذا المُجتمع، والسُلطة لخدمة المُجتمع إذا أردت في شكلها المثالي 

زاهي وهبي: يكون جزءاً من سلطة متنوّرة أو يكون الصوت المُتنوِّر داخل هذه السلطة 

لونا أبو سويرِح: صحيح 

زاهي وهبي: سنُتابع مع حضرتك سيّدة "لونا أبو سويرح" المُديرة العامة لـ "مركز دراسات الوِحدة العربيّة" ولكن بعد استراحة سريعة نتابع "بيت القصيد" 

المحور الثاني 

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نتابع "بيت القصيد" مع السيّدة "لونا أبو سويرح" المُديرة العامّة لـ "مركز دراسات الوِحدة العربيّة". دائِماً الهمّ العربي مطروح اليوم في كلّ اتجاهاته، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، حتّى أمنياً وعسكرياً نشاهد ماذا يحدث على امتداد هذه الخارطة العربيّة. في رأيكِ كيف السبيل إلى تعزيز الجانب الثقافي؟ بمعنى أننا اعتدنا في السابق، أتحدّث عن جيلي والأجيال الأقدم، أن السياسيين كانوا إلى حدٍّ ما من المثقّفين والقادة الكبار، كانوا مثقّفين كباراً وقبل قليل ذكرنا "جورج حبش" و"غسان كنفاني" وآخرين، طبعاً عشرات ومئات. كيف اليوم نُعيد الاعتبار للثقافة في الحياة السياسيّة الحزبيّة وإلى آخره؟

لونا أبو سويرِح: والله سؤال صعب جداً لأنّك تحتاج أن يكون الطرف الآخر معنياً بالمثقّفين ومعنياً بسماع صوتهم ومعنياً في التعاون معهم. نحن نستطيع أن نُعيد الاعتبار في أن نتكيّف مع مُتطلّبات المرحلة الحاليّة، كيف نتكيّف؟ نتكيّف في أدوات تستطيع أن تتجاوب مع مُتطلّبات السياسيين وصُنّاع القرار وهذا ما نحاول أن نقوم به في المركز، أن نُطوِّر من أدواتنا لإيصال المعلومة في شكلٍ أسرع وفي شكلٍ أكثر دقّة وفي شكلٍ أكثر حداثةً. فبالتالي، الإنتاج المعرِفي والثقافي المتراكِم لدى المركز منذ 45 عاماً لا يكون فقط في كتب ومجلّات وورش عمل مُغلقة بل يصل إلى صنّاع القرار من خلال أدوات إعلاميّة، من خلال أدوات تقنيّة وأحداث وخلافه، ونأمل هكذا أن يتمكّنوا من سماعنا 

زاهي وهبي: وأن يصل هذا الإنتاج إلى الشباب

لونا أبو سويرِح: بالضبط 

زاهي وهبي: يعني أسعار الكتب مثلاً، التكنولوجيا الحديثة، هل يوجد تواصل مع الأجيال الجديدة؟ هل هناك سهولة أو تسهيلات للطلاب والشباب في الحصول على ما يصدُر من المركز من أبحاث ودراسات؟ 

لونا أبو سويرِح: المركز في السنوات الأخيرة أعلن للجميع أن الطلبة والباحثين وأساتذة الجامعات لهم حسومات خاصّة في جميع معارض الكتب التي تتواجد فيها مُنتجاتنا. في جميع الدول العربية لدينا إعلان واضح أن الطلبة وأساتذة الجامعات لهم حسومات خاصة، في البلدان التي تُعاني من ظروف اقتصاديّة صعبة أو حصل فيها تضخُّم مالي أو انهيار عملة كما في (لبنان). حالياً أيضاً نتعامل مع المُتطلّبات الاقتصاديّة الصعبة كي نوفِّر المعلومة ونوفِّر هذا المُنتَج المعرفي للجميع. أيضاً لدينا تواصل من خلال المنصّات الحديثة، المنصّات التكنولوجيّة الحديثة والرقميّة الحديثة 

زاهي وهبي: طبيعة منشورات "مركز دراسات الوِحدة العربيّة"، أعني الكتُب التي تطبعونها، هل هي كلّها أبحاث ودراسات مُتخصّصة في مجالات معيّنة أم ربما فيها تنوّع أدبي إلى آخره؟ 

لونا أبو سويرِح: ليس فيها أدب في معنى رواية أو شِعر لكن طبعاً إحدى أَعلام إنتاجنا كانت الموسوعة الثقافية العربية التي غطّت الحصيلة الأدبيّة والفكريّة والفنيّة والثقافية في الوطن العربي على مدى مئة عام. في الخلاصة، إنتاج المركز على مدى أربعة عقود مُتنوِّع بين سياسة واقتصاد وعلم اجتماع وفلسفة وثقافة وتعليم والقضيّة الفلسطينية 

زاهي وهبي: نعم. أن تكون سيّدة على رأس "مركز دراسات الوِحدة العربية"، كم هذا مؤشّر جيّد؟ بالنسبة لي مؤشّر جيِّد ولا أعرِف ما رأي المركز! 

لونا أبو سويرِح: هو مؤشِّر مُختلف دعنا نقول 

زاهي وهبي: لأنكِ كما تعلمين في "المؤتمر القومي العربي" نرى القوميين العرب في معظمهم من الرعيل السابق للأسف وعنصر الشباب نادر 

لونا أبو سويرِح: صحيح. طبعاً "المؤتمر القومي العربي" عندما تأسّس منذ ثلاثين عاماً، الذين أسّسوه كانوا من الشباب في ذاك الوقت 

زاهي وهبي: نعم 

لونا أبو سويرِح: فتأسّس بقوى شابّة تحلم بمستقبل عربي أفضل. كذلك "المركز" عندما تأسّس كان المؤسّسون في منتصف العُمر أو حتّى مقتبل العُمر. لكن اليوم أنت تحتاج إلى تجديد، لا نستطيع أن نستمرّ كمؤسّسة في نفس الفِكر أو في نفس آليّات العمل والأدوات التي تأسّست عليها منذ أربعين سنة، لذلك التجديد ضروري. أنا عُمري من عُمر "المركز"، وُلدنا في نفس العام من دون ذكر العام 

زاهي وهبي: أنا أعلم أنّ "المركز" يُعاني من بعض المشاكل والإشكالات التي لا أريد أن أدخُل فيها في اعتبارها تُحلّ في أماكن أُخرى

لونا أبو سويرِح: إن شاء الله 

زاهي وهبي: في القضاء أو في أشكال أُخرى، لكن هل يُعتَبَر وجود سيّدة على رأس المركز مؤشِّر على تغيير معيّن في التفكير، في التوجّه، في آليّات العمل؟

لونا أبو سويرِح: ربما العُمر وأنني سيّدة كلّ هذا تغيير، لا أُريد أن أكون أمدح بنفسي، لكنه تغيير إيجابي في أنني أحضرت مَن هم أصغر سنّا وأحضرت تنوّعاً، والسيّدات لهنّ نظرة مُختلفة للأمور ويُركِّزن كثيراً على التفاصيل ويدقّقن كثيراً في الأمر من الألف إلى الياء، ومشاكل المركز أكيد تُحلّ لكن أهمّها أننا ندفع ثمن استقلالنا، يعني ما ذكرته في بداية الحلقة 

زاهي وهبي: نعم، هي أوّل مسألة تخطر على البال عندما يتحدّث المرء عن مركز مُستقلّ في عالم عربي نعرِف كلّ مشاكله، أول ما يخطر في البال هو ثمن هذه الاستقلاليّة. قبل أن نتوسّع في الموضوع الراهن الثقافي العربي نسمع رأياً لو سمحتِ في "قطع وصل" للدكتور "أيمن بكر" وهو كاتب وباحث وأكاديمي معروف. نستأنس برأيه ثمّ نعود إليكِ

قطع وصل

 د. أيمن بكر – كاتب وأكاديمي: مساء الخير أُستاذ "زاهي" وأهلاً بضيفتك الكريمة الدكتورة. طبعاً قضيّة الثقافة في العالم العربي هي قضيّة أظنّ أنّها تشغل العالم بأسره وليس العالم العربي فقط. نحن في البداية في حاجة إلى التعرُّف أو الاتّفاق حول مفهوم الثقافة. نحن لا نتحدّث عن ثقافة النُخبة وإنّما نتحدّث عن الثقافة في المعنى العام، هذا الكلّ المُركّب من الأفكار والعادات والتقاليد والفنون والآداب الذي يُميِّز جماعة مُعيّنة تحرِص على نقله من جيل إلى جيل. في هذا المعنى، الثقافة العربيّة هي من أغنى ثقافات العالم على مُستوى الحضور الثقافي والقضايا الثقافيّة، نحن مادّة خصبة لمراكز الأبحاث في العالم بسبب الثراء الثقافي سواء التاريخي أو على مُستوى اللحظة الحاضرة. ربّما كانت المُشكلة ليست في الثراء الثقافي الذي يتجلّى في أكثر من جهة بدايةً من قضايا التطرّف الفِكري والصراعات السياسية التي هي جزء من الثقافة، قضايا الحريّات، نحن في فترة تاريخية يُمكن القول إنّها فُرصة لكلّ باحثٍ جاد في الثقافة. القضيّة التي يُمكن الوقوف عندها في شيء من التفصيل والاهتمام بها هي ضعف مؤسّسات إنتاج المعرِفة. نحن لدينا أزمة حقيقية في الجامعات العربيّة، أقصد الجامعات المُنتِجة للمعرِفة، ولدينا أيضاً مُشكلة مراكز الأبحاث. البحث في الثقافات العربيّة وفي تفاصيل هذه الثقافات عبر منتج معرِفي دقيق يُلبّي شروط إنتاج المعرِفة عالمياً، هذه هي الأزمة. نحن لدينا أزمة في المشروعيّة المعرفيّة التي يُسمّنوها Legitimacy of Knowledge وهي أنّ المؤسّسات المنتجة للمعرِفة في الثقافات العربيّة أصبحت تقوم على مشروعيّة معرِفيّة أساسها التكرار وإعادة المُنتَج، فكرة المادّة المعرفيّة الآمنة التي لا تختلط ولا ترتطم بصخور السياسة والدين والجنس، التابوهات الثلاثة كما نعرِف جميعاً. نحن ليس لدينا أزمة ثقافيّة إنّما لدينا أزمة في مؤسّسات إنتاج المعرِفة الخاصّة بالثقافة العربيّة 

زاهي وهبي: الشُكر الجزيل للكاتب والباحث المرموق الدكتور "أيمن بكر"، تفضلي، تعليقكِ

لونا أبو سويرِح: معه حقّ في أننا مادة خصبة لأبحاث غيرنا والتوسّع في قضايا مُختلفة ومُختبرات معرِفة للكثير من المؤسّسات العالمية، وصحيح أنّ من أكبر مشاكلنا هي البحث العلمي والمؤسسّات المعرِفيّة. طبعاً معلومات يعلمها الجميع مفادها أنّ الدول العربيّة لا تستثمر في البحث العلمي

زاهي وهبي: نعم

لونا أبو سويرِح: وأكثر دولة تستثمر في البحث العلمي لا يصل استثمارها إلى أكثر من نصف في المئة وأقل من الناتج المحلّي السنوي بينما دول كـ (السويد) يصل استثمارها إلى ثلاثة أو 3.25 في المئة في البحث العلمي سنوياً كنسبة من الناتج المحلّي. طالما لا نستثمر في مؤسّسات التعليم ولا نستثمر في قطاع التعليم سنبقى مُعرّضين لفجوات وكبَوات وخلل في مسارات التنمية المُختلفة 

زاهي وهبي: نعم، نعود إلى صناعة القرار وصنّاع القرار. أشار إلى التكرار وإلى إعادة المُنتَج. كم اليوم، ولو استطراداً ليس في نفس الفكرة، ولكن كم نحن في حاجة إلى أفكار جديدة أو تيّارات فكرية جديدة؟ بمعنى ربما العالم كلّه ولكن نتحدّث عن عالمنا العربي حيثُ في فترة من الفترات كان المدّ القومي وفي فترة أُخرى ربما مدّ يساري أُممي إلى آخره والتيارات الإسلاميّة في مرحلة لاحقة. يعني العالم شهِد تحوّلات، والتكنولوجيا الحديثة قلبت العلاقات الإنسانيّة رأساً على عقب، ألا يؤدّي هذا إلى إنتاج أشكال جديدة من الأفكار والمعرِفة؟ 

لونا أبو سويرِح: صحيح. ذكرت حضرتك في البداية أنّ المركز يُصدِر خمسين كتاباً سنوياً، في الحقيقة في السنتين الماضيتين قرّرنا أنّه أولاً بسبب الموارِد وثانياً للتركيز على النوعيّة وليس الكميّة أن نُقلِّص هذا الإنتاج إلى النصف تقريباً وأن ننتقي قضايا آنيّة محوريّة تهُم جميع الأجيال المُختلفة في الوطن العربي وتهُم صانع القرار وتهُم المُثقّف وتُغطّي قطاعات مُختلفة، وأيضاً طوّرنا من الأدوات لإيصال هذه المعرِفة. أيضاً بدأنا التعاون مع جامعة (كاليفورنيا) لتطوير مجلّتنا التي تصدُر باللغة الإنكليزية وكانت تصدُر مع شريك بريطاني وأصبحت منذ عامين مع جامعة (كاليفورنيا) وإسمها "شؤون عربيّة مُعاصرة"، وهذه المجلّة فصليّة وباللغة الإنكليزية لإيصال المعرِفة ونتحدّث هنا عن أننا حقل خصب للأبحاث وأننا نحن أيضاً نُصدر أبحاثاً ولدينا إنتاج معرفي قيِّم يهمّنا أن يصل إلى الغرب منّا وليس منهم عنّا 

زاهي وهبي: نعم 

لونا أبو سويرِح: فالتطوير مُستمر وتقريب الفجوة مستمر

زاهي وهبي: كم كنّا سنكون، سواء كمُتلقّين أو مُثقّفين وصنّاع مادة معرفيّة، أسرى النظرة الاستشراقية؟ بمعنى نقرأ عن أنفسنا في أقلام سوانا 

لونا أبو سويرِح: للأسف، هذا شيء كنت أراه حتّى قبل التحاقي بالمركز من عملي في الأُمم المتّحدة. كنت دائِماً أرى في المفاوضات الدولية الكبيرة والتقارير الدوليّة أنّ العربي غالباً ما يكون مُغيّباً فيها، أولاً لأنّ هناك إنتاج كثيف في اللغة العربيّة، ولأنّ مَن ينسّقون هذه العملية لإصدار التقارير الدولية وخلافها لا يقرأون العربيّة، فصوتنا مُغيّب وكنت دائِماً أقول للإخوة العرب الذين يمثّلون حكوماتهم أو مؤسّساتهم: إذا لم تذكروا مشاكلكم وتعرِضوها وتعرِضوا رؤاكم ومبادراتكم للحل لن يتذكّركم أحد. لذلك دورنا كمركز بحثي أو كمركز معرِفي أن نحدّ من هذه النظرة الاستشراقيّة لأننا نُقدِّم المعرِفة من تصوّرنا ومن رؤيتنا للقضايا وللحلول أيضاً

زاهي وهبي: كم هذا الأمر أيضاً مطروح؟ بمعنى إننا دائِماً ننتقد السُلطات الحاكمة والحكّام وصنّاع القرار والأنظمة وإلى آخره ولكن حتّى التيارات السياسية التي تندرج تحت عنوان المقاومة والمواجهة والتغيير إلى آخره، اختاري العنوان الذي تريدينه حضرتك، أيضاً لا تعطي الاهتمام اللازم والواجب للفكر والأدب والفن وكلّ هذه القضايا التي هي مُكوِن أساسي من مُكوّنات أيّة هوية وطنيّة أو قومية 

لونا أبو سويرِح: صحيح، صحيح. للأسف، وربما هذا شيء يُغضِب الكثيرين لكنّه واقع نعيشه. مُجتمعنا في شكلٍ عام نشأ على أن يثق في الواعظ أو في المُفتي فيسمع عظة الأحد وينتظر دار الإفتاء لفتوى في قضاياه المعيشية أو في حتّى قضاياه الحياتيّة وفي مستقبله، وحتّى في قضاياه السياسية 

زاهي وهبي: وأحيانا ليس من الضروري أن يكون الواعظ مُثقفاً أو فاهماً، أحياناً يكون الواعظ محدود المعرِفة

لونا أبو سويرِح: الفكرة أن تأتي من رجُل دين أيّاً كان رجُل الدين فيكون لها مصداقية عند المواطن أو عند الفرد في المُجتمع أكثر من مصداقيّة كتاب أو مصداقيّة أُستاذ جامعي أو مُفكِّر للأسف 

زاهي وهبي: ورأينا الدُعاة والذين يحملون يافطة الدين وما فعلوه باسم الدين من "داعش" وغير "داعش"

لونا أبو سويرِح: صحيح، في كلّ الأديان هناك تطرُّف وفي كلّ الأفكار تجد تطرّفاً. عندما ذكرت مبدئي الدائِم وهو أن أقول الحق ولا أحيد عن هذا الحق، فأنا أنتقد من أجل التغيير للأفضل ولا أنتقد من أجل التدمير أو من أجل تغيير هذه الحال فقط، لا، تريد أن تغيِّر للأفضل لأنك تريد أن تستمرّ وتريد مستقبلاً أفضلاً للجميع. فدورنا أن نستمرّ بما نقوم به بكلّ بساطة

زاهي وهبي: إبنة (غزّة) حضرتكِ ومُخيّم (النُصيرات)، كيف تبدو لكِ (غزّة) من بعيد؟ من بعيد جغرافياً 

لونا أبو سويرِح: (غزّة) من بعيد جغرافياً، (غزّة) بالنسبة لي هي كلّ شيء في الحقيقة. أنا حتّى اليوم مع حبّي الشديد لـ (بيروت) والغروب على بحر (بيروت) لكن لا يوجد أجمل من الغروب على بحر (غزّة). (غزّة) مدينة كالعنقاء، تُقصَف، تُدمَّر، تُحتلّ، تُقاوِم، تصمُد وتستمر. أربع عشرة سنة في كلّ بساطة و(غزّة) صامدة، لو غيرها من الدول لكانت انهارت وتفكّكت 

زاهي وهبي: صحيح. كيف السبيل إلى فكّ هذا الحصار عن (غزّة)؟ جرت مُحاولات عديدة من قِبَل أناس أنقياء، ربما عندهم حماسة انكسرت ولو في شكلٍ معنوي ولكن يبدو أنّ هذا العالم أدار ظهره إلى (غزّة) ويصمت أمام كلّ ما تتعرّض له (غزّة) وبالتالي (فلسطين) وكلّ (فلسطين) 

لونا أبو سويرِح: صحيح. (غزّة) تشعُر حتّى أنّها وحدها، يعني (غزّة) بالفعل تشعُر أنّها وحدها. السبيل أننا أولاً نبدأ بأنفسنا. نحن كفلسطينيين يجب أن نُنهي حال الانقسام القائِمة التي لا مُبرِّر لها أبداً إلّا صراع على سلطة وصراع على مَن يحكُم مَن. إذا قضيتنا (فلسطين)، إذاً نكون يداً واحدة ووِحدة واحدة لننهي حال الانقسام، وإذا انتهت حال الانقسام وتكلّمنا في صوتٍ واحد مع مُحيطنا العربي أو مع الهيئات الدبلوماسيّة أو الدوليّة التي ترعى قضايانا في شكلٍ عام حينها هذا الصوت الواحد سيُسمع. لكن ونحن مُفرّقين في هذا الشكل 

زاهي وهبي: ربما أخطر ما تواجهه القضيّة الفلسطينية اليوم هو ما يُسمّى بـ "صفقة القرن" ومشاريع الضمّ التي يُخطط لها "نتنياهو" ومن خلفه "ترامب". في رأيكِ هل لديكِ خشية على ضياع الحلم الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية من خلال صفقة القرن وكل الكواليس المُحيطة بها؟ 

لونا أبو سويرِح: أولاً صفقة القرن هي خطوة من خطوات الاستعمار والاحتلال القائِم منذ عام 1948، وصفقة القرن هي فقط دعنا نقول إسم جديد لأحد بنود (أوسلو)، هي شيء تابع لـ (أوسلو) ولا تختلف عن اتفاقية (أوسلو)، والضمّ وغيره يتحدّث عن ضمّ أراضي (أوسلو) في عام 1993. اتفاقية (أوسلو) أعطتها الأراضي أساساً إلى الكيان الصهيوني وقالت إنّ هذه الأراضي تحت سلطتكم الكاملة. لن أخشى  

زاهي وهبي: إذاً الخطيئة بدأت مع (أوسلو) في رأيكِ  

لونا أبو سويرِح: الخطيئة بدأت مع (أوسلو)، بدأت الخطيئة إذا أردت من وجهة نظري أنا في أن نُقِرّ إننا نُريد دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها (القدس) الشرقية. لا، أنا والدي من (سدود) ووالدتي من (القدس)، أنا من (فلسطين) ولستُ من الضفّة الغربيّة ولا من قطاع (غزّة) في الآخِر، أنا أُريد (فلسطين) التاريخية 

زاهي وهبي: ربما في شكلٍ عفوي عندما يكون لا أحد يسمع يقول لكِ أنّك تحلمين، ونسمع هذا الكلام أحياناً

لونا أبو سويرِح: صحيح 

زاهي وهبي: هذا الحلم قابل لأن يتحوّل في يوم من الأيام إلى حقيقة، أن تُستعاد (فلسطين)، كل (فلسطين)؟  

لونا أبو سويرِح: قابل، طبعاً قابل، لماذا؟ لأنّ هناك أناساً مؤمنون بالقضيّة، مؤمنون بـ (فلسطين) وكلّ (فلسطين)، أوكي؟ وهناك أجيال كما أقول لك تنشأ على أنّ هذه قضيّتكم المركزيّة. إذا ضاعت (فلسطين) أو لم يكن هناك دولة فلسطينية هل سينتهي الحلم الصهيوني؟ هل سيقف الحلم الصهيوني وينتهي هناك على هذه الأرض فقط؟ أم أنّ حلمهم هو كلّ هذا المُحيط العربي الذي نعيش فيه؟ مُخطئ جداً مَن يظنّ أنّ كلّ قضايانا ستُحلّ بدولة فلسطينية على عشرين في المئة من (فلسطين) التاريخية ويبقى هناك عدو لا يُشبهك، يختلف عنك، عقيدته وأصلها تقول أنّك عدوّه إلى ما لا نهاية، إلى يوم الدين. فسنبقى على خلاف مع هذا العدو إلى يوم الدين 

زاهي وهبي: في يوم من الأيام كانت الكتابة عن (فلسطين) ورفع إسم (فلسطين) مدعاة اعتزاز وتميُّز لأيّ مُثقف، لأيّ شاعر، لأيّ فنان. اليوم يحصل العكس تماماً، إمّا عدم ذكر هذه القضيّة نهائياً أو أنّ الذين يذكرونها يُتّهمون بأنهم موضة قديمة، موضة مع الديناصورات منقرضة. كيف نُعيد (فلسطين) إلى الوجدان الثقافي والإبداعي العربي؟ إذا كان الشباب كما قلتِ قبل قليل عندهم الحماسة وعندهم الرغبة وعندهم الهمّ لماذا يغيب هذا عن المنابر الثقافية وعن الأقلام، الكثير من الأقلام؟  

لونا أبو سويرِح: لأنّه مُغيّب ومقصود أن يُغيّب. المقصود أن يبقى في الهامش ولا يظهر على السطح كلّ هذا الحبّ لـ (فلسطين) والإبداع من أجل (فلسطين) والقلم من أجل (فلسطين). لكن ذكرنا "هاجر" قبل قليل

زاهي وهبي: نعم 

لونا أبو سويرِح: "هاجر" وفي حدود صبيّة لم يتجاوز عُمرها خمس أو ستّ عشرة سنة 

زاهي وهبي: إبنتك نعم 

لونا أبو سويرِح: اإنتي، غيّرت من عقول أصدقائِها، غيّرت من عقول كلّ مَن هو في مُحيطها حول (فلسطين)، أجانب من جنسيات مُختلفة أصبحوا يتابعون القضية ويُدافعون عنها 

زاهي وهبي: كم في رأيك هناك إمكانيّة من أن نستفيد اليوم من وسائِل التواصل؟ أعرِف أنّ في النهاية هذه الشركات الكُبرى تُحرّك وتُدار من قِبَل القوى المُهيمنة ولكن على مُستوانا كأفراد كم ضروري أن نستخدم هذه الوسائِل ونستفيد منها لنشر هذا الوعي والتفكير الدائِم في قضايانا الأساسية الجوهريّة 

لونا أبو سويرِح: هذه هي الوسيلة المُتاحة لنا اليوم، أكثر وسيلة مُتاحة لنا بحريّة ومن دون تضييق هي هذه الوسائِل، التكنولوجيا الحديثة، المنصّات الرقمية، اللقاءات عبر Zoom وغيره والفيديوهات On Line بحيث أنّه ليس من الضروري أن تنتقل إلى (فلسطين) لتُقابل أهلك أو تتواصل معهم، تتواصل On Line أو إلكترونياً. والشباب العربي مُبدِع في شكلٍ عام في استخدام هذه الأدوات

زاهي وهبي: صحيح. قبل أن يُداهمنا الوقت ونشكركِ على حضوركِ، تقيمين في (بيروت) منذ 2017 

لونا أبو سويرِح: ثلاث سنوات أجل 

زاهي وهبي: ماذا منحتك؟ ماذا أعطتكِ؟ ماذا أضافت إليكِ (بيروت) وماذا أحذت منكِ؟

لونا أبو سويرِح: (بيروت) شيّبت لي شعري مؤخّراً، في الأشهر الأخيرة 

زاهي وهبي: شيّبتنا كلّنا، حبّاً لها شيّبتنا

لونا أبو سويرِح: أنا مواليد (بيروت)، بالصدفة البحتة ولدت في (بيروت) وعندما كان عُمري أربعين يوماً رجعت إلى (غزّة) وكان حلمي دائِماً أن أعود لـ (بيروت) وكنت محرومة من العودة إلى (بيروت) لأنني أحمل جواز سفر فلسطينياً ومن الممنوع أن أدخل (لبنان). فبالنسبة لي تحقّق حلم كبرت عليه في أن أعيش، فمنحتني احتضاناً، منحتني إحساساً كبيراً أنني في وطني. يعني أنا أمشي في (بيروت) وشوارِعها وأحسّ أنني أمشي في (فلسطين) ولست غريبة عنها أبداً، ناسها وحبهم والأفكار التي كانت عندنا عن بُعد أنّه كان هناك عداء ما بين اللبناني والفلسطيني، هذه الأفكار كلّها تبخّرت أو تلاشت لأنني وجدت حباً لـ (فلسطين). عندما أذكُر أنني من (غزّة) لأي أحد أجد حباً وترحاباً واحتضاناً كبيراً واهتماماً بـ (فلسطين). ما أخذته منّي، لا، لم تأخذ منّي شيئاً، تجربة ممتعة جداً  

زاهي وهبي: سواد الشعر فقط 

لونا أبو سويرِح: سوى أجل القليل من سواد الشعر 

زاهي وهبي: لكن هذا توجد طُرُق للتحايل عليه

لونا أبو سويرِح: جرّاء الضغط العصبي 

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد"، أهلاً وسهلاً. إن شاء الله هذه اللقاءات تتكرّر بإذن الله، نوّرتِ 

لونا أبو سويرِح: تسلم، تسلم شكراً لك

زاهي وهبي: شكراً لفريق العمل والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء لعالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله 

 

     

      

   

     

  

           

     

        

   

 

  

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل